من المعروف ان هناك مجموعة من التفسيرات لمقولة
ارسطو الشهيرة حول الـ «كاثرسيز» في التراجيديا. هذا المصطلح الذي يمكن
ان يعني في اليونانية «تنقية النفس»، و«تطهير»، و«توضيح». واذا كانت
الترجمتان الاوليان تركزان على العملية النفسية لدى المتفرج، فإن
الترجمة الثالثة تعامل الكاثر سيز بوصفه امراً ما يحدث في المسرحية.
يشتمل مصطلح «تنقية النفس» على طرد مشاعر (الخوف والشفقة) غير المرغوب
بها، بينما يفترض مصطلح «التطهير» ان المشاعر غير مطرودة وانما ملطفة،
او محتواة. ان الرؤية الأولى معتمدة على نمط التداوي، بينما الثانية
معتمدة على فكرة التهذيب الاخلاقي. يعتقد الناقد الفرنسي رينيه رابين
الذي، وضع كتابه عن ارسطو عام 1674، ان المسرحي يهدف الى تحويل روح
المتفرجين الى وجدان حساس عن طريق وصف الانفعالات القوية. وهذا
الاعتقاد ليس سوى تنويع على الرؤية التطهيرية للكاثرسيز. بعد ذلك اتى
تفسير جوتولد ايفرايم ليسينج ليركز على التطهير في الشعور المتسامي
للشفقة في المسرحية: ان التنظيم الفني للأحداث يفضي الى توضيح لعلاقتها
مع الحقائق الكونية. والمتفرج يتعلم شيئاً ما من هذا التوضيح.
تشير التفسيرات المتعددة لارسطو الى الاختلافات
في مفاهيم النقاد لدور القارئ او المتفرج في العملية الفنية. مع ذلك
فانهم جميعاً يعالجون النص كمحدد وحيد للمعنى. وسواء اكان الـ «كاثر
سيز» يحدث في النص او لدى القارئ، فإن النص يبقى المنتج الفعال والمصدر
الوحيد للمعنى. وبطبيعة الحال فإن هذه هي الحقيقة التي تقول بأن مفسري
ارسطو يعارضون الانصراف لدعم الرؤية الحديثة التي تقول ان النص بمفرده
يجيز تفسيرا ما، نظراً لأن القارئ هو ايضاً يساهم بشيء ما في عملية
التفسير. واذا افترضنا بأن مساهمة القارئ لها اهمية ما، فإننا نكف عن
ان نكون مندهشين ازاء حقيقة تعارض التفسيرات او تعددها.
ان السؤال الاساسي الذي يثيره النقد الحديث هو
«من الذي يحدد عملية التفسير، هل هو النص ام القارئ؟ من ناحية، يمكننا
ان نتصور ان النص يسيطر كلياً على استجابة القارئ، ومن ناحية ثانية، ان
فعالية القارئ لها الاولوية. ان قدرا كبيراً من النقد «الذاتي» الحديث
يركز على الفعالية التطويرية للقارئ. لقد انشغل كل من ريتشاردز ووليم
امبسون، الشخصيتين الرئيسيتين في تيار النقد الجديد، في دراسة نفسية
القارئ. فقد اعتقد ريتشاردز ان الشعر يمكن ان ينتج تعديلاً مستمراً في
بنية ذهن القارئ. اما امبسون فقد كان مذهولا بالطرق الغريبة التي يتعلم
بها القارئ كيفية استنباط معنى النصوص المعقدة. ورأى جوناثان كوللر لـ
«الكفاءة الادبية» للقارئ مدينة بعض الشيء لمقاربة امبسون هذه.
ان العالم الاجتماعي الذي يتم فيه انتاج
واستقبال العمل الادبي له اثر تشكيلي واضح على التفسير. لقد ناقش جون
درايان المعايير الادبية وقال ان هذه المعايير تتأثر كثيراً بالمعايير
السائدة لـ «الاحاديث الدائرة». في عام 1660، ومع عودة الملكية، اعاد
الصفاء الى المسرح الذي، تبعا للعديد، اجتاز الحقبة البربرية تحت مظلة
الروندهيديين (انصار البرلمان الذين وقفوا ضد الملك في انجلترا في تلك
الفترة). مرة اخرى فإن امام الكتاب والمشاهدين امثلة حسنة للـ «الذكاء
والتحدث» مقدمة من قبل المحكمة. ان الاغوسطوسيين (اتباع القيصر
اوغسطوس) الذين سيطروا ثقافياً ما بين حوالي 1660 و 1780، قد سخروا من
الطبقة الوسطى وهم يكتبون عن افتقارها للدماثة والقيم المتحضرة. وفي
تلك الفترة كانت القيم الادبية والاجتماعية مترابطة بشكل قوي وصريح.
وتبعاً لموكاروفسكي، منظر حلقة براغ الالسنية، فإن الافكار الجمالية هي
دائماً محددة اجتماعياً.
