"النهار"

الاثنين 11 حزيران 2001

 

قضية نوال السعداوي: مفرد بصيغة الجمع

عايدة الجوهري

 

لم تولِ الصحافة اللبنانية المكتوبة، اهتماماً يذكر حتى الآن، بقضية نوال السعداوي الاخيرة، كما تفعل عادة عندما يتعرض مفكر عربي حي او ميت (ابو نواس) للاضطهاد والملاحقة، علماً بأن الاعلام المرئي لا تعنيه هذه القضايا.

كل التخمينات ممكنة حتى تلك السيئة الظن: ربما لأن السعداوي اطنبت في الدفاع عن حقوق المرأة، أو لأنها إمرأة ومشاكسة؟ (أعذروني) او ربما لأسباب أخرى لم يتم على الاقل شرحها.

فبحجة "اهانة الدين الاسلامي" اقام أخيراً احد المحامين المصريين دعوى قضائية يطالب فيها بالتفريق بين الكاتبة المصرية نوال السعداوي وزوجها شريف حتاتة، بسب اراء ادلت بها الاخيرة الى صحيفة "الميدان" الاسبوعية قبل شهرين ضمن حوار صحافي، فيما هي تنفي ما نسب اليها من أقوال كما يفعل كل من يصلت السيف على رقبته، واذا ادينت ينتظر ان يحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات بالاضافة الى تفريقها عن زوجها بحجة انها خرجت عن الاسلام.

أنا استغرب من جهتي ان تكون نوال السعداوي حية حتى هذه الساعة وهي التي سبقها الى ديار الحق فرج فودة، الذي لم ينجُ كنجيب محفوظ، او الى ديار الغربة نصر حامد ابو زيد، والتي هددت بالقتل عام 1991 لاتهامها بتهديد السلام الاجتماعي والمصالح العليا للبلاد وبالاساءة الى علاقات مصر بالدول العربية والاجنبية لأن جمعيتها "جمعية تضامن المرأة العربية" أصدرت بياناً تندد فيه بالحل العسكري في الخليج والتي تستنفر افكارها الثورية المناصرة للمرأة الرأي العام العربي التقليدي، كما تستنفر السلطات الحاكمة في بلادها لاصرارها على النقد وعدم الموالاة وابداء الرأي ولو كان مغايراً ومشاكساً.

منذ البداية، وبالحرارة التي تلازمها وهي في السبعين، تصدت نوال السعداوي، للمحرمات المعهودة بلا شفقة، فتحدثت عن الجنسانية، وهذا المفهوم لا يقتصر على المفهوم المتعارف عليه للجنس، بل يشمل مجموعة الخصائص والظواهر المتعلقة بالغريزة الجنسية، فعالجت مفاهيم الزواج والحب والانجاب والامومة والابوة والاخوة والعذرية والطبيعة الجنسية البيولوجية للمرأة، والذكورة والانوثة، وكتبت عن حياة المرأة والرجل الجنسية، وفي مسألتي الختان والبغاء، وفي تأثير كل هذه المشكلات على احوال المرأة النفسية، وبحثت في حالات العصاب التي تصيبها، مع مواضيع اخرى عالجتها على مدار ثلاثين مؤلفاً...

ومع تفاوت في التعمق بين موضوع وآخر، كانت باستمرار تتناول قضايا ووقائع حية وتعالجها من منظار الابحاث والمعارف العلمية ومن منظار حقوق الانسان.

وبالاضافة الى كتابتها التي راوحت بين الاسلوب الصحافي (المقالة والسرد والريبورتاج) والبحث العلمي والاستقصاء الميداني والقصة والرواية والمسرحية، مارست نوال السعداوي العمل السياسي من موقعها المهني كطبيبة وكاتبة مناضلة. حوربت في عهد عبد الناصر وعاشت صراعاً رهيباً مع حكوماته. كانت في نقابة الاطباء، وكانت تنجح بغالبية ساحقة. كانت تثير بنجاحاتها غضب شعراوي جمعة وزير الداخلية لأنها كانت تنتقد قيادات الحزب الاشتراكي.

"كان لا بد ان نستأذن شعرواي جمعة كلما اجتمعنا"، "أنا أويد عبد الناصر في القطاع العام وفي الاصلاح الزراعي وفي القضية الفلسطينية وفي موقفه ضد النظام الملكي وضد الانكليز وضد اميركا"، قالت ذات يوم أثناء حديثي معها عن تاريخها السياسي.

وعام 1981 أثناء حكم السادات اقتحمت الشرطة بيتها وقادتها الى السجن وبقيت فيه قرابة عام لأنها، كعدد كبير من المثقفين المصريين، عارضت اتفاقات "كمب ديفيد".

وعام 1982 قامت بتأسيس "جمعية تضامن المرأة العربية" وهي المنظمة العربية النسائية الوحيدة التي حظيت بالمركز الاستشاري للمجلس الاجتماعي الاقتصادي في الامم المتحدة عام ،1985 وقد انضم الى هذه الجمعية عدد كبير من النساء في البلاد العربية وفي طليعتهن فاطمة المرنيسي وفاطمة بكر وعقدت منذ تأسيسها حتى اليوم ثلاث مؤتمرات نسائية دولية عربية، كما اصدرت هذه الجمعية مجلة فكرية نسوية شهرية "نون" ظلت تصدر على مدار 12 شهراً الى ان اوقفت، بعد اقفال الجمعية في 13/6/1991 بحجة مخالفة الاحكام والآداب العامة وتهديد السلم الاجتماعي المصري.

