"النهار"

السبت 14 تموز 2001

 

شعبان عبود يستقصي في دمشق واللاذقية "ظاهرة" نزار نيوف:

مقابلات مع نزار نيوف وشقيق زوجته وأكثم نعيسه و"جهة معنية"

نيوف:  محاولة لاغتيال باسل الأسد في ألمانيا مطلع التسعينات

 

هل رون آراد، الطيار الاسرائيلي المفقود منذ منتصف الثمانينات في لبنان موجود في سوريا؟ ما الاسباب التي دفعت نزار نيوف للتحدث عن هذه القضية، ما قصة محاولة اغتيال باسل الاسد، هل هي حقيقية؟ وما قصة بقية الوثائق التي بحوزة نيوف، ما قصة نزار نيوف نفسه الذي ظهر فجأة ليكسر الحواجز والمحظورات ويرفع من سقف اللغة المعارضة؟

هل هو رجل اخرج من السجن في اطار صراع الاجهزة وليفتح ملفات معينة؟

ام هو مدافع حقيقي عن حقوق الانسان؟ لكن هل بقي ابطال حقيقيون في مجتمعات ودول لم تنتج الا ثقافة الخوف ولاتعرف الا ادارة الصراع داخلها؟ كلها اسئلة سنحاول عبر العديد من اللقاءات الاجابة عنها.

منذ اعوام، وحتى فترة وجيزة قبل خروجه من السجن، حين كان بعض الصحف ينشر شيئا من اخباره، كان يتملكني شعور كبير بالتعاطف مع نزار نيوف، وهذا الشعور غالبا ما كان يدفعني للسؤال عنه لمعرفة اي شيء يخصه، خصوصا انه "الصحافي والسجين السوري المدافع عن قضايا حقوق الانسان وحرية الصحافة...". لكن كانت محاولاتي تبوء دائما بالفشل، فقليل من الصحافيين السوريين حتى المثقفين، بالكاد يعرفون من هو نزار نيوف وقصته. المعلومة الوحيدة التي حصلت عليها في ذلك الوقت، انه كان صحافيا يكتب لمجلة "الحرية" الناطقة باسم الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين.

غير ان نزار نيوف اليوم اشهر من نار على علم، ومنذ خروجه من السجن منتصف ايار الماضي، صار شخصية مشهورة في سوريا وربما خارجها، عُرف عنه تجاوزه سقف المحظورات وتناوله بالسباب والشتيمة والاتهام كبار ضباط الاستخبارات السورية، بل ان المسألة لم تتوقف عند هذا الحد، فقد هدد نيوف بفتح الملفات الخطيرة: "موت باسل الاسد نجل الرئيس الراحل حافظ الاسد، قصة رون اراد الطيار الاسرائيلي المجهول المكان والمصير والذي يعتقد البعض انه ما زال على قيد الحياة، اضافة الى قضايا اخرى تتعلق بالحياة الداخلية المحلية وتورط بعض المسؤولين في ملفات الفساد... الخ".

اسئلة كثيرة صارت تفرضها "ظاهرة نزار نيوف" هل هو مناضل حقيقي مدافع عن حقوق الانسان في سوريا، تعرض للسجن وخلال سجنه تسنى له معرفة الكثير من الاسرار والخفايا عن النظام في سوريا، ويمثل الوثائق (قال لنا انه يملك 4500 وثيقة) والادلة الكافية على ما يقوله؟ من ناحية ثانية هل هو، مثلما صار يتردد، مجرد "مجنون" يعيش حالة من جنون العظمة واليأس معا، ولا يستطيع العيش من دون بريق الاعلام والاضواء؟ وهل هو صنيعة احد اجهزة الاستخبارات السورية، ضد اخرى في اطار صراع المصالح والنفوذ بين الاجهزة كما يحاول البعض ان يشيع؟

كلها اسئلة سيعمل على الاجابة عنها كل من نزار نيوف واحد الجهات المعنية بمتابعة موضوعه، اضافة الى كل من شقيق زوجة نيوف (زوجته مجهولة المكان والاقامة) واكثم نعيسة صديق نزار "قديما" ورئيس لجان الدفاع عن حقوق الانسان في سوريا، اضافة الى الدكتور رئيس اللجنة الطبية التي حاولت معالجة نيوف في السجن والقريب من وضعه الصحي والنفسي.

