alwatan logo-en

logolast.gif (27970 bytes)
text_log.gif (7492 bytes)

alwatan logo-ar

foralw_line.jpg (636 bytes)

 


supplement logo-local
|01|02|
supplement logo-sports
|01|02|

 


 

 

 

.


chief editor

«إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في كهرباء قطر علينا أن نعرف ماذا في البرازيل»

وقفة مع «انتفاضة» وزير الطاقة.. الكهربائية!

منذ أن أعلن سعادة وزير الطاقة ــ بطريقة كهربائية صاعقة ــ عن توجه الدولة لفرض رسوم استهلاك الكهرباء على المواطنين، والناس مصدومون ومحبطون وكأنهم أصيبوا بماس كهربائي، لدرجة أنهم لا يتحدثون في مجالسهم إلا عن «انتفاضة» الوزير الكهربائية الباسلة، التي صعقت مجتمعنا القطري بقوة «220 فولت»، وطغت وغطت على أحداث الانتفاضة في فلسطين المحتلة! وأستطيع القول بلا مبالغة أن الرأي العام المحلي لم ينشغل منذ سنوات بقضية مثلما هو مشغول حاليا بالحديث عن أبعاد وانعكاسات وملابسات هذه «الانتفاضة» الكهربائية الصاعقة، وحساب تأثيراتها السلبية المستقبلية على موازنة الأسرة القطرية المرهقة، التي تستنزفها الرسوم الحكومية المفروضة على جميع الخدمات الحيوية تقريبا! وما من شك أنه في كل حكومة سواء داخل قطر أو خارجها هناك نوع من الوزراء يتفننون في إثارة كراهية الناس لهم و لا يملكون أية شعبية لأنهم يحملون في قلوبهم الصخرية مشاعر عدوانية «شارونية» ــ نسبة إلى المدعو «شارون» ــ تتقاطع مع مصالح الجمهور فنجدهم يتلذذون في طرح الأفكار الصاعقة وترديد التصريحات الصادمة التي تصدم مشاعر المواطنين وتصطدم مع مصالحهم، دون أدنى اعتبار لظروف الناس ومعاناتهم! وبالتأكيد فإن سعادة وزير الطاقة ليس من النوع «الشاروني» الذي يتلذذ بمعاناة الناس، كما يفعل الإرهابي «شارون» مع أخواننا الفلسطينيين، لكنه منذ تكليفه مسؤولية إدارة قطاع الكهرباء في البلاد وهو يلوح لنا بسيف الرسوم المسلط على رقاب المواطنين، وفي كل مناسبة «كهربائية» نجده يستشهد لنا بانقطاع التيار الكهربائي في «البرازيل»، وكأنه يقول لنا على طريقة المرحوم «حسني البورزان» في مسلسل «صح النوم»، «إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في كهرباء قطر علينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل»!! ومن المؤكد أن سعادة الوزير ينسى أو يتناسى وهو يقارن ببين قطر والبرازيل كم هي المسافة بعيدة جغرافيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا.. «وكهربائيا» أيضا بين الدولتين وأن المقارنة بين البلدين ظالمة وغير متكافئة، لأن عدد المواطنين القطريين لا يصل إلى ربع عدد أفراد قبيلة برازيلية تعيش على ضفاف نهر الأمازون، كما ينسى «سعادته» أننا في قطر نملك ثروة هائلة ونملك حقلا هو الأكبر في العالم لإنتاج الغاز الطبيعي، وهذا الحقل الضخم لا وجود له في البرازيل أو كاليفورنيا أو أي مدينة أخرى على الخريطة ينقطع عنها التيار الكهربائي، كما ينسى سعادة وزير الطاقة أيضا أن المواطن القطري الذي يحلم وينتظر أن يستفيد من عائدات مشروع غاز الشمال العملاق لينتعش اقتصاديا، أفاق من حلمه مذعورا يوم السبت «26» مايو الماضي ليصعق بتصريحات الوزير حول دراسة فرض الرسوم الكهربائية! فما الذي تغير في دخل المواطن؟ وماذا زاد في راتبه الشهري حتى يضطر لتخصيص الجزء المتبقي منه لدفع رسوم الكهرباء؟! وما من شك أن قرار فرض الرسوم الكهربائية على المواطنين سيشكل في حال تطبيقه عبئا إضافيا ثقيلا على موازنة المواطن، وسيتحول إلى وجع مزمن لا يحتمل مهما قيل لتبريره أو تمريره، ولا أعتقد أن وزيرا غير وزيرنا «الحديدي» في الفريق الحكومي يستطيع أن يطبق هذا القرار ويدير ظهره لمشاعر المواطنين، باستثناء وزير آخر يعتقد أنه وصل إلى أعلى درجات «الكمال» المطلق وله «نظرياته» الاقتصادية غير المفهومة التي تتعارض دوما مع مصلحة المواطن. والحقيقة التي لا مفر من قولها وطرحها بصراحة أن مشكلتنا تكمن في وجود وزيرين في الحكومة يقيسان الأمور بمنظورهما الاقتصادي الخاص وليس بمنظور المواطن المسحوق بالديون والالتزامات المالية الكثيرة، حيث تضغط ظروف الحياة الصعبة بكل متطلباتها القاسية، بينما الرواتب الحكومية لم تشهد أي زيادة منذ سنوات طويلة. ويمكن القول إنه إذا كانت تصريحات وزير الطاقة الصاعقة تأتي في إطار تكتيكي كبالون اختبار لمعرفة ردود الفعل وقياس اتجاهات الرأي العام ضمن الحملة الصيفية السنوية المعتادة لترشيد استهلاك الكهرباء، فنقول إنه من الطبيعي أن يرتفع الاستهلاك الكهربائي في البلاد إلى أعلى معدلاته في شهور الصيف الحارقة، لأن الظروف المناخية القاسية التي تعيشها بلادنا في هذا الفصل الحار تفرض على المواطن ــ مرغما ـ زيادة الاستهلاك الكهربائي فيضطر اضطرارا لتشغيل المكيفات والمبردات والثلاجات لتلطيف درجة الحرارة الملتهبة التي تصل إلى «50» درجة أحيانا، في حين نجد أن بعض الوزراء يهربون من «اللاهوب» لقضاء الإجازة في منازلهم الصيفية التي تستلقي في احضان جبل لبنان، حيث الطبيعة الساحرة والجو اللطيف، وصوت مطرب الجبل «وديع الصافي» «يلعلع»، بينما المواطن القطري يحترق في الحر ويغرق في أمواج العرق ولا يسمع إلا صوت رياح «السموم» تلفح وجهه وتصفعه! أما إذا كانت تصريحات وزير الطاقة مبرمجة ضمن خطة زمنية محددة لفرض الرسوم على الجميع دون استثناء ــ كما أعلن سعادته ــ فإنني أطالبه عندما يبدأ تطبيق رسومه الكهربائية أن يكشف لنا في مؤتمر صحفي صور وأرقام فواتير الكهرباء التي سيرسلها لزملائه في الفريق الوزاري لسدادها، حتى يعرف الرأي العام حجم استهلاك الوزراء للكهرباء في منازلهم العامرة، ومدى التزامهم بترشيد استخدام الطاقة الكهربائية، وحتى نعرف أيضا من هو الوزير الذي سيحول فواتيره على حساب وزارته؟ ومن هو الوزير الأكثر استهلاكا للكهرباء في منزله؟! ونأمل أن تكون أول فاتورة تطوي عهد الكهرباء المجانية، وتدشن مرحلة الرسوم الكهربائية المسجلة لصالح شركة «كهرماء» مدفوعة باسم الوزير المواطن «عبدالله بن حمد العطية».. فهل يفعل؟!

أحمد علي


ما هي حدود الحرية التي سيسمح بها وزير الإعلام البحريني الجديد؟

مبروك سعادة الوزير نبيل بن يعقوب الحمر

بمشاعر الارتياح...

استقبلت الأسرة الصحفية الخليجية أمس نبأ تعيين الزميل الأستاذ نبيل الحمر وزيرا للإعلام بدولة البحرين الشقيقة، في التعديل الوزاري الذي أجراه سمو الأمير الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ودخل بموجبه خمسة وزراء جدد في الحكومة البحرينية.

ولم يكن من قبيل المصادفة اختيار زميلنا العزيز لهذا المنصب الذي يستحقه، فقد حقق زميل المهنة إنجازات صحفية كبيرة في موقعه كرئيس لتحرير »الأيام« البحرينية، حتى تم تعيينه مستشارا إعلاميا لأمير البحرين منذ شهور قبل اختياره أمس لتولي وزارة الإعلام.

وما من شك أن اختيار الزميل العزيز لهذا المنصب الوزاري هو تكريم للصحافة البحرينية بوجه خاص وتقدير للصحافة الخليجية بوجه عام ، باعتبار أن الأستاذ الحمر يعد واحدا من فرسان الكلمة المدافعين عن حريتها، وقد اختلفت كثيرا معه في وجهات النظر ولكن ذلك لم يكن يعني وجود خصومة شخصية بيني وبينه ، بل على العكس كنا دائماعندما نلتقي في اللقاءات التي تفرضها مهنتنا الواحدة نتقابل بمنتهى الود والاحترام المتبادل الذي يعكس عدم حساسيتنا من الرأي الآخر مهما كانت حدته أو قسوته ، ومن هنا أكاد أجزم أن تكريس ديمقراطية الرأي الآخر في الإعلام البحريني ستكون في مقدمة أولويات سعادة الوزير الجديد.

ولعلي لا أتجاوز حد الاعتدال حين أقول أن تعيين الزميل الحمر وزيرا للإعلام في البحرين يمثل نقطة فاصلة في تاريخ الإعلام البحريني، بل أحسب أن تعيينه في هذا المنصب الوزاري سيكون لمصلحة الصحافة البحرينية وحريتها، ويعود بالنفع عليها ويعزز نهجها الديمقراطي ويدفع به خطوات إلى الأمام.

ولست في حاجة إلى أن أقول أن أبرز التحديات التي تواجه سعادة وزير الإعلام البحريني الجديد هي اجابته على سؤال حول حدود الحرية التي يمكن أن يسمح بها في موقعه كوزير للإعلام بعد أن كان يطالب بها في موقعه كرئيس للتحرير؟.

وكيف سيقف مع حقوق الصحفيين خاصة حرية التعبير؟ وما هو هامش الحرية المسؤولة التي سيسمح بها للصحافة البحرينية لتقوم بواجبها بما يؤدي إلى إثراء الساحة الصحفية ويساهم في تكريس ثقافة الديمقراطية وممارستها على نحو يمكن أن يختصر مسافات كثيرة باتجاه الشفافية والمكاشفة والمحاسبة والمراقبة واعتبار منهج الحوار الديمقراطي في النهاية رسالة ينهض بها الإعلام البحريني في عهده.

وما من شك أنه إذا ما نظرنا إلى الواقع الإعلامي في عالم اليوم نراه يعيش مفهوما جديدا في الممارسة الإعلامية فرضته ثورة الاتصالات التي حولت البعيد إلى قريب والممنوع إلى مسموح والمستحيل إلى ممكن، ومن هنا فإننا سنظل نترقب ونراقب ما هو الجديد الذي سيضيفه سعادة وزير الإعلام البحريني الجديد.

لقد كشف اختيار الزميل نبيل الحمر لمنصب وزير الإعلام في البحرين عن مدى الثقة الأميرية الكبيرة، التي تحظى بها الصحافة البحرينية ممثلة في شخصه . وعلى ضوء هذه الحقيقة الملموسة ومثل أي بلد يتجه إلى الإصلاحات الديمقراطية نتوقع أن يكون زميلنا وزير الإعلام البحريني الجديد أول المنتصرين لحرية الصحافة، وأول المدافعين عن حقها في الوصول إلى المعلومات والتمتع بحرية نشرها على الشعب باعتبارها ضمير الشعب وسلطته في مراقبة مؤسسات الدولة خاصة أن المناخ الديمقراطي الجديد الذي أرساه أمير البحرين مؤخرا يسمح بإفساح المجال للصحافة البحرينية لتمارس دورها في تحقيق الرقابة الشعبية.

ويبقى أخيرا أن نقول لزميل المهنة مبروك له

وللأسرة الصحفية الخليجية هذا المنصب الوزاري

الذي يستحقه، ونأمل أن يمهلنا الزميل

العزيز يومين أو ثلاثة أيام فقط حتى نتعود أن نناديه

سعادة الوزير »نبيل بن يعقوب الحمر«!

احمد علي


 

خليفة بن زايد .. أهلاً باسم القطريين جميعاً

طر والإمارات.. علاقات أخوية متميزة

على قاعدة صلبة من التفاهم العميق بين الدوحة وأبوظبي.

وفي إطار علاقات أخوية تمتاز بالتعاون المشترك والتنسيق المستمر والتشاور المتواصل بين البلدين الشقيقين قطر والإمارات تأتي زيارة سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي إلى بلده الثاني اليوم لتشكل محطة مضيئة في مسيرة التواصل الثنائي الدائم بين الدولتين، وتقدم مشهدا واضحا لواقع العلاقات القطرية ـــ الإماراتية التي تمتاز بالدفء والحيوية والديناميكية وترتقي إلى مرتبة لا مثيل لها بين أي بلدين عربيين متجاورين.

إنها زيارة الأهل القادمين من شرق الخليج، الذين تربطنا بهم وشائج الدم والقربى والمصير المشترك، حيث تنهض العلاقات بين قطر والإمارات كنموذج متميز للعلاقة الأخوية الودية، التي يمكن أن تنشأ بين دول المنطقة وشعوبها، والتي لا يمكن أن ننسى دور صاحب السمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ـ حفظه الله ـ في دعمها وتطويرها وتفعيلها والانطلاق بها إلى الأمام ، لما فيه مصلحة الشعبين الشقيقين وباقي شعوب المنطقة.

وما من شك أن زيارة ولي عهد أبو ظبي إلى الدوحة اليوم تكتسب أهمية بالغة لكون العلاقات القطرية ـ الإماراتية تلعب دورا رئيسيا في تشكيل قواعد التعاون الخليجي المشترك، فالجسور الأخوية الصلبة الضاربة الجذور الممتدة على امتداد المسافة بين الدوحة وأبوظبي تشكل جسورا للمحبة والتعاون والتفاهم المتواصل.

وما من شك أن ما يجمع بين قطر والإمارات لا يقتصر على عضويتهما في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، رغم الأهمية القصوى لهذا الرابط الاستراتيجي في مجال التنسيق بين الدول الشقيقة على جميع المستويات، فالعلاقات القطرية ـــ الإماراتية تميزت طوال عقود طويلة بالرسوخ والانسجام والعمق، الذي بني على أسس متينة من الاحترام المتبادل والتنسيق في مختلف القضايا التي تهم البلدين، ومن هنا فإن زيارة سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي ، والمحادثات التي سيجريها سموه مع كبار المسؤولين ستوفر الفرصة لبحث سبل تعزيزالعلاقات بين الشقيقتين بما يعود بالنفع عليهما. كما ستشكل الزيارة فرصة أخرى لاستعراض آخر المستجدات على الساحة السياسية الخليجية والعربية والدولية، خاصة أن هذه الزيارة تأتي في وقت تزدحم فيه الأحداث بكل تأثيراتها على شعوب المنطقة.

إننا ونحن نرحب باسم القطريين جميعا بسمو ولي عهد أبوظبي، وننظر بارتياح لتطور العلاقات بين البلدين الشقيقين قطر والإمارات وتعمقها في مختلف المجالات فإننا نتمنى زيارة ناجحة لضيفنا الكبير والوفد المرافق، وأهلا وسهلا بهم في بلدهم الثاني قطر.

أحمد علي


يومان سياحيان في قمة عمّان

لا أعرف شيئا عن القمة العربية!

هل ذهبت صحافتنا إلى الأردن لتأكل وتشرب .. وتنام؟!

لو سألني أي متابع عن رأيي في أحداث القمة العربية الدورية الأولى التي اختتمت أعمالها أمس في العاصمة الأردنية، سأجيب بلا تردد بأنني لا أعرف عنها شيئا!

وربما يبدو هذا الجواب غريبا للوهلة الأولى، فكيف لصحفي مثلي حضر القمة ولا يعلم عنها شيئا، ولكن حتى تتضح الصورة فإنني مضطر الآن للتوضيح والإفصاح عن أمر كرهت الخوض فيه.

وبداية لا أبالغ عندما أقول بمنتهى الصراحة إننا كنا نحن رؤساء تحرير الصحف القطرية بعيدين عن القمة أو بمعنى أدق مبعدين عنها، ولا ندري ماذا كان يدور فيها! ولا نعرف ماذا كان يجري خلف كواليسها!

فعلى مدى يومين كاملين قضيناهما في عمّان ضمن الوفد الإعلامي القطري لم نستطع تحقيق أي إنجاز في إطار متابعتنا للقمة العربية سوى أكل »المنسف« في مطعم فندق »راديسون ساس« الذي تم نفينا فيه لنقيم قيد »الإقامة الجبرية« بعيدا عن أحداث القمة وتطوراتها!

وكم كانت مفاجأتنا كبيرة عندما علمنا بعد لحظات من وصولنا إلى »عاصمة العروبة« أن البطاقات التي خصصها لنا فريق »التشريفات« لا تسمح لحامليها بالاقتراب من فندق »الميريديان« الذي كان مسرحا لفعاليات القمة العربية!

ولو تجرأ أحدنا وحاول الدخول من بوابة الفندق لأداء مهمته الصحفية فإنه كان سيواجه موقفا محرجا، كما حدث لي عندما حاولت ذلك فوجدت أحد رجال الأمن يمنعني لأن بطاقتي الخضراء لا تسمح لي إلا بالتجول في أسواق الأردن!

ولا أدري من المسؤول بالتحديد عن غيابنا عن هذا الحدث العربي الكبير رغم وجودنا فيه!

.. ولماذا تمت دعوتنا للسفر إلى الأردن ضمن الوفد الإعلامي القطري في الوقت الذي شعرنا فيه أننا أشخاص غير مرغوب فيهم وكأننا مصابون بمرض »الحمى القلاعية« ولا بد من إبعادنا عن القمة ووضعنا في »الحجر الصحي« في حين أن رؤساء تحرير الصحف العربية والخليجية كانوا موجودين في قلب الحدث.. يتحركون بحرية ويلتقون بمصادر الأخبار وصنّاع القرار في الوطن العربي.

وبعيدا عن قرارات القمة العربية، التي أعترف بلا حرج بأنني لا أعرف عنها شيئا، ما زلت أتساءل مع زملائي رؤساء تحرير الصحف القطرية لماذا ذهبنا إلى الأردن؟!

وهل جاءوا بنا إلى عمان لنأكل ونشرب وننام؟!

