الصحافة السورية من الصمت إلى حق القول

واقـع المـهنــة وآفـاق التـطـويـر

حـكم البابـا-دمشق

 

جريدة العرب اليوم الأردنية 13/5/2001 و 16-17/2001

 

 

      أفزعني بقدر ما أفرحني هذا الإقبال الكبير الذي لقيه العدد الأول من جريدة علــي فـرزات " الدومري " في اليوم الأول لنزولها إلى السوق السورية ، أما لماذا أفرحني نفاد العشرين ألف نسخة من الجريدة خلال ساعات ، ومن ثم نفاد الطبعة الثانية من  العدد نفسه  بهذه السرعة وبهذا الشغف في التلقي ، فلأن في ذلك تأكيدُ على عطش حقيقي في الشارع السوري لصحافة  يفترض  القـــارئ ( وهي تعلن عن نفسها كجريدة ناقدة ساخرة ) أنها ستكون لسانه وصوته ومرآته ، ولأن في ذلك ايضاً دحضا للمقولات التي دأب المسؤولون في الصحف السورية على تردادها لتبرير تقصيرهم ، وفحواها أن القارئ لم يعد موجوداً ، وأن هموم المواطن وكثرة المحطات التلفزيونية الفضائية وتنوع مصادر الأخبار جعلته - القارئ - يدير ظهره للصحافة المكتوبة ، ولأن في ذلك -مرة ثالثة تكذيبا للتقصير الذي يوجهه البعض لمؤسسة المطبوعات السورية حول مسئوليتها عن أكداس المرتجعات من الصحف اليومية السورية ، فسوء التوزيع مهما كان أثره لن يتعدى العشرة بالمائة في توزيع وبيع أية مطبوعة ناجحة .

   أما ما أثار خوفي وذعري وأنا أتابع كيف تنفد كميات " الدومري " من أكشاك الصحف حال وصولها فهو واقع الصحافة السورية  ، وهي تقف على المحك للمرة الأولى  في تاريخها ، وتدخل المنافسة مع صحافة أخرى بدأت بـ"الدومري" ولن تنتهي بها ، بعدما كانت لا تنافس إلا نفسها ، " تشـرين " تنافس " البـعث " ، و " البعث " تنافس " الثورة " وهكذا .. وهي معرضة اليوم في حال ركونها إلى حالتها الراهنة ، واطمئنانها إلى أدائها الحالي ، وغياب حضورها الفاعل في حياة المواطن السوري ، إلى التحول إلى واقع اكثر هامشية مما هي عليه اليوم ، خصوصا وأن الحدث السياسي والثقافي والاقتصادي و الاجتماعي في سورية يتجاوز بسرعة مشيتها السلحفاتية المطمئنة إلى نوم الأرنب كما في القصة الشعبية الشهيرة ، ويخلفها وراءه ، بدلاً من أن تكون إن لم نقل في مقدمته تساعده وتفتح أمامه الطرق ( وهو دور أساسي للصحافة ) فعلى الأقل في موازاته تكشف له مواطن الخلل وتقدم الاقتراحات ، وتساهم بالنقاشات المنتوعة في إضاءة كل القضايا ومن مختلف الجوانب ، وتساعد في  الإصلاح والتحديث والتطوير الذي لا تكف الصحف السورية عن ترديد شعاراته دون أن تحاول المساهمة بها .

 

الاعتراف بداية التطوير

    مهما حاولت وبذلت من جهد في البحث عن تعابير لطيفة تصف واقع الصحافة السورية ، فلن أعثر على مفردات توصّف الحالة بصدق وشفافية دون أن تستفز احداً ، سيقوم بدوره في البحث عن توصيفات يقولبني داخلها، وعن اتهامات يوجهها إلي ، في محاولة منه للدفاع عن مواقعه ، وهو أسلوب معروف عُمل به سنوات وسنوات  ، تعودته  دون أن اقبل به أو أرضخ له خلال سنوات عملي في الصحافة السورية التي قاربت العشرين ، لكن وقبل الحديث عن أي آفاق مقترحة للتطوير هناك واقع لابد من الاعتراف به ، وهناك أرقام تشير بدقة إلى سوء هذا الواقع ، وهناك إجماع على هذا الواقع المرير يفوق الإجماع على أن السماء زرقاء ، مستثنين رأي مكفوفي البصر بالألوان .

    في حديثه لجريدة " الشرق الأوسط " 28/2/2001 تحدث رئيس الجمهورية عن الإعلام السوري وتقصيره في دعم عملية التطوير والتحديث في سورية فقال ما أنقل نصه حرفياً ( الإعلام هو جانب من جوانب دعم وشرح عملية التطوير ، قد يكون هذا الدعم أضعف وهذا يؤثر ولكنه لا يمنع ) ، وكلام رئيس الجمهورية تؤكده أرقام توزيع الصحف والمجلات السـوريـة _ التي هي المقياس الحقيقي والوحيد لدى كل صحف العالم في تحديد نجاح أو فشل الصحيفة _ وهذه الأرقام تؤكد بما لا يدع حجة لمدافع مرارة حال الصحافة السورية ، فصحف ( تشرين الثورة البعث ) تبيع جميعاً اقل من خمسين ألف نسخة يومياً ، ومجلة ( تشرين الأسبوعي ) لم يتعد رقم مبيعها الستمائة نسخة ، ومجلة ( فنون ) تصل في أفضل أحوالها إلى رقم الخمسمائة نسخة ، وهي أرقام مخيفة بأي مقياس قسناها في بلد يصل تعداد سكانه إلى الثمانية عشر مليون ، ويصل عدد قرائه إلى عشرة ملايين حسب إحصاء رسمي لمؤسسة توزيع المطبوعات السورية ، وهنا لابد لي من التنويه بأن الصحف والمجلات السورية تصدر باللغة العربية التي هي اللغة الأصلية للسكان ، حتى لا يخطر على بال أحد أنها تصدر بلغات أخرى لا يتقنها سكان البلد فيبرر للصحافة السورية تدني أرقام توزيعها (!!).

    وفي حال مقارنة أرقام بيع الصحف السورية بأخرى عربية وعالمية ، لن أستطيع وأقولها معتذراً أن أجد تعبيراً _ مهما حاولت وجاملت _ يوصّف وضع الصحافة السورية ألطف من كلمة ( الكارثة) ، فجريدة " الأهرام " المصرية ( وقد اخترتها كونها صحيفة حكومية وليست خاصة ) توزع ما يقارب المليون ونصف المليون نسخة في بلد يصل تعداد سكانه إلى سبعة وستين مليون نسمة، وبحسابات النسبة والتناسب يفترض أن توزع " تشرين " السورية ما يفوق الأربعمائة ألف نسخة يومياً، لكنها لا توزع اكثر من ( 21030) نسخة في اليوم حسب الإحصائيات الرسمية لعام 2000 ، ولو تعديت الحدود العربية إلى جريدة أمريكية صغيرة تصدر وتوزع في مدينة دترويت فقط هي جريدة " ذي ديترويت فري برس " سأجد أن هذه الجريدة المحدودة توزع أربعمائة وخمسين ألف نسخة في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة ، ولن ألجأ هنا إلى حسابات النسبة والتناسب ، لأنني لن اعثر في القاموس على الكلمة المناسبة لتوصيف الحالة .