البداية ستكون مع نزار نيوف نفسه ومن آخر المستجدات التي تحدث عنها في الآونة الأخيرة، اقصد موضوع الطيار الاسرائيلي رون أراد وهو من اكثرها اثارة وربما اهمية:

* في البداية الحمد لله على سلامتك، واود ان ابدأ من رون اراد ما هي القصة؟

- ارفض الحديث عن هذا الموضوع ولن اضيف شيئا على ما ذكرته لصحيفة "لوبوان" الفرنسية.

* لكن الا تريد ان تدافع عن نفسك، هناك من يعتقد انك تختلق القصص؟

- كل ما اقوله عن هذا الموضوع هو ان رود أراد كان حيا حتى عام 1993 وقد رأيته عندما كان يستحم.

* اذا كنت رأيته هل تصف لي شكله، ما لونه، كم عمره، هل هو اشقر، اسمر... هل تحدث معك وتحدثت معه؟

(اللقاء تم بحضور محامي نيوف انور البني الذي تدخل اكثر من مرة لتجاوز هذه النقطة).

- ألم ترى شكله في الصحف؟ (يسألني نزار).

* لا.

- لا اريد ان اتحدث عن هذا الموضوع، لماذا التركيز على رون اراد لقد كان كل ما قصدته من قصة اراد ان الفت النظر الى قضية الـ600 سجين سوري الذين قتلوا في السجون الاسرائيلية، لماذا لم يتحدث عنها احد، ولماذا لم تتوقف الصحف عند هذه المسألة؟

* لماذا برأيك؟ الا تعتقد لأن قضية رون أراد قضية حساسة وتهم دولاً كثيرة في المنطقة مثل سوريا ولبنان واسرائيل وايران و"حزب الله"؟

- لا ليس كذلك، فقط لأن النظام السوري نظام منحط اخلاقيا ولأنه لا يريد ان يفتح موضوع الاسرى، انا فتحته عله يساعد على مزيد من الاهتمام بموضوع الاسرى والضحايا السوريين.

* كيف؟

- من اجل المبادلة.

(يتدخل المحامي ويفضل الانتقال لنقطة اخرى).

* ماذا عن بقية الملفات، هل تعرف شيئا عن موت باسل الاسد، كل تصريحاتك توحي بأن موته لم يكن طبيعيا، هل تملك الوثائق التي تؤكد ما تذهب اليه؟

- نعم املك حوالى 4500 وثيقة وبمختلف اللغات اضافة الى كونها تحتوي على العشرات من اشرطة الفيديو والكاسيت. ومنذ سنوات خلال سجني ارسلت ثلاث مذكرات من طريق مدير سجن المزة العسكري واحدة مواجهة للرئيس الراحل حافظ الاسد في العام 1999 واثنتين لكل من النيابة العامة العسكرية ومدير مكتب الأمن القومي. لقد كانت هذه المذكرات هي السبب ربما في اقالة العميد (...) (مدير سجن المزة) من الجيش بعدما تمت مصادرة هذه الوثائق.

* من اين حصلت على كل هذه الوثائق وانت في السجن، ثم الا تحتفظ بصورة عنها؟

- قبل كل شيء حصلت على الكثير من معلوماتي وجمعتها قبل دخولي السجن، وفي ما بعد استكملتها من خلال علاقاتي مع بعض الضباط الشرفاء والمخلصين. اما عن الوثائق فأنا لا املك الا صورا طبق الاصل عن مذكرتين فقط اخفاهما كل من حسن خليل وعلي دوبا. المذكرة الاولى تحتوي على 86 صفحة والثانية على 62 صفحة وكلها لها علاقة بالمرحوم باسل الاسد ورون اراد.

* الا تتذكر ولو بشكل عام ومقتضب ماذا تتضمن هاتان المذكرتان خصوصا ما يتعلق بباسل الاسد؟

- اذكر انه كان هناك محاولة لاغتيال باسل الاسد في بداية التسعينات في المانيا وقد كان وراء ذلك المخابرات العسكرية وعلي دوبا تحديدا.