وهل كان الهدف من سفرنا ضمن الوفد الإعلامي القطري أن نجلس في غرفنا بالفندق لنتابع القمة بالتليفزيون؟ أم كان هدف »التشريفات« توفير الفرصة لنا لنتجول في شوارع المدينة؟

وهل من المقبول أن تتحول مهمتنا التي يفترض أن تكون صحفية إلى مهمة سياحية؟

لقد كانت أحوالنا في قمة عمّان متعثرة ومحيّرة، وكانت »حالتنا« في القمة أشبه في ملابساتها ومأساتها بالحالة العراقية ـ الكويتية التي فشلوا في علاجها وأقولها بصراحة دون خوف من أحد ان بعض المسؤولين في »التشريفات« يتحملون مسؤولية الفراغ الكبير الذي وجدناه يحيط بنا في الأردن. فهؤلاء »المسؤولون« لا هم لهم سوى ترتيب أماكن إقامتهم في مثل هذه المناسبات، حيث نجدهم دائما يضعون أسماءهم في صدارة الوفد، ويحرصون على اختيار أفضل الغرف في الفنادق، وينتقون أفضل السيارات ويستأثرون لأنفسهم بالبطاقات التي تفتح لهم الأبواب المغلقة وتسمح لهم بدخول جميع الأماكن، في حين نجدهم يعتبرون رؤساء التحرير دخلاء على الوفد ويتعاملون باستعلاء لدرجة أننا لم نجد أثرا لأحد منهم في الفندق الذي نفينا فيه، وهذا شيء نرفضه ولا نقبل تكراره مرة أخرى.

والذي أعرفه أن اعضاء »التشريفات« في كل دول العالم وجدوا ليخدموا الوفود الرسمية أما عندنا فانهم يبحثون عن من يخدمهم، وإذا كان »هؤلاء« يتحسسون من وجودنا في مثل هذه المهمات الخارجية، ولا يعترفون بدورنا ودور المؤسسات الصحفية التي نمثلها، فالأفضل لنا ولهم عدم دعوتنا لمثل هذه المناسبات حتى نبقى بكرامتنا في بلدنا نتابع الأحداث في مكاتبنا عبر وكالات الأنباء.

إننا نرفض أن يتعامل معنا »هؤلاء« وكأننا مجرّد »ديكور« مكمّل للوفد، ومن هنا أطالب المسؤولين بالتحقيق في ملابسات »الحالة« الصعبة التي وجدناها تحاصرنا في قمة عمّان، حتى لا تتكرر مثل هذه الحالات وتنعكس بشكل سلبي على أداء صحافتنا وتؤثر على فاعليتها في تغطية الأحداث الهامة.

احمد علي


انطباعات شاهد على لحظة النطق بالحكم في الخلاف القطري ــ البحريني

فلنتعاون مع البحرين دون خوف من المستقبل

»60« عاما من الخلاف والاختلاف بين الدوحة والمنامة.. تكفي

أكتب لكم من لاهاي.

..وبالتحديد من داخل قاعة العدالة الكبرى، تحت سقف محكمة العدل الدولية التي أصدرت أمس حكمها النهائي في الخلاف الحدودي بين قطر والبحرين، لتنهي بذلك واحدا من أطول النزاعات الحدودية التي شهدتها المحكمة عبر تاريخها الطويل.

وأعترف بأن صدور الحكم بهذا الشكل التوفيقي لم يكن مفاجئا لي ولكثيرين غيري ممن يراقبون عن قرب تطورات الخلاف بين البلدين الشقيقين.

وما من شك أنه عندما تنتهي أي دولة من ترسيم حدودها مع جيرانها، وإغلاق ملف خلافاتها الحدودية المستعصية، فإن عالما رحبا يتشكل أمامها، وبابا مغلقا ينفتح في طريقها على جميع المسارات والمجالات.

ومن المؤكد أن صدور حكم محكمة العدل الدولية أمس في الخلاف الحدودي بين قطر والبحرين، وترسيم الحدود البحرية بين البلدين يعتبران بالفعل نقطة تحول تاريخية بالنسبة للجانبين، وبالنسبة لمنطقة الخليج بأسرها.

فلا توجد قضية في المنطقة تعددت من أجلها الاجتماعات المغلقة والمفتوحة، سواء داخل إطار منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أو في أروقة محكمة العدل الدولية، وتبارى المحامون في عرض وجهتي نظر الطرفين، مثل قضية الخلاف بين قطر والبحرين.

..وعلى امتداد تاريخ قطر السياسي منذ عام 1939 وحتى الآن، لم تحظ قضية بهذا القدر من الاهتمام الرسمي والشعبي مثلما حظيت قضية النزاع الحدودي مع البحرين، ولم يختلف أحد في بلادنا من القمة إلى القاعدة على ضرورة حسم هذه المشكلة المعلقة، سواء عبر الحوار أو الوساطة أو التحكيم الدولي.

..ومن هنا فإن الحكم التاريخي الذي صدر أمس عن محكمة العدل الدولية لحسم الخلاف نهائيا، يأتي تتويجا للجهود الجادة والمساعي الصادقة التي بذلتها دولتنا من أجل حل هذه القضية بأسلوب حضاري.

..وقبل أن أخوض في مضمون الحكم لا بد لي أن أقدم التهنئة الصادقة إلى سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإلى سمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني ولي العهد الأمين، وإلى سمو الشيخ عبدالله بن خليفة آل ثاني رئيس الوزراء على هذا الإنجاز الكبير الذي تحقق بترسيم حدودنا البحرية مع البحرين.

وإذا جاز لي أن أحيي أحدا بعد قيادتنا السياسية، التي أدارت ملف القضية وتمسكت بكل حبة رمل من قطر حتى صدر حكم المحكمة، وساندت جهود الخبراء المعنيين بكل ما تملك من دعم وإصرار، فإنني أحيي كل أعضاء فريقنا القانوني الذي تحمل أمانة الدفاع عن حقوقنا أمام المحكمة، وفي مقدمتهم سعادة د. عبدالله عبداللطيف المسلماني وكيلنا لدى المحكمة.

وما من شك أن ما تحقق لنا أمس في محكمة »لاهاي« هو ثمرة إصرار وتصميم قيادتنا على استرداد حقوقنا، في إطار مبادىء ميثاق الأمم المتحدة.

ولا أذيع سرا عندما أقول إن الأعوام العشرة الماضية التي دخلت فيها القضية محكمة العدل الدولية كانت من أشق المراحل وأصعبها في تاريخ الخلاف الحدودي، حيث واجهنا فيها محاولات عديدة للضغط علينا وتطويع إرادتنا لسحب القضية من المحكمة، وإبقاء الخلاف مفتوحا بلا حل، غير أننا لم نضعف، ولم نهتز، ولم نلن، بل تمسكنا بموقفنا الثابت الذي رأينا أنه السبيل الوحيد لتحقيق مصالحنا العليا، ورفضنا الاكتفاء بحلول شكلية سطحية مرحلية تؤجل حسم الخلاف جذريا وتضعه على كاهل أجيالنا المقبلة.

لقد علمتنا تطورات الخلاف الحدودي مع البحرين أن الحق لا يصل إلى أصحابه من تلقاء نفسه، فالحق يمكن أن يضيع، ويمكن أن تختفي ملامحه، مالم يتمسك صاحب الحق بحقه.

..والآن بعد صدور حكم محكمة »لاهاي« علينا أن نسأل أنفسنا ماذا يعني ترسيم الحدود البحرية بين قطر والبحرين؟ وماذا يعني الاعتراف بسيادتنا على »فشت الديبل« وماذا يعني رفض الادعاءات البحرينية بشأن سيادتها على مغاصات اللؤلؤ؟

..والحقيقة أن هذه التساؤلات وغيرها لا تنفصل عن بعضها البعض، وبالتالي فإن إجاباتها كذلك لا تنفصل وإنما يتصل بعضها ببعض، ومن هذه الحقيقة يمكنني القول بضمير مستريح إن الإنجاز الأكبر بعد ترسيم الحدود البحرية مع البحرين هو إغلاق ملف الماضي والتطلع بثقة للمستقبل.

وما من شك أن حل هذه المشكلة يعني أن نشارك أشقاءنا في البحرين في بناء علاقات أخوية جديدة، تقوم على الترابط والتعاون والتكامل وتهيئة المناخ النقي، لكي يسمو المواطن القطري وشقيقه البحريني بفكرهما وعملهما وعطائهما للنهوض ببلديهما في إطار حياة سياسية مستقرة غير متوترة متحررة من هواجس الخوف وعدم الثقة.

وربما يكون من تكرار القول ان الخلاف الحدودي مع البحرين كان يشكل عقبة بين البلدين، وكانت عملية التنمية وهاجس الإصلاح السياسي والاقتصادي يقفان عندها، وليس لهما ان يتحركا إلى الأمام دون حسم المعلق من الأمور في دوائر المحكمة.

..ولا يخفى على أحد أن الخلاف الحدودي مع البحرين استنزف أموالا طائلة هائلة من الطرفين، وكان يمكن لهذه الأموال أن تبني المنازل والمدارس والمستشفيات لتؤوي وتعلم وتعالج المواطنين في البلدين.

..والآن بعد صدور حكم المحكمة، وإغلاق ملف الخلاف الحدودي، يجب أن ننتبه إلى أن المسافة القصيرة بين قطر والبحرين لا تتحمل خلق خصومات أوعداوات جديدة، بل يجب أن نسعى لسد الفجوات بين الدوحة والمنامة.

وإذا كانت مسألة السيادة الوطنية مقدسة للطرفين، فإننا مطالبون الآن بتجاوز الحساسيات، خاصة بين بلدين شقيقين يسعيان للاستقرار والتعامل بعقلية أكثر انفتاحا على المستقبل، واستكمال بناء المؤسسات وتعزيز دورها في المجتمع، فالمؤسسات سواء كانت حكومية أم أهلية، وسواء كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أصبحت عماد التقدم ومعيار الرقي في عالم اليوم، وهي الضمانة الأساسية لقدرة المجتمع ــ أي مجتمع ــ على تعميق الإصلاح المطلوب، كما أن المؤسسات القوية الفاعلة تعتبر من أهم ضمانات الاستقرار السياسي، وهي العامل الحاكم في ضبط مسيرة التقدم والازدهار في أي دولة.

وما من شك أن المعطيات التي تتوافر الآن في قطر والبحرين تحتم علينا أن نرسم مستقبلنا بمستوى من الوعي يكسر الحواجز القديمة.

وفي ظني أن ترسيم الحدود بين البلدين، والتطورات الكبرى التي تعيشها المنطقة تستدعي منا عدم الالتفات إلى الماضي، فليس لدينا وقت نضيعه، أو جهد نبدده في النظر إلى الوراء. ولهذا لن نحتفل بل ينبغي أن تتجه عيوننا إلى الأمام، فتلك هي حركة العصر التي ينبغي أن نلتصق بها ونتكيف معها، ولزاما علينا قيادة وشعبا التركيز على المستقبل والالتفات إلى القادم من الزمن.

ويمكنني القول باختصار إن صدور حكم محكمة »لاهاي« يقيم القاعدة الصحيحة، التي ينبغي أن تنطلق منها العلاقات المستقبلية بين البلدين الشقيقين،وبمعزل عن اختلاف وجهات النظر في تقييم حكم المحكمة بين الطرفين، وبعيدا عن حسابات الربح والخسارة، ليس جديدا القول إن كل ما يتصل بـ »فشت الديبل« ــ الذي أكدت المحكمة سيادتنا عليه ــ يرتبط ارتباطا مباشرا بمستقبل قطر والأجيال القادمة، وهو أمر تعطيه قيادتنا كل الاهتمام وتبذل في سبيل تطويره كل جهد.

ولا يخفى على أحد أن »فشت الديبل« الذي تبلغ مساحته »20« كيلو مترا مربعا ليس مجرد مسطح على الأرض تغمره المياه مع ظاهرة المد فهو رمز للسيادة القطرية، ورمز للإرادة القطرية، ورمز للطموحات القطرية المستقبلية، لأنه يشرف من الناحية الشمالية الغربية على حقول الغاز القطري، الذي يمثل ثروتنا المستقبلية حيث تم استثمار مئات الملايين لتطوير هذا المشروع الحيوي العملاق الذي يعد من أكبر مشاريع الطاقة في العالم.

ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية لـ »فشت الديبل« كقيمة اقتصادية كبيرة تحمل بعدا استراتيجيا هاما لبلادنا.

ولا شك أن تأكيد سيادتنا على هذه المنطقة الحيوية الهامة يكفل لنا استثمار ثروتنا من الغاز الطبيعي وتطويرها دون تدخلات خارجية.

لقد كانت البحرين تطالب بالسيادة على »فشت الديبل« ومغاصات اللؤلؤ على امتداد أكثر من »1700« كيلو متر مربع، مما يعني حسابيا سعيها للسيطرة على ثروات المنطقة الشمالية المطلة على حقل غاز الشمال، وجاء حكم المحكمة بإعلان سيادتنا على هذه المنطقة الاستراتيجية ليشكل انتصارا هاما لدولتنا على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

ويمكن القول دون مبالغة إنه يمكننا بالقيمة الاقتصادية التي يمثلها »فشت الديبل« بناء وإنشاء عشرات الجزر الصناعية بحجم جزيرة »حوار« التي حصلت عليها البحرين، والتي أثبتت المسوحات أنها لا تحمل في باطنها أية ثروات طبيعية.

إن قيمة ما تحقق أمس لبلادنا تحت مظلة محكمة العدل الدولية تتجاوز حدود العشرين كيلو مترا مربعا، التي تمثلها مساحة »فشت الديبل«، فرغم أن هذا الفشت قطعة غالية من أرضنا إلا أننا لم نسترد هذا الحق على طبق من ذهب، وإنما استرجعناه بالجهد والصبر والإصرار على الحق وكان الطريق الذي مضى فيه رجالنا حتى انتزعوا هذاالحق طريقا صعبا وعرا مليئا بالأشواك. فالقضية لم تكن مساحة هذا »الفشت« أو مساحة جزيرة »جنان« مهما بلغت ضآلة مساحتها أو »قطعة شجرة« مهما بلغ صغرها، فقد كانت المشكلة الكبرى التي تؤرقنا هي ادعاء البحرين بأنها دولة أرخبيلية أو »اخطبوطية« بمعنى أن تكون يدها في جزيرة »جنان« ورجلها في »قطعة جرادة«!

..وكانت قيادتنا تضع حل هذه المشكلة في قمة جدول أولوياتها، لأن بقاء ملف الحدود البحرية مع البحرين مفتوحا يؤثر على خطط ومشاريع التنمية.

ومن هنا فإن القرار الصادر أمس عن محكمة العدل الدولية بترسيم الحدود بين البلدين يعد من أهم الأحداث في تاريخ الدولتين.

عموما قد تختلف وجهات النظر وقد تتباين الرؤى وقد تتضارب الآراء في تفسير مكاسب كل طرف من حكم محكمة العدل الدولية، لكننا لا نريد ضياع الوقت في مشاحنات جديدة حول من كسب؟ ومن خسر؟ وماذا ربحت البحرين؟ وماذا ربحت قطر؟ ولكن ينبغي أن نؤكد أن الحدود الفاصلة بين البلدين، التي رسمتها وحددتها محكمة لاهاي، ستبقى عنوانا لوحدة المصير بين الدوحة والمنامة مهما كانت حساسية السيادة.

وما منشك أن قرار ترسيم الحدود البحرية يتيح لنا ولأشقائنا في البحرين أن نسير بخطوات حثيثة على طريق البناء الداخلي ومواصلة خطوات الإصلاح السياسي والاقتصادي التي بدأت في البلدين وصولا إلى ديمقراطية كاملة يصونها رأي عام قوي وصحافة وطنية حرة ومسؤولة ومواطن مثقف قطري وبحريني يعرف حقوقه وواجباته ويحترم سيادة القانون.

لقد حان الآن موعد بدء عهد جديد من علاقات التعاون بيننا وبين اشقائنا في البحرين، فنحن وهم نسير في زورق واحد إذ أننا أكثر بلدين التصاقا ببعضهما البعض تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا، وسواء اختلفنا في الماضي أو التقينا في الحاضر والمستقبل فعلاقتنا لا تفرضها المصالح السياسية بل الروابط الأخوية والعائلية.

وليس جديدا القول هنا إن علاقتنا بالبحرين ليست عادية أو روتينية أوتقليدية، فالعلاقات القطرية ــ البحرينية لها خصائصها الذاتية.

.. وبالأمس اجتزنا بنجاح منعطفا حاسما في تاريخ علاقاتنا بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية. صحيح أن المصالح كانت متضاربة في المحكمة، لكن الحكم النهائي يفتح لنا عهدا جديدا لحياة كريمة يستحقها كل مواطن قطري وبحريني.

ومن هنا لا بد أن نشهد في الأيام المقبلة حركة حقيقية باتجاه دعم العلاقات القطرية ــ البحرينية وتطويرها والوصول بها إلى مستوى المشاركة الاستراتيجية وبالخصوص في المجال الاقتصادي.

فمن المسلمات التي لا تقبل الجدل في عالم اليوم أن الاقتصاد هو قاطرة التنمية وطريق التعاون والتكامل بين الدول، وأنه كلما زادت درجة التفاعل الاقتصادي بين دولتين أسهم ذلك في زيادة الترابط والتعامل بينهما.

وما من شك أن الشعبين الشقيقين في قطر والبحرين يتوقان إلى الارتقاء بأوضاعهما الاقتصادية وتحسين مستوى معيشتهما، ورفع سقف دخلهما الشهري فالجماهير تأمل في غد أفضل، وقد مضى الشوط النهائي في الخلاف الحدودي بايجابياته وسلبياته وعلينا الآن أن نخطو معا بخطوات صادقة نحو بعضنا البعض والذهاب إلى مرحلة التعاون الأشمل.

..ولست أشك أو أشكك في إيماننا جميعا في قطر بضرورة تطوير علاقاتنا مع البحرين، فنحن نرى أن المنامة أكثر تداخلا معنا في العديد من العلاقات الأسرية والاجتماعية، وأحسب أنني في ذلك أعبر عن نبض المواطنين القطريين، كل المواطنين، وهذه ليست مجاملة أو مبالغة تفرضها تطورات الحدث الذي نعيشه لأن الذين يفهمون طبيعة العلاقة وخصوصيتها بين قطر والبحرين هم وحدهم من يستطيعون رؤية الأشياء على حقائقها.

والحقيقة الخالدة هي أن قطر والبحرين أسرة واحدة، وعلينا أن نمضي في طريق المستقبل يدا بيد، فالمستقبل يتسع لنا جميعا.