   هذه أرقام والرقم لا يكذب كما قال رئيس الجمهورية  (وأفضل أن لا يفكر أحد بالتشكيك في صحة أرقامي التي أوردها فلدي كل الوثائق التي تثبت صحتها وأعرض بدلا من ذلك ، لمن يبحثون عن تبرير أن ينقصوا عدد سكان سورية أو يزيدوا في رقم نسبة الأمية فيها لتصل إلى تسعين بالمائة مما سيجعل أرقام توزيع الصحف السورية مقنعة إلى حد ما !!) وهذه الأرقام تؤكد الواقع الذي نتحدث عنه ، وهي أبسط رد من القارئ على صحافة تتجاهله ، ولكنها في  الوقت نفسه أقسى رد ،  ولكن قد يحاول البعض التماس أسباب مختلفة لتراجع توزيع الصحف الســــورية ( بالمناسبة " تشرين " كانت توزع عام 1990 ستين ألف نسخة فلماذا تراجعت ؟)،  و قد حدث فعلاً نقاش بيني وبين الأستاذ محمود سلامة مدير عام جريـدة " الثورة " في ندوة أقامها اتحاد الصحفيين السوريين حول الصحافة السورية قبل أسابيع ، واعتبر الأستاذ سلامة أن المسألة تعود إلى سوء توزيع الصحف من قبل مؤسسة التوزيع السورية ، وان برنامج التوزيع الإلكتروني لديها معطل ، وأن باستطاعته بيع خمسين ألف نسخة من جريدة " الثورة " في دمشق وحدها ، فيما لو رفعت المؤسسة يدها عن التوزيع ، وأجبته يومها بأن أية مؤسسة توزيع في العالم لا تستطيع أن تؤثر في بيع ورواج أية مطبوعة بأكثر من عشرة بالمائة، وهناك خمسة بالمائة هي النسخ التالفة نتيجة الربط والحمل والنقل ، ودللت على كلامي بمثال من الواقع ويخص جريدة الثورة تحديداً ، فحين نشرت الجريدة قانون الإيجار الجديد في عددها الصادر يوم الجمعة 16/2/2001نفدت كل نسخ" الثورة " من الأسواق في العاشرة من صباح ذلك اليوم ، على الرغم من أن بيع الصحف يوم الجمعة _ باعتباره يوم العطلة الرسمية في سورية- يعتبر أقل من أي يوم آخر حسب إحصائيات مؤسسة توزيع المطبوعات السورية دائماً ( وهي مسألة غريبة حقا في سورية فالصحف عادة في كل دول العالم توزع أعلى أرقامها في يوم العطلة) !!. في حين اعتبر الدكتور خلف الجراد مدير عام جريدة " تشرين " السورية في حديثه معي أن ارتفاع عدد النسخ المباعة من الجريدة عام 2000 بنسبة 24 بالمائة عن عام 1999 إنجـازا ( كانت " تشرين" تبيع عام 1999 ( 14770) نسخة يومياً وأصبحت تبيع في عام 2000 ( 21030) نسخة ) وهنا تذكرت قصة طريفة رويت لي منذ زمن بعيد ، فقد سافر أحد الشيوخ إلى الاتحاد السوفيتي أيام كان قائماً- للعلاج ، وعاد ليقول لجلسائه كيف تتحدثون عن الكفر في الاتحاد السوفيتي ، فخلال زيارتي كلها لم أجد امرأة سافرة ، وهنا سأله بعض الخبثاء متى سافرت يا شيخنا ؟ فأجاب في كانون الثاني، فردوا عليه وكيف يعقل يا شيخنا أن تشاهد امرأة سافرة في برد موسكو القارص ؟ تذكرت هذه القصة وأنا انظر إلى العام الذي تحسن فيه رقم توزيع " تشرين " وهو عام 2000 فهذا التطور الطفيف لا يعود إلى تحسن الأداء المهني ، بل يعود الفضل فيه إلى رئيس الجمهورية حصراً ، فالإقبال على الصحف السورية عموماً خلال السنة الماضية كان نتيجة طبيعية لنشر مواضيع تتعلق بالفساد ، وهي الحملة التي قادها الدكتور بشار الأسد قبل تسلمه منصب الرئاسة ، وأيضاً نتيجة للقوانين والمراسيم التي أصدرها الدكتور بشار الأسد بعد تسلمه الرئاسة ، وهي قوانين تهم الناس وتمس حياتهم .

 

البحث عن قارئ

  إذا القارئ هو الطرف الأول الذي تحاول كل صحف الدنيا استمالته واسترضاءه وتلبية مطالبه ، وبدونه لا تصبح أية مطبوعة ذات قيمة ، ومقياس أهمية أية مطبوعة يقاس بعدد قرائها ، وحتى المهرجانات والمؤتمرات الدولية لا تعترف بأية مطبوعة ما لم يكن رقم توزيعها عالياً، وترفض استقبال أي صحفي من مطبوعة محدودة الانتشار ، واجد انه من المفيد أن اذكر هنا أن مهرجان "كان" السينمائي الدولي طلب من صحفية في جريدة "تشرين "السورية رغبت في حضور المهرجان كتاباً من رئيس تحرير الجريدة برقم توزيعها ، وتم إرسال مثل هذا الكتاب إلى المهرجان بعد أن ضرب رقم التوزيع الحقيقي بعدة أضعاف كي يقبل المهرجان استضافة الصحفية .

  والقارئ يعني شيئاً آخر غير رقم البيع ، فهو يعني الإعلان ، فأي معلن لن يجازف بنشر إعلانه في صحيفة لا تملك عدداً كافياً من القراء ، ويفضل الصحيفة الواسعة الانتشار ، وهذا الأمر ليس محصوراً بالصحف الخاصة وحدها والتي تعتمد في تمويلها على البيع والإعلان ، بل يتعداه إلى الصحف الحكومية ايضًا ، ومن خلال متابعة شخصية لما ينشر من إعلانات في الصحف المصرية الحكومية الثلاث ، وجدت أن ما ينشر من إعلانات في جريدة " الأهرام " اكثر بما لا يقاس مما ينشر في جريدتي " الأخبار " و" الجمهورية " وهي مسألة لها أهميتها الكبيرة حتى لدى هذه المؤسسات التي تملكها الدولة المصرية ، ولذلك يفضل الأستاذ إبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة " الأهرام " في تعيينه لمراسلي الأهرام خارج مصر المراسل الذي يستطيع الحصول على إعلانات تمكنه من تمويل مصاريف مكتبه .

   وتتطرف بعض الصحف في تلبية القارئ إلى حد أن جريدة مثل " ذي دترويت فري برس " الأمريكية تعتبر القارئ هو الذي يرسم سياستها ، ويعتبر القائمون عليها والعاملون فيها أن همهم الوحيد إرضاء القارئ وإسعاده بالمعلومات ، الأمر الذي اضطر ناشرها إلى الاهتمام بالجالية اللبنانية ( التي يبلغ عددها في دترويت 350 ألف نسمة ) والأخذ بملاحظاتها بعدما تمنع أصحاب محطات الوقود -ومعظمهم من اللبنانيين- عن بيع الجريدة حين وجدوا فيها انحيازاً في تغطية العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 1996 وهذا الموقف أثّر في الجريدة ، وجعل ناشرها يستضيف عدداً من أبناء الجالية اللبنانية في مكتبه معتذراً وواعداً بعدم تكرار ما حصل . وفي حديث أجريته مع الصحفي المصري عادل حمودة أجاب عن سؤال وجهته له عن مفاتيح نجاح المطبوعة بتأكيده  أن المفتاح الأهم هو الانحياز لقارئ ، وانه يعتبر نفسه موظفاً لـدى القارئ ، وقد حاول امتحان علاقة مجلة " روز اليوسف " التي كان يديرها بقرائها حيث قام برفع سعر المجلة ، وحصل على ما يريده حين وجد أن رقم التوزيع بقي كما هو ( في حين أن أرقام توزيع الصحف السورية الثلاث تدنت بعد أن ارتفع سعرها إلى خمس ليرات سـورية في عام 1992 وزادت نسبة مرتجعاتها بحيث اصبح مرتجع جريدة " تشـــرين"  ( 5300) نسخة من اصل (18000) نسخة ، بينما كانت توزع قبل رفع السعر ( 33500) نسخة ، واصبح مرتجع جريدة "الثورة" ( 6400) نسخة من اصل (12300) نسـخة ، بينما كانت توزع قبل رفع السعر (21900) نســخة ، واصبح مرتجع " البعث " (5000) نسخة من اصل (9300) نسخة ، بينما كانت توزع قبل رفع السعر (17800) نسخة ).

     أمام تجارب النموذجين العربي من خلال " الأهرام " والغربي من خلال "ذي دترويت فري برس" لا بد أن نتساءل عن الطريقة التي تفكر فيها الصحافة السورية بقارئها ؟ وهل تعرف هذا القارئ فعلاً كي تلبي اهتماماته في الصحيفة ؟ ولنسأل أنفسنا ما الذي يجده العامل في أية صحيفة سورية مهماً بالنسبة له ؟ وما الذي تجده ربة المنزل يستحق أن تقضي وقتاً في قراءته ؟ وهل يجد الشباب ما يثير اهتمامهم في الصحف السورية ؟ والفلاح ، والطالب ، وكل شرائح المجتمع الأخرى ، وحتى المسؤول في الدولة ما الذي يقرؤه في أي من الصحف السورية الثلاث ؟ (حتى أنا كصحفي اعمل في جريـــدة " تشرين " قلما اعثر على موضوع يثير اهتمامي ، واكتفي عادة بتصفح لجرائد الثلاث في مدة لا تتجاوز  الدقائق العشر، أستطيع بعدها أن أعيد على من يشاء ملخصاً عما هو موجود في هذه الصحف ،لان التكرار والجمود هما الميزة الأساسية لهذه الصحافة) . ولابد هنا أن أشير إلى ظاهرة تلفت النظر في العلاقة مع الصحف السورية ، حيث غالباً ما تقوم أكشاك بيع الصحف بتصوير مقال عن جريمة منشورة في إحدى الصحف السورية ، وبيع هذه الصور التي يفضلها المواطن على قراءة وشراء الصحيفة نفسـها التي نشرت المقال وبسـعر الجريدة نفسه، مما يعني أن المواطن - القارئ  يشتري ما يحتاج إليه ويهمه فعلاً .