* لماذا علي دوبا والمخابرات العسكرية؟

- بسبب الصراع على السلطة، وفي اطار الصراع المحتدم بين كل من باسل الاسد وعلي دوبا. لقد كان لعلي دوبا طموح في الوصول الى السلطة، وكان يعتقد انه اكثر احقية وجدارة وكفاية من باسل، لقد كان متخوفا من وصول باسل الذي كان يملك ملفات كاملة عنه.

* يقال انك تختلق هذه المواضيع في توقيت غير مناسب وربما خاطئ خصوصا في ظل الازمة التي تعيشها اسرائيل مع حكومة شارون؟

- منذ خسمين سنة يقولون ان التوقيت غير مناسب، عن كل شيء يقولون التوقيت غير مناسب، ما هو التوقيت المناسب برأيك؟ عندما تتحرر فلسطين؟

* ارسلت ثلاث مذكرات لثلاثة مواقع رسمية، ماذا حصل وماذا كانت الاجابات؟

- لقد حجبوا المذكرات (علي دوبا وحسن خليل) اما المذكرة التي وصلت لسعيد بخيتان مدير مكتب الأمن القومي، فلم يتعامل معها بجدية، وهذا ما استغربه! وعندما فشلت محاولاتي هذه لجأت الى قنواتي الخاصة ووسائل الاعلام.

* صرحت في وقت سابق انك تعرضت لمحاولة اختطاف، والموقف الرسمي ان ذلك ما كان الا تمثيلية من تمثيلياتك الكثيرة، كذلك هناك اقاويل تنتشر في بعض الاوساط غير الرسمية بأن اختطافك لم يكن سوى تمثيلية لجذب مزيد من الاضواء؟

- لم تكن تمثيلية إني خطفت فعليا.

* لكنك كنت وقتها تحت الاقامة الجبرية في منزلك في اللاذقية حسبما ذكرت، كيف خرجت دون ان يلحظك احد؟

- لا تستطيع اجهزة الاستخبارات افتعال اي موقف معي، وعلى مرأى من اهل قريتي، هذا اولا، وثانيا كنت في وقت سابق اخبرت المنظمات الدولية بأني سأخرق الحصار يوم 20 حزيران.

* لكن لماذا لم تختطفك اجهزة الاستخبارات في اللاذقية، او في حمص منتصف الطريق الى دمشق ولماذا تختار هذه الاجهزة مكانا في دمشق وعند الساعة السادسة مساء وفي اكثر المناطق ازدحاما، أليست حمقاء الاجهزة التي تفعل ذلك؟

- هم كانوا يعتقدون انني ذاهب الى السفارة الفرنسية لألجأ اليها.

* هل كنت تعرف انك ستتعرض للخطف قبل ذلك فقمت باخبار جمعية الصحف العالمية التي اصدرت بيانا بعد مضي ساعتين فقط على الخطف؟ ثم هل هناك من يشهد على الحادثة؟

- اتحدى النظام ان يتجرأ على فتح موضوع الاختطاف. نعم كنت اتوقع الخطف وهناك شاهد على الخطف وتعرفه السلطات. انه صديق لي وكان يقود السيارة التي كنا ذاهبين فيها لمراجعة الطبيب. لقد وجهوا المسدس الى رأس السائق (الصديق) وطلبوا منه الا يتكلم. انه من عائلة مرموقة لها علاقة بالسلطة السورية، وهو معروف لأجهزة الاستخبارات، وهذا ما منعهم من التحقيق في قضية الخطف.

* من هي الجهة الامنية التي اختطفتك؟ ماذا اخبروك؟ وما هي غايتهم برأيك؟

- اعتقد انها الاستخبارات الجوية... ربما هي الاستخبارات العسكرية... لا إنها الاستخبارات العسكرية، لقد قاموا باغرائي ماديا ومعنويا من اجل ان اصمت فرفضت. لقد عرضوا عليّ بيتا وسيارة ومبلغ 100 الف دولار (ما يعادل خمسة ملايين ليرة سورية). كذلك عرضوا علي سحب الاعتراف من منظمة اكثم نعيسه (لجان الدفاع  عن حقوق الانسان في سوريا) فرفضت كذلك، لأني انتزع اعترافي من الشارع وليس من الاستخبارات.