مؤخراً، ناقش هانس روبيرت جوس ان العمل الادبي
موجود فقط بوصفه تفسيراً جمعياً للأجيال المتعاقبة للقراء. ان كل متفرج
او قارئ يستجيب لعمل ادبي ما عبر افق توقعات محدد (وهذه التوقعات هي
مجموعة الاعراف او القواعد). ان جوس متأثر الى حد كبير بفلسفة التأويل
وخصوصاً بهانس جورج جادامير الذي طور نظرية جمالية بالاعتماد على افكار
هايدجر الفلسفية. فقد ركز هايدجر على معطائية الوجود الانساني، فنحن لا
يمكننا الهروب من الطبيعة التاريخية للشرط الانساني. يعتبر جادامير ان
القراءة هي محاولة لتجسير الفجوة بين الماضي والحاضر. وبينما نحن نقرأ
في الحاضر لا يمكننا الهروب من التصور المسبق لثقافتنا، لكننا يمكن ان
نجرب ضمن هذا التقيد التاريخي محاولة فهم ما الذي يمكنه ان يجلب ضوءاً
جديداً لنص ما قديم. ان «افق التوقعات» هو ما يمكن فيه لتفكيرنا ان
ينصهر، بطريقة او بأخرى، مع آفاق ماضي القراءة والكتابة. وهناك منفعة
متبادلة في هذه العملية. لقد طور جوس نوعاً جديداً من التاريخ الادبي
بالاعتماد على نظريات جادامير، مركزاً ليس على النص الادبي، اهو
المؤلف، او السلطات الادبية، وانما على استقبال النص من لحظة تأليفه
وصولاً الى الحاضر. والنص ليس صرحاً موضوعياً محاطاً بظل من التفسير،
فهويته محددة بالآفاق التي هو مستقبل بها.
ليست الكتابات التأويلية لبول ريكور سوى صهراً
ماكر لكتابات كل من هايدجر، وفرويد وماركس. وهو يرى مثل جادامير وجوس
مكسباً ايجابياً في الفهم الذاتي للقارئ الذي ينطلق من الصراع التأويلي
لفهم نص الاخر.
يعتبر اي. دي. هيروش ناقداً لتاريخية المدرسة
الهايدجرية، وهو يستخدم حجج ادموند هوسريل، الذي هدفت «فينومونولوجيته»
(علم الظواهر) الى تأسيس معرفة الواقع، ليس تبعاً لمعطيات الاشياء
وانما تبعاً لمعطيات البنية الذهنية. وبالنسبة لهوسريل فإن معنى النص
الادبي منغمس بالغرض العقلي للكاتب:انه يتضمن ما كان في ذهن الكاتب
عندما كان العمل الادبي في طور التكوين. بهذا فإن المعنى هو شيء قصدي،
(وليس شيئاً فيزيائياً). لقد وضع هيروش يده على هذه الحجة ليرد على
النزعة النسبية لدى اغلبية النقد الادبي الحديث. ان تمييزه ما بين
المعنى والمغزى هو محاولة للتغلب على مشكلة التفسيرات المتعددة، هذه
المشكلة القديمة قدم الدهر. فـ «المعنى» ثابت ومتطابق مع قصد الكاتب،
بينما المغزى هو مصطلح استخدم لتفسير العمل الفني تفسيراً تاريخياً. ان
معنى عمل ادبي ما يخص الكاتب ويجب الا يكون مستولى عليه (منتحلاً) من
قبل القارئ، حيث يعتبر هذه سرقة او تدخلاً اخلاقياً. ويحاول هيرش ان
يحمي المؤلف مما يعتبره الطغيان الافتراضي للتفسير. مع ذلك، فمن غير
الواضح ان كان يستطيع اي ناقد ان يؤسس للغرض الفكري الذي يتلاءم مع
النص في لحظة (او لحظات) التأليف.
اعتبر هوسريل انه اذا ركزنا على المضامين،
واضعين ضمن اقواس كل ما هو خارج اذهاننا، فسنتمكن من الامساك بجوهر
الواقع. يشتمل النقد الفينومونولوجي (الظواهري) على قراءة لصيقة للنص،
واضعاً كل ما هو خارج النص بين هلالين، ومخففاً اياه الى تجلٍ صلفٍ
لوعي الكاتب. ان العلاقات الفينومونولوجية ما بين العالم وذهن الكاتب
هي تعبير معطى في النص: فالبنى الذهنية للكاتب، وخصوصاً الطرق التي
يتصور بها العلاقات ما بين الذوات والمواضيع، هي واصلة الى القارئ
مباشرة عبر لغة العمل الادبي. ويجب على القارئ ان يصبح موضوعياً
بامتياز ومنفتح الذهن بالكامل لكي يحقق هذا الفهم الخالص للعمل الادبي.
وما يسمى بـ «مدرسة جنيف» للنقاد، والتي تضم
جورج بوليه، تتبع هذا المنهج.
يعتبر فولفانج ايسر اهم منظري «التلقي»، وهو
يقترض المفاهيم ليس فقط من الفينومونولوجيا وانما من الشكلانية،
والسينمائية، وعلم نفس التكوين الكلي، وغيره.
وهو يركز بدقة على فعل القراءة ذاته ـ على
عملية الكشف التدريجي التي يقوم بها القارئ حيث يستوعب ويدمج سطوح
ومستويات النص المتعددة.
ان مجال المقاربات داخل نقد «استجابة القارئ»
كبير جداً بحيث يصعب تعميم مغزاه الاجمالي. مع هذا، يمكن للمرء على
الاقل ان يقول انه من الصعب الحديث عن معنى نص ما دون الاخذ بالحسبان
مساهمة الكاتب به.