     إذا ما الذي تفعله الصحافة السـورية إذا كانت لا تهتم بقارئ ، ولا تثير احداً ، ولماذا تنفق الأمـوال الطائلة عليها ( لا اعرف الرقم بالضبط الذي يهدر على هذه الصحف ) ما دامت لا ترضي القارئ دافع الضرائب الذي يمولها ، ولا تخدم في الحقيقة والواقع النظام السياسي الذي أنشأها .

     إن الأمر الوحيد الذي يشغل بال القائمين على الصحف السورية هو عدم إغضاب المسؤولين عن الإعلام ، وهم يظنون بذلك أنهم يخدمون النظام السياسي ، لكنهم في واقع الأمر يساهمون في قطع كل قنوات الحوار والتواصل والتفاعل بين الدولة والمجتمع ، و في استشراء الفساد ،بدلاً من أن يأخذوا دورهم المفترض بفضح بؤره ليتسنى لمسؤولي الدولة معالجته ، ولا ينقلون هموم الناس لأجهزة الدولة إلا في الحدود الدنيا ( شكوى معلمة وكيلة لم تتقاضى راتبها ، قطع كهرباء عن حي ، حفرة في طريق ) مما يعني تغييب هموم الناس عمن بيدهم القدرة على حلها.

   وحتى أكون منصفاً يجب أن أقول إن الصحف السورية ومسؤوليها قد لا يتحملون كل هذه الأخطاء وحدهم ، فثمة تجارب سابقة مرت بها الصحافة السورية جعلتها تفضل لعب هذا الدور السلبي خوفاً من وجع الرأس ، وأرغمتها على أن تحني رأسها للعاصفة حتى تمر ، وحتى اعتادت أن تحني رأسها دائماً لكل عاصفة أو في توقع عاصفة إلى أن وصل بها الخوف للانصياع لهبة نفس بشري لا لعاصفة  ، وقد يكون غضب مسؤول في فترة ما ساهم في تراجعها ، وإفقادها نزعة المبادرة ، وقد يكون حادث استبدال مدير بآخر جعل الجديد يستفيد من تجربة من سبقه فيحاول تجنب ليس ما يعتبره من مواضيع خطراً مائة بالمائة ، بل وصل الأمر إلى ما يشتّم منه رائحة واحد بالمائة من الخطورة ، وأدى غياب المعايير الواضحة للمسموح والممنوع في مجال النشر ، إلى اعتبار الكل ممنوعاً وكفى الله المؤمنين شر القتال .

 

كيف نستعيد قارئاً فقدناه ؟؟

   لابد لمسيرة التطوير والتحديث التي تعيشها سورية من إعلام حقيقي يواكبها ويدعم خطاها ، ويكون رديفاً قوياً لها في إصلاح الخلل ، ومناقشة كل شؤون الحياة السورية ، وأول المهمات التي يجب أن تتوقف عندها الصحافة السورية وهي تريد اخذ دورها الفاعل في حركة النهوض اليوم هي إعادة الثقة المفقودة بينها وبين القارئ الذي يشكك فيما تنشره ، فلم يعد يثق بها أو يصدقها ، وصار حاله كسكان القرية في الحكاية الشعبية المعروفة  باسم "الراعي الكذاب " ، وسأذكر هنا حادثة شخصية كنت أنا أحد أطرافها ، فعقب انتهاء عرض المسلسل الذي قمت بتأليف نصه ( عائلتي وأنا ) قرر التلفزيون السوري عقد ندوة حول المسلسل في عيد الفطر الماضي ، واتصلت بي معدة الندوة لتدعوني ، فقلت لها إن لدي ملاحظات كثيرة على مسلسلي وسأقولها على الهواء ، فاستمهلتني بعض الوقت ، وفي صباح اليوم التالي اتصل بي الدكتور فؤاد شربجي مدير البرنامج العام في التلفزيون السوري ليخبرني انهم يقيمون ندوة احتفاء بالمسلسل ، والأفضل أن لا ابدي أية ملاحظات سلبية عليه ، وقلت إنني مؤلف المسلسل ولدي ملاحظات فهل من المعقول أن تكونوا حريصين على مسلسلي اكثر مني ، ثم كيف سأظهر على شاشة التلفزيون لأتحدث عن نجاح مسلسل لم يلق الإقبال الجماهيري ، وأشارك في الكذب على المشاهدين ، ثم إنكم تقولون الإعلام تغير ، فرد علي الدكتور شـربجبي هذا في هولندا وليس عندنا . وانتهى الحديث ولم اظهر على الشاشة ، لكني تابعت الندوة التي كان يتحدث كل من شارك فيها عن النجاح المنقطع النظير للمسلسل. فإذا كان هذا ما حدث بالنسبة لمسلسل تلفزيوني فكيف تكون معالجة القضايا الأخرى (؟!).ومع كل هذا لا يزال التلفزيون السوري يقوم باستطلاعات يومية مع الناس ليسألهم عن آرائهم في تطوير الشاشة الوطنية وما الذي يريدون مشاهدته في شاشاتهم (!!).

   إن إعادة الاعتبار للقارئ كشريك أساسي في العملية الإعلامية هي المطلب الملح في حال الرغبة بتطوير الصحافة ، وذلك بالمحافظة أولاً على من تبقى من القراء ،وممن نحن معرضين لخسارتهم في حال الركون إلى واقع الصحافة الحالي ، ومن ثم الانتقال فيما بعد لكسب قارئ جديد ، وهي مسألة تحتاج إلى جهد مضن ، لكنه ليس سحرياً على أية حال لإعادة أواصر الثقة بين القارئ السوري وصحافته ، وذلك يمكن الوصول إليه عبر عدة محاور سأفصلها فيما يلي :

المحور الأول : ربما يكون البند الثالث من غايات الصحافة السامية التي حددتها لجنة حرية الصحافة في أمريكا في أربعينيات القرن الماضي ، والذي ينص على أن (الصحافة يجب أن تكون صـورة تمثيلية للجماعات التي يتكون منها المجتمع ) مدخلاً لإعادة صياغة علاقة الصحافة السورية بالقارئ ، بحيث تتخلى عن أحادية الرأي والرؤيا ، ولغة الريبة والاتهام والشك وتنفتح على كل الآراء ، وتصبح مكاناً للإرسال والاستقبال ، ويغدو الجميع مشاركين لا مجرد مستقبلين وفي أحيان عديدة متهمين ، فهل يعقل مثلاً أن يقوم الدكتور خلف الجراد مدير عام جريدة "تشرين" السورية بكتابة ثلاثة افتتاحيات في مجلة " تشرين الأسبوعي "(الأعداد 145-146-147) يهاجم فيها المثقفين دون أن يتاح لهم حق الحوار ، ويجتزئ مما قالته د.فهمية شرف الدين في توصيف حياة المثقفين المصريين كلاماً عن كــون ( غالبية المثقفين يعيشون في منطقة سكنية واحدة ، وأولادهم يذهبون إلى المدارس نفسها ، وهم على الأرجح أعضاء الأندية نفسها ، وهو ما يعني أن المثقفين ينقسمون إلى تيارات أيديولوجية في التعبيرات الثقافية ،في الكلام فقط، لكنهم موحدون في أنماط المعيشة )، يجتزئ هذا الكلام ليوظفه في سياق الاتهامات التي كالها ، وكأن على المثقفين أن يصادقوا منظفي البلاليع مع الاحترام الشديد لكل مهنة ليصبحوا أسوياء في نظره !!

المحور الثاني :إن ما يساهم في إعادة القارئ إلى الصحافة السورية هو إثارة الموضوعات التي تهم حياته ، وتنقل همومه، وتتحدث عن مشكلاته ، وتلبي رغباته في مختلف المجالات وشتى القطاعات ، بحيث يجد المثقف والعامل والفلاح والطالب والشاب وربة المنزل ما يريد أن يقرأه في الصحف وتصبح الجريدة اليومية تستهدف كل رجل وامرأة بما يرضي اهتماماتهم  وبالطريقة نفسها التي تكون فيها الجوارب المطاطية ( مقاساً واحداً يصلح للجميع ) على حد تعبير اثنين من كبار الصحفيين الأمريكيين هما جورج هاملتون وجورج كريمسكي .