أحمد علي


رئيس التحرير يكتب عن أطول قضية تشهدها محكمة العدل الدولية

الجمعـة المقبـل .. نهـايــة »حـوار« وبدايـة حـوار

الخلاف الحدودي بين قطر والبحرين ليس قضية عائلية أو حكومية بل قضية وطنية تعيش في وجدان كل قطري

من الصعب التنبؤ بالحكم على طريقة »قارئة الفنجان«

أحكام القضاة من الأسرار الفرعونية لا أحد يدري عنها شيئا إلا عند نطقها

متمسكون بحقوقنا .. ملتزمون بحكم المحكمة

لجأنا للتحكيم بعد أن طرقنا جميع الأبواب لحل الخلاف

 

أكتب لكم عن محكمة »لاهاي«.

قبل ساعات معدودات و لحظات حاسمات تفصلنا عن موعد النطق بالحكم النهائي، في أطول قضية تشهدها محكمة العدل الدولية منذ إنشائها عام 1945.

فبعد ثلاثة أيام من الآن.. وبالتحديد تمام الساعة الخامسة بتوقيت الدوحة من مساء يوم الجمعة المقبل، ستعقد الهيئة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة جلستها التاريخية التي طال انتظارها بحضور قضاتها الخمسة عشر وقاضيي قطر والبحرين، للنطق بحكمها الحاسم والملزم في الخلاف الحدودي بين البلدين الشقيقين الذي استمر أكثر من »60« عاما!.

وما من شك أنه عندما يقف رئيس أعلى سلطة قضائية في العالم القاضي الفرنسي »روبير غيوم« تحت سقف قاعة السلام الكبرى بالمحكمة للنطق بالحكم، سيغلق إلى الأبد واحدا من أخطر الملفات المعقدة المفتوحة التي أرقت مسيرة مجلس »التعاون«، وستفتح الأبواب المغلقة على مصراعيها لمرحلة سياسية جديدة بين البلدين الشقيقين، يمكن وصفها باختصار بأنها مرحلة ما بعد »لاهاي« التي يفترض أن تتبلور ملامحها في ضرورة تعزيز وتطوير التعاون الثنائي بين الدوحة والمنامة، والتفرغ لدفع مسيرة الإصلاحات هنا وهناك واستكمال خطوات تحديث المؤسسات.

وبين تفاؤل المتفائلين وتشاؤم المتشائمين من الصعب، بل من المستحيل التنبؤ على طريقة »قارئة الفنجان« بصيغة الحكم الحاسم الذي سيصدر يوم الجمعة عن المحكمة، فأحكام القضاة عادة تبقى سرا من الأسرار الفرعونية، لا أحد يدري عنها شيئا إلا بعد نطقها، ومن هنا تتعدد التكهنات وتتنوع التوقعات وتتضارب الاجتهادات، ويبقى عنصر المفاجأة غير مستبعد تماما، لكننا لن نسبق الاحداث، ولن نروج الإشاعات، ولن نخلط الحقائق بالأمنيات ولن نمزج الوقائع بالرغبات، وسنتعامل مع حكم المحكمة بعقولنا وليس عواطفنا، وخصوصا بعد أن لاحظنا على مدى الأيام الماضية أن بعض الصحف ووسائل الإعلام القريبة عاطفيا ووجدانيا وماليا من المنامة بدأت تتفنن في رسم، بل تحديد سيناريو الحكم المرتقب وتفصيله حسب مصالحها وكأنها تملك مفاتيح اختراق الأبواب السرية في المحكمة والنبش في أوراق القضاة!.

فالقرار من أسرار محكمة العدل الدولية التي يتصف قضاتها بالوقار، ومن غير المعقول أن تقوم المحكمة بتسريب المعلومات عن صيغة القرار وإفساد الأجواء المثيرة التي تسبق موعد النطق بالحكم في جلستها الحاسمة، التي تحظى باهتمام رسمي وشعبي وإعلامي لم تشهد مثله محكمة العدل الدولية منذ سنوات طويلة.

لكن أيا كان قرار محكمة »لاهاي« يمكن القول إن قضية جزر »حوار«، التي كانت سببا للصراع والصداع والتحفظ والتردد والتوتر بين قطر والبحرين، هذه القضية المتفجرة التي فرضت نفسها بقوة على أغلب قمم مجلس التعاون، وألقت بظلالها القاتمة على معظم اجتماعات قادة المجلس، حتى وصلت في مطلع التسعينيات إلى محكمة العدل الدولية، دخلت الآن مرحلة الحسم النهائي.

ولا جدال أن حكم المحكمة الذي سيصدر لحسم هذه القضية، من المفترض أن يساهم في تنقية الأجواء بين الدوحة والمنامة وتحسين المناخ السياسي في الخليج، ليس هذا فحسب بل إن صدور حكم المحكمة النهائي في قضية »حوار« لا بد أن تكون له انعكاسات إيجابية على السلم والاستقرار في المنطقة بأسرها.

وليس جديدا القول إن قطر، في إطار حرصها عــــــلى حل الخلاف ودياً مــــع دولة البحرين الشقيقة، ورغبتها في الســـير قدما على طريق التــعاون الثنائي مع المنامة، بذلت جهودا مضنية للتوصل إلى حل سلمي لهــــذا الخلاف الـــذي طال أمده حتى تجاوز نصــف قرن من الزمـــان.

لقد سعت قـــطر بكل صدق إلى إنهاء هذه القضية عبـــــر الحوار والوســـــاطة والتفاوض، وطرقت كل الأبواب لتحـــقيق ذلك، غير أن الجهود الأخوية عجزت عن الوصول إلى الحل المنشود، الذي يحفظ الحقوق القطرية، فلم تجد قطر بدا من إحالة قضيتها إلى التحكيم الدولي باعتباره وسيلة حضارية من الوسائل السلمية لحل المنازعات الدولية.

ولم يكن هدف قطر من ذلك الحصول على حقوقها القانونية المشروعة فحسب، بل إنهاء وضع شاذ أثر على العلاقات الأخوية بين شعبين شقيقين ارتبطا على الدوام بأوثق علاقات الأخوة وأعمقها وأقواها.

ولا يخفى على أحد أننا لم نكن يوما ضد الحل الأخوي، بل كنا وما زلنا معه، ولكن لكل طرف رأيه الذي يتمسك به، ولهذا لجأنا للمحكمة بعد تعثر التوصل لحلول مقبولة للطرفين وفشل الوساطات مع البحرين.

ولعل أهم شيء يعرف عن محكمة »لاهاي« هو أنه ما من دولة يمكن أخذها إلى المحكمة ضد إرادتها، ومن ثم فإن النزاعات لا يمكن أن تحال إليها إلا إذا وافق الفرقاء المعنيون على ذلك.

.. وهكذا ذهبنا والبحرين إلى محكمة العدل الدولية، بعد جدل سياسي وقانوني استمر في دهاليز المحكمة سنوات، ملتمسين حل هذا الخلاف الطويل وفقا لأحكام القانون الدولي، حيث قدمنا الأوراق الخاصة بالقضية في الثامن من يوليو عام »1991«، وتم قبول القضية رسميا في الثامن والعشرين من فبراير عام ،1994 مما شكل انتصارا كبيرا للدبلوماسية القطرية، بعد أن ادعت البحرين عدم اختصاص المحكمة بالنظر في القضية.

ومنذ اللحظة الاولى التي وطأت فيها أقدام فريقنا القانوني أروقة محكمة »لاهاي« تحركت بلادنا من موقع الثقة بالحق الوطني، والتمسك الثابت بكل شبر من التراب القطري في البر والبحر، وهو الأمر الذي يفرضه الضمير الوطني والرؤية الواضحة للحقوق الوطنية المشروعة.

فالأرض هي العرض، والتراب الوطني أمانة في أعناق الرجال، والسيادة على أرضنا وبحرنا وجزرنا هي وديعة كل الأجيال في ضمير كل قطري، وفي التزامه بالحفاظ على حقوقنا الوطنية يستوي في ذلك الالتزام حضرة صاحب السمو الأمير المفدى وكل مواطن على أرض قطر، فالقضية ليست عائلية أو حكومية، بل هي قضية وطنية تعيش في وجدان كل قطري وتهم قطر كلها، وهي ملك للشعب القطري كله ولا يمكن التفريط في حبة رمل واحدة من ترابنا الوطني.

ولأن الخلاف القطري ــ البحريني ليس خلافا حدوديا على بضعة أمتار هنا أو هناك أعلن سمو الأمير المفدى لدى افتتاحه دور الانعقاد التاسع والعشرين لمجلس الشورى يوم »25« أكتوبر الماضي:

»إن الخلاف الحدودي مع البحرين يشكل وضعا شاذا، لأنه خلاف على أرض تقع داخل مياهنا الإقليمية أي داخل بيتنا القطري على بعد أمتار قليلة من ساحلنا، حيث تقع جزر »حوار« التي منحتها السلطات البريطانية سنة »1939« للبحرين بقرار جائر لا تملك الحكومة البريطانية سلطة إصداره لأنه بني على اعتبارات اقتصادية وسياسية تمثلت في المصالح البترولية ولم يبن على أي اعتبار قانوني«.

ورغم تمسك قطر بحقوقها أظهرت بلادنا للعالم نموذجا راقيا للسلوك الحضاري الذي ينبغي أن تحل به المنازعات، عندما أعلنت التزامها بالحكم الصادر عن محكمة »لاهاي« أيا كانت نتيجته، مما يؤكد ثقة قطر بسلامة موقفها القانوني وإيمانها بنزاهة القضاء الدولي والتزامها بمبادئ وقواعد الشرعية الدولية.

وفي هذا الإطار لا أنسى الحديث الذي أدلى به سمو الأمير إلى محطة »M.B.C« الفضائية يوم السبت »9« سبتمبر »1995« عندما قال سموه:

»الذهاب إلى محكمة العدل مظهر حضاري، وإذا ما قضت المحكمة أن الجزر للبحرين أستطيع أن أقول لشعبي إننا فعلنا ما علينا ولهذا نقبل بما تقضي به المحكمة«.

كما لا أنسى أيضا حديث سموه الشامل لرئيس تحرير صحيفة »الرأي العام« الكويتية الذي نشر يوم »19« يوليو »1997« عندما أكد سموه:

»إن ما تقرره محكمة العدل وتحكم به سنقبل به ونرضاه عن طيب خاطر«.

وبطبيعة الحال فإن حكم المحكمة يعتبر وسيلة من وسائل الحل الودي التي تكفل الحفاظ على مصالح البلدين الشقيقين والشعبين التوأمين ومصالح دول مجلس التعاون وشعوبها، لأننا جميعا شعب واحد يجمعه هدف واحد ومصير مشترك.

وما من شك أن حكم المحكمة الذي سيصدر بعد ساعات، سيصبح بمثابة دستور يتحتم على قطر والبحرين احترامه، فالحكم نهائي لا يقبل الطعن فيه أو استئنافه، وهو ملزم للطرفين ما لم يتفقا على ترتيبات أخرى في إطار ودي بينهما، وبالنسبة لتنفيذه فإن البلدين ملتزمان بتنفيذ الحكم بحذافيره، سواء كان لصالح هذا الطرف أو ذاك بوصفه حكما فاصلا يتعين عليهما المبادرة إلى تنفيذه في جو ودي وأخوي من شأنه أن يساهم في تعزيز العلاقات القطرية ــ البحرينية التي تنطوي على أهمية تاريخية وأخوية كبيرة.

.. والآن...

لم يبق لنا سوى انتظار اللحظة الموعودة يوم الجمعة المقبل، حيث ستتجه أنظارنا جميعا في الدوحة والمنامة وسائر عواصم »مجلس التعاون« والوطن العربي كله إلى مدينة »لاهاي« عندما يعلن القاضي الفرنسي »روبير غيوم« رئيس محكمة العدل الدولية في تمام الساعة الخامسة بتوقيت الدوحة، وفي جو مشحون بالترقب والسكون والأعصاب المشدودة الحكم النهائي في أطول قضية يشهدها الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، بعد أن ظلت تكدر صفو العلاقات القطرية ــ البحرينية منذ عقود، ونأمل أن يكون قرار المحكمة فاتحة عهد جديد في العلاقات بين الدولتين الشقيقتين وشعبيهما التوأمين ودعما حقيقيا للأمن والسلم والاستقرار في المنطقة.

إن الساعات المقبلة ستشهد نهاية قضية »حوار« بكل صراعاتها وتداعياتها وانعكاساتها، ومع إغلاق ملفاتها إلى الأبد، نأمل أن يبدأ حوار من نوع آخر بين البلدين الشقيقين قطر والبحـرين.

فانتظروا النبأ القادم من »لاهاي« الذي يهمنا جميعا والذي سيرسم مستقبل العلاقات بين الدوحة والمنامة.


أهنئ الإمارات بعودة قائد مسيرتها وراعي نهضتها وموحد دولتها

زايد.. أكثر من رمز.. وأكبر من زعيم

ما أصعب الكتابة عن رؤساء الدول، خاصة الذين يحظون بشعبية جماهيرية جارفة، سواء داخل دولهم أو خارج حدودها، مثل صاحب السمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة.

فعندما يكتب الصحفي عن رئيس دولة أخرى غير بلاده فإن الكثير من الاتهامات تطارده، والكثير من النظرات تلاحقه، والكثير من التساؤلات تحاصره وتضغط على قلمه فتقلل من حماسه، خوفاً من اتهامه بالنفاق أو المبالغة!

وعندما قررت الكتابة عن سمو الشيخ زايد ـ حفظه الله ــ العائد إلى بلاده سليماً معافى من رحلة العلاج في الخارج، بعد أن مَنَّ الله عليه بالشفاء الكامل لم أضع تلك الاعتبارات في حساباتي، لأن الكتابة عندي موقف أخلاقي وإنساني قبل أن تكون موقفا سياسيا، فهي لحظة انفعال وتفاعل وعندما أشرع في الكتابة تتلبسني حالة نادرة من هذا الانفعال يسقط فيها الخوف، ويسقط الخجل، وتبدأ الانفعالات ويسقط التفكير في الاحتمالات، ولهذا لا أخشى أن يتهمني أحد بالمبالغة عندما أكتب اليوم عن زايد لأنه شخصية فذة يحبها الجميع ولا يوجد مثلها إلا القليل في عالمنا المعاصر.

فهذا الزعيم الكبير أرى في وجهه صورة الحاكم العربي الوحدوي المحبوب شعبيا وجماهيريا، ولهذا لا أملك إلا أن أحبه وأحني رأسي احتراما وتقديرا له.

وبصراحة لا أستطيع أن أخفي حبي للشيخ زايد وفرحتي بعودته سالماً من رحلة العلاج، فهو أكثر من رمز وأكبر من زعيم، وإذا شعر أحد من خلال ما كتبته في السطور السابقة، أو ما سأكتبه في السطور اللاحقة، بأن إعجابي شديد بالشيخ زايد فهذا صحيح ولا انكره ولست أخفيه ولا أخاف من إعلانه، بل أعترف به وأعتز بوجوده، وأعتقد أن كل القطريين بلا استثناء يشاركونني في حب واحترام هذا الرجل الذي ارتبط اسمه بكل إنجازات الإمارات.

وما من شك أن إنجازات زايد أكبر من أن تحصى، ويكفيه فخراً أنه أوجد على أرض الإمارات وفوق رمالها دولة عصرية بالمفهوم الحديث للدولة، وقاد حركة إصلاح وتطوير غير مسبوقة في التاريخ، وفتح الأبواب التي ظلت موصدة في إمارة أبوظبي سنوات طويلة ليطل منها شعبه على العالم المتحضر.

ولا أبالغ عندما أقول إن كل ذرة رمل من تراب الإمارات تشهد على إنجازات زايد الذي استطاع بحكمته وحنكته وحُسن قيادته أن يبني دولة عصرية من لا شيء تقريبا، منذ أن تولى مقاليد الحكم في بلاده في يوم قائظ شديد الحرارة من أيام صيف عام 1966 الملتهب، وبالتحديد في السادس من أغسطس، عندما كانت رياح »السموم« القاسية تهب على أبوظبي فتقذف بالرمال على بيوتها المتواضعة المتناثرة على الشاطئ. ومع كل صباح أشرق على هذه الإمارة في عهد زايد كانت رقعة العمران تتسع في أبوظبي وتمتد وتكتسب آفاقا بعيدة وكان لون رمال الصحراء الشاحب يتلاشى لتبرز ألوان قوس قزح وكانت الأرض تتشكل شجرا وبشرا وعمارات وانجازات، وكان زايد في كل هذا وذاك يقرع نوافذ الشمس ويقف مع إمارته وشعبه على أبواب المستقبل.

..وباختصار كان تولي زايد مقاليد الحكم في بلاده إيذانا ببدء عصر جديد لإمارة أبوظبي وإنسانها في شتى الميادين، ومنذ ذلك التاريخ استطاع زايد في زمن قياسي أن يضع الإمارات »المتصالحة« التي وحدها في الثاني من ديسمبر عام 1971 على الخريطة الدولية، وينطلق بها كفرس عربية أصيلة من خيول ميدان »ند الشبا« لتسابق العصر وتأخذ مكانتها السياسية المرموقة.

وبالطبع ما كان لدولة الإمارات العربية المتحدة أن تحتل مكانتها الدولية لو لم يكن زايد، فقد كان هو الزعيم الذي انتظرته الإمارات طويلاً، ليجمع شتاتها ويوحد مسيرتها ويجسد آمالها ويترجم أحلامها ويحقق طموحاتها. ولاشك أن السنوات التي مرت على عهد زايد تحققت فيها انجازات تنموية كبيرة ومشاريع عمرانية ضخمة، نقلت الإمارات من عصر القبيلة إلى عصر الدولة الحديثة، وغدت بلاده خلية نحل عملاقة يعمل فيها الجميع بجد واجتهاد لتسيير عملية التنمية إلى الأمام.

ويمكنني القول دون مبالغة ان في شخصية زايد يكمن الانجاز الكبير، إنجاز أول تجربة وحدوية عربية ناجحة ومتواصلة في تاريخنا المعاصر، وفي شخصه تعيش هذه الوحدة وتكبر وتتطور، فهو إذن رمز الاتحاد، واتحاد الإمارات يستمد استمراريته من روحه، وهو صاحب الانجاز، لأن كل مراحل الانجازات التي تحققت في دولة الإمارات العربية المتحدة ولدت أولاً في عقله وداخل قلبه الكبير.

ومن المؤكد أنه ليس هناك من يستطيع أن يكتب حرفا واحدا عن دولة الإمارات دون الكتابة عن زايد، فكل كلمة تكتب عن الاتحاد عنوانها زايد، وكل فكرة جميلة تولد في الإمارات مصدرها زايد. وكل مشروع يخدم شعب الإمارات وراءه زايد.