* يقولون عنك انك مجنون ومصاب تحديدا بداء جنون العظمة وانك لا تملك الا هذه التصريحات العنترية وهي ما بقي لك من رصيد...

- لقد سجنت "بالمنفردة" لمدة ثماني سنوات ونصف قضيتها بين تدمر وصيدنايا والمزة (مواقع لسجون سورية) انا لست تاجرا حتى أفلس، لقد فقأت حصرما في عين النظام وما زلت، انها معركة كسر عظم مع السلطة حتى عودة الحقوق الى اصحابها. انا لست مصابا بجنون العظمة. انا وما اقوله لا يساوي نقطة في بحر غيري من السجناء، هناك ابطال حقيقيون لم يتنازلوا حتى اليوم.

* ما هي قصة مرضك. اراك في صحة جيدة؟ وما هذا النوع من السرطان المصاب به؟

- اكتشفت ذلك وأنا داخل السجن، لقد احسست بانتفاخ الغدد الليمفاوية تحت الابط وفي ما بعد تأكدت من الاصابة.

* لكنك وحسب اقوال سابقة، كنت ترفض المعالجة وترفض ان تعرض على اللجنة الطبية وانت في السجن، وترفض ان تتناول حبة دواء واحدة؟

- بإمكانك ان تسأل الطبيبة(...) في مستشفى تشرين العسكري في دمشق، فهي التي تتابع حالتي الصحية، وهي اختصاصية في امراض الدم والاورام. اما لماذا كنت ارفض اللجنة الطبية وتناول الدواء فلأني تعرضت وفي وقت سابق لثلاث محاولات اغتيال وانا داخل السجن. في المحاولة الاولى ارسل لي علي دوبا مادة "اوكنتين"  داخل كبسولات الادوية، وقد اكتشفت ذلك من خلال احد الرقباء الموظفين في السجن الذين نصحوني بعدم تناولها. يومها كنت في تدمر وكان الوقت شهر نيسان من العام .1993 اما المحاولة الثانية فكانت عندما حقنوني في فرع التحقيق العسكري، واعتقد ان هذه الحقنة هي التي حرضت على المرض. وفي المحاولة الثالثة، وضع سجين في زنزانتي في سجن المزة من اجل طعني في السكين. هذا السجين اسمه (...) من بلدة التل القريبة من دمشق وقد كان مدفوعا من علي دوبا واخيه محمد دوبا الذي كان يومها مديرا لشركة A.B.C. (نفط طرطوس)، وعلى ذكر محمد دوبا الذي شغل ايضا منصب مدير لفرع استخبارات حلب، فأنا املك ملفات عن علاقته بتهريبه يهود حلب الى الخارج بالتواطؤ مع ضباط آخرين.

* يقول مقربون من زوجتك انها مثقفة من الطراز الرفيع وهي التي كانت تكتب لك مقالاتك الصحافية؟

- زوجتي ليست مثقفة "ولا يحزنون"، ولا تعرف حتى من هو رئيس جمهورية سوريا قبل حافظ الاسد. في كل تاريخها لم تقرأ لا صحيفة ولا كتابا سياسيا واحدا وهذا احد اسباب خلافاتي معها، انها مثقفة قهوة وسجائر.

* لكنها خريجة جامعة دمشق، قسم اللغة الفرنسية، وتعمل في حقل الترجمة وعملت سابقا في صحيفة البعث؟

- نعم انها خريجة جامعة دمشق، لكنها لم تكن يوما مثقفة، ثم انا اكتب مقالات صحافية واشتغل في الصحافة قبل اعوام كثيرة من زواجنا.

* ما سبب خروجها من البلد إذاً ولماذا تخلت عنك؟ وهل صحيح انك كنت تطالبها بمقاضاة ضباط في الاستخبارات السورية ورفع دعاوى قضائية بحقهم؟

- نعم، وهو احد اسباب انفصالنا، لأنها رفضت رفع الدعاوى، والسبب الثاني تواطؤها مع اخيها(...) الذي سلمني للاستخبارات السورية مقابل تعيينه عضوا في قيادة فرع دمشق لاتحاد شبيبة الثورة.