المحور الثالث : والذي يعتبر عاملاً جوهريا في إعادة الثقة بين القارئ والصحافة السورية هو تغيير النظرة إلى هذا القارئ باعتباره قاصراً يتم إخفاء الأخبار عنه أو تأجيل نشرها لمدد طويلة ، بحيث صار القارئ السوري يعرف ما يجري داخل بلده من الصحف والمحطات التلفزيونية العربية ، بدلاً من أن يعرفها من وسائل إعلامه التي يمولها كدافع ضرائب ،فهل يعقل مثلاً أن تكتفي جريدتا " تشرين" و " الثورة" السوريتين بنشر خبريين مقتضبين لا يصل عدد كلمات أي منهما إلى ستين كلمة بتاريخ 30/1/2001 عن اجتماع وزير الإعلام السوري الأستاذ عدنان عمران بمراسلي الصحف السوريين في اليوم السابق للنشر ، في حين تفرد صحف " الحياة " و " السفير " و " الزمان " و"النهار"وغيرها في أعدادها الصادرة يوم 30/1/2001 مساحات كبيرة لتقارير إخبارية لا يقل كل منها عن خمسمائة كلمة لما جرى في الاجتماع ، وهل يعقل أن تقوم جريدة كـ" المحرر النيوز "بتاريخ 10/2/2001 بالرد على منتقدي الأستاذ عمران بدلاً من الصحافة السورية ، وإذا كان هذا ما يحدث مع المسؤول الأول عن الإعلام في سوريا فما الذي يحدث مع غيره (!!) . وهل يعقل أن ينشر في الصحافة السورية كلام غير مهني يبرر تأخر وسائل الإعلام لسورية في نقل المعلومة كما كتب المشرف على "ملحق الثورة الثقافي "الأستاذ مفيد خنسة في افتتاحيته بتاريخ 11/2/2001 قائلاً ( وان تأخر إعلامنا عن تقديم المعلومة السريعة فيشفع له انه لا يقبل أن يقدمها إلا بعد التحقق الأكيد من صحتها ).

هل يعني الأستاذ  خنسة بكلامه أن ترسل الصحافة السورية محرراً إلى محطة مير الفضائية لتتأكد من أن تلفاً أصابها ؟ رغم أن هذه الصحافة حتى في الأخبار المحلية تكتفي بأخبار وكالة "سانا " السورية وبدون أي تحرير أو إضافة أو تدخل ، ولا ترسل محرراً لإحضار خبرها الخاص ، مما يعرضها للتشابه والتطابق الكامل . إن كلام الأستاذ خنسة المخجل مهنياً في مهنة أهم سماتها السرعة يجعل العذر اقبح من الذنب ، ويشير إلى عقلية ساهمت ولا تزال تساهم في تراجع الصحافة السورية .

   بدون إعادة النظر في كل القضايا السالفة الذكر فيما يخص علاقة الصحافة السورية بقارئها ، وبدون تغيير العقلية المسيطرة على هذه الصحافة ، وبدون إعادة الاعتبار للمهنة والحرفة الصحفية ، وبدون إلغاء تدخلات  بعض المسؤولين في أصغر الصغائر في المؤسسات الصحفية بالتعيينات ومنع المواد وإعطاء شهادات حسن السلوك أو سوئها دون النظر إلى العامل المهني ( وهذا موضوع حديثنا القادم ) لا يمكن لهذه الصحافة أن تساهم في عملية التطوير والتحديث ، بل ستصبح عصاً في عجلاتها ، وعامل إعاقة لا تقدم، وفي مستقبل يشير إلى صحافة أخرى مستقلة ، ستغدو الصحف السورية شيئاً من الماضي الذي لا يمت لحاضر فيه عمل كثير لبناء مستقبل اكثر ازدهاراً .

    

     قدم رئيس الجمهورية في سورية مجموعة من الإشارات الواضحة للصورة التي يود الظهور بها ، وهي صورة رئيس من الشعب يعيش بينه ويشاركه حياته ، فحدد توزيع وتداول صوره الشخصية خارج الأماكن الرسمية، وذهب ليصلي الجمعة في مسجد الشيخ محي الدين بن العربي بدمشق دون حرس أو مرافقين أو كاميرات تلفزيون ، وبعيداً عن كل الطقوس الرسمية التي ترافق في العادة زيارة رئيس جمهورية لمكان عام ، وتجول في شوارع مدينة حلب وحده ، وحضر عرضاً مسرحياً فيها دون إعلان مسبق ، وأعلن خبر زواجه في الصحف بصيغة بسيطة ، وظهر على شاشة التلفزيون السـوري وهو يرتدي (بيجاما ) رياضية ويقوم بزرع شجرة في احتفال رسمي .

  .. هذه الإشارات وغيرها من الحكايا التي يتداولها الناس عن مصادفتهم لرئيس جمهوريتهم وهو يتجول في عدد من شوارع دمشق ساهمت ( إضافة إلى طروحات الإصلاح ومحاربة الفساد ) في زيادة شعبية الرئيس بنسبة كبيرة ، وكان من المفترض أن تلتقطها الصحافة السورية وتفسرها على أنها رغبة من رئيس الجمهورية بتقديم صورته كإنسان وكفرد من أفراد الشعب ، وتساهم في تقريب صورة الرئيس من رجل الشارع ، وتخلع عن نفسها البدلة المنشاة ، وتتخلى عن خطاب المانشيتات والكليشيهات الجاهزة ، وتستبدل أسلوبها الإنشائي ولغتها الخشبية بخطاب جديد ومنفتح ،  عصري وحي يتلاءم والتوجهات الجديدة في سورية ، ويماشي التطور الهائل لحركة الصحافة في العالم ، لكن الصحافة السورية آثرت أسلوبها القديم ، وركنت إلى إعادة إنتاج الجديد بصيغ قديمة من خلال تدبيج مقالات الإنشاء المكرورة والمتشابهة ، ففوتت على نفسها فرصة ذهبية لإعادة وصل ما انقطع من علاقة بين الجريدة والقارئ من جهة ، وبين الجريدة والمهنة الصحفية من جهة أخرى ،ولإعادة صياغة علاقة جديدة بالسلطة السياسية من جهة ثالثة .ولذلك أسباب أولها غياب المهنيين عن مراكز القرار الصحفي داخل الصحف السورية ، وندرتهم في الجسم الصحفي كله ، وثانيها غياب صاحب القرار في الصحف السورية والذي تم استبداله عبر سنوات وسنوات بمجموعة من الموظفين التنفيذيين ، وثالثها العلاقة الملتبسة بين السلطة السياسية والصحافة والتي مرّت بمآزق كثيرة أثمرت في النهاية عن إلغاء روح المبادرة لدى الصحفي السوري ، وجعلت الخوف سيد الموقف ، ورابعها الفجوة الحقيقية والمرعبة بين واقع الصحافة السورية وبين حركة الصحافة العربية والعالمية والثورة الحقيقية التي يعيشها الإعلام في العالم منذ عشر سنوات وحتى الآن على صعيد حرية التعبير والتطور التقني الذي بدّل في المفاهيم المهنية للصحافة ، وخامسها غياب الدور الفاعل  لاتحاد الصحفيين السوريين سواء في تأهيل الكوادر الصحفية من خلال إقامة الدورات وإرسال وفود من الصحفيين السوريين للاطلاع على ما يجري من تطورات على مهنة الصحافة في العالم ، أو من خلال وضع ضوابط حقيقية ومهنية لا يتم اختراقها للعمل الصحفي ،أو في الدفاع عن حقوق الصحفيين السوريين ،أو عبر تنمية الروح الجماعية للصحفيين السوريين مما يؤهلهم للدفاع عن مهنتهم في مواجهة أي ضغوط أو أخطار .

 

بين السلطة والصحافة

   من بين الأسباب الخمسة التي حددتها لقراءة واقع الصحافة السورية ( وكأول خطوة لتقديم اقتراحات في مجال تطويرها ) أجد أن العلاقة الملتبسة بين السلطة السياسية والصحافة هي السبب الأهم والجوهري الذي يستحق النقاش أولا ، كونه ساهم في إيجاد وتعزيز الخلل المهني ، الذي تبدى في الأسباب الأربعة الأخرى ، والتي كونت بمجملها المعوقات الأساسية أمام تطور هذه الصحافة . فعلى الرغم من أن كلام الرئيس الراحل حافظ الأسد في انه ( لا رقابة على الفكر إلا رقابة الضمير ) و ( لا أريد لأحد أن يسكت عن الخطأ ولا أن يتستر على العيوب والنواقص ) يرفع سقف الرقابة بتحديده بضمير الصحفي ، باعتباره وطنياً يسعى لخير بلده ، إلا أن المسؤولين عن الإعلام وجدوا المنفذ المناسب لفرض رقابتهم بأخذهم دور ( الضمير ) ، ولذلك صار من حقهم فرض الرقابة على الفكر والإعلام والصحافة ، ولأن الرئيس الراحل طالب بعدم السكوت عن الخطأ ، فقد أنكروا طوال الفترة التي تولوا فيها مسؤولية الإعلام وجود أي أخطاء أو نواقص أو عيوب ( تكشفت فيما بعد ارتكابات وصلت إلى حد اتهام المسؤول الأول عن السلطة التنفيذية في سورية لمدة 13 سنة ) ، فغيبوها عن الصحافة السورية ، وفي رأيهم انهم نفذوا كلام الرئيس الراحل ، وعلى هذا الأساس تمت إدارة الصحافة السورية في السنوات الماضية ، مما ساهم في تغييب دورها الرقابي على أجهزة الدولة ، الأمر الذي سمح بخلق مناخ صالح لنمو بكتريات الفساد واستشرائها في الجسم السوري من جهة ، وأدى من جهة أخرى لخلق واقع مهني متدن كان وراء حالة الصحافة السورية التي يمكن أن نقرأ من خلالها  تعاسة المهنة ، وهي مسألة ضرورية في الأداء الصحفي لأنها تضبط  القارئ ، وهو ما يؤكده الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي يرى ( أن أول ما يطالعه الإنسان في الصباح بحكم العادة هو الجريدة ، فإذا نظرت إلى الصفحة الأولى من هذه الجريدة ستشعر على الفور بالمزاج العام للذين كانوا وراء صدور هذه الجريدة وتشعر إلى أي مدى قام هؤلاء بعملهم ، والى أي مدى فعلوه وهم راضون عنه ) وكلام الأستاذ هيكل يجد خير تأكيد له في النموذج السوري للصحافة(!!).

