أدخل كلمة البحث مجال البحث: عناوين المقالاتأسماء الكتّاب

مسألة الآخر في الثقافة الغربية:كيف تستمر النماذج الأساسية للغزو؟
التاريخ: 7/5/2001 م

* من تزفيتان تودروف صاحب الكتاب الهام والموسوم بـ "فتح أمريكا: مسألة الآخر" وكذلك "نحن والآخرون، 1998" إلى نعوم تشومسكي في كتبه المتلاحقة والتي تحمل هماً واحداً يتمثل في سعيه إلى فضح ما يسميها بـ "نزعة الناتو الإنسانية العسكرية الجديدة؟" وأشير إلى كتبه "إعاقة الديمقراطية: الولايات المتحدة والديمقراطية" وكتابه الهام والذي لم يلق تعاطفاً من بعض المثقفين العرب (علي حرب: أصنام النظرية وأطياف الحرية: نقد بورديو وتشومسكي، 2001" وأشير إلى "سنة 501: الغزو مستمر" وأخيراً كتابه الجديد الذي يتهكم فيه على ما يسميها بـ "النزعة الإنسانية للناتو والذي يحمل عنواناً دالاً "النزعة (الإنسانية) العسكرية الجديدة 2001". أقول من تودروف إلى تشومسكي يجد القارئ لهما نفسه مدفوعاً إلى البحث عن مجموع القواسم المشتركة بين شخصيتين لقافيتين يفصل بينهما المحيط الأطلسي، حيث يعيش تودروف في باريس بينما يعيش تشومسكي في الولايات المتحدة.. كذلك يجد القارئ لنصيهما أنه مدفوع إلى إثارة مزيد من الأسئلة وهذه هي فضيلة القراءة ومتعتها، خاصة وأن النصوص المذكورة هي نصوص لذة ومتعة بحق إن جاز لنا استعارة ما يقوله الناقد الفرنسي رولان بارت عن نص اللذة الذي يقنع ويفعم ويمنح الغبطة وعن نص المتعة الذي يهز الثوابت التاريخية والثقافية والسيكولوجية لدى القارئ.. وفي مقدمة هذه الأسئلة: ما هو سر هذا الانتقال المفاجئ إلى حد كبير عند بعض الأكاديميين الغربيين من نقد الأدب إلى نقد السلطة والحضارة؟
بصورة أدق، من نقد الأدب إلى الانتربولوجيا والتاريخ وقضايا السلطة والديمقراطية؟ وعلى سبيل المثال فقد انتقل تودروف من "نقد النقد" في كتابه الشهير في مجال الأدب إلى الانتربولوجيا والتاريخ الحضاري للغرب، وقد برر انتقاله هذا بقوله ان هناك ميلاً يحركه للحكم على أخلاقية الحضارة الغربية.. وفي المقابل نجد تشومسكي قد انتقل من فقه اللغة (اللسانيات) إلى البحث عن الوجه الآخر، البشع والدامي للحضارة الغربية المعاصرة.. والسؤال: هل يكمن سر ذلك في كونهما ـ أي تودروف وتشومسكي ـ من أبطال "العبور الثقافي" كما ينعت تودروف نفسه في كتابه "المثقف المغترب"؟ أو من "مثقفي ما بين الحضارات" كما ينعتهم إدوارد سعيد الذي انتقل بدوره من التخصص الأكاديمي الضيق على حد تعبيره، إلى ناقد للامبريالية كما يشهد على ذلك كتابه "الثقافة والامبريالية، 2000" وكذلك كتابه "صور المثقف، 1996" الذي يؤكد على أن وظيفة المثقف هي "قول الحق في وجه السلطة" والأهم من هذا كله: هل يشي هذا التحول والانتقال بولادة المثقف في الغرب حيث ينعي الكثيرون غيابه