* يقال انك لست صحافيا ولم تشتغل يوما في الصحافة، وما نشاطك السابق الا عبارة عن مساهمات محدودة في منشور يدعى "صوت الديموقراطية" الذي صدر منه فقط اربعة اعداد، اضافة الى بعض المقالات في مجلة "الحرية" التابعة للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين.

- لقد عملت في كل الصحف السورية وكتبت فيها اضافة الى كتاباتي في دوريات عربية عديدة، وآخر عمل لي في المجال الاعلامي كان في مجلة "الاردن الجديد" الثقافية الشهرية التي كنت مديرا للتحرير فيها، وهي مجلة تصدر عن "دار الاهالي" التابعة للجبهة الديموقراطية، (هنا يقوم المحامي انور البني بتسليمنا صورا عن العديد من المقالات الموقعة باسم نزار وغالبيتها تؤكد عمله في الصحافة السورية خصوصا "تشرين" و"البعث").

***

هذه كانت اجابات نزار نيوف، وكما هو واضح فثمة شعرة تفصل بين الحقيقة ونقيضها، اقصد انها اجابات تبعث على الحيرة خصوصا انه لم يثبت امتلاكه اي وثيقة، وما فعله لم يكن سوى ادعاء امتلاك الوثائق كما يصرح في الفضائيات العربية وفي الصحافة الاوروبية. كذلك فإن ما يؤكد الشك في اقواله هو رفضه اعطاء اي دليل على رؤية رون اراد، كشكله ولونه وعمره، حتى لتبدو القصة كما لو انها من نسج مخيلته. لكن من منا يستطيع ان يجزم ان كل ما يقوله محض افتراء؟ الا نظلم نزار اذا قلنا انه مجنون ومحب للأضواء؟ هذه الاسئلة والهواجس والرغبة في كشف الحقيقة ومعرفة المزيد عن نزار ربما تستدعي اكثر من لقاء نزار نيوف، وهذا ما مضينا باتجاهه...

(أ.ش.) شقيق زوجة نزار ساهم في كشف بعض التفاصيل:

نزار اتهمني بأني كنت وراء تسليمه للاستخبارات مقابل تعييني عضوا في فرع دمشق لاتحاد شبيبة الثورة، لكني كنت في الاتحاد قبل قبض الاستخبارات عليه بوقت طويل، لا بل كنت اتدرج بشكل طبيعي في عملي وكنت أمين رابطة قبل القبض عليه. لقد استغربت ذلك، هو لا يرتاح الي منذ البداية، ربما لأني "بعثي" ومنذ وقت طويل، وربما يكون ذلك سببا في توجه اتهامات لا تنتهي من جانب نزار. لقد ارسل لي رسالة تهديد واضحة بعد خروجه من السجن يتهمني فيها اتهامات شتى، واي شخص يقرأ الرسالة سيكتشف كم يمتلك "زوج اختي" من لغة ترهيبية لا علاقة لها لا بالإنسان ولا بحقوق الانسان. نزار الذي "يشتم على الأمن" عبر الفضائيات، يهددني بالأمن و"بالكلبشة" التي ستوضع في يد اختي "زوجته"... هذه رسالة نزار يمكنك قراءتها.

اختي لم تستطع الاستمرار معه، لقد طلب منها في الآونة الاخيرة ان ترفع دعاوى قضائية ضد اجهزة الاستخبارات وضد ضباط كبار. اختي تحملته طوال فترة السجن، كيف لها ان تدخل في هذا المفترق الخطير؟ ما علاقتها؟ الا يكفيها معاناتها كزوجة وأم؟ لم تستطع ان تتحمل فقررت الخروج من كل البلد مع ابنتها بسبب عقل نزار الذي يعرف وهو "المسلم" ان اختي المسيحية وبحسب تقاليدنا لن تطلب الطلاق منه. ايعقل ان يكون هناك انتهازي بهذه المواصفات؟ يدفع زوجته الى المشاكل؟

ثم انه يتهمها بأنها تحتفظ بجوائزه العالمية، اين المشكلة؟ لقد كان سجينا وهو نفسه من وكّل زوجته قانونيا لتسيير كل مصالحه! عندما يلتقي بها ستعطيه اياها لأنها ليست ملكها".