   وإذا كان بعض مسؤولي الإعلام الأوائل _ الذين جاؤوا من وظائف مرتبطة بالعمل الصحفي _ قد حددوا الخط الأحمر للصحافة السورية بعدم المساس بالسلطة السياسية ، واعتبروا الكتابة عما يخص القضايا المحلية أمرا بدهياً ، وحافظوا على مجموعة من المهنيين في إدارة شؤون الصحافة فإن الآخرين الذين تولوا مسؤولية الإعلام _ بدون علاقة سابقة به _ بالغوا في تقديم أوراق اعتماد وولاء ( ربما لم تطلب منهم ) للسلطة السياسية ، بأن اصبح المنع هو القاعدة، والسماح هو الاستثناء ، والولاء لا المهنية هو مقياس الصحفي الناجح ، والإيجابيات هي التي يلهث وراءها الصحفي ، بينما يتم حجب كل سطر يتناول سلبية من سلبيات مؤسسات الدولة ، إلى حد وصلت فيه الصحافة السورية إلى ما يمكن تسميته ( صحافة استقبل وودع ) على حد تعبير سائق تكسي اقلني إلى مكتب جريدة " تشرين " السورية بعد ما علم أنني اعمل صحفيا فيها .

   إن التوجيهات التي مارسها مسؤولو الإعلام الكبار على رؤساء تحرير الصحف السورية ( إلى الدرجة التي كانت فيها الأسئلة التي يطرحها رؤساء تحرير الصحف في المؤتمرات الصحفية لرؤساء الدول داخل سورية وخارجها تعطي لهم - كما حدثني هامساً أحد رؤساء تحرير الصحف السورية -   مما يعرضهم لبعض المداعبات الناقدة ، كما حدث مع أحد رؤساء التحرير هؤلاء حين داعبه الرئيس المصري حسني مبارك قائلاً بعد أن وجه سؤاله( أنت تسألني  السؤال نفسه دائماً ، مما وضعه في موقف لا يحسد عليه بينما كان الصحفيون المصريون ومراسلو الوكالات والمحطات التلفزيونية يسألون كل ما يخطر ببالهم ) . هذه التوجيهات كان رؤساء تحرير الصحف ينقلونها إلى مديري تحريرها ، وهؤلاء بدورهم ينقلونها إلى أمناء التحرير الذين ينقلونها إلى رؤساء الأقسام ، ليصل التوجيه إلى المحرر الصحفي ، وبالتالي إلى المادة الصحفية التي تتهالك تحت عبء كل التوجيهات الواردة أعلاه .

   وعبر هذه التراتبية الهرمية من الأعلى إلى الأسفل تم الاستغناء عن أصحاب الرأي من المهنيين وأصحاب القرار الذين يفضلون المبادرة على السؤال ، وتم استبدالهم بمجموعة من الموظفين التنفيذيين الذين لا يستطيعون البت بأية مسألة مهما صغرت إلا بعد العودة إلى مرجعياتهم الأعلى ،والتي بدورها تسأل مرجعياتها وهكذا دواليك . وسأورد حادثة كنت طرفاً فيها لتقديم مثال واقعي على ما أقول ، ففي أثناء التحضير للاحتفال بالذكرى الثلاثين للحركة التصحيحية، وفي اجتماع عقد في القسم الثقافي لجريدة " تشرين " حيث اعمل محرراً قدمت اقتراحاً عن خطة مغايرة للاحتفال بالمناسبة كي لا تقع الجريدة في التكرار ، وكي لا تزيد كمية المرتجعات من الصحف السورية  كما هي العادة في المناسبات وقلت لرئيس القسم لماذا لا تذهبون إلى الكتّاب والفنانين السوريين وتسألوهم ما الذي يطلبونه من الرئيس حافظ الأسد بعد ثلاثين عاماً على قيام الحركة التصحيحية ، فقام رئيس القسم بنقل الاقتراح إلى مرجعيـاته ، وبعد عدة أيـام أتى الجواب - الذي لا اعرف مصدره بالضبط - أن الرئيـس لا يُطلَب منه بل هو الذي يَطلب (!!) .

   إن أولى المهام التي يجب أن تنجزها الصحافة السورية هي إعادة بناء علاقتها بالسلطة السياسية بشكل يترك الجانب المهني للصحفيين عبر عدة أسس :

أولها : الاعتماد على مهنيين أصحاب قرار ، وإسناد منصب رئيس التحرير لهم حصرا ، مطبقين ما نص عليه اجتماع اتحاد الصحفيين العرب في العام الماضي في عمان ، الذي اعتبر أن رئيس التحرير يجب أن يكون من  المشتغلين بالعمل الصحفي حصراً ، وهو ما أكده لي رئيس اتحاد الصحفيين السوريين الدكتور صابر فلحوط الذي اعتبر أن تعيين اثنين من رؤساء تحرير الصحف السورية من خارج المهنة ليسوا أعضاء في اتحاد الصحفيين يعتبر تجاوزاً لقانون الصحافة العربية الموحد ، وبالاعتماد على المهنيين - ومن داخل السلطة السياسية نفسها - يمكن إنجاز خطوة على طريق تفعيل الصحافة السورية .

وثانيها  : اعتبار الخبر الصحفي مسؤولية أصحاب المهنة الصحفيين ، ابتداءً من الخبر الرئاسي الذي تبثه في العادة

وكالة "سانا" السورية  ولا يسمح لأي كان بالتدخل لإغنائه ، مما يجعل الصحف السورية تتشابه في نشره ، فضلا عن  نشره متأخراً مدة 12 ساعة على الأقل عن ساعة بثه في التلفزيون . فما الذي يجذبني كقارئ لخبر شاهدته أمس ، واستطاعت الصورة التلفزيونية أن تنقله لي بحيوية اكثر مما لو قرأته ذاته في الجريدة (!؟) . ولذلك فالمطلوب هنا نقل الخبر التلفزيوني من صورة تستطيع أن تنقل انطباعاً إلى كلمة تستطيع أن تخلق اقتناعاً  حسب ما يقوله الأستاذ هيـكل : (سوف يختفي من الصحف خبر الاستقبالات الرسمية ، سوف يراه الناس في التلفزيون لكن ستكون الصحف مضطرة لأن تقول ما وراء الخبر ، ماذا قال في لحظتها بصوت هامس هذا الضيف وهذا لزائر )، وينطبق هذا على كل الأخبار التي تنشرها الصحف السورية لتغطية أحداث محلية عبر وكالة " سانا " السورية ، فعلى سبيل المثال تمنع جريدة " ذي ديترويت فري برس " الأمريكية نشر أي خبر محلي منقولاً عن الراديو أو التلفزيون أو وكالات الأنباء ، وتعتبر أن مسؤولية صحفييها إيجاد الأخبار ومتابعتها دون التدخل في صنعها ، ولا تستخدم الوسائل السالفة الذكر إلا بالنسبة للولايات والأماكن التي لا يوجد فيها مندوبون للصحيفة .

وثالثها : إعادة الاعتبار للصحافة السورية، كونها مؤهلة وقادرة على أن تنافس الصحف العربية ، من خلال تسريب الأخبار لها أولا بدلا من تسريبها للصحف العربية ، التي دائماً ما يعرف منها القارئ السوري أخبار بلده قبل نشرها في الصحف السورية ( والأمثلة كثيرة ) .فقد كان المحرر السياسي لجريدة " الأهرام " المصرية على سبيل المثال هو أول من يشير إلى تعديل وزاري سيحدث في مصر ، أو موقف ما ستتخذه القيادة السياسية المصرية . ويدخل في هذا الإطار فتح المجال أمام لصحافة السورية لتناول المشكلات حتى قبل أن يتم الإعلان عنها رسمياً ، فكثير من ملفات الفساد كانت متوفرة بين أيدي الصحفيين السورين ، لكنها لم تنشر إلا بعد الإعلان الرسمي لها .