وحين يكتب المراقبون عن أبرز الزعماء العرب في تاريخنا المعاصر ربما يكون الزعيم الخالد جمال عبدالناصر أولهم، لكن زايد حتماً في مقدمتهم، فالتشابه كبير بين الزعيمين في الإيمان بالوحدة والاخلاص لها والدفاع عن قضايا الأمة العربية، لكن الاختلاف أيضا كبير بين »ناصر« و»زايد« فالأول كان نموذجا للسلطة عندما تتحول إلى نوع من التسلط، أما زايد فهو نموذج لتوظيف السلطة لتكون عنوانا للتسامح والبناء والعطاء والسخاء بلا حدود لابناء شعبه وأمته، وهذا ما يقفز به إلى الصف الأول من الزعامة التاريخية.

ومن هنا ليس غريباً أن يفرح أبناء شعب الإمارات الشقيق كل هذا الفرح بشفاء والدهم الكبير الشيخ زايد وعودته سالماً، فقد نهض سموه بشرف الأمانة وعبء المسؤولية التي آلت إليه خيرنهوض، واتسم عهده ولايزال بكم كبير من الانجازات يصعب حصرها في مساحة محدودة من الكلمات.

ولهذا ليس غريباً أيضا أن يحبه شعبه ويلتف حوله في بوتقة حب تنصهر فيها مشاعره ومشاعرهم.

فمواقفه الإنسانية وعطاءاته السخية التي لا تحصى تقدم نموذجا نادراً من الزعماء، وسيرة رائعة للقائد الوالد الانسان الذي يشعر بنبض شعبه ويتحسس همومه واحتياجاته وتطلعاته عن كثب لحظة بلحظة.

وما من شك أن رجلاً هذه صفاته وهذه مناقبه وهذه خصاله لجدير بأن يتربع على عرش القلوب ويحظى بمحبة شعبه بل شعوب الأمة العربية جمعاء. ويكفي أنه انطلاقا من انتمائه الكبير إلى العروبة قرر إلغاء الاحتفالات، ولم يتم تنظيم أي استقبال شعبي لدى عودة سموه من رحلة العلاج، بسبب الانتفاضة وتصاعد العنف الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني.

ومن المؤكد أن المكانة المتميزة التي يحتلها زايد خليجيا وعربيا ودوليا كرسته قائدا وزعيما على مستوى عالمي، بعد أن غدت الإمارات تحت قيادته منارة ساطعة تشع بالضوء الساطع على من حولها.

وبعد...

ليس عندي ما أضيفه إلى هذه المشاعر والانفعالات أفضل من الدعاء لزايد ونحن نعيش أجواء شهر رمضان المبارك الذي يشع بروحانيته.

فليحفظك الله يا زايد ذخرا لدولة الإمارات وسنداً للأمة العربية ويمتعك بالصحة والعمر الطويل المديد المديد المديد.

أحمد علي


قبل أن يأتي يوم لا نسمع فيه صوت الأذان يتردد في المسجد الأقصى مدويا ... الله أكبر
رســالـة مفـتـوحـة إلــى قــادة الـعـالــم الإسـلامـي

الناس يريدون أن يعرفوا منكم الحقائق مرة أو مريحة حول موقفكم من القدس

هـــــل ستخصصون القمة للاحتفال .. أم ستحاولون اصلاح واقعنا الرديء وتغييره؟

قمتكم شعارها السلام .. و الكـــيـــان الصهيوني العنصـــري لا يـــــريـــد منـــــكم سلاما بــــل استسلاما

مدينتنا المقدسة فيها خطوط حمراء ليس بمقدور أحد منكم تجاوزها

أمتنا تعاني من أعراض »حمى الوادي المتصدع« فكيف نعالجها؟

القدس ليست كابول أو جروزني أو كوسوفا .. انها المعراج المعلق بين الأرض والسماء

لماذا تحرصون على صيانة مصالح »الشقيقة العظمى« الولايات المتحدة أكثر من الرئيس الأميركي ؟!

»الفاروق« فتح القدس و » الناصر« حررها .. فمن لها منكم الآن ؟

لم يعد مقبولا ترك سفينة الأمة تغرق كالغواصة الروسية »كورسك«

بسم الله الرحمن الرحيم

»... إن الله لا يغير ما بقوم

حتى يغيروا ما بأنفسهم ...«

صدق الله العظيم ــ سورة الرعد ـ الآية»11«

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو ملوك ورؤساء وأمراء وقادة الدول العربية والإسلامية.

تحية قطرية عربية إسلامية حارة تليق بمقامكم الرفيع أنقلها اليكم عبر هذه الرسالة المفتوحة من الدوحة عاصمة العروبة، مدينة السلام التي ترفع راية الاسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

أولا...قبل الحرف الأول والسطر الأول أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم، أقولها بملء الفم لكم، بكل ما عرف عن قطر والقطريين جميعا أميرا وحكومة وشعبا من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة وصدق المشاعر الإنسانية والإسلامية النبيلة، حيث تحلون ضيوفا أعزاء في عاصمتنا التي تستلقي بهدوء على شاطئ الخليج العربي بين رمال البحر والبر وتفخر باستضافة قمتكم الإسلامية التاسعة.

... وفيما دوحتنا تفتح ذراعيها على اتساعهما ترحيبا بكم شرعت في كتابة هذه الرسالة المفتوحة لكم دون أن أتجاهل يقيني بأنكم تعرفون كل ما سأكتبه على السطور التالية ولكنكم قد تتجاهلونه ولا تجهلونه، وكم كنت أتمنى ألا اضطر للكتابة إليكم مباشرة على صفحات | في موضوع هو من صميم مسؤولياتكم، فأنا أعرف أنه ليس من تقاليد الصحافة العربية أن يتجرأ صحفي عربي ويكتب رسالة صريحة مفتوحة إلى حاكم عربي واحد، فما بالكم عندما يوجه هذه الرسالة إلى كل قادة العالم العربي والإسلامي ليقول فيها ما يعتقد أن المصلحة الوطنية والقومية والإسلامية تفترض قوله وسط الظروف الحرجة والحساسة التي تمر بها أمتنا في هذا الزمن الصهيوني ــ الأميركي؟!

... ولكن

اعذروني على صراحتي فالحرية الواعية المسؤولة التي تنعم بها صحافتنا القطرية في عهد أمير الحرية حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ــ حفظه الله ــ تجعلني أكتب لكم رسالتي باطمئنان، دون خوف من أن يبطش بي أحدكم أو يكسر قلمي مع ثقتي بضمان وصول رسالتي إليكم مباشرة حتى لو قصر المستشارون حولكم سهوا أو عمدا في إيصالها، أو عمدوا إلى تحويرها خوفا من ازعاجكم!

وحتى لا أضيع وقتكم الثمين اسمحوا لي أن أتوجه لكم بهذه الملاحظات، أو بمعنى أدق لأنقل لكم عشرات التساؤلات التي تتردد الآن على شفاه وأفواه والسنة ملايين الملايين في عالمنا الإسلامي بمختلف لغاتهم ولهجاتهم.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو...

نكون أولا نكون.. ذلك عنوان رسالتي المفتوحة، أما تفاصيلها فتبدأ بالوقوف دقيقة حدادا على القرارات الهزيلة التي صدرت قبل أسابيع عن القمة العربية غير العادية.

فهذه القرارات التي ولدت ميتة ودفنت كغيرها من القرارات في أرشيف الجامعة العربية لم تردع قوات الاحتلال الإسرائيلي ولم تمنعها من ارتكاب جرائمها الوحشية ضد أهلنا في فلسطين المحتلة، فما زال العدوان الصهيوني الغاشم يتواصل على شعبنا العربي الفلسطيني المسلم المدافع عن شرف الأمة وكرامتها ومقدساتها، وما زالت قافلة شهداء الانتفاضة الباسلة تمضي في طريقها إلى جنات الخلد.

في ظل هذا الواقع المؤلم وهذه الحقيقة المؤسفة ليس بغريب القول إن ما تحقق في تلك القمة لم يكن متطابقا مع ما أردناه ولم يكن منسجما مع مستوى الوجدان الشعبي فقد عجزت أنظمتنا العربية عن توفير الحماية للفلسطينيين، مثلما عجزت منذ عقود عن استرجاع حقوقنا المغتصبة في فلسطين، والسبب أنه ليس في جعبة النظام العربي الرسمي الرخو أي شيء لحل القضية الفلسطينية سوى العزف المنفرد على وتر السلام الضائع، في الوقت الذي تمتلئ فيه الآن سماء فلسطين برائحة البارود الاسرائيلي المخلوط بدم شهداء الانتفاضة الباسلة وفي مقدمتهم درة الشهداء الطفل الشهيد محمد جمال الدرة.

ولأننا لا نريد أن نقيم العزاء على قرارات القمة العربية فلن نتوقف أمام البيانات الحماسية التي أطلقها القادة العرب خلال القمة الطارئة، فالمواقف واضحة، والفوارق كبيرة بين ما هو صادر لإطفاء المشاعر الشعبية الغاضبة فقط، وما هو مطلوب لاستعادة حقوقنا المغتصبة في فلسطين المحتلة.

.. ويكفي أن »إسرائيل« عبرت عن ارتياحها لقرارات القمة العربية بل وصل »الارتياح« الإسرائيلي إلى حد الإشادة بها حيث وصفها المتحدث الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية بأنها »قرارات تشكل انتصارا للحكمة في العالم العربي«!!

ولا أبتعد عن الواقع اذا قلت إن القيادات العربية تخشى مواجهة »إسرائيل« فنحن نعيش فعلا في العصر »الإسرائيلي ـ الأميركي« الذي بلغ فيه ضعف الأمة مداه، وأصبح واقعنا العربي في تدهور مستمر نحو الهاوية وانحدار شديد نحو الأسفل حتى وصل الحال بأمتنا أن فقدت القدرة على الحركة فضلا عن القدرة على المبادرة ولأنني وغيري من ملايين الملايين الذين يشكلون مليارا وربع مليار مسلم لا نملك سلطة القرار وليس بيدنا إلا الرأي الصريح الصادق لتقديمه، لم يبق غير التعبير عن رأينا بالوسائل المتاحة لنا فيما جرى ويجري في عالمنا الإسلامي من تطورات ومستجدات وأحداث علّنا نسهم في تشكيل رأي عام يسهم في تغيير مواقفكم وتفعيل سياساتكم مع علمي المسبق بالدور المحدود، بل المحدود جدا جدا، الذي تلعبه الصحافة واتجاهات الرأي العام في التأثير على قراراتكم يا أصحاب القرار في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي.

لكن ذلك لن يجعلني وغيري من الحريصين على وحدة الأمة نيأس أو نستسلم لليأس، فلا بد من تنبيهكم باستمراروتحذيركم دوما من خطورة التهاون في قضايانا المصيرية بالذات، التي هي أمانة لا يملك أحد منكم التفريط فيها أو المساومة عليها.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:

تنعقد القمم الدولية الكبرى دائما في المراحل التاريخية الحاسمة إما للاحتفال بمناسبة معينة، وإما لتغيير واقع رديء ورسم واقع جديد، حدث ذلك مرارا وتكرارا في عشرات القمم التي عقدت في شرق العالم وغربه ولا يتسع المجال لسرد الأمثلة. ولست أدري إذا كان لقاؤكم اليوم في قمة الدوحة سيخصص للاحتفال والتقاط الصور التذكارية التي تعكس وترسخ وتكرس واقعنا الرديء ــ كما حدث مؤخرا في القمة العربية غير العادية ــ أم ستحاول قمتكم الاسلامية اليوم اصلاح الواقع وتغييره والنهوض بالأمة من كبوتها؟

وإذا كان جدول أعمالكم حافلا بعشرات القضايا والعناوين والتحديات التي تواجه الأمة فإنني سأتوقف عند قضية واحدة لا سواها وهي قضية القدس التي تبرز وتنفرد من بين جميع القضايا لكونها قضيتنا الرئيسية المركزية الاساسية التي لا مجال فيها للمقايضة أو الحلول الوسط، فحدها الأعلى هو حدها الأدنى.

وما من شك في أن القدس هي عنوان صراعنا ومواجهتنا مع أعداء الأمة ، فهي مفتاح الحرب والسلم في المنطقة، ومن هنا يجب وضعها دائما على أعلى سلم أولوياتكم ومقاومة كل مشاريع الاستسلام التي تطرح بشأنها حاليا.

.. ويؤسفنا أن نلاحظ ــ نحن كل العرب والمسلمين القابعين خارج كراسي السلطة ــ في ملامح بعض مواقفكم استعداد بعضكم للتجاوب مع المطالب الإسرائيلية والضغوط الأميركية لايجاد تسوية هزيلة بشأن القدس لا تحفظ الحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية فيها، بل نحن نرى في هذا الزمن الصهيوني الأميركي الذي يتقزم فيه رجال الأمة ويتعملق أطفال الانتفاضة الباسلة أن بعضكم يحرصون على صيانة مصالح »الشقيقة العظمى« الولايات المتحدة في المنطقة أكثر من الرئيس الأميركي نفسه، ولن تفلح التصريحات العلنية التي تصدر عن بعض أوساطكم الرسمية في حجب حقيقة هذه المواقف المعروفة والمرفوضة في أوساطنا الشعبية، فالمهم ليس ما تقولونه لنا علنا للاستهلاك الشعبي، وإنما ما يقال سرا للمبعوثين الأميركيين.

وأتمنى ألا أكون قد اقتربت الآن من ضفاف الممنوع وكأنني أبوح بسر الأسرار، ولكن الناس في عالمنا الإسلامي مضطربون وقلقون وخائفون على مستقبل مدينتنا المقدسة، وهناك شعور عميق بالمرارة وإحساس مرير بالإحباط، خصوصا بعد القرارات الهزيلة التي صدرت عن القمة العربية الاخيرة ولهذا يريد الناس أن يفهموا ويسمعوا منكم التوضيحات اللازمة والحقائق كل الحقائق، مرة كانت أو مريحة، حول موقفكم الحقيقي من القدس، ويطلبون منكم بل يطالبونكم أن تصارحوهم وتعطوهم الأجوبة علنا في خطاباتكم التي ستلقى اليوم في قاعة القمة مهما كانت الأجوبة، فصارحونا وحددوا لنا ما توافقون عليه وما ترفضونه، وما تبصمون عليه وما لا تقبلونه.

فاليهود ــ شركاؤنا بالقوة في فلسطين ـ يريدون القدس عاصمة أبدية لدولتهم المصطنعة المزروعة في قلب وطننا العربي ومن ثم إعادة بناء هيكلهم المزعوم على أنقاض المسجد الاقصى الاسير.

فماذا أنتم فاعلون؟

هذا السؤال أعرف أنني لن أتلقى جوابا حاسما له الآن، فالمؤسف أن المخطط الصهيوني لتهويد القدس يلقى التشجيع الكامل والدعم المتواصل من قبل »الشقيقة العظمى« الولايات المتحدة الأميركية التي يثير مجرد ذكر اسمها الرعب في صفوف الكثيرين بينكم والتي لم تكف عن تقديم كافة أشكال العون والإسناد السياسي المادي والعسكري والمعنوي لحكومة »تل أبيب« وبدلا من أن توجه الضغوط الأميركية إلي حكومة »باراك« نرى واشنطن تقذف بالكرة إلى مكاتبكم وأدراجكم وملفاتكم وأوراقكم لتحرجكم أمام شعوبكم!

فماذا أنتم فاعلون؟!

ولعل الأخطر والأهم من هذا وذاك أن صراعنا مع إسرائيل حول القدس يتمركز الآن عند نقطة حادة، ففي الوقت الذي يجنح فيه بعضكم للسلام المزعوم والركض في ممراته من طرف واحد تحت رعاية الوسيط الأميركي المنحاز لإسرائيل فإن الحكومة الإسرائيلية تجنح للحرب الشاملة ضد أشقائنا الفلسطينيين، وفي الوقت الذي يلتزم فيه بعضكم بالعهود الزائفة والمواثيق المشبوهة والاتفاقيات الهزيلة التي أبرموها مع إسرائيل نجد حكومة »تل أبيب« تتنصل وتراوغ وتبتلع تواقيعها دون خجل، وكل هذا على حساب حقوقنا العربية والإسلامية في القدس زهرة المدائن، التي شهدت معجزة الإسراء والمعراج فمن أوصلنا إلى هذا الوضع؟ ومن المسؤول؟!

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:

منذ اللحظات الأولى لوصولكم إلى الدوحة وأنا اشتبك مع الكلمات في محاولة مني لقول كل شيء أو لقول بعض الشيء أو لكتابة السطر الأول في هذه الرسالة المفتوحة الموجهة إليكم، فلم أفلح فقد كان القلم يأبى أن يسير على أوراقي حتى رأيت صورة هذه السيدة الفلسطينية المسلمة المنشورة الآن على صدر الصفحة .

إن صورة هذه العجوز العربية حركت مشاعري وقلمي ولم تبارح مخيلتي منذ أن وقعت عيناي عليها فهي تناديكم من وراء أسوار الاحتلال، لإنقاذها وإنقاذ الأقصى، إنها تصرخ بملء فمها من أعماق حنجرتها المبحوحة من كثرة الصراخ »وا إسلاماه« »واقدساه«، »وامسجداه«، فهل من مجيب؟!

..وأظن ــ وليس كل الظن إثما ــ أن هذا النداء المؤثر لا يحتاج مني أن أذكركم بقصة خالدة من قصص التاريخ الإسلامي لا بد أنكم تعرفونها جيدا، فهل استعرضتم مؤخرا كتاب التاريخ؟

إن التاريخ هو معلم الشعوب ومثقفها الأول فهل قرأتم قصة المرأة المسلمة التي صرخت مستنجدة على الثغور »وامعتصماه« فاهتزت أركان الدولة الإسلامية العظيمة لهذا النداء واستجاب أمير المؤمنين الخليفة المعتصم عملا لا قولا وهب لنجدتها وقام بتسيير جيوش المسلمين إلى أبعد نقطة على حدود الدولة لرد الاعتبار والكرامة لتلك السيدة المسلمة، فهل تفعلون؟ وهل تتحركون لإنقاذ أخواتنا وأمهاتنا في فلسطين المحتلة؟!

.. وعفوا قبل الجواب...

لا أريد أن أقول إن زمن العزة العربية قد ولى، وإن عصر الفخر الإسلامي قد اندثر، بعد أن تركنا أمور الإسلام تقررها واشنطن ومصير القدس يطبخ في البيت الأبيض، ولم يعد في قدرتنا حتى أن نستصرخ ضمائركم هاتفين من قلوبنا وأعماقنا:

»واقـــدســـــــاه«..

»وا إســــــلاماه«..

»واعــروبتـاه«...

فهل مـن مجيـب؟!

... وهل نسيتم كيف تحررت القدس من الصليبيين؟

هل نسيتم كيف فتحها الفاروق عام (15هـ ــ 636م) وحررها من الظلم والتفرقة بين سكانها وأقام العدل والمساواة بين الجميع؟

هل نسيتم عندما سقطت القدس مرة أخرى في يد الغزاة الطامعين انبثق من الظلام الحالك السواد القائد الفذ الناصر صلاح الدين الأيوبي وظهر من عالم الغيب إلى واقع العالم المنظور ينظم جيوش المسلمين ويشحذ الهمم ويجمع الكتيبة تلو الكتيبة حتى تمكن من تحرير بيت المقدس من الغزاة، ودخلها منتصرا فجر يوم الجمعة 27 رجب 583هـ 1187م.