أما على صعيد القواسم المشتركة بين تودروف الذي يشارك إدوارد سعيد حالة الوجد والتوحد كما يعلن في خاتمة كتابه "فتح أمريكا".. وبين تشومسكي، فإن القارئ لهما يجد نفسه مدفوعاً أيضاً إلى صياغة هذه القواسم على شكل أسئلة: لماذا العودة المستمرة إلى القرن السادس عشر الذي شهد انزياحاً أوروبياً في جميع أرجاء المعمورة؟ والجواب الذي يقدمه تودروف أن هذا القرن شهد اقتراف أوسع إبادة في تاريخ الجنس البشري؟
ـ لماذا فتح أمريكا؟ ألأن هذا الحدث الهام والمأساوي هو الذي دشن وأسس في واقع الأمر الهوية الحاضرة للثقافة الغربية؟
ـ لماذا البحث في درب الدموع؟ في قرون الخزي والعار على حد تعبير تشومسكي والتي تجعل وجوه من يحبون بلادهم تحمر عاراً على حد تعبيره أيضاً؟ هل يكمن الهدف في البحث عن ذلك الإرث الثقافي النبيل لجنود كولومبس ـ تشومسكي يتهكم هنا ـ في تعرية حضارة بأكملها؟
لماذا انتهت كل محاولات أوروبا في استيعاب الآخر إلى الفشل، بصورة أدق ـ إلى ازالة الآخر وافنائه؟
ـ لماذا تستمر النماذج الأساسية التي أرسيت منذ الأيام المبكرة للغزو ـ غزو أمريكا ـ إلى زمننا الحاضر؟ وفي رأيي أن هذا هو السؤال الهام الذي يختصر جميع الأسئلة والذي يدشن لصفحة جديدة في إطار "البحث عن الحقيقة" كما يسميها تودروف وكما يتصدى لإعلانها إدوارد سعيد.
من وجهة نظر تشومسكي فإن ازالة الآخر هو نهج الحضارة الغربية وطاعونها بآت هذا ما ختم به كتابه "إعاقة الديمقراطية" وهذا النهج/ الغزو مستمر من وجهة نظره المدعومة بمزيد من الوقائع التي يستقيها تشومسكي من الوجه الآخر المظلم والمسكوت عنه للحضارة الغربية.. ففي كتابه "الغزو مستمر" يؤكد تشومسكي على ذلك، فمن وجهة نظره أن العام 1992م من قرننا المنصرم يطرح تحدياً أخلاقياً وثقافياً خطيراً على القطاعات صاحبة الامتياز في المجتمعات المسيطرة على العالم، فبحلول الحادي عشر من تشرين الأول 1992م ينتهي العام (500) من عمر النظام العالمي القديم والذي يدعى بالحقبة الكولومبية ـ نسبة إلى كريستوف كولومبس ـ أو حقبة فاسكو دي غاما، تبعاً لأي من المغامرين النهّابين الذين بدأوها، أو "رايخ الـ 500عام".
إذا ما أردنا ـ والقول لتشومسكي ـ استعارة عنوان الكتاب التذكاري الذي يقارن طرائف النازية وأيديولوجيتها بمثيلاتها عند الغزاة الأوروبيين الذين أخضعوا العالم لسيطرتهم ونهبهم؟ ولذلك فقد أثر تشومسكي أن يجعل عنوان كتابه الرئيسي هو ""سنة 501" والعنوان الفرعي هو "الغزو مستمر" وكأننا أمام فاتحة جديدة لغزو جديد ونهج تاريخي جديد هو طاعون حضاري كما يرى تشومسكي من شأنه أن يهدد العالم بأسره والكون برمته؟
يهدف تودروف كتابه "فتح أمريكا" إلى "امرأة من المايا التهمتها الكلاب، ويختم كتابه بالقول: لقد ماتت امرأة ملتهمة من الكلاب.. وحكايتها، التي لا تتجاوز عدة أسطر، تكثيف لأحد الأشكال المتطرفة للعلاقة مع الآخر" وتودروف لا يمل من سرد الحكايات/ الوثائق يحدوه هدف أن يجعل من التاريخ، تاريخ فتح أمريكا أمثوله، بمعنى أنها تمثل صورة أمينة لعلاقة الغرب بالآخر، وهو بهذا إنما يهدف بأن يسمح ذلك "بتأمل أنفسنا، واكتشاف التشابهات إلى جانب الاختلافات فعسى أن تتم معرفة الذات عبر معرفة الآخر".