ورابعها: اعتبار الصحافة السورية شريكاً للسلطة السياسية لا مجرد تابع لها تردد ما تقوله ، بل على مستوى من الندية تسمح لها بمناقشة كل شؤون الحياة السورية ، وتقديم الاقتراحات وعرض وجهات النظر ، والمحاورة لا الموافقة ، بحيث تصبح صفحات الصحف قاعات مجلس شعب كبير يضم كل أفراد الشعب ، وليس ممثلين عنه فقط ، فما الذي كان يمنع الصحف السورية أن تناقش قانون الإيجار مثلاً قبل إصداره ، وما هو المانع حالياً من مناقشة قانون المطبوعات أو قانون الأحزاب علناً على صفحات الصحف ، وتقديم أفكار حولهما !!

وخامسها : إعادة الاعتبار للخبر وبدرجة من الاحتراف ودون استخدام مصطلحات قيمية ، وحصر آراء السلطة السياسية في أية قضية من القضايا في مقالات الرأي ، بدلاً من الخلط الحاصل الآن والذي ضاعت فيه هوية الصحافة السورية ، فلا هي صحافة رأي ولا هي صحافة خبر بالنسبة للمهنة ، وخلقت نوعاً من التشويش على الأداء السياسي لسورية كونها تعامل عربيا وعالميا باعتبارها نشرات موجهة إذا حاولت أجد التعبير الألطف لما توصف به الصحافة السورية خارجياً .

      إن إعادة تنظيم العلاقة بين السلطة السياسية والصحافة السورية ، لا يعتبر فقط إنجازا على صعيد المهنة الصحفية التي ينبغي أن تأخذ دورها الفاعل في عملية التطوير والتحديث ، بل يساهم أيضا في تسويق الأداء السياسي السوري وخدمته بشكل أرقى وبما لا يقاس مما عليه الآن . 

 

في شؤون المهنة

   إذا كانت الصحافة هي مهنة البحث عن المتاعب في كل أنحاء العالم ، فإنها في سورية مهنة البعد عن المتاعب ، فلا شيء يثير فيها ، ولا موضوع يعرّض أي كان لأي متاعب ( باستثناء متاعب قراءة تلك الموضوعات الخشبية التي تصيب قارئها باليأس والقنوط ) والصحفي السوري هو اكثر موظفي الدولة راحة ، فوكالة " سانا " تزوده بالأخبار ، وهو ليس في حاجة لتقديم أي إسهام فيها ، ومؤسسات الدولة الأخرى تقدم خططها له والتي ينشرها دون تدخل يعرضه للدخول في مماحكات مع مسؤولي النشر ، وحتى شكاوى المواطنين تنشر دون تحرير ( هل يعقل مثلا أن محررة قضايا المواطنين في إحدى الصحف السورية تنبه كل صاحب شكوى بأن يأتي بها مكتوبة ، فلا وقت لديها لسماعه ، وحين تكون مشغولة باحتساء فنجان قهوتها والثرثرة مع إحدى زميلاتها ويطلبها مواطن على الهاتف الموجود على طاولة أخرى غير طاولتها ، تقول لزميلها الصحفي الذي أجاب على الهاتف واخبرها بأن هناك شكوى من مواطن أن يخبر هذا المواطن بأن يأتي بالشكوى مكتوبة ، دون أن تكلف نفسها عناء التحدث إليه مباشرة . وحين تتجمع لديها بعض الشكاوى ، تكتب سطرين في نهاية كل شكوى وترسلها للنشر دون أي تحرير للقضايا التي يطرحها المواطنون أو بحث أو استقصاء !!).

    إن غياب حس المسؤولية وروح المبادرة لدى الصحفي في الصحف السورية يجعل هذه الصحف مليئة بالمعلومات الخاطئة والأخطاء المهنية ، ( فيتحول الكاتب والسيناريست المصري وحيد حامد إلى ممثل على يد محرر الصفحة الأخيرة في جريدة " تشرين "بتاريخ 17/12/2000 . ويتم نشر خبر عن إنجاز مسلسل " ليل المسافرين " السوري في  الصفحة نفسها بتاريخ 19/10/2000 ، ليعاد نشر الخبر في اليوم التالي 20/10/2000 إنما بفارق بسيط هو أن مخرجه يعد العدة لتصويره ، على الرغم من المسلسل منجز فعلياً . وتنشر جريدة " البعث " خبراً منقولاً عن الصحف المصرية مفاده عن استعداد نجلاء فتحي لتصوير فيلمها الجديد في القاهرة بتاريخ 18/2/2001 ورغم ذلك تفتتحه بكلمتي ( دمشق-البعث) وكأن الخبر هو خبرها الخاص ، أو كأن الحدث يجري في دمشق . وتكال الاتهامات لفنانة بحجم أصالة نصري (حضورها العربي أحد صور الدعاية للفن السوري ) في مقالتين نشرتهما جريدة " الثورة " بتاريخ 18/1/2001 للأستاذ احمد بوبس وبتاريخ 23/2/2001 للأستاذ مفيد خنسة ، لمجرد أنها قالت في لقاء تلفزيوني معها إنها مصرية 99 بالمائة . وينشر رد الجهة المعنية في العدد (112) من مجلة " تشرين الأسبوعي " على موضوع كتبه الأستاذ أسامة يونس في المجلة نفسها في العدد (110) دون أن يسمح للمحرر بالتعقيب على الرد في مخالفة صريحة لقانون المطبوعات . وتصبح افتتاحيات الصحف السورية مواضيع تعبير مدرسية تغيب عنها المعلومة والرأي لصالح سرد تاريخي مدرسي وبحيث تغدو إحداها عن زيارة رسمية لرئيس التحرير إلى بلد عربي موضوعاً جغرافياً يتحدث عن حدود البلد من الشمال والجنوب والشرق والغرب وعدد السكان وما تشتهر به البلد من زراعة وصناعة .  وتنشر التغطيات الصحفية لأعمال فنية بعد مرور زمن طويل على إقامة هذه التظاهرات أو عرض هذه الأعمال ، فتنشر جريدة " البعث " بتاريخ 18/3/2001 مقالاً عن مسرحية "صدى"التي عرضت في دمشق على الرغم من أن المسرحية عرضت بتاريخ 8/1/2001وانتهى عرضها في نهاية الشهر الأول . وتنشر جريدة " تشرين " بتاريخ 22/1/2001 موضوعاً عن تكريم الفنانين التشكيليين في مهرجان المحبة الذي أقيم في شهر آب 2000 . ويكتب كل محرر في كل موضوع ، فيُنشر كلام أقرب إلى السريالية حين تسأل الأستاذة رغداء مارديني في جريدة "تشرين " في ندوة أقامتها حول المسرح الشعري بتاريخ 7-8/1/2001مثل هذا السؤال ( إذا ما لغة الشاعر الآن وما علاقتها بالجذور بعيداً عن التكريس، ، وكيف تنظرون إلى عملية التبديد التي تدخل في آلية التجريب ) . ويصل الأمر برئيس القسم الثقافي في جريدة " تشرين " الدكتور عبد الكريم عبد الصمد إلى الوقوع في خطأ إدراكي حين يكتب بتاريخ 5/10/2000 ( فقد سقط الطفل الفلسطيني محمد جمال الدرة الذي لم يتجاوز 12 خريفاً ) . ويغدو الخبر الوحيد الذي نقلته كل الصحف العربية من سورية عن إقرار مشروع قانون سرية المصارف خبرا ثانويا في أسفل الصفحة الأولى في جريدة " تشرين " بتاريخ 19/3/2001 . وأخطاء أخرى كثيرة أحتاج إلي صفحات اكثر من صفحات الموسوعة البريطانية لكي اعددها ) .