ودون ان تعتبر العودة الى التاريخ والتراث منهجاً ثابتاً ذكرت بالشروحات الفقهية الآيلة الى تكريس دونية المرأة: تعدد الزوجات، حرية التطليق، لا حق المرأة في طلب الطلاق، الميراث اللامتساوي، الحجاب والنقاب الخ... فلم يغفر لها الاصوليون وفي طليعتهم الشيخ باز هذا النهج فوصفها بأنها علمانية ومخالفة لروح الشريعة وتوعدها.

كرهها بعض الرجال لأنها وثّقت بفجاجة اشكال قمع المرأة العربية والمصرية، خصوصاً، وثارت بحمية، احياناً مفرطة على الرجال الذين لا يشعرون برجولتهم الا اذا احتقروا المرأة، وانكروها، فخصص احدهم مؤلفاً كاملاً لمهاجمتها (جورج طرابيشي "أنثى ضد الانوثة") وهم لا يغفرون لها انها قدمت في رواياتها صوراً للرجل القبيح المتغطرس الذي يتلذذ بتعذيب النساء واذلالهن، وكأن هذا الرجل غير موجود.

ومنهم من انزعج من وصفها الانتهاكات (ومنها الختان) التي يتعرض لها جسد المرأة وفضلوا ان يظل هذا الجسد مجازاً او سراً خبيئاً او صورة شعرية مرمزة، او اداة لحفظ النوع وصون الموروثات لا أكثر.

ويكرهها بعض اليساريات واليساريين لأنها "تشرد" ولا تكرر المعزوفة المعهودة، تلك التي لا تريد، ولا في اية لحظة، فصل قضية المرأة عن النظام السياسي والاقتصادي السائد، مؤثرين انتظار تطوير النظام او نسفه كي تتحرر النساء.

"يبطّلوا ختان لما تتحرر فلسطين والله ايه" صاحت ذات مرة أثناء شرح موقفها من البعد السياسي لقضية المرأة.

كما تكرهها النساء اللواتي يخشين جديتها وصرامتها ويفضلن اخذ الرجال الذكوريين بالمعروف، لئلا يتهمن بنقص في الانوثة والغنج والدلال، مفضلات العمل الحثيث والدؤوب على تفكيك خطاب الرجل التراثي السرمدي، واقعات في جدال: قال، لم يقل، ذكر لم يذكر، معتبرات ان الحقائق العلمية الموضوعية لا تصلح لمجتمعنا، ميالات الى المناهج التاريخية بدل العلمانية او العلمية، انتبهوا الى الكسرة تحت العين.

ولم يخف منها الرجال الذين يرهقهم التسلط وجهلهم عوالم النساء ووجدوا في كتاباتها معلومات وجرأة نادرة وتماهت بها وبأقوالها البنات اللواتي كشفت لهن اسرار معيشهن.

يقارب القارئ الباحث كتابات نوال السعداوي بعقل نقدي، يناقش ما تقوله ويتحقق منه وقد يخالفها الرأي في بعض المواضع، وتستوقفه بعض الفرضيات، الا انه لا ينكر انها كانت رائدة بوضع الاصبع على جروح كثيرة كان الخطاب النسوي، وما زال، لا يقاربها ويعتبرها شائكة ومتفجرة وقابلة للتزجيل او ان معالجتها تبدأ في مكان آخر.

القارئ او المستمع يعلم من طروحاتها انها انسانة متمردة، تعرف ان العبد لا يتخلص من عبوديته ما لم يغامر بقلمه ورأيه واحياناً بحياته بدل ان يقبع في خنوعه وخضوعه مستسلماً آمناً، مقايضاً الامان بالاستسلام (بالاذن من هيغل)، متذكرة ما قالته ذات يوم جدتها التي لا تعرف القراءة والتي شوحت بيدها السمراء المشققة في وجه العمدة وصاحت امام أهل قريتها منذ أكثر من نصف قرن: "إحنا مش عبيد".

فهل يترك المثقفون نوال السعداوي تواجه مصيرها بمفردها؟ وهل قضيتها شخصية بحتة، ام عامة؟ وهل النساء العربيات معنيات بمصيرها ومصير غيرها من النساء المفكرات والمناضلات أم لا؟...


الصفحة الأولى |محليات سياسية|مقالات |اقتصاد-مال-أعمال |العرب والعالم|  قضايا النهار|القضاء والقدر| تحقيق | بيئة وتراث | مفكرة | مناطق

أدب-فكر-فن |مدنيات-تربويات |وفيات | رياضة | حول العلم والعالم |مساعدة|

النهار الرياضي | نهار الشباب | نهار الانترنت | الدليل | الملحق الثقافي | سلامتك| عالمنا الآخر| النهار 2000 | الصفحة الرئيسية


PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help

Copyright © 2001 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.