إنها قصة واحدة من عشرات القصص البطولية التي يزخر بها تاريخنا الإسلامي، فهل نستنسخ لأمتنا من كتاب التاريخ »فاروقا« جديدا أم »ناصرا« أم »معتصما« لينقذ قدسنا ويحرر مسجدها الأسير؟

ولأن رسالتي ليست بحثا في التاريخ، اسمحوا لي فقط أن أسألكم:

أين أنتم من بطولة الفاروق عمر وأين أنتم من بطولة الناصر صلاح الدين؟

وماذا نقول لعمر بن الخطاب الذي فتح القدس، ولصلاح الدين الذي حررها من الصليبيين، بل ماذا نقول لآلاف الشهداء الذين قضوا وسالت دماؤهم الطاهرة على أسوار القدس، مقدمين أرواحهم الغالية رخيصة دفاعا عن مقدساتنا الإسلامية وآخرهم الشهداء السبعة الذين قدمتهم الانتفاضة أمس هدية ثمينة إلى القمة الاسلامية عشية انعقادها فماذا نقول لكل هؤلاء الشهداء الأبطال الخالدين؟ وما الحل؟

إن الناس كل الناس على امتداد عالمنا الإسلامي يريدون أن يعرفوا لماذا هذا العجز وإلى متى سيبقى واقعنا مشلولا؟

وبالطبع لا حاجة للأجوبة الفورية الآن ولا حتى السخرية، ولكن أرجو ألا تكون أجوبتكم عن أسئلتي مستمدة من روح الخطب الحماسية التي شبعنا منها والتي أوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن!

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:

من الملاحظ ان قمتكم اختارت »السلام« بمعناه المطلق شعارا فضفاضا لها ولا أدري هل المقصود بذلك الشعار حرصكم على أن يعم السلام في ربوع عالمنا الاسلامي بين بعضكم البعض، أم المقصود هو السلام الناقص مع الكيان الصهيوني العنصري؟!.

..ولا أعتقد أنكم تحتاجون لمن يبصركم بحقيقة لا نقاش فيها، وهي أنه على أعتاب القدس مدينة السلام يذبح السلام المزعوم، سلام مدريد الذي يريده اليهود استسلاما!

وما من شك في أن السلام الناقص الذي تريده واشنطن بيننا وبين الكيان المصطنع المسمى »إسرائيل« يحتضر الآن في غرفة العناية المركزة، وآخر التقارير الطبية الواردة عن حالته تؤكد أنه سلام ميت (إكلينيكيا) أو طبيا أو سريريا، فالسلام الحقيقي الكامل والعادل والشامل لا يقوم على بيع الأوهام أو الأحلام والصفقات السياسية المشبوهة بالتقسيط الممل، وإنما على تراكم الإنجازات السليمة على أرض الواقع ولا يمكن أن يتحقق سلام عادل ولا استقرار دائم في المنطقة إلا بإنهاء الاحتلال الصهيوني اليهودي لمدينتنا المقدسة ومسجدها المبارك وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين وتحرير الجولان، وما يدعوني للتأكيد على هذه المسألة هو الأفكار التي يطرحها البعض الآن لتسوية القضية من خلال تقاسم السيادة على مدينتنا الأسيرة التي شهدت معجزة الإسراء والمعراج الواردة في كتابنا الكريم.

فالقدس لا تقبل المشاركة ولا المزاوجة بين مشروعين متضادين متناقضين في الرؤية السياسية والدينية والحضارية. ومسألة السيادة المشتركة فيها وتقاسم السيطرة عليها شعار زائف نرفضه ولا نقبله ويجب عدم مناقشته ابدا ابدا ابدا.

فهذه القضية ليست شأنا فلسطينيا خالصا بل هي شأن عربي إسلامي في المقام الأول ولا يحق لأحد أو جهة المساومة عليها أو التنازل عنها. وما من شك أن قضية القدس أكبر بكثير من أن يتحمل عبء المواجهة فيها الجانب الفلسطيني فقط، في مواجهة الجانبين المتحالفين الإسرائيلي والأميركي اللذين يضغطان في نفس الاتجاه، لذلك لم يعد مقبولا منكم الصمت حيال هذه المؤامرة، مؤامرة تهويد القدس أو تقسيمها ولا بد من وقفة إسلامية حازمة وحاسمة تضع الأمور في نصابها.

ولو عدنا إلى الوراء قليلا نجد أن مشاريع التقسيم ليست جديدة.

فبالأمس كان قرار عصبة الأمم تقسيم فلسطين.

والآن جاء الدور لتقسيم القدس.

وغدا سيتم تقسيم المسجد الأقصى.

ومن يدري فقد يصل سوء الحال والهوان إلى تقسيم درجات منبر صلاح الدين، درجة لليهود ودرجة للمسلمين، وربما يصل الحال إلى تقسيم أوقات الصلاة في المسجد الأقصى، صلاة للمسلمين وصلاة لليهود، وهذا الأمر ليس خيالا أو نكتة فقد قسموا الحرم الإبراهيمي في الخليل إلى شيء من هذا القبيل!

ووسط هذه الظروف الحرجة لم يعد التساؤل مجرد حق لنا نطرحه عليكم بل أصبح السؤال واجبا علينا، وأصبح من حقنا عليكم أن تفسروا لنا ما عجزنا عن تفسيره، وما لم نجد له تبريرا، فالأسئلة التي تحوم فوق رؤوسنا دون جواب كثيرة، والتساؤلات التي نغمغم في الاجابة عنها ولا نجد لها إجابات أيضا كثيرة، لكن عندي الآن ثلاثة اسئلة أخرى لا تحتمل أيا من هذه الحالات أو الاحتمالات، ينبغي أن تقفوا أمامها بأمانة وتقدموا الأجوبة بحجم الاسئلة المطروحة.

هذه الاسئلة الثلاثة ليست لها دورة استثنائية وإجاباتها ليست بـ »نعم« أو »لا«، وهي لا تتعلق بمستقبل فرد او جماعة، وإنما يتوقف على نجاحكم في الاجابة عنها مصير شعب ووطن ومستقبل أمة بأسرها.

والسؤال الأول الذي يطرح نفسه بالحاح.. أية قرارات ستخرج عن هذه القمة وبالتحديد بشأن مدينتنا الأسيرة القدس؟

هذا السؤال يجد مشروعيته في ضوء البيانات الختامية الفضفاضة التي لا تسمن ولا تغني من جوع والتي انتهت بها كل القمم الإسلامية السابقة، فنحن ـ كل العرب والمسلمين المحبطين ــ لا نريد من قمتكم قرارات هزيلة ونتائج هلامية تتسم بالغموض ولكننا نأمل أن تأتي قراراتكم معبرة عن نبض الشارع العربي والإسلامي وان تكون في حرارة انتفاضة الاقصى المباركة.

إن أقل ما يمكن أن يطلبه منكم مواطن مثلي من بين أكثر من مليار مسلم يشكلون الأمة الإسلامية هو موقف واضح وحازم وقاطع يرفض محاولات تهويد مدينتنا المقدسة أو تدويلها او تقسيمها، ويؤكد إسلامية القدس ويتصدى للتوجه الأميركي غير المسؤول لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها، ذودا عن مكانة المدينة كثالث اقدس مدينة اسلامية في العالم، وصونا للحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية فيها.

هذه الأساسيات يجب أن تكون في أذهانكم، أما مقولة السيادة المشتركة فهي التفاف مشبوه على الحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية، فالسيادة على القدس المحتلة هي للشعب الفلسطيني صاحب الأرض ومؤسس المدينة وهو الذي وقع عليه الاحتلال، ولا يمكن لقوة الاحتلال أن تكون شريكا لأهل الأرض المقدسة نتيجة لما تفرضه بالقوة المسلحة على أرض الواقع.

والمطلوب منكم الآن موقف حازم واستراتيجية واضحة لتحرير القدس، وليس بيانا إنشائيا منمقا يذاع في ختام القمة في مختلف محطات التليفزيون في عالمنا الإسلامي ليصبح بذاته بداية المطاف ونهايته!

أما السؤال الثاني فهو: كيف ستبحثون شؤون الأمة وهمومها هذه المرة؟

نأمل ألا تكون بالمجاملات المعتادة وتطييب الخواطر ففسحة المسايرات ضاقت كثيرا، برغم ما في قاموسنا التراثي العربي الإسلامي من طيب الكلام وجميل الجمل، اذ لم يعد في مقدورنا أن نقبل بذلك ولم يعد في واقعنا الرديء الآن أي متسع لغير طرح الحقائق مهما كانت مرارتها، أو قسوتها، ولم يعد من الممكن صياغة أي قرار دون الإشارة إلى المخاطر بالتسميات، ولم يعد مقبولا منكم ترك الثقوب تتسع في سفينة أمتنا الإسلامية حتى تغرق نتيجة الاهمال والتقصير واللامبالاة كما غرقت الغواصةالروسية »كورسك«يوم السبت الثاني عشر من اغسطس الماضي في قعر بحر »بارنيتس« في أقصى شمال كوكبنا الأرضي على عمق »108« أمتار وسط ظروف مناخية صعبة، حيث الوحشة والظلمة والطقس الثلجي وعلى متنها »118« بحارا تركوا يموتون ببطء ويلفظون انفاسهم تدريجيا في واحدة من أقسى المآسي الإنسانية الدرامية المثيرة التي هزت روسيا مؤخرا.

ولننظر صراحة الى واقعنا المرير الشبيه بدراما الغواصة »كورسك« ونحن نرى امتنا الإسلامية تجر نفسها جرا، أو يجرها غيرها إلى أواخر الركب.

وأعتقد أن بداية الاصلاح تكمن في صراحة الاعتراف بوجود أزمة أو بوجود مشكلة، أو بوجود خلل أو فيروس أصاب أمتنا شبيه بفيروس »حمى الوادي المتصدع«، لا ندري كيف ظهر في هذه الأمة المنكوبة منذ سقوط الأندلس وحتى فلسطين وأفغانستان وأخيرا الشيشان ولا نعرف كيف ومتى سينتهي ونجد له علاجاً، وهل أسباب الخلل أو خلايا هذا الفيروس موجودة في قيادات الأمة أم في شعوبها؟!

ثم نأتي إلى سؤالي الثالث لكم، والسؤال باختصار شديد... أي موقف ستتخذونه في قمتكم لتحرير مسجدنا الأقصى الأسير؟

هذا السؤال ربما يبدو صغيرا في كلماته ولكنه يحمل مضمونا كبيرا لم يفقد مشروعيته بعد، فقد اعتدنا في مؤتمراتكم الإسلامية السابقة مشاهدة صولاتكم وجولاتكم في المزايدة الخطابية، والوعود والقرارات التي لا تجد طريقها إلى حيز التنفيذ ابدا، لكن هذه المرة نتطلع منكم لموقف ثابت أو قرار واحد أو خطاب مباشر يحفظ حقنا العربي الإسلامي في قدسنا ومسجدنا دون مزايدة أو استسلام.

إننا نريد خطابا واضحا مشفوعا بخطة طوارئ لتحرير مسجدنا الأسير وانقاذ مدينتنا المقدسة، أرضا وسكانا وعمرانا ومقدسات، نريد قرارا قويا يعيد الاعتبار والحضور والدور المفقود لهذه الامة، نريد موقفا صلبا وثابتا وموحدا يقرأ فيه العالم بأسره ــ وليس اسرائيل والولايات المتحدة خلفها ــ أن العالم الإسلامي يعلن رفضه وعدم اعترافه بأية تسوية هزيلة لا تضمن عودة القدس بكاملها وكامل مقدساتها للسيادة الفلسطينية العربية الإسلامية.

نريد منكم موقفا عربيا وإسلاميا واحدا يعلن رفضه لكل ما يدبر للقدس في مطابخ البيت الأبيض من مؤامرات أميركية وإسرائيلية.

وما من شك أن سطور المؤامرة المشبوهة لن تكون أوضح مما هي عليه الآن، فالقدس في خطر، والمسجد الأقصى كذلك، ومعاول اليهود تتهيأ لهدمه والحاخامات يسنون معاولهم للحفر بحثا عن هيكلهم المزعوم.

ومن هنا عليكم أن تتحركوا وتقولوا كلمتكم للرد على المؤامرة حتى تعرف واشنطن أن القدس هي الأساس في كل شيء، وهي القضية الأكثر حساسية التي ترتبط بها عواطف المسلمين في أنحاء الأرض، فهي عنوان قضيتنا ورمز كرامتنا، وبقاؤها مغتصبة يعني ضياع الكرامة العربية الإسلامية. ومن المؤكد أن مدينتنا المقدسة بتاريخها وروحانيتها وبمكانتها عند المسلمين فيها خطوط حمراء ليس بمقدور أحد تجاوزها أو كسرها أو القفز عليها.

فالقدس ليست جغرافيا وتاريخا وأرضا وحجارة، بل هي آية من آيات الله حتى تقوم الساعة، إنها المعراج المعلق بين الأرض والسماء، ولا يملك أي قائد منكم التفريط بها أو التنازل عن شبر منها مهما كان الثمن، فهي إرث إسلامي له مساس مباشر بروحانية وإيمان كل عربي ومسلم، وتحريرها يصون علاقتها المتصلة بالدين ويعيد الاعتبار لهيبة وكرامة الأمة.

والسؤال الكبير الذي أطرحه عليكم:

من منكم لا يريد أن يكحل عينيه برؤية جوامع القدس ومآذنها وقبابها وأسوارها وكل شيء فيها؟

من منكم لا يريد أن يتلمس فيها الشجر والحجر ويقف عند كل أثر إسلامي ويشم كل عطر في أزقتها وحواريها العتيقة؟

من منكم لا يريد أن يصلي في المسجد الأقصى مسرى الرسول الكريم#؟

ففي القدس أولى القبلتين (عبادة) وثالث الحرمين الشريفين (منزلة)، ومنذ الارتباط الأول لبيت المقدس بالإسلام عندما أسري بسيدنا محمد# في ليلة الإسراء والمعراج

»سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله...«

سورة الإسراء الآية »1«

عكس وضع القدس أوضاع الأمة الإسلامية بصفة عامة والعرب بصفة خاصة.

لقد أضحت القدس وفلسطين مقياسا لحالة أمتنا من حيث صحتها ومرضها وقوتها وضعفها، فعندما تتماسك الأمة الإسلامية وتقوى على الصمود فإنها تحافظ على القدس وتبسط على ربوعها وجودها وكرامتها وكبريائها، وعندما تضعف الأمة وتتراجع بالميزان العسكري والسياسي والحضاري سرعان ما تسقط القدس وتتهاوى في قبضة الغزاة الطامعين القادمين من الغرب العنصري، سواء كانوا من الصليبيين في التاريخ الغابر أو الصهاينة في التاريخ المعاصر، وتاريخ صراعنا مع خصومنا وأعدائنا شاهد على ذلك.

وعلى الرغم من فترات الانحطاط والتردي التي أصابت أمتنا المنكوبة في فترات متعاقبة من تاريخها إلا أن تاريخنا لم يسجل أن تنازلت الأمة الإسلامية بإرادتها عن شبر واحد من القدس سواء للصليبيين أو لليهود أو غيرهم. ومن هنا تبرز مكانة وقيمة القدس في عقيدتنا وتراثنا الديني، فهي ليست قطعة من الجغرافيا ولا التاريخ، ولا الأرض أو الوطن، وإنما هي بالإضافة إلى ذلك كله عنوان من أهم عناوين وجودنا واستمرارنا.

فالقدس ليست كابول أو جروزني أو كوسوفا، إنها حافظة الزمان العربي منذ أكثر من خمسة آلاف عام وذاكرة التاريخ الإسلامي منذ دخلها الفاروق عمر فاتحا، ولعل أبلغ من وصف مكانة القدس الإمام ابن تيمية الذي واجه ظروفا وتحديات مشابهة للتي نواجهها الآن فلما سئل عن سبب أهمية تحرير القدس أجاب بأن »بيت المقدس صنو البيت الحرام وما يجري عليه يجري على البيت العتيق فهو في خطر ما دامت القدس نفسها في خطر«.

ومن لديه شك بهذه الحقيقة بإمكانه أن يرصد عشرات بل مئات المظاهرات الشعبية الصاخبة التي تعم أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي منذ الشهر الماضي تفاعلا مع انتفاضة الأقصى المباركة.

ولا أعتقد أن أحدا منكم ــ يا أصحاب الجلالة والفخامة والسمو ــ لا يدرك حساسية هذه القضية وعمق أبعادها وانعكاساتها ومدى خطورتها على كل ما توصلتم إليه من اتفاقيات حول السلام الناقص، وبلا شك فإنكم تدركون أن القدس هي جوهرتنا بل هي جوهر الصراع العربي ــ الإسرائيلي الراهن وهي عنوان الاستقرار أو عدمه في المنطقة.

ولأن قمتكم اليوم تأتي في الظروف الأكثر حرجا والأكثر تعقيدا والأكثر حساسية، وخصوصا بالنسبة لهذه القضية، فإنها تكتسب أهمية استثنائية كبيرة، وعليها تتعلق الآمال العربية والإسلامية من منطلق الافتراض أنكم ستقدمون خلال هذه القمة الرد السياسي الفوري والفعلي والعملي المعبر عن ضمير أكثر من ألف مليون مسلم في مختلف أنحاء العالم في مواجهة ما تتعرض له مدينتنا المقدسة من تحديات وأخطار ومؤامرات لم تعد سرا على أحد، في ظل الإصرار الإسرائيلي المتعنت والمدعوم بتواطؤ أميركي مكشوف ومفضوح لتغيير معالم المدينة وتكريس احتلالها وإلحاقها الجائر وغير الشرعي بالدولة العبرية وتهديد أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، بالتقسيم والتهويد والتشطير.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:

هذه الصورة المنشورة على اليسار والتي تصور العلم الإسرائيلي بنجمته السداسية الزرقاء وهو يرفرف بخيلاء في سماء القدس على بعد امتار معدودة من المسجد الأقصى الاسير حيث مقدساتنا تداس بأقدام الصهاينة كهذا الجندي الإسرائيلي وأمثاله.

هذه الصورة المخجلة الموجعة أهديها لكم بمناسبة انعقاد قمتكم الإسلامية التاسعة اليوم في الدوحة لعل وعسى تحرك مشاعركم وتوقظ احاسيسكم وتفجر غضبكم وتوحد صفوفكم وتجسد قدراتكم وتشعل طاقاتكم وتستنفر قواتكم وربما تكون حافزا لكم ينقلكم من حالة الضعف إلى القوة .. وقديما قالوا إن التحديات الصعبة كالصخور العالية تقف عائقا أمام الضعفاء أما الأقوياء فيستخدمونها حافزا ووسيلة للصعود إلى القمة.