     وإذا كان ما ذكرته سابقاً يقدم صورة قاتمة  على واقعيتها للصحافة السورية ، فان المسؤولية المباشرة تقع على عاتق الأشخاص الذين يتولون مفاصل النشر في الصحف وهم نوعان الأول يعتقد انه بتفريغ الصحافة السورية من الموضوعات الحارة يحمي السلطة السياسية فيتحول إلى ملكي اكثر من الملك ، ولأمثال هؤلاء دور أساسي وكبير في تدهور وضع الصحافة ، أما النوع الثاني فهو الذي يعتقد أن عليه الحصول على اكبر رقم في جدول المكافآت فينشر مواد رديئة من اجل مكافآتها فقط ( أحصيت مواد أعداد شهر كانون الثاني لعام 2001 في القسم الثقافي في جريدة " تشرين "فوجدت 42 مادة لرئيس القسم وحده ، بينما بلغ عدد مواد 14 محرراً مجتمعين 58 مادة فقط ) ومن يعود إلى جداول المكافآت في الصحف السورية خلال السنوات الخمس  الماضية ، يكتشف حجم المستأثرين بالمبالغ الأعلى ، بينما لا يحصل بقية الصحفيين داخل الصحف على مبالغ تذكر ، وفي غياب اجتماعات يومية ودورية للتحرير في الصحف السورية يصبح لهذين النوعين من مسؤولي النشر السالفي الذكر السلطة المطلقة على كل مقدرات وتوجه هذه الصحف ، ففي جريدة " الأهرام " المصرية على سبيل المثال تجتمع هيئة التحرير ثلاث مرات في اليوم لمناقشة عدد اليوم وتقرير مواد عدد الغد ، وهو ما يحدث في جريدة " ذي ديترويت فري برس " الأمريكية التي يجتمع محرروها كل في قسمه صباح كل يوم لتداول الأفكار وإبداء الاقتراحات في المواضيع المرتقبة ، والتشاور في الموضوع المزمع كتابته وجوانبه والزاوية التي سيكتب منها ، وبعد الاجتماعات الفرعية ينتدب واحد في كل قسم إلى اجتماع التحرير العام الذي يتكرر ثلاث مرات يومياً، وتترأسه مديرة تحرير توزع الأدوار على المتكلمين وتسجل ملاحظاتهم ومقترحاتهم ، ويعقد الاجتماع الأول في العاشرة صباحاً ويخصص لقراءة نقدية للعدد الصادر صباح اليوم، ويسألون عن مقترحاتهم ومواضيعهم لليوم التالي ، وفي اجتماع الثانية والنصف ظهراً يتم تثبيت المواضيع مبدئيا التي ستنشر في عدد الغد ومناقشة الأخبار والأحداث الجديدة . أما اجتماع الرابعة والنصف فيتم فيه تثبيت المواد نهائياً التي ستنشر في اليوم التالي . وإذا كان هذا ما يحدث في جريدة مؤلفة من ثمانين صفحة ، فما الذي يحدث في صحف يتراوح عدد صفحاتها بين 12-16 صفحة في سورية (!؟) لا تحدث اجتماعات لأي من أقسام الجريدة ، وهيئة التحرير تجتمع مرة واحدة أسبوعيا ، ويتم تقرير المواد للنشر حسب المتوفر وبرأي شخصي ، ولا تتابع أي أحداث بالسرعة والحرارة الكافية وتفضل مواد المستكتبين من خارج الصحف على مواد المحررين ( كون مكافآت هذه المواد تصرف من بند خاص لا يؤثر على مكافآت الذين يبحثون عن أعلى الأرقام ، بينما تؤثر عليهم مكافآت المواد المنشورة لمحررين في الصحف )، وتنتشر الفوضى بحيث ينشر في عدد واحد وصفحة واحدة ثلاثة حوارات على سبيل المثال ، وتمر عشرة أيام دون نشر أي حوار ، ولا أحد يدري أهمية الشخصية موضوع الحوار ( رغم أن الحوار هو قرار مطبخ الجريدة وليس قراراً فردياً ) وتطغى المواد التي تكتب من خلف المكاتب ، بينما تغيب المواد الميدانية (من بين ستين نشاطاً ثقافياً أقيم في دمشق خلال شهر كانون الثاني 2001 غطت جريدة "تشرين" تسعة نشاطات فقط ) ، ويُفرض ذوق ورأي المسؤول عن النشر على كل المواد التي تنشر في غياب أي حوار بين المشتغلين بالتحرير ، وهذا الذوق غالباً ما يكون محكوماً بالمحافظة على المكان والمردود المادي ، فيتم تجنب المواد الحارة والمثيرة للجدل ، ويغّيب رأي القارئ وما يبحث عنه من مواضيع تثير اهتمامه ، وتختفي الهوية اللازمة لكل جريدة .

   إن أي تطوير تبحث عنه الصحافة السورية لتستعيد دوراً فقدته ، يجب أن يعيد المهنة إلى هذه الصحف ، من خلال مراجعة أداء مفاصل النشر طوال السنوات الماضية ،ومدى أثرهم على تراجع توزيع الصحف ، وتبديل غير المهنيين منهم ، والعمل على تحفيز الصحفيين السوريين لكي يعودوا إلى اخذ دورهم الذي دفعوا إلى التنازل عنه ، وإطلاق حرية المبادرة ، وتشجيع التميّز ،ووضع خطط بالمواضيع التي ستنشرها الصحف ومناقشتها ، والالتصاق بالحدث الراهن ، والسماح بكل الآراء ، وفتح باب النقاش لكل من يود المساهمة فيه ، وتأكيد  خصوصية كل جريدة من الخبر وحتى التحقيق والمقال ، والانفتاح على كل الكتاب السوريين ، وتطوير الشكل الفني للمادة من الخطوط إلى الصور إلى العناوين بحيث تعطي القارئ سبباً إضافيا يفتح شهيته للقراءة ، والاستفادة من كل الإمكانيات المتاحة للحصول على افضل نتائج كما في أحد تعريفات الإدارة الناجحة ، ومحاولة إحداث أقسام لإجراء استطلاعات حول توجه الرأي العام المغيّب تماماً في الصحافة السورية ،وميوله تجاه قضية من القضايا ،مما يساهم في تنوير الصحفي السوري حول المواضيع التي تهم القارئ .

   وهذا التطوير يجب أن يشمل إعادة النظر في التشابه الموجود بين الصحف السورية الثلاث ، بحيث تخصص إحدى هذه الصحف وتطوّر باتجاه أن تصبح صحافة شعبية ، تقدم وجهة النظر الشعبية فيما يجري من أحداث على غرار مجلة "روز اليوسف " المصرية ، التي تختلف اختلافاً جذرياً عن صحيفة مثل "الأهرام " على الرغم من أن المطبوعتين مملوكتين للدولة .وعلى غرار صحيفة " الصن " البريطانية التي توزع أربعة ملايين ونصف المليون نسخة ، في حين أن جريدة " التايمز " توزع400 ألف نسخة رغم أن مالك الصحيفتين هو شخص واحد . ومن أهم مميزات هذه الصحافة الشعبية أنها  تقف أمام الصحافة صاحبة النفوذ ،وتتمتع بحرية في الانتقاد اكثر مما تتمتع به الصحف الرسمية ، وتستخدم لغة اقرب للناس من لغة الصحافة الرسمية بمعنى أن القارئ يتمتع بها وهو يقرأها فأسلوبها جزء من طبيعة الموضوع .

   إن وجود صحيفة واحدة بين الصحف السورية تتخذ أسلوب الصحافة الشعبية سيخفف كثيراً من الضغوط والاحتقانات حين يجد المواطن صحيفة تتبنى موقفه وتدافع عنه وتنقل رأيه للدولة في أية قضية من القضايا ، ويحد أيضا من انتشار بكتريات الفساد في المجتمع السوري ، ويساهم في إصلاح الخلل ، ودفع مسيرة التطوير والتحديث ومساعدتها للوصول إلى غاياتها .

 

لا تاريخ بدون جغرافيا ملائمة

   لا أريد أن أعيد حديثاً قديماً عن أهمية الإعلام ، خصوصا في ظل هذا التطور المرعب الذي يعيشه ، ولكني سأكتفي بالمقارنة بين الدور الذي لعبته محطة تلفزيونية مثل قناة  "الجزيرة "في تحويل دولة صغيرة مثل قطر إلى لاعب على المستوى الإقليمي يحسب حسابه ، وبين دور الإعلام السوري الذي لم يستطع أن يرقى إلى مستوى الأداء السياسي لسورية ، وأصبح بدلا من أن يساهم في نقله وتسويقه عائقا أمامه ، ومثل هذا الإعلام قادر أن يحول أية قضية رابحة حين يتبناها إلى خاسرة . وإذا كنت قد قدمت فيما سبق مقترحات حول إعادة صياغة علاقة الصحافة السورية بقارئها ، ومن ثم علاقتها بالسلطة ، وعلاقتها بالمهنة نفسها ، فمن غير المعقول أن أتجاهل دور التقنيات الحديثة ( من تكنولوجيا المعلومات إلى الاتصالات إلى الطباعة ) في تطوير الصحافة السورية ، التي لا يزال محرروها يستخدمون الأوراق والأقلام في إنشاء مقالاتهم وتحرير أخبارهم ، في حين أن جريدة مثل " الأهرام "المصرية ألغت في صالة الديسك المركزي استخدام القلم ،وأخضعت محرريها لدورات على أجهزة الكومبيوتر ، وجريدة مثل " ذي ديترويت فري برس "ألغت قسم التنضيد في الجريدة ، وكل صحفي من صحفييها يستخدم جهاز كومبيوتر ويمكنه الاطلاع على كل ما يدور في الجريدة ويكتبه زملاؤه .

