الاثنين 4 حزيران 2001

 


 

هنا وهناك

احتفال تونسي بالخيال

رسالة الى ميليشيات المثقفين

حثدنا... قال الوزير التاريخي

ايام مع فريد عواد

سحر الصور في كاميرات المنتصرين

بين بيانين

"المقدمة سيرة فلسفية ذاتية"

الذبيحة

دار فيرجين للموسيقى

عائد الى يافا

النهار الرياضي

نهار الشباب

نهار الانترنت

الدليل

الملحق الثقافي

سلامتك

النهار 2001

عالمنا الآخر


الصفحة الرئيسية

مساعدة

عـبـد الـمـنـعـم رمـضـان

عن التطبيع الثقافي وشجون أخرى

رســــالـة الـى مـيـلـيــشـــيـات الـمـثـقـفـيـن:

ديمــاغـوجـيـتـكم أقـوى مـن طــيران "جـيـش الدفــاع الاســـرائـيـلـي"

منذ ثلاثة أسابيع فوجئت الأوساط الأدبية العربية برائحة فضائحية. الحكاية بدأت حين نشرت "أخبار الأدب" القاهرية تقريراً عن مشروع لترجمة الأدب العربي الى العبرية. بدأ التقرير بمحاولة دار نشر إسرائيلية ترجمة رواية "أيام الانسان السبعة" لعبد الحكيم قاسم، ثم انعطف الى سرقة الأدب العربي وترجمته الى العبرية من دون موافقة مؤلفيه، وانتهت بمشروع "دار الأندلس" في اسرائيل الذي تديره ياعيل ليرير، التي عملت مستشارة للنائب الفلسطيني في الكنيست الإسرائيلية عزمي بشارة، والمعروفة بمواقفها المعادية للصهيونية، والتي تدير الآن مشروعاً لترجمة أعمال أدبية عربية الى العبرية، صدر منها "لماذا تركتَ الحصان وحيداً" لمحمود درويش، و"الخبز الحافي" لمحمد شكري، و"عرس الزين" للطيب صالح. ومن المنتظر أن يصدر عنها قريباً "البئر الأولى" لجبرا ابرهيم جبرا و"باب الشمس" لإلياس خوري و"حكاية زهرة" لحنان الشيخ. الفضيحة المفتعلة ترددت أصداؤها في الصحف العربية واتخذت أشكالاً متعددة، معبّرة عن أزمة "الفضيحة" في أوساط ثقافية عربية لا تميّز بين التطبيع والمقاومة الثقافية للمشروع الصهيوني. الشاعر المصري عبد المنعم رمضان يضع في هذا المقال الذي كتبه لـ"الملحق" إصبعه على جرح ثقافي يحتاج الى تصويب عقلاني جذري.