وما من شك أن التحول الجذري في تاريخ الأمم من الانكسار إلى الانتصار يحتاج إلى قادة أقوياء ليقودوا شعوبهم إلى طريق النصر. فالأمم تنهض وتعلو بالقادة العظماء ويعود الشعب القهقرى ويفقد قوته وعزته وحياته الحرة الكريمة حينما يتولى أموره مسؤولون يفتقرون لمقومات القوة والقيادة والزعامة.

فالشعوب في كل زمان ومكان مدينة في تقدمها وصعودها للقادة العظماء، وهي تتخلف وتضعف وتهبط على أيدي الضعفاء وتوضح ذلك أحوال امتنا الاسلامية في أيام الخلفاء فشتان بن خليفة وخليفة وشتان بين الخليفة القوي والخليفة الضعيف مع أن منصب أمير المؤمنين واحد.

ولو تلفتنا يمينا ويسارا في هذا الزمان الذي نعيشه لوجدنا أن الشعوب تتعب عندما تكون قياداتها أقل حماسا منها في التصدي للقضايا المصيرية ومواجهة تحديات المرحلة، وفي المقابل تتعب القيادات عندما لا تكون شعوبها واعية بمسؤولياتها الوطنية والقومية.

ومن هنا يمكن أن نفهم كيف تقدمت دول وكيف تخلفت أخرى، ولماذا تسعد شعوب وتشقى أخرى، فالمعادلة تتطلب أن تكون القيادات والشعوب في خندق واحد وتلتف حول هدف واحد.

وعندما نستعرض واقعنا الراهن علي امتداد وطننا العربي وعالمنا الاسلامي نصاب بالقلق والخوف من المستقبل، فهناك أزمة ثقة بيننا وبينكم، وهناك فجوة كبيرة بين حكام الأمة وشعوبها، في المواقف والتوجهات والطموحات، بل هناك هوة واسعة بين قمة السلطة التي تتربعون عليها والقاعدة العريضة التي نشكلها، ويستدل على ذلك من حاضرنا الذي نعيشه إذ لا وجود لأمتنا على خريطة العالم من حيث القوة والنفوذ والتأثير.

فهناك من يتحكم بمصيرنا ووجودنا ومستقبلنا وهناك من يرسم لنا تحركاتنا ويحدد لنا كيف نسير، بل ويحدد سيناريوهات علاقاتنا وأشكالها، ويمنعنا من إقامة أية علاقة خارج هذا السيناريو أو هذا الإطار ومع ذلك تجدنا كدول إسلامية نحتفل بالاستقلال ونوهم أنفسنا بأننا دول مستقلة مع أن الواقع عكس ذلك!

إن أصدق ما نصف به الواقع الرديء الذي يعيشه وطننا العربي وعالمنا الإسلامي هو أننا في هذا العالم دون أن نكون فيه او أن نكون في الجزء الحي القوي المؤثر فيه بالمعنى الصحيح.

والمؤسف أنه حتى يشعر العالم بوجودنا انقسمنا إلى قسمين متنافرين، أحدهما يسعى لإثبات وجوده عن طريق الصدام والتصادم بالعالم المتحضر!

والآخر يرى ذلك عن طريق التودد والتبعية لهذا العالم المتقدم، وهكذا أصبح نصفنا أعداء لهذا العالم ونصفنا عملاء له والنتيجة أننا أصبحنا نخوض معارك شرسة ضد أنفسنا وضد بعضنا البعض نيابة عن أعداء الأمة!

لقد أصبح المسلم يقف ضد أخيه المسلم ويحاربه ويقتله وينهب خيراته ويدمر قدراته ويتآمر عليه، فإلى متى يبقى عالمنا العربي والإسلامي يدفع ثمن حروب الآخرين على أرضه قتلا وخرابا وتدميرا؟

والمؤلم أننا نحن العرب، بل نحن المسلمين، طالما خضنا حروبا شرسة ضد بعضنا البعض، وطالما اختلفنا مع بعضنا البعض على كل شيء وما زلنا نختلف،حتى على انعقاد القمة الاسلامية التاسعة بالدوحة والتي وصلت الخلافات بشأنها واستعراض العضلات على حلبتها الى درجة التهديد بمقاطعتها في ظل وجود المكتب التجاري الاسرائيلي في العاصمة القطرية، في حين اننا تسابقنا على المشاركة في قمة شرم الشيخ الأولى المسماة »قمة صانعي السلام« التي انعقدت في مارس 1996 بهدف انقاذ حكومة شيمون بيريز رئيس وزراء اسرائيل الأسبق ومساعدته على أن يمتطي صهوة حصانه مرة أخرى وجلسنا على طاولة واحدة جنبا إلى جنب مع الوفد الاسرائيلي والتقطنا الصور التذكارية معه.

وللوهلة الأولى لا يمكن للمراقب سوى الاندهاش من هذا الموقف المتناقض، كذلك لا يستطيع مراقب مثلي سوى التساؤل..

كيف نشارك بفاعلية في قمة شرم الشيخ التي انعقدت خصيصا لبحث الاجراءات الكفيلة بحماية أمن اسرائيل وقمع رموز المقاومة الوطنية الاسلامية وضرب خلايا عز الدين القسام الجناح العسكري لحماس، ثم نختلف مع بعضنا البعض ونهدد بعدم المشاركة في قمة الدوحة الاسلامية المخصصة لدعم القضية الفلسطينية و التي لا تشارك فيها اسرائيل اصلا؟!!.

بل يمكن القول دون سخرية اننا لطالما استعجلنا خلافاتنا واخترعناها حين عز وجودها ودعوناها لشق صفوفنا ثم رحبنا بها بكرم حاتمي لتعيش وتعشعش في بيوتنا واجتماعاتنا ومؤتمراتنا!.

واليوم وفي هذه الظروف الصعبة والحرجة والحساسة التي تمر بها أمتنا نناشدكم ألا تسمحوا لخلافاتكم بأن تطل برأسها هذه المرة في أروقة القمة الاسلامية.

فوالله ما عاد في الوقت متسع، فالمرحلة الراهنة تقتضي توحيد الصفوف ولم الشمل وشحذ الهمم من أجل تحرير القدس، حتى لا يأتي يوم لا نسمع فيه صوت الأذان يتردد في المسجد الأقصى مدويا في أرجاء المدينة المقدسة الله أكبر .. الله أكبر.. اشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن محمدا رسول الله.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:

ثمة حلمان متضادان سيطرا على المنطقة منذ منتصف القرن الماضي، حلم عربي بالحصول على الاستقلال وتحقيق الوحدة العربية، وحلم صهيوني ببناء دولة »إسرائيل«.

الحلم الأول أخفق بسبب الضعف، والثاني نجح حتى الآن بسبب القوة.

وما دامت القوة هي منطق العصر، فأين نحن من هذا المنطق؟! وهل لدينا القوة أو القدرة على حماية أنفسنا والدفاع عن إسلامنا ومقدساتنا؟

والسؤال (الافتراضي) الكبير هو ماذا لو قررت الدولة العبرية هدم المسجد الأقصى؟ من سيردعها أو يمنعها أو يوقفها ويتصدى لها منكم؟، وكيف سنشعر بالأمان على مسجدنا ومقدساتنا في القدس؟

فاليهود يؤمنون بأنه »حائط المبكى« وليس حائط البراق، ويزعمون بأنه »جبل الهيكل« وليس بيت المقدس!

هذه الأساسيات يجب أن تكون حاضرة في أذهانكم وأنتم تناقشون قضية القدس اليوم.

وما من شك أن الحديث عن القدس هو حديث عن القرآن الكريم وسورة الإسراء والمكان الذي اجتمع فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والموقع التاريخي الذي يفوح منه عبق التاريخ كله، ولنا مع التاريخ حول القدس دفاعا عنها وتحريرا لها ألف حكاية وحكاية، وليس فتحها على يد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وتحريرها على يد البطل صلاح الدين، إلا بعض أبرز حكاياتها.

فالقدس بالنسبة لنا هي جوهرة الإسلام وجوهرة السلام، وهي جوهر الصراع أيضا ودونها لن يكون هناك سلام حقيقي، وببقائها محتلة لا تتحقق تسوية. وهناك فرق كبير بين أن تكون القدس محتلة ونعجز عن تحريرها مؤقتا وبين أن يجري التنازل عنها والتفريط بحقوقنا جميعا فيها كعرب ومسلمين.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:

في هذا المنعطف الهام ليس في تاريخ القدس فحسب ولا في تاريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي فقط وإنما في تاريخ امتنا العربية والإسلامية ككل نناشدكم ألا تتركوا الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وحده على الساحة خصوصا وهو يتعرض لضغوط إسرائيلية هائلة مدعمة بالولايات المتحدة ورئيسها حتى لا يخضع في النهاية ويلبي مطالبهم.

وما من شك أن حل قضية القدس ليس في تقديم التنازلات وتوقيع الاتفاقيات المشبوهة ولا في المسكنات المقترحة من البيت الأبيض، وإنما في حل شامل وعادل يقوم فيه العالم الإسلامي بواجبه ودوره تجاه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. وبالتالي فان ايجاد حل عادل ومشرف للقضية الفلسطينية وقلبها النابض القدس يكون الركيزة الأساسية لايجاد تسوية شاملة في الشرق الأوسط.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:

لست بحاجة أن أحدثكم عن الاحباط الذي يجتاح الأمة الإسلامية من اقصاها إلى اقصاها ولا أسعى في السطور التالية للتشكيك فيما قدمته منظمة المؤتمر الإسلامي لقضية القدس منذ انشاء المنظمة عام 1969 وحتى يومنا هذا لأن النظر عبر نظارات سوداء لا يفيد شيئا وأمتنا لا ينقصها شيء كهذا الآن، ولست بحاجة أيضا أن أطالبكم بامتلاك عصا موسى التي تحقق المعجزات أو مسحة النبي التي تزيل المرض فورا، ولكننا بحاجة إلى حديث صريح وواقعي معكم تتفحصون مفرداته فتدركون ما في أمتنا من عناصر الضعف فتعالجونها وتعرفون أين مواقع القوة فتظهرونها، ومن هذا المنطلق دعونا نعترف أمام حالة الضعف والوهن التي نعيشها بأنه ليس هناك أمر مستحيل إذا ما توافرت العزيمة والإرادة وقوة التصميم، المهم أن تكون بداية الصحوة والانطلاق والتغيير منكم وبكم فأنتم قادتنا. وكتابنا الكريم يقول:

»إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم«.

وما من شك أن المصباح ينير من ذاته ولا يضيء بتسليط أضواء عليه من خارجه، والورد الشذي بطبيعته يبعث عبيرا من داخله ولا يصير عطرا طيبا برش عطر عليه من غيره، والمناصب القيادية العليا تشرق وتتألق وتضيء بالشخصيات العظيمة التي تتبوأها.

وأقسم أن أمتنا العظيمة يمكن أن تعود إلى سابق عهدها ومجدها بالتضامن الحقيقي وليس الشكلي، ولا أحتاج أن أذكركم بأمجاد أمتنا وقول رسالتنا السماوية »كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر«.

وكل ما نحتاجه هو وقوفكم أمام التحديات بشجاعة وفي ظني ــ وليس كل الظن إثما ــ ليس صعبا أن تأتي قمتكم التي تبدأ أعمالها اليوم بشيء أكثر بكثير من المتوقع، فالمهم الاستفادة من دروس الأمس للتعرف على أسباب الفشل ومعالجتها، ويفترض أن الدروس والمحن التي عانت منها أمتنا ينبغي أن تزيل عنكم ضبابية الرؤية وتداخل الألوان.

نعم ضعفنا وتفرقنا وتأخرنا ولكننا لم ننقرض كالديناصورات ولم ننته. بل ما زال فينا قادة في مستوى المسؤولية والحس الوطني والقومي يدافعون عن الحق العربي وفي مقدمتهم صاحب السمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الزعيم الوحدوي صاحب مقولة »البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي« الذي ندعو له عبر هذه الرسالة المفتوحة بالشفاء العاجل والصحة الدائمة والعمر الطويل المديد بإذن الله.

نعم فينا من باع نفسه ووطنه للأعداء وتعامل معهم ضد قومه وبني دينه، ولكن فينا أيضا قوافل من الأبطال والشهداء الذين دافعوا عن الوطن وقاموا بعمليات بطولية استشهادية جعلت أعداء الأمة يتراجعون ويترنحون وينسحبون رغما عنهم كما حدث في جنوب لبنان.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:

ليس لي بخاتمة لهذه الرسالة إلا قوله تعالى:

»وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم...« سورة الأنفال ـ الآية»60«

ولا أستشهد بهذه الآية الكريمة من أجل تلميع سيوفكم ورفع بنادقكم أو توجيه مدافعكم وصواريخكم نحو أعدائنا الصهاينة، فنحن لسنا دعاة حرب.. ويرى البعض أن مثل هذا الزمان ولى وانقرض!! وأضحى المطالبون بدعواه ديناصورات منقرضة!!، فالجميع يعرف أننا نعيش في زمن السلام المزعوم وان مساحة الجهاد تتقلص الآن وتتحول إلى مجرد كلمات وهمهمات وهمسات، ولكن أريد أن أؤكد انه حتى لو تحقق السلام الناقص الذي تريده »الشقيقة العظمى« الولايات المتحدة الأميركية على جميع المسارات فإن صراعنا مع اليهود سيظل مستمرا إلى يوم القيامة، فهو صراع وجود وليس صراع حدود وهو ليس صراعا طارئا أو مؤقتا ولا نتيجة لظروف نزاع مرحلي على قطعة من الأرض، بل هو صراع ديني عقائدي استراتيجي يقوم على عداوة اليهود للإسلام والمسلمين.

فالصهاينة مع عداوتهم المترسخة ضدنا يسعون ما استطاعوا لإبادتنا، ولذلك يحض القرآن الكريم على محاربتهم وكسر شوكتهم ويعد المسلمين بالنصر..

»قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم...«.

فالنصر ليس مقيدا بالقوة المادية أو العسكرية فحسب بل بالقوة الروحية والمعنوية المستمدة من الإيمان بالله، ويجب أن نعلم جميعا قادة وشعوبا، حكاما ومحكومين، أن مقدساتنا الإسلامية الأسيرة في القدس المحتلة ستظل في خطر دائم وأننا أمام أحداث ليست هينة وإن لم تكن ردة الفعل العربية الإسلامية على مستوى الأحداث فلننتظر إذن المزيد من الذل والهوان.

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو:

لقد ناديت فهل من مجيب؟ وتحدثت بصراحة فهل من مصغ؟ وعذرا إذا اطلت في الرسالة وكم أتمنى ألا أكون قد تجاوزت حدودي، اللهم اني بلغت، اللهم فاشهد، وقبل أن أرسم نقطة الختام يبقى سؤال أخير سيظل يدور بيننا ومن حولنا في أجواء قمة الدوحة الإسلامية ويتطلب منكم الإجابة الفورية.

لقد كانت القدس مفتاح السماء في رحلة الإسراء والمعراج وهي الرهان الصعب الآن، والمطلوب أن يحدد كل واحد منكم موقفه بوضوح على ماذا سيراهن؟.

هــل عــلى تحــريــــرها؟

أم علـــــى تهــويــدهــــا؟


كيف يكون القانون عصريا وهو يوفر غطاء قانونيا للاعتداء على طفولة الفتاة؟!
تساؤلات وملاحظات واقتراحات حول قانون الأحوال الشخصية

تتجه أنظار المجتمع القطري يوم السبت المقبل إلى »المنتدى القضائي الثالث« الذي تنظمه رئاسة المحاكم الشرعية تحت شعار »الأسرة نواة المجتمع« وتدور جلساته ومناقشاته وفعالياته حول مشروع قانون الأحوال الشخصية.

ورغم الاهتمام الكبير الذي يوليه الشارع القطري لهذا القانون، باعتباره أهم التشريعات التي تضعها الدولة لحماية الحياة الأسرية، وتحديد الحقوق والواجبات بين الزوجين، وتنظيم العلاقة بينهما، إلا أن غالبية المواطنين وللأسف الشديد لم يقرأوا مواد القانون الذي يتضمن »320« مادة ولم يطلعوا على محتوياته، بل المؤسف حقا أن الكثيرين يتصورون جهلا أن قانون الأحوال الشخصية يشكل انحيازا للمرأة ضد الرجل وأن مواد القانون تم تفصيلها لصالح المرأة على حساب الرجل!

ومما لاشك فيه أبداً.. أبداً.. أبداً أن هذا الفهم الخاطىء للقانون الذي يأتي تمشيا مع خطوات الإصلاح التشريعي ليس في مكانه، فليست هناك مصلحة خاصة بالمرأة يسعى القانون لتحقيقها وأخرى خاصة بالرجل ولكن يمكن القول إن القانون يفتح الآفاق الواسعة للانتباه إلى مكانة المرأة وكرامتها وموقعها في المجتمع القطري المسلم، وما من شك أن المرأة والرجل وجهان لحقيقة إنسانية واحدة هي المجتمع، وكل ما يطرأ على أي منهما، سلباً كان أو إيجاباً، ينعكس على المجتمع بذكوره وإناثه، ومن هنا لاشك أن استقرار الأسرة هو القاعدة وهو الدافع وهو المنبع وهو المصب لهذا القانون الذي يفترض أن يضع سياجا من الأمان للأسرة كلها، لأنه يضع خطوطاً واضحة وفاصلة لحقوق كل من الزوجين على الآخر وينظم علاقات أفراد الخلية الأولى في المجتمع، وهي الأسرة.

وقبل أن نبدأ في مناقشة مواد القانون بموضوعية وصراحة فإن الحوار يجب أن ينطلق من هذه القاعدة، باعتبارها الهدف الأساسي الذي يسعى القانون لتحقيقه، ولا بد من التأكيد على ان الحديث عن قانون الأحوال الشخصية يجب أن يكون حديثا دقيقا وأمينا وصريحا يخدم الدين والمجتمع والعادات والتقاليد، كما لا بد أن يكون متوازنا يحقق مصالح كافة الأطراف دون مغالاة أو تمييز أو تعصب، فلا نقف في نقاشنا مع طرف ضد الآخر بغوغائية لا تسعد أحدا وبداية لا بد أن نثمن الجهود الكبيرة التي بذلها أعضاء لجنة اعداد القانون الذين تحملوا عبء اختيار الأحكام الشرعية التي تعالج قضايا الأسرة وفق الفقه الإسلامي، على أن هناك أمراً مهماً بل مهما جداً أود أن أطرحه ليكون نقطة البداية في مناقشة القانون وهو ما جاء في المادة الرابعة التي تنص على ما يلي:

»أ« ـ »يعمل بالمعتمد من المذهب الحنبلي فيما لا نص فيه بهذا القانون إلا إذا رأت المحكمة خلاف ذلك لأسباب تبينها في حكمها«.