تشومسكي هو الآخر لا يمل الحكايات/ الوثائق.. إنه يسوق لنا الآلاف من هذه الأقوال/ الوثائق.. فهو يدشن كتابه "إعاقة الديمقراطية" بقول لرئىس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل يؤكد فيه على أن الأمم الشبعَى يجب أن تحكم العالم".. ثم يسوق لنا في "الغزو مستمر" نصيحة أخرى لتشرشل يقول فيها: إن من الصحيح تماماً استخدام الغازات السامة ضد "القبائل غير المتمدنة الوحشية" ويعلق تشومسكي متهكماً بقوله ان هذه الوحشية ضرورية لإنجاز مهمة قطع الأشجار والهنود؟!
من بين آلاف الأقوال/ الوثائق التي تزين صفحات "الغزو مستمر" والتي تشهد على أن "الخل العتيق يصب في الجرار الجديدة" سوف أقتطف عينة صغيرة تشهد على أن نهج الغزو ما زال مستمراً.
ـ يقول هوغو غرويتوس ـ قاض ودبلوماسي هولندي ومؤسس القانون الدولي ـ : أكثر الحروب عدالة هي الحرب ضد البهائم المتوحشة، ثم الحرب ضد الناس الذين هم على شاكلتها؟
ـ يقول جورج واشنطن الرئىس الأميركي المعروف: إن التوسع لمستوطناتنا سيجعل المتوحشين يتراجعون تدريجياً، وكذلك الذئاب، فكلاهما طرائد للصيد مع أنهم مختلفون شكلاً؟.
ـ يقول توماس جيفرسون الرئىس الثالث للولايات المتحدة: إن القبائل المتوحشة على الحدود سوف تتردى في البؤس والبربرية، وتتناقص عدداً بحسب الحرب والفاقة، وسنكون جاهزين لسوقهم إلى الجبال الصخرية مع وحوش الغابات"؟.
ـ يقول تشومسكي: كان الأوروبيون يحاربون بهدف القتل وكان لديهم من الوسائل ما مكنهم من ارضاء شهوة الدم عندهم.. بهذا يجعل تشومسكي من نهج التاريخ وطاعون الحضارة شيئاً مستمراً فلم يتغير "العمل العظيم في الاخضاع والفتح" على حد تعبيره المتهكم على مر السنين إلا قليلاً من القتل والاستقتال السائد الآن في ظل الامبريالية العالمية والذي يمثل من وجهة نظره الوجه الحقيقي والآخر لتلك الإبادات الجماعية التي عرفتها الحقبة الكولونيالية.
كان تودروف يقول ان من يجهل التاريخ يجازف بتكراره ولكن لسان تشومسكي يقول ان من يعرف التاريخ يجازف بتكراره، فالطريقة التي تؤسس "لحكم العرق السيد في العالم" التي دشنها أوائل النهابين الفاتحين ما زالت أنموذجاً يحتذي به أسياد العالم الجديد.. وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني الذي لا يرى حلاً إلا بإبادة الفلسطينيين وبذلك يقتفي سلوك القبيلة الشقراء في طريقتها التي تؤسس لحكم العرق السيد في العالم؟!
بداية الصفحة - رد - تعليق - طباعة
مقالات سابقة
- مسألة الآخر في الثقافة الغربية:كيف تستمر النماذج الأساسية للغزو؟
- في "الشعائر التقدمية" التي تجعل من ماضي الغرب مستقبلاً للعرب؟
- لماذا لم تشهد نهاية التاريخ نهاية لعنصرية؟
- في الدعوة إلى تجاوز أوهام المثقف:أين حدثت هزيمة المثقف؟
- ريح الشرق: في البحث عن ملامح استراتيجية حضارية شرقية
- ما لم يدفنوا أباهم أردشير!
الجابري يدعو إلى عهد جديد ونهضة جديدة؟
- المروءة والمدينة العربية الفاضلة.. قراءة أولى في (العقل الأخلاقي العربي)
- في المسار الجديد للعمل القومي:هل تنجح
- في الجدل الدائر بين المثقفين هل المطلوب تفسير العالم أم تغييره؟


جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2000
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
writers@alriyadh-np.com


مواقع الرياض
جريدة الرياض
الرياض @ نت
دنيا الرياضة
الرياض الاقتصادي
الصحفي الإلكتروني
منتدى الكتّاب
دليل المواقع