ما يجعل كلمة التطبيع شركاً يمكن ان يتهدد كل فرد في كل آن واوان، هو كونه مفهوما شخصيا لا يستند الى معيار موضوعي. هذا المفهوم الشخصي يضع رؤوف مسعد في القائمة السوداء لأنه سافر الى القدس بتكليف من التلفزيون الهولندي، فيما تنجو اهداف سويف من المصير نفسه وهي التي سافرت ايضا الى القدس بتكليف من احدى الصحف الانكليزية، ويتغافل عن منى انيس التي تذهب لتغطية الانتخابات ويطارد فريدة النقاش عندما تنشر مقالة هناك لدى الشيوعيين. هذا المفهوم الشخصي تفهّم في آونة اخرى ما قامت به بعض اجنحة اليسار العربي من تعاون ما مع الحزب الشيوعي في اسرائيل ومع صحفه، ولكنه سيتهم في آونة تالية آخرين يتعاملون مع جماعات النضال الديموقراطي المعادي للصهيونية والاحتلال والذين هم اخلاف الشيوعيين تقريبا. كلنا يعلم ان ظلال الشيوعيين صارت مثل قاماتهم مائلة، كل اصدقائي قاماتهم مائلة، هكذا تصير كلمة التطبيع شركا يمكن ان يتهدد كل فرد، وما يضاعف من خطورة هذا الشرك هو رغبة البعض في تأسيس مفهوم عدم التطبيع على اساس عقيدي او ديني، اي تحويله موقفا مفارقا ومتعاليا ومطلقا، فوق الانسان. اعتقد ان الصراع العربي الاسرائيلي ليس دينيا، بل يجب تخليصه من هذه الشبهة، والا صار هزيمتنا الكبرى حتى لو انتصرنا، وما دام الصراع نفسه ليس مطلقا، فان عدم التطبيع يكون آلة من آلات هذا الصراع، تعمل في خدمة اهداف استراتيجية، وتخضع للمتغيرات، فاذا فسدت هذه الآلة ولم تعد صالحة للعمل، علينا بشجاعة ان نطورها، وعلينا ان نفكر في آلات بديلة. لقد انسجم بعض المثقفين المصريين واطمأنوا الى تلك النغمة التي تتردد في انهم الوحيدون الآن الذين يتشبثون بعدم التطبيع بينما يهرول غيرهم. يلزم هنا ان انبه الى انني لا افهم مطلقا عبارة "المثقفين المصريين" فهم لا يمثلون جماعة متجانسة غير مسكونة بفروق عميقة ورؤى متباينة، ولذا سنفترض معاً وعلى سبيل الاتفاق العابر، ان هناك طائفة ما لا تشمل كل المثقفين في مصر، هذه الطائفة صارت بحكم مواقفها المتكررة والمتعصية والجماعية وبحكم صفات اخرى تسمّى "ميليشيا المثقفين المصريين" او "م.م.م". صحيح ان السيد علي عقلة عرسان يحاول ان ينافسهم على نيل كأس البطولة ولكنه خارج الكادر الاصلي. يسعى هؤلاء المثقفون المصريون الى تحويل النغمة التي سبق ان اشرنا اليها وجعلها لحنا ابديا خالدا يناسبهم وخصوصا ان اغلبهم من مناضلي الحكومة. اغلبهم وجوههم والسنتهم تشبه الوجوه والالسنة لدى عمرو موسى وحمدي قنديل وشعبان عبد الرحيم. انهم آمنون ومطمئنون ونجوم لامعة وواثقون من انه ليست هناك غرامة تدفع، بل هم على الرغم من حماستهم يتفادون المواقف التي قد تؤدي الى غرامة. فمن المنطقي واللازم، وهم حراس الحق الضائع جدا، ان ينددوا بوجوه التطبيع الاخرى والاكثر نفاذا وخطورة. صحيح انهم ليسوا اصحاب القرار فيها، ولكنهم مسؤولون كمناضلين وقوى ضغط وميليشيا. الاكيد ان هذا المجرى سوف يجعلهم في مواجهة مباشرة مع حكوماتهم، سوف يجعلهم مرغمين على دفع الفاتورة التي اقسموا الا يدفعوها، وكأنهم اقسموا ان يكون موقفهم غير جدي، وان يكون للدعاية والشهرة اذا امكن. ما اريد ان اشير اليه هو ان الانتشار الخرافي والمخيف للناصريين على جزء كبير من وجه الاعلام المصري، هذا الانتشار الذي كله دمامل وطفح، يؤدي الى ان تكون طاحونة المفاهيم محض طاحونة كلام،  خصوصا ان الناصريين لم يكونوا راديكاليين ابدا، ولا يحبون البشر كأفراد صغار. انهم جغرافيون. على الاصح هم مساحو خرائط، يعشقون القضايا القومية التي تصرفهم عن الداخل والتي سوف تهيىء لهم بعض السبل الى صداقة الحكومات وتضليل الجماهير، وتهيىء لهم ان يظهروا على هيئة ضمير وطني حار.

اعود واقول: ما اريد ان اشدد عليه هو ان التطبيع او عدمه لا يمكن ان يلتبس عندما يتعلق الامر بالتعامل المباشر او غير المباشر مع الاجهزة والمؤسسات الرسمية التي تمثل دولة اسرائيل وتمثل عنصريتها الصهيونية، عندئذ لا يصير المفهوم شخصيا او دينيا، ولا يصير حكرا مصريا او حكرا ثقافيا، ونصير نحن، خلاف ذلك، حريصين على موضوعية المفهوم حتى لا نتحول جماعات تخوين وجماعات خونة، وحتى نتمكن تاليا من قياس افعالنا وترجمتها الى كل اللغات، ومنها العربية والعبرية، حذرين من سذاجة ان نضع الارض والفكر في خانة واحدة ومقام واحد.