»ب« ـ »إذا لم يوجد قول معتمد في المذهب الحنبلي لواقعة لا نص فيها بهذا القانون يطبق القاضي ما يراه ملائماً من آراء المذاهب الأربعة فإن تعذر يصار إلى القواعد الفقهية العامة«.

وما من شك أن هذه المادة بصياغتها الحالية تشكل إحدى أهم النقاط الخلافية بين أفراد المجتمع الذين اطلعوا على القانون، بل أصبحت محل جدل واسع وخلاف كبير بينهم في تحديد الأسس التي تستند اليها هذه المادة، والتوجهات التي تسهم في تحقيقها، خصوصاً أنها تؤكد صراحة على التمييز بين المذاهب.

وأتصور ـ ولعلي أكون مخطئاً ـ أنه من واجب المشرع أن يضع في اعتباره أن هذا القانون الموحد سيكون مظلة للجميع، ومن هنا ينبغي توسيع المجال للمذاهب الأخرى، لأن ذلك سيوفر التفافاً شعبياً حول القانون.

كما أعتقد أنه من الضروري الاعتراف بالحقوق المنقوصة للآخرين ــ وأقصد بذلك غير المسلمين المقيمين في قطر ــ وإضافة فقرة جديدة »ج« على المادة الرابعة تنص على ما يلي:

»تسري على الأحوال الشخصية لغير المسلمين الأحكام الخاصة بهم مالم يطلبوا تطبيق نصوص هذا القانون«.

ومن المؤكد أنه لا يغيب عن ذهن المشرِّع أن عدداً كبيراً من غير المسلمين يقيمون في الدولة ويعملون في مؤسساتها العامة والخاصة، ولهم مشاكلهم المتصلة بالشؤون الزوجية ومن هنا وجب مراعاة ذلك.

وما من شك أن المجتمع الإسلامي المتوازن المتسامح الديمقراطي هو الذي يعترف بحقوق الآخرين، ولا يميز بين مواطنيه في المذهب أو الجنس أو اللون.

وبطبيعة الحال فإن قانون الأحوال الشخصية ــ كأي قانون آخر ــ يعالج رغبة مجتمع ما بتنظيم أموره بما يلتقي مع مصالح أفراده دون التفريط بمصلحة الآخرين في إطار ترسيخ وتكريس قيم العدل والمساواة في مختلف مناحي الحياة.

وعلى أي حال لا أود التوقف كثيراً عند المادة الرابعة في قانون الأحوال الشخصية التي اعتقد أنها ستحظى بنصيب كبير من النقاش خلال جلسات المنتدى القضائي، ولكنني سأنتقل إلى مادة أخرى مثيرة للجدل وتستحق التوقف عندها لفترة من الوقت ومناقشتها بصراحة وهي المادة »20« التي تحدد سن أهلية الزواج للشاب والفتاة وتنص على ما يلي:

»تكتمل أهلية الفتى بتمام ثماني عشرة سنة والفتاة بتمام أربع عشرة سنة«!!

ورغم أن هذه المادة لا تحلل حراماً ولا تحرم حلالاً إلا أنها مادة متخلفة ولا تتسم بالرؤية العصرية، فهي تفتح رسمياً أبواب الزواج للفتاة عندما تكمل »14« عاما، وتعطى الغطاء القانوني للاعتداء على طفولتها، وأعتقد أن نص المادة »20« من قانون الأحوال الشخصية يخالف اتفاقية حقوق الطفل التي وقعت عليها دولة قطر، والتي تحدد سن الطفولة من الولادة حتى الثامنة عشرة، ومن هنا وجب تعديل هذه المادة لكي تساير متغيرات العصر.

وفي هذا الإطار استوقفتني تصريحات الشيخ خالد الدرهم مدير المكتب الفني في رئاسة المحاكم الشرعية التي أعلنها في مؤتمره الصحفي أمس الأول.

فالشيخ الدرهم يقول: »إن مشروع القانون يجمع بين الأصالة والمعاصرة«.

ولا أدري ما الذي يقصده فضيلته بالمعاصرة، في الوقت الذي نرى فيه أن القانون يسمح بزواج الفتاة وهي في سن الرابعة عشرة؟!!.

وبصراحة كيف يمكن لقانون الأحوال الشخصية في بلادنا أن يكون معاصرا وينسجم مع المتغيرات الاجتماعية ويستجيب لمتطلبات التحديث وهو يشجع تزويج الأطفال؟!

فالفتاة في هذه السن الطفولية الحرجة المضطربة المتأرجحة لاتزال تنام في سريرها مع لعبة »باربي« ولاتزال تترقب باهتمام كبير موعد مسلسل الرسوم المتحركة »بوكي مان«!!

وما من شك أن وجود المادة »20« بشكلها الحالي في القانون يفتح العيون ويجلب الانتقادات ويضعنا في الموقع المتأخر الذي لانرغب فيه.

فهذه المادة فيها اعتداء على طفولة الفتاة ولا تعكس أي رؤية حضارية ولا تنسجم مع أية متغيرات اجتماعية ولا تلتقي مع أية تطورات عصرية، مما يلقي ظلالا على سلامتها وتمثيلها للضمير الإنساني.

فالفتاة في سن الرابعة عشرة ربما تكتمل أنوثتها الجسدية، ولكن الشيء المؤكد أنها لم تنضج فكرياً ونفسياً واجتماعياً، وبالتالي فهي غير مؤهلة في هذه السن المبكرة لتولي مسؤولية تأسيس أسرة مستقلة عن عائلتها، مما يعرضها لمخاطر الطلاق المبكر الذي ينعكس بشكل سلبي على المجتمع بأسره، بالإضافة إلى أن زواج الفتاة، وهي تتأرجح بين سن الطفولة والمراهقة، يحمّل الفتاة القاصر مسؤوليات مبكرة وضغوطا نفسية واجتماعية هائلة لا تستطيع الوفاء بها في معظم الأحيان، فيؤثر ذلك سلباً على زواجها وزوجها.

وربما يرد أحدهم ويقول إن الفتيات في صدر الإسلام كان زواجهن يتم في سن أصغر من الرابعة عشرة، ونرد ونقول إن الظروف الاجتماعية اختلفت بين حياة الناس في أيام الرسول الكريم# وبين الأيام التي نعيشها الآن.

فلم تكن الفتاة التي ولدت وعاشت قبل أكثر من 1500 سنة مرتبطة بمدرسة نظامية وطموحات مستقبلية، وإنما كان أقصى طموحات أسرتها أن تزوجها.

وما من شك أن فتاة اليوم التي في سن الرابعة عشرة لاتزال على مقاعد الدراسة الاعدادية ولم تتجاوز بعد المرحلة الثانوية، وزواجها في هذه السن المبكرة سيؤدي حتما إلى القضاء على مستقبلها الدراسي، وقد أثبتت الدراسات والاحصاءات أن زواج »الأطفال« مصيره الفشل وعدم الصمود في وجه الخلافات والاضطرابات الزوجية.

وأعتقد أن »95%« من الآباء والأمهات الذين يقرأون الآن هذه السطور يرفضون بشكل قاطع أن يزوجوا بناتهم في هذه السن المبكرة.

وبصراحة إذا كنا نريد لقانون الأحوال الشخصية أن يكون قانوناً عصرياً ينبغي تعديل المادة »20« فنحن لا نريد أن يكون في القانون شيء يجرنا إلى الوراء ويعكس عقلية غير حضارية وغير معاصرة ولا تتجانس مع منطق العصر واتجاهاته وتطوراته.

وحتى لا نذهب بعيداً فإننا ندعو بل نطالب بما هو معمول به في القانون المطبق في الشقيقة سلطنة عمان والقوانين والتشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية في معظم الدول العربية والإسلامية التي تدعو إلى رفع سن الزواج إلى »18« عاماً لضمان النضج العقلي والنفسي اللازمين لاستمرار الحياة الزوجية واستقرارها.

ومن المادة »20« لو انتقلنا مباشرة إلى المادة »52« سنجد أنها مادة منقولة حرفياً من أحد القوانين المطبقة في إحدى الدول العربية وليست لها علاقة بمجتمعنا القطري، فماذا تقول هذه المادة المقتبسة؟

من المفيد مناقشة المادة لكي تتضح لنا معانيها فهي تنص على ما يلي:

أ ـ تتملك البالغة الجهاز الذي يجهزها به الأب حال صحته بالقبض.

ب ـ تتملك القاصرة الجهاز الذي يجهزها به الأب بمجرد شرائه لها ولو لم تقبضه.

ج ـ إذا جهز الأب ابنته حال مرض موته فلا تتملك الجهاز إلا بإجازة الورثة.من الواضح أن هذه المادة المقتبسة لا تنسجم مع عادات الزواج في مجتمعنا القطري ومن هنا ينبغي حذفها مع باقي المواد المتعلقة بتجهيز الأب لابنته وهي »53 و54 و55«، لأنها لا تتطابق مع تقاليد الزواج المعروفة عندنا، وكما هو معروف فإن الفتاة وأهلها لايجهزون في قطر، وفي كل دول الخليج، فالزوج هو الذي يتحمل تكاليف الزواج.

ولعل ما يثير الدهشة والاستغراب ما جاء في المادة »54« التي تنص على ما يلي:

»تأخذ الأم حكم الأب في قضايا الجهاز«!!! والمعروف أن الأم في مجتمعنا هي الأكثر علما ومعرفة ودراية بكل ما يتعلق بتفاصيل زواج ابنتها.وكم كنا نتمنى من المشرع قبل أن ينقل ويقتبس من قوانين الدول الأخرى، أن يتأكد من ان هذه المواد المنقولة لا تتصادم مع عادات وتقاليد المجتمع القطري، فلكل مجتمع شرائعه التي يستند إليها وما زالت لدينا تقاليد لها من القوة ما للقانون!

عموما.. أعتقد أن النقاش الساخن حول مشروع قانون الأحوال الشخصية لم يبدأ بعد، وموعدنا يوم السبت المقبل مع »المنتدى القضائي الثالث« وأتمنى للمشاركين في المنتدى الوصول إلى توصيات وقرارات تعيد روح القرن الحادي والعشرين إلى القانون!

أحمد علي


ألا تستحق عاصمتنا أن تكون مدينة جميلة بصورة دائمة وليست مؤقتة؟
تجميل الدوحة.. لماذا للمؤتمرات والمناسبات فقط؟

من يتجول في مدينة الدوحة هذه الأيام يشعر أنها تحولت إلى ورشة عمل كبيرة، فالاستعدادات تجري على قدم وساق، من المطار وحتى أبعد نقطة على امتداد الكورنيش، لتجميل المدينة وتلميع صورتها الشاحبة، تمهيدا لاحتضانها القمة الإسلامية المرتقبة الشهر المقبل.

ومن الملاحظ أن فرق العمل تعمل ليلاً ونهاراً وتنتشر في الشوارع الرئيسية والميادين العامة، وتخوض سباقاً محموماً مع الزمن لوضع اللمسات الاخيرة في عملية »التجميل والمكياج« قبل وصول ضيوف قطر الأعزاء.

وما من شك أن تجميل عاصمتنا التي ستستضيف بعد أسابيع قادة العالم الإسلامي، وإضفاء لمسة جمالية على شوارعها ومرافقها الأساسية، هو حلم كل مواطن ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح..

لماذا لا نلتفت لمعالجة واقع مدينتنا إلا في اللحظات الحرجة؟

ولماذا لا تحظى عاصمتنا بالاهتمام المطلوب ـ كأي عاصمة عصرية ـ إلا في المناسبات الرسمية أو المؤتمرات الدولية التي تستضيفها البلاد؟

إننا نسأل.. ومن حقنا أن نتساءل: أين كانت الأجهزة المعنية طيلة الأشهر الماضية؟ ولماذا لم تبدأ خطط تجميل الدوحة إلا في الساعات الأخيرة مع اقتراب انعقاد القمة الإسلامية؟

وبصراحة من يشاهد المجسمات الخشبية التي يجري تركيبها على عجل وتلصيقها في شوارع الدوحة يشعر وكأن الأجهزة المعنية كانت تغط في سبات عميق كأهل الكهف، ثم أفاقت فجأة من نومها ولم تجد أمامها سوى اللجوء إلى خطط الترقيع المؤقتة لتجميل المدينة، رغم أن اختيار قطر لاستضافة هذا الحدث السياسي الإسلامي الكبير تم منذ ثلاثة أعوام تقريبا، وبالتحديد في 11 ديسمبر ،1997 وكان هناك متسع من الوقت لبناء مدينة عصرية متكاملة وليس مجرد ترقيع الشوارع بالأسفلت وتجميل الميادين بالمجسمات الخشبية المستعجلة!

وليت الأمر يقتصر على ذلك فحسب، ولكن الشيء المحزن حقا أن هذه المجسمات تكلف الدولة أضعاف تكاليفها الحقيقية فيما لو كانت قد أنجزت في وقت سابق، لأنه من المعروف حسابيا في أعمال الإنشاءات أن التكلفة تكون مضاعفة عندما يكون مطلوبا انجاز العمل في زمن قياسي، ومن هنا فاننا نتحسر على هذه الأموال الضائعة التي يتم إهدارها على مجسمات خشبية مؤقتة، نعرف مسبقا أنها لن تعمر طويلا لأنها مصنوعة من مواد لا تتحمل التقلبات المناخية! والسؤال الذي نطرحه على المسؤولين في الأجهزة المعنية: ألا تستحق الدوحة أن تكون مدينة جميلة بصوة دائمة وليست مؤقتة؟

ولماذا لا نتحرك إلا في الوقت الضائع لتجميل مدينتنا بينما بإمكاننا أن نجعلها تنافس العواصم العصرية لو خططنا لذلك بصورة سليمة وفق برنامج زمني يمر بمراحل متعددة، بعيدا عن هدر المال الذي نلمسه الآن وتلافيا لأخطاء الاستعجال التي حتما ستكون افرازاً طبيعياً للحالة الطارئة التي تعيشها شوارع المدينة هذه الأيام.

إننا لا نفهم ما هو السر في تأجيل مشاريع الدولة الرئيسية ثم محاولة انجازها في اللحظات الحرجة، كما لا نستطيع أن نفهم أو نجد تفسيراً منطقياً يوضح لنا أسباب أهمال حديقة المطار التي تحولت إلى مساحة جرداء بعد أن كانت حديقة خضراء يتنفس فيها المواطنون والمقيمون، وبعد سنوات الاهمال التي جعلتها كعصف مأكول، نجد الجهات المعنية تشعر فجأة بأهميتها الجمالية مع اقتراب انعقاد القمة الإسلامية فتبدأ بزراعتها من جديد!!

فهل نسمي ذلك تخطيطا أم تخبطاً؟!

وما هو السر في كل هذه التناقضات؟!

وما هي الجهة التي تقود مدينتنا إلى الوراء وتضع العراقيل أمام تطويرها وتعطل خطط تجميلها وانجاز مشاريعها الحيوية؟!

هل الخلل موجود في وزارة البلدية؟!

أم المشكلة تكمن في وزارة المالية التي تضيق الخناق على وزارات الخدمات ولا تسمح بصرف احتياجاتها من الميزانية؟!

وهل كتب على عاصمتنا أن تظل أسيرة الروتين والبيروقراطية والميزانية المضغوطة، بينما العواصم الأخرى من حولنا تنهض وتتطور وتتقدم وتساير العصر بل تنافس أرقى المدن في العالم؟

أم كتب علينا أن ننظر باعجاب إلى عواصم الآخرين ونظل نتحسر على مصير عشرات المشاريع المؤجلة أو المعطلة التي نسمع عنها منذ سنوات في تصريحات المسؤولين، ولكنها لا تنجز ويتم حفظها في الأدراج، ومن بينها مشروع مطار الدوحة الذي كنا نتطلع إليه كأحد الانجازات المرتقبة في الألفية الثانية ولم ينفذ، حتى دخلنا الألفية الثالثة!!

احمد علي


رئيس التحرير يكشف عيوب مشروع قانون المطبوعات الذي طال انتظاره والمعروض على مجلس الشورى
مشروع قانون للمطبوعات .. أم لقمع الحريات

عقوبة السجن تساوي بين المجرم المدمن على تعاطي وتهريب المخدرات.. والصحفي المؤمن بالرأي الآخر

نشكر بحرارة الذين صاغوا مشروع القانون لإسقاطهم عقوبة الإعدام من قائمة عقوبات الصحفيين!

عاقبوا الصحفيين إذا أخطأوا.. ولكن بتصعيد الغرامة المالية وليس بالسجن

تشديد العقوبات يعني وضع العقبات أمام حرية الصحافة

كيف نحدد مفهوم »المصلحة العامة« التي يختلف تفسيرها من شخص لآخر؟!

لست أظن أن أحدا يمكنه أن يجادل في أن حرية الصحافة في بلادنا أصبحت إحدى سمات نظامنا السياسي في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير الحرية وحارس الديمقراطية القطرية، الذي أستطيع أن أصف موقفه دائما بأنه نصير الحريات المسؤولة، وداعم أصيل لحرية الصحافة الواعية، يصد عنها دائما رياح الضغوط التي تأتي من منابع الخوف من الحرية لدى بعض الجهات في الدولة وبعض الاتجاهات في المجتمع.

في هذا الإطار جاء حرص سموه ــ حفظه الله ــ على تحديث قانون المطبوعات والنشر رقم »8« لسنة 1979 الذي تجاوزته الأحداث والمتغيرات السياسية والإعلامية التي شهدتها بلادنا في السنوات الأخيرة، وبات من المحتم إعادة النظر فيه وتغييره في ضوء ما يحتويه من مواد بعيدة عن روح العصر ونصوص لا تنسجم مع المرحلة الحالية، لأنها تتحدث عن مؤسسات ألغيت ولم يعد لها وجود في قاموسنا الإعلامي، ومن بينها وزارة الإعلام التي انهارت وتفككت إلى إدارات متناثرة مبعثرة هنا وهناك وسقطت مثل سقوط الاتحاد السوفياتي!

وما من شك أننا جميعا نتطلع إلى صدور قانون مطبوعات عصري وحضاري يفتح آفاقا أوسع أمام حرية الصحافة، ويوفر الضمانات لاستمرارها ويشجع على الحوار البناء، ويسهم في إحداث تطور نوعي في مستوى صحافتنا والارتقاء بها لتكون بحق ضمير الوطن والممثل الحقيقي لتطلعات وطموحات المواطنين في تبني قضاياهم والدفاع عن مصالحهم.