  وفي مجال الاتصالات لا يستطيع أي صحفي من صحفيي لصحافة السورية الاتصال بأية محافظة من المحافظات السورية لمتابعة خبر أو موضوع إلا بعد الحصول على إذن مسبق من المدير العام للصحيفة ، ناهيك عن سرية الانترنيت حيث يمنع عن أي صحفي الاستفادة من إمكانيات الانترنيت في الصحف السورية لأسباب يوحى بأنها أمنية في حين تسمح الجمعية المعلوماتية لأي صحفي بالاشتراك بخدمة الانترنيت وبدون أي قيود ؟! ( ومن اجل إضفاء بعض الطرافة على حديثنا الجاف سأذكر هنا حادثة واقعية جرت أحداثها في جريدة "تشرين "السورية في نهاية العام الماضي ، إذ قام مديرها العام  بفصل الخطوط الهاتفية للجريدة ، ولم يعد بالإمكان الاتصال بأي رقم هاتفي داخل دمشق إلا عبر مقسم الجريدة ، وحين سألته عن الأمر أجاب بأن كثيرا من المواطنين اشتكوا من هواتف إزعاج صادرة عن الجريدة التي ظهرت أرقام هواتفها على أجهزة كاشف الرقم في بيوتهم ، وساعتها قلت للمدير العام كيف يمكن أن تصدر جريدة بدون اتصالات ؟! وتراجع المدير العام عن قراره بعد يومين من تنفيذه فعلياً).

  أما في مجال الطباعة فالأمر يصل إلى حدود الخطر الحقيقي ، فمجلة مثل " تشرين الأسبوعي " السورية تنجز اكثر من 85 بالمائة من طباعة عددها قبل أسبوع من صدوره ، بينما تترك عدة صفحات إخبارية تغلقها قبل أربعة أيام من صدور العدد ، مما يجعل موادها متأخرة دائماً عن الأحداث المحلية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية ، والسبب في ذلك عدم وجود آلات الطباعة التي تستطيع تلبية حاجة الصحافة إلى متابعة الأحداث الراهنة والمتسارعة .

   أمام مثل هذا الوضع  التقني لا يمكن أن نصنع تاريخاً بدون الجغرافيا الملائمة ، فعلى الرغم من أننا في العام 2001 إلا أن كل أساليب التعامل ( من الخبر إلى الحدث إلى الاتصال إلى مصادر الأخبار إلى الأجهزة الطباعية ) تنتمي إلى عصر مضى في ظل ثورة إعلامية عالمية حققت في العشر سنوات الماضية اكثر مما حققته في القرن الماضي كله .

 

اتحاد الصحفيين والدور الفاعل

  ركن اتحاد الصحفيين في سورية إلى مجموعة إنجازات قدمها عبر تاريخه ، وتعد على أصابع اليد الواحدة ( الحصول على تعويض طبيعة عمل للصحفيين لا يتجاوز في احسن أحواله الأربعمائة ليرة سورية –تأمين خط هاتفي لكل عضو – تأمين خصم خمسين بالمائة على بطاقات شركة الطيران السورية – قانون تقاعد الصحفيين تقديم قروض متواضعة بفوائد  للصحفيين  ) ونسي مهامه الأساسية كمسؤوليته في الرقابة على الحالة المهنية للصحافة السورية ، لا بل انه لم يعترض على مخالفة قوانينه بتعيين رؤساء تحرير ليسوا أعضاء فيه ، ولم يفكر  بالمساهمة في تطوير الأداء المهني للصحفيين السوريين من خلال تنظيم دورات واستقدام الخبراء الإعلاميين ، وتنظيم اللقاءات بين الصحفيين لمناقشة شؤون مهنتهم ، وإرسال الوفود إلى الصحف العربية والعالمية للاطلاع على احدث ما توصلت إليه الصحافة العالمية ،والتدخل لحل مشكلات جدية تعترض الصحفيين السوريين كالإجراءات العقابية التي تتخذ بحق الصحفيين في الصحف السورية مثل المنع من الكتابة والنفي إلى شعبة الأرشيف ، ولأسباب لا تعود في العادة إلى تقصير مهني بل دائما إلى مزاج شخصي ( فهل يعقل مثلاً أن ينفى المدير الأسبق لهيئة الإذاعة والتلفزيون في سورية ولاتحاد الإذاعات العربية الأستاذ فؤاد بلاط إلى شعبة الأرشيف في جريدة الثورة لستة اشهر لخلاف غير شخصي بينه وبين وزير الإعلام السابق الدكتور محمد سلمان ، ومن ثم يعاد إليه الاعتبار بعد خروج الدكتور سلمان من الوزارة ليصبح حالياً معاوناً لوزير الإعلام السوري لشؤون المؤسسات الصحفية دون أن يتدخل اتحاد الصحفيين أو يبدي أي اعتراض) . وحين وجهت هذا السؤال للدكتور صابر فلحوط نقيب الصحفيين في ندوة  أقيمت بدمشق قبل عدة أسابيع ، اعتبر أن تدخل الاتحاد في هذه المسألة هو تدخل في شؤون المؤسسات الصحفية الداخلية ، ولعل أهم الأسباب التي تجعل من اتحاد الصحفيين نقابة غير فعالة في مسألة أزمات الصحفيين مع إدارات مؤسساتهم الصحفية ، هو وجود المدرين العامين للصحف في عضوية المكتب التنفيذي للاتحاد أي في أعلى سلطة فيه ، بمعنى أن أي صحفي يريد تقديم شكوى عما يجري  معه في صحيفته ومع مديره العام  للاتحاد ، فإن من سيناقش الشكوى هو هذا المدير نفسه ، وربما نحن البلد الوحيد في العالم الذي  ينتخب فيه الصحفيون قيادة نقابتهم من رؤسائهم في العمل (!!) .   

    لقد نسي اتحاد الصحفيين أن أي تطوير تفكر به الصحافة السورية يجب أن يرافقه تفعيل لدور اتحاد الصحفيين في حماية أعضائه والمساهمة في تطوير أدائهم المهني بدلاً من بقائه مؤسسة روتينية مهمتها الأولى والأخيرة منح الأوراق الخاصة بالخصم على خطوط الطيران السورية ، وبعض الأوراق الأخرى التي لا تدخل من قريب أو بعيد في صميم المهنة وهي مهمة مكتب من مكاتبه  لا مهمة الاتحاد كله.

 

وبعد .. 

    في المؤتمر الأخير لاتحاد الصحفيين السوريين الذي عقد قبل سنوات في دمشق وقف الأستاذ فؤاد بلاط ليقول لوزير الأعلام حينها الدكتور محمد سلمان ، لابد لي أن أشكرك على أمرين الأول هو إنجازك المهم في جعل الصحافة السورية تُقرأ والإذاعة السورية تُسمع والتلفزيون السوري يُشاهد ، والثاني هو نجاحك في لي الذراع الجماعية للصحفيين السوريين ، فأجابه الدكتور سلمان بأنه فهم الأمر الأول بحسن نية، ووجد في الثاني سوء نية ، لكن الأستاذ بلاط تابع قائلا :بل الحقيقة أن النية السيئة موجودة في الأمرين معا يا سيادة الوزير(!!). ولا يخرج عن هذا الإطار ما كتبه الدكتور تركي صقر مدير عام جريدة " البعث " السورية في افتتاحيته بتاريخ 19/2/2001حول واقع الإعلام السوري ، وفيه اعتراف لا يقبل الجدل بقصور الأداء الإعلامي والصحافي. وإذا كان هذا ما يقوله اثنان من مسؤولي الإعلام عن واقع الإعلام السوري فما الذي نقوله نحن ؟

   لكننا لن نعدم من يقرأ كل ما ذكرته على أنه نوع من نشر الغسيل الوسخ أمام الناس كما يحلو للبعض من الذين لا يريدون الحديث عن أي تقصير – وصف كل ما ينشر عن مواطن الخلل ، وإني أستميحهم العذر باستبدال مصطلح نشر الغسيل بآخر هو غسل الغسيل على حد تعبير الصحفي السوري إبراهيم ياخور. وتلح علي وأنا انهي مقالي حادثة قرأتها في مذكرات الشاعر السوفيتي يفتوشنكو، حين جاء بعض أعضاء قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي إلى لينين ليشكون له الشاعر ماياكوفسكي ، وحديثه الدائم عن سلبيات وأخطاء تحدث في الدولة الوليدة ، مما سيفيد أعداء الثورة من الإمبرياليين ، فما كان من لينين إلا أن سأل هؤلاء  الرفاق الغيورين على مصلحة الحزب لا على مصالحهم الخاصة : أليست هذه الأخطاء موجودة ؟ فأجابوا بنعم ، وتابع لينين : أعتقد أن أعداء الثورة من الإمبرياليين سيستفيدون  أكثر فيما لو بقيت هذه الأخطاء وتم السكوت عنها !!

 

مراجع : 

                1.  الصحف السورية ( تشرين الثورة البعث ) .

                2.   مجلة (تشرين الأسبوعي) .

                3.   تقارير التوزيع في مؤسسة توزيع المطبوعات السورية .

                4.  متابعات وزيارات شخصية لجريدة الأهرام المصرية .

                5.  جريدة الحياة اللندنية.

                6.  مجلة أكتوبر المصرية .

                7.  مشروع قانون الصحافة العربية الموحد .

                8.  حوار شخصي مع عادل حمودة .

                9.  كواليس صناعة الخبر في الصحافة الأمريكية .

الجورنالجي .