اذكر لمناسبة الترجمة ان الفاهمين وبعض اصحاب الخبرات الامنية قد حذّروا من ان الترجمة فعل غير بريء. انها يمكن ان تكون وسيلة تجسس علينا. اذكر ايضا ان ابا ايبان، وزير خارجية اسرائيل الاسبق، قام ذات مرة بترجمة "يوميات نائب في الارياف" الى العبرية، واعرف ان امثال ابا ايبان القادرين على قراءة ادبنا في لغته كثيرون، ولذا فان حماية اوطاننا من التجسس تتطلب "التجريم والتحريم" لطباعة الادب العربي ونشره في لغته العربية ذاتها، خشية ان يطلع عليه اصحاب ابا ايبان فيتعرفون على ما نريد ستره واخفاءه. سنكتفي بأن نقرأ ادبنا شفاهة، ليس في الندوات العامة، ولكن في حجرات مغلقة، وامام اصدقائنا فقط. واذا ثبت لنا، وسيثبت، ان هناك جواسيس وعسسا يعيشون بيننا، واننا لا يمكن ان نأمن الاصدقاء، فسنتوقف ايضا عن قراءة ادبنا شفاهة، ونكتفي بصونه وحفظه محفورا في الاماكن المجهولة، في قلوبنا. اعترف ان القلوب ذات لغة كونية وحية، فمن الذي غشّنا وجعلنا نفكر في تعريف اللغة الميتة. اذكر انه كاتب ياسين، الروائي صاحب "نجمة" والذي كتب اعماله بالفرنسية وانتشر وصار مقروءا في جهات شتى، ولأنه لا يعرف الفارق الدقيق بين اللغات الحية واللغات الميتة، هجر الفرنسية ليكتب بلغته البربرية (الامازيقية). كتب كاتب ياسين "خذ حقيبتك وارحل يا محمد" وغيرها من الاعمال، وتركنا نتساءل كيف نميز بين لغتين. البعض سيزعم ان اللغة القديمة ميتة لأنها قديمة، وهكذا العبرية، ولكننا سنتذكر بأسى ان اللغة العربية هي احدى اللغات القديمة. البعض سيزعم ان عدد الناطقين ينقل اللغة من الحياة الى الموت او العكس، ولكن ماذا لو انتبهنا الى عدد القراء، وهم قلة نادرة في اللغة العربية. سنتذكر فجأة ان الناطقين بالصينية عددهم مهول. الشاعر الفاتن رسول حمزاتوف قابلته في القاهرة اثناء الترحيب به في حفل شاي اداره مراد غالب. كان رسول لا يعرف غير لغته الآفارية، ولغته الاخرى الروسية. رسول كتب شعره وتجول به في سهول داغستان. كان شعره يطير مزهوا باللغة الآفارية الميتة جدا، ولكن العالم حفظ شعر حمزاتوف. المتحذلقون سيقولون لولا ترجمته الى الروسية، والبسطاء سيقولون لولا جماله وفتنته. البعض لا يمتعض من الموضوع كله لأنه يتأسس على احتقار الاقليات، على هاجس خفي يحب التجهيز دون وعي لاضطهادها، البعض الآخر سيزعم ان اللغة العبرية لغة الانتلجنسيا في انحاء كثيرة من اوروبا واميركا، البعض الآخر سيطالب الكاتب العربي المخلص والقائد والقدوة، بأن يكتب مباشرة بالانكليزية لضمان امرين: اولا الكتابة في لغة حية جدا، ثانيا لأن الانكليزية وحسب تاريخها النظيف تستعصي على التجسس. لغة التجسس كما نعرف جميعا وكما اجمع علماء اللسان هي اللغة العبرية. اخيرا سيزعم آخرون ان تعبير "لغة ميتة" ليس مقصودا كواقع وحقيقة. انه نوع من الهجاء السياسي وربما يزعمون ان تلك الترجمات عاجزة عن احداث اختراق ما او تأثير ما في الذهنية الاسرائيلية. انهم يتصورون ان الادب بندقية صيد، والاديب صياد يصوّب سلاحه فيقتل الفريسة فورا. وعلى خلافهم يرى البعض ان الادب يتعلق بالروح ليس بالمعنى المثالي طبعا. يتعلق بتغييرها والتأثير عليها، وان هذه الحركة بطيئة لأنها عميقة. البندقية عندهم حفار جسد، والادب حقا روح. آخر الشائعات سأذكرها بعد ان اؤكد لنفسي ان محمد برادة والياس خوري ليسا متهاونين في ما يتعلق بأمر التطبيع. انهما كما نعلم يبذلان عمريهما في سبيل مقاومة انسانية واضحة. تقول الشائعة ان احدى المنظمات الصهيونية قد ارسلت كتابا سريا موجها الى ميليشيا المثقفين المصريين (م.م.م) تشكرهم على تفانيهم وعملهم الدؤوب من اجل حماية القارئ الاسرائيلي من التعرض للاذى بسبب شعر محمود درويش السام، وبسبب رواية "باب الشمس" التي هي كابوس حقيقي، وايضا بسبب سيل آخر من الروايات كتبها الطيب صالح وحنان الشيخ وهدى بركات وبهاء طاهر وجمال الغيطاني وابرهيم عبد المجيد. جاء في الرسالة: ايها المثقفون المصريون، لقد اثبتم انكم اكثر اخلاصاً لدولتنا من السيدة صاحبة دار "اندلس"، يا له من اسم، نرجو ان تحاربوا الى جانبنا، ديماغوجيتكم اقوى من طيران جيش الدفاع الاسرائيلي، ان محمد برادة والياس خوري والذين معهما يريدون كشفنا وتعريتنا امام انفسنا، يريدون تعريضنا للشعور بالعار، اما انتم فتعلمون ان وجودنا وقوتنا ضرورة حيوية لوجودكم وقوتكم، ساعدونا كأنكم ابطال، نشكركم.


 


PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help

Copyright © 2001 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.