وقبل أيام اطلعت على مشروع قانون المطبوعات المنتظر، الذي نحلم بصدوره منذ سنوات وسنوات، وبعد قراءة متأنية لمواده ونصوصه أصبت بالصدمة والإحباط وضيق التنفس، فالمشروع ينطوي على مواد لا تلائم واقعنا الإعلامي الراهن ويتضمن نصوصا فضفاضة ومطاطة يصعب تحديدها بدقة ويمكن الاختلاف في تفسيرها.

ووجدت بعد قراءتي للمشروع أننا إزاء مشكلة عامة هامة لا تمس مهنتنا فحسب، وإنما تمس حياتنا ومستقبلنا ومكتسباتنا الصحفية، ومن هنا فإنني سأتجرأ اليوم بصفتي منتميا إلى المهنة وأحد العاملين في ساحتها وأحد المعنيين بقوانينها بكشف عيوب مشروع قانون المطبوعات المنتظر.

وأعلم أنه سيغضب مني كثيرون حينما يقرأون هذا الكلام ومع ذلك سأكتبه واقوله وادافع عنه انطلاقا من انحيازي الكامل لحرية الصحافة.

ومع احترامي العميق لكل الخبراء الذين صاغوا مشروع القانون الجديد يمكنني القول إنه لم يأت بجديد سوى تشديد العقوبات على الصحفيين والتي خصص لها فصلا كاملا هو الفصل السادس، والمؤسف أن هذا الفصل يتضمن مجموعة من المواد المتشددة التي تتجاهل كل الإنجازات التي حققتها صحافتنا والمكتسبات التي حققها مجتمعنا على صعيد الحريات، مثلما تتجاهل كل تطورات ثورة المعلومات في زمن الإنترنت، وتشكل حاجزا صلبا وصعبا أمام تطور صحافتنا القطرية في المستقبل القريب والبعيد.

ولعل أسوأ المواد التي استوقفتني ــ وأرعبتني في نفس الوقت ــ المادة »61« التي تجيز الحبس أو الغرامة أو إحدى هاتين العقوبتين »إذا نشرت المطبوعة الصحفية مقالا أو خبرا تضمن معلومات كاذبة أو مغلوطة تمس المصلحة العامة... الخ« (المادة 16) أو »إذا نشرت المطبوعة مقالا أو خبرا تضمن تعريضا أو تشهيرا إلى شخص معين طبيعي أو معنوي... الخ « (المادة 17).

وأكاد أجزم أنه ما من صحفي أو كاتب يصون حق الكلمة الحرة ويلتزم بمسؤوليتها يمكن أن ينتصر لنشر أخبار كاذبة أو مغلوطة، خصوصا إذا تعلق الأمر بالمصلحة العامة، ولكن ينبغي أن نتفق بأن الحواجز والموانع والقيود التي يضعها بعض المسؤولين في وزارات الدولة أمام الصحفيين تحول دون التحقق من صحة الأخبار.

وإذا كان مطلوبا منا كصحفيين أن نتحقق مما ننشره يصبح ضروريا على وزارات ومؤسسات الدولة أن تساعدنا وتتعاون معنا للحصول على المعلومات الصحيحة، وأن تعطي للصحافة فرصة الوصول إلى منابع الأخبار وهذه الأمور تجاهلها واضعو القانون ولم يحسبوا لها حسابها الدقيق، فكيف يمكن للصحافة أن تؤدي رسالتها النبيلة بينما أبواب الأخبار مغلقة في وجهها؟

وبصراحة كان الأجدى بمن صاغ مشروع القانون قبل أن يخصص فصلا كاملا للعقوبات أن يخصص فصلا عن الضمانات التي ينبغي توفيرها للصحفيين حتى يؤدوا رسالتهم وحتى يضمنوا حرية الوصول إلى المعلومات الصحيحة التي هي درع الوقاية للصحفي من الوقوع في محظور العدوان على الحقيقة.

ويبدو لي أن الذي صاغ مشروع القانون الجديد وضع مواده دون استيعاب متغيرات الواقع الصحفي القطري، وإلا بماذا نفسر إغفاله تأمين حق الصحفي في الحصول على المعلومات والوصول لها في وزارات ومؤسسات الدولة؟.

ولا نكون مغالين أو مبالغين إذا قلنا إننا نعيش يوميا معاناة حقيقية من أجل الحصول على المعلومات الصحيحة والأخبار الدقيقة بعد أن أغلقت أغلب وزارات الدولة ومؤسساتها أبوابها في وجه الصحفيين الباحثين عن الحقيقة، وأصبحت معظم المنافذ مسدودة والمعلومات التي تهم الناس وتمس مصالحهم مختومة بختم السرية ولا يسمح لنا بتداولها أو نشرها!

ولا نذيع سرا عندما نقول إن معظم كبار المسؤولين لا يرحبون بالتعامل مع الصحافة بينما صغار الموظفين يخافون من الحديث مع الصحفيين بتعليمات مشددة من بعض الوزراء!.

والمضحك المبكي في نفس الوقت أنك تذهب إلى مدير مدرسة ابتدائية لتناقشه حول قضية تربوية عامة فيخاف من الكلام حتى لا يغضب وزير التربية! وتذهب إلى طبيب في المستشفى فيرفض الحديث خوفا من وزير الصحة! وتذهب إلى موظف في قسم مكافحة القوارض فيرفض التصريح خوفا من وزير البلدية! وتذهب إلى قسم حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد فلا تجد أحدا يجرؤ على الكلام خوفا من وزير المالية! وتذهب إلى وزارة الداخلية فلا تستطيع اتمام أي تحقيق صحفي إلا بعد الرجوع إلى العلاقات العامة التي يمكنها أن تحذف ما لا يعجبها من التحقيق وتلزمنا بقراءة المادة الصحفية قبل نشرها! وتذهب إلى وزارة الخارجية فلا تستطيع أن تخرج بمادة صحفية إلا من خلال تصريحات المتحدث الاعلامي الرسمي الموسمية!

وهكذا تفاجأ بأن هناك حظرا يكاد يكون شاملا على كل منابع الأخبار!.

.. وإزاء هذا الوضع كيف تمارس الصحافة دورها؟! وكيف تؤدي رسالتها؟ وأي حرية صحافة نريد إذا تم تشريع المواد المتشددة في مشروع قانون المطبوعات الجديد؟

هل الحرية الشكلية الديكورية؟

أم الحرية الحقيقية التي ينبغي أن تمارس وفق ضمانات قانونية وتشريعية؟!

وما من شك أن الحل الوحيد ـــ سواء بوجود عقوبة السجن في قانون المطبوعات أو عدمها ــــ هو فتح الأبواب لتدفق المعلومات وحرية تداول الأخبار وأن تكون لدى أية وزارة أو مؤسسة عامة شجاعة الإعلان عما يدور بداخلها، وأن يكون حق الحصول على المعلومات والوصول إليها متاحا لكل صحفي ثم نحاسبه بعد ذلك إذا أخطأ أو تجاوز، فهذه هي القاعدة الصحيحة المتعارف عليها في العالم الديمقراطي المتحضر.

إن حرية تدفق المعلومات وتداولها ونشرها في الصحافة ينبغي تأكيدها في قانون المطبوعات المنتظر، حتى تصبح صحافتنا حرة قولا وفعلا، وبغير هذه الحرية لا يمكن أن نزعم أننا نعيش انفتاحا إعلاميا أو حرية صحفية، ولن تستطيع صحافتنا حتى لو تطورت تكنولوجيا في الطباعة أن تقدم خدمة حقيقية للوطن والمواطنين.

ومن المؤسف بل المحزن عدم إدراك واضعي مشروع القانون لمعنى حرية الصحافة المسؤولة كقيمة أساسية وليست شكلية في مجتمعنا، وكميزة أساسية من مميزات العهد الجديد، وأقولها بصراحة إن عودة الرقيب أفضل من مشروع القانون الذي طال انتظاره لانها ستوفر لنا ضمانات لا يوفرها المشروع الحالي!.

وأكاد أجزم أن معظم مواد المشروع الجديد قديمة ومأخوذة من قوانين دول لا تؤمن بحرية الصحافة، وكان لزاما علينا ونحن نشرّع للصحافة القطرية في عهد أمير الحرية أن نقرأ ونسترشد بتشريعات الصحافة الحرة في دول العالم المتحضر التي كان لها السبق والريادة في هذا المجال وغيره.

ولا أريد أن أستطرد كثيرا في هذا السياق ولكن أرى من واجبي كمواطن، قبل أن أكون كاتبا أو صحفيا، أن أنبه إلى أن مستقبل حرية الصحافة في بلادنا سيكون مهددا إذا تم إقرار حبس الصحفيين في قانون المطبوعات الجديد، وهذه المخاوف لابد أن يعبر عنها كل صحفي وكل مواطن مخلص يهمه ترسيخ حرية الصحافة الواعية المسؤولة، ولا بد أن نخلق رأيا عاما يقف إلى جانب إسقاط عقوبة السجن من قانون المطبوعات الجديد.

وما من شك أن عقوبة السجن في حال تشريعها في القانون الجديد ستكون سيفا مصلتا على رقاب الصحفيين وهذا يتطلب منا جميعا، أصحاب رأي وفكر وقلم، وقفة حازمة ضدها لحماية المكتسبات التي حققتها صحافتنا في عهد أمير الحرية حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى.

وهذا هو الدور والموقف المطلوب من السادة رئيس وأعضاء مجلس الشورى الذين مازالوا يناقشون المشروع في اطار لجنة الشؤون القانونية والتشريعية.

ولست في حاجة إلى أن أؤكد أن عقوبة الحبس لم تعد موجودة في قوانين المطبوعات في الدول الديمقراطية، وحتى تكون الأمور واضحة وحتى لا يساء الفهم لا يعني ذلك أننا نعفيأنفسنا من المسؤولية إذا أخطأنا، أو نطالب بالحصانة إذا تجاوزنا، فالصحفي ليس فوق المساءلة القانونية وليس أكبر من القانون، بل ينبغي معاقبته إذا أخطأ ولكن من حيث الغرامة المالية وزيادتها وتصعيدها وليس زج الصحفي في السجن سواء كان رئيسا للتحرير أو محررا أو كاتبا فذلك أمر يتنافى مع طبيعة المهنة ورسالتها النبيلة في المجتمع، لأن هذه العقوبة تساوي بشكل مؤسف بين الصحفي الذي يبحث عن الحقيقة وبين أي مجرم آثم أو لص خبير في الإجرام!

وبالطبع نحن هنا لا ندعي أن صحافتنا معصومة من الخطأ، فقد تكون للصحافة سلوكياتها الخاطئة، شأنها في ذلك شأن كل نشاط بشري توجد فيه كل أنواع السلوكيات، حلوها ومرها، غير أن تقويم أخطاء الصحافة لا يعني تجريم الصحفي ومعاقبته بالحبس وكأنه واحد من أخطر المجرمين، لذا فإننا نأمل ونطمح بل نطالب بإلغاء عقوبة السجن من مشروع قانون المطبوعات المنتظر، لأن هذه المادة تساوي بين المجرم المدمن في قضايا المخدرات والمؤمن بالرأي الآخر.

ونحن هنا لا ندافع عن أنفسنا بقدر ما ندافع عن مكتسبات حرية الصحافة في بلادنا، وعن حق المواطن في المعلومة الصحيحة والخبر الصادق، ولا نترافع عن مصالحنا بقدر ما نحرص على وضع الأمور في نصابها السليم، في إطار فهمنا العميق لأبعاد المشهد الإعلامي القطري.

وما من شك أن القانون الذي نريده وننتظره ليس لصحافة اليوم فحسب وإنما لصحافة الغد، وينبغي أن يلبي متطلبات صحافة المستقبل، وهذا ما تفرضه إيقاعات العصر التي تتلاحق بمعدلات عالية وينبغي أن نسايرها ونلاحقها.

لقد نسي الخبراء الذين وضعوا مشروع القانون أنه لن يطبق فقط على كاتب هذه السطور وأسرة تحرير | أو على زميلي الأستاذ عبدالعزيز آل محمود وأسرة تحرير »الشرق« أو على زميلنا الأستاذ يوسف الدرويش وأسرة تحرير »الراية« وإنما سيطبق أيضا على من سيأتون بعدنا غدا وبعد غد وخلال السنوات المقبلة وربما خلال العشرين عاما المقبلة، ولهذا ينبغي أن يكون منسجما مع صحافة زمن الإنترنت وتكنولوجيا تدفق المعلومات.

ولست أظن أن أحدا يختلف معي في أن تشديد العقوبات في قضايا الصحافة والنشر لا يتناسب مع طبيعة المرحلة التي نعيشها، والتي حققت فيها صحافتنا خلال السنوات الخمس الماضية ما لم يتحقق لها منذ تأسيسها قبل ثلاثين عاما، ولا أحد يستطيع ان ينكر ان حرية الصحافة اعطت قطر وجهاً مشرقاً في الخارج، واكسبتها احتراما إضافيا في العالم أجمع، باعتبارها دولة تؤمن بالديمقراطية وحرية الرأي، ولا أعتقد أن أحدا يختلف معي في أن حرية الصحافة لا يمكن تحقيقها والوصول إليها بينما أيدي الصحفيين ترتعش بسبب الخوف من الحبس!

فما فائدة أن نكتب بحرية دون وجود ضمانات تحمينا من عقوبة السجن؟! ومن الذي يحكم على صحة الخبر إذا كان أصحاب الخبر لا يريدون كشفه والإفصاح عنه؟

أقول هذا وأؤكد مرة أخرى أن إلغاء عقوبة السجن من قانون المطبوعات الجديد هو قضية القضايا بالنسبة لي، وأكاد أجزم أنه كذلك لغيري من الصحفيين، لأن ذلك يعني أن نكون أو لا نكون وأن تكون في بلادنا صحافة حرة أو لا تكون.

وأخشى ما أخشاه أنه لو تم تشريع عقوبة السجن في القانون الجديد ستكون حرية الصحافة مهددة باستمرار في بلادنا، بحيث تتعطل قدرة صحافتنا على ممارسة دورها الحقيقي كعين للمواطن يرى بها ويراقب ويتابع، ويرفض ويؤيد، ويصفق وينتقد، ويكتب رأيه في قضايا وطنه الداخلية والخارجية.

وحتما ستكون لهذه المواد المتشددة آثار سلبية عميقة على مستقبل ممارسة مهنة الصحافة في بلادنا، وبطبيعة الحال سيجد الكاتب نفسه ــ خشية التعرض للعقاب ــ مضطرا لأن يمتنع عن الكتابة تماما ويتوقف عن إبداء أي رأي وفي هذه الحالة سوف يفقد القراء عددا من قادة الرأي الذين يعالجون مشاكل المجتمع ويتصدون بالنقد والتحليل لما يستجد من أحداث، وهنا سيصبح من الصعب على الصحافة كشف أي عيب في الجهاز الحكومي أو التعرض لما قد يقع من تجاوزات أو إهمال في أعمال أي موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة، أو متابعة المشروعات الحكومية للكشف عما يعتريها من نقص أو قصور في الأداء، وتلك نتائج حقيقية لا تنطوي على أدنى مبالغة، يهمنا أن نلفت النظر إليها.

وربما يجد كاتب آخر نفسه مضطرا لمسايرة كل ما يحدث من أحداث ومتابعتها بالنقد، وهنا سيكون معرضا للوقوع تحت طائلة العقوبات إذا نشر خبرا غير مرغوب في نشره، خاصة أن أي وزير أو مدير أو مسؤول يستطيع أن يدفع بالصحفي إلى السجن لأنه المرجعية الوحيدة التي تحتكر الحكم على صحة الخبر أو كذبه بدعوى حماية المصلحة العامة!

وهنا يحق لنا أن نتوقف قليلا عند »المادة 23« التي تنص على ما يلي:

»يجوز في الأحوال الاستثنائية التي تتطلب فيها المصلحة العامة اتخاذ تدابير عاجلة وقف إصدار المطبوعة الصحفية لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر«.

وكما تلاحظون هذه مادة غريبة عجيبة لا تأتي إلا في احكام قوانين الطوارىء.

ولا جدال أن كلمة المصلحة العامة التي وردت فيها قابلة للتأويل ويمكن استخدامها بشكل انتقائي، لأنها كلمة ضبابية هلامية مطاطة فضفاضة لا يمكن أن تعطينا مقياسا للصواب والخطأ لأنها تخضع للاجتهاد والتقدير ويختلف تفسيرها من شخص لآخر. والسؤال الذي نطرحه بقوة وننتظر الاجابة عنه:

كيف نحدد مفهوم المصلحة العامة؟

وهل سيتم تطبيق عقوبة السجن على بعض العاملين في قناة الجزيرة عندما يتجاوزون الحدود ويمسون »المصلحة العامة« ويعرضون مصالح قطر الخارجية وعلاقاتها مع الاشقاء والاصدقاء للضرر، خاصة أن »الجزيرة« تبث برامجها من قلب الدوحة وينبغي أن تلتزم بقوانينها الإعلامية؟

وبعد.. سواء انتهى الأمر إلى سريان المواد المتشددة في مشروع قانون المطبوعات المنتظر أم تم تعديلها أم تم إسقاط عقوبة السجن يمكن القول إنه لم تبق سوى عقوبة الإعدام فقط التي لم تدخل ضمن قائمة العقوبات التي فرضت على الصحفيين، ولهذا فإنني أتوجه بأصدق عبارات الشكر والامتنان للخبراء الذي قاموا بصياغة مشروع القانون، لأنهم تكرموا واسقطوا عقوبة الإعدام من قائمة العقوبات، فهذا كرم كبير وموقف انساني نبيل منهم، وأعتقد ــ وأتمنى ألا أكون مخطئا ــ أن هذه اللفتة الكريمة منهم تؤكد إيمانهم الكبير بحرية الصحافة في قطر!.

احمد علي




.



 

dot.jpg (631 bytes)

.
|الصفحة الافتتاحية | الصفحات الكاملة | الأولى | أخبار الدولة | في رحاب الإيمان || أولى اقتصاد | صفحات الاقتصاد|
| عربية | دولية | تقارير | حوارات | ترجمات | مقالات | آراء وقضايا | كاريكاتير | ثقافة | المجتمع القطري | الأخيرة | آخر الاخبار|
|ملحق الوطن والمواطن | محليات1 | محليات 2 | محليات 3 | تسمع وتشاهد ||ملحق الوطن الرياضي | رياضة 1 | رياضة 2 | رياضة 3 |
| رياضة 4 || الصفحات | الاعداد السابقة | دار الوطن | الاعلانات | التوزيع | الدائرة التجارية | دليل الموقع | التعريب|

top.gif (1458 bytes)
حقوق النشر محفوظة | دار الوطن للطباعة والنشر والتوزيع ذ.م.م
هاتف : +974 4652244 - ص.ب : 22345 - الدوحة - قطر

top.gif (1458 bytes)