***

اما الطبيب العسكري(...) رئيس اللجنة الطبية التي كانت تلتقي نزار ورفاقه في السجن بحكم عمله فقال عنه: "لم اشاهد رجلا في حياتي، اقصد سجينا، مثل نزار، هو بعكس كل المساجين الذين كنا نلتقي معهم، لقد كان زملاؤه يسرعون الينا طالبين منا يد المساعدة نظرا الى امراضهم واوجاعهم. ولقد كان بعضهم يمتلك ثقافة عالية. وكنا نجري احاديث ودية ونضحك، حتى نشأت مع بعضهم صداقات بحكم اللقاءات المنتظمة، الا نزار، منذ اللحظة الاولى تهجم علينا، وقدح الاطباء بالسباب والشتيمة واتهمهم، وانا منهم، بأننا جواسيس للاستخبارات. لقد رفض المثول امام اي طبيب، يقول إن "سرطانه" ناتج من طريق حقنة اخذها وهو في احد السجون. هل هناك عاقل يصدق ان السرطان ينتقل من طريق الحقن؟ وانا هنا لا أؤكد انه مصاب بالسرطان، انا لا اعرف الحقيقة، يقول إن له وثيقة واضبارة طبية في مستشفى تشرين العسكري. يمكن بسهولة ومن خلال الطبيب الذي يراجعه نزار حتى اليوم ان نعرف الحقيقة من الكذب.

لقد كان رجلا تصرفاته غريبة بالفعل. وانا لا اعرف الى اليوم سبب كرهه اللجنة الطبية التي كنت أرأسها وعداوته لها، لقد امتثلنا لرغباته في كل مرة ولم نعالجه، هذا افضل من شتمنا واتهامنا بالتجسس عليه لصالح المخابرات! اعتقد ان المسكين مصاب بنوع من الامراض النفسية، ربما يعيش حالة رُهاب".

***

أما اكثم نعيسة رئيس لجان الدفاع عن حقوق الانسان في سوريا والذي عرف نزار نيوف عن قرب في اوقات سابقة فقال:

"نزار في حالة مرضية صعبة للغاية، كان تحت الاقامة الجبرية، فجأة اصبح في دمشق، فجأة نسمع انه اختطف ولم يكن معه احد، هل يعقل هذا وهو المريض الذي لا يستطيع المشي من دون مساعدة؟ هناك تناقضات كثيرة في تصريحاته، انا لا احكم على دقتها ولكن نحن كمنظمة تعنى بحقوق الانسان لا يمكن ان نبني مواقفنا الا على معلومات دقيقة، مثلا، ذات مرة اعلنا بناء على معلومة من نزار انه يعاني السرطان واخطرنا كل المنظمات الدولية بذلك، وفي اليوم التالي بدأت هذه المنظمات تتحدث عن اصابة نزار بالسرطان من اجل الضغط على الحكومة السورية للإفراج عنه، بعد ذلك بوقت قصير تأكدنا ان نزار غير مصاب بالسرطان، ولك ان تتخيل ماذا حل بصدقيتنا امام المنظمات الدولية وامام المواطنين السوريين. كيف اصبحت؟ من السبب. انه كذب نزار؟

من ناحية ثانية، وعودة الى تصريحاته المثيرة عن الطيار الاسرائيلي رون اراد وعن موت باسل الاسد، اننا نتساءل في المنظمة، في ظل مناخ سياسي عام كالذي تعيشه المنطقة، من تخدم تصريحات نزار النارية هذه. نزار لم يقدم اي دليل ولا اي وثيقة تؤكد صدق تصريحاته، انه رجل يتعامل بالبالونات. ولنفرض ان تصريحاته صحيحة، هل هذه هي الطريقة المثلى للتعامل معها؟ هكذا وفي هذا الوقت بالذات وعلى قارعة الطريق؟ المستفيد الاكبر من هذه التصريحات ليس المواطنين السوريين ولا قضية حقوق الانسان في سوريا، ارى ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون سعيد جدا بتصريحات نزار نيوف، انه قصف جديد على سوريا لكن من داخلها ومن مواطن سوري.

اما عن تناوله اجهزة الاستخبارات فنقول ان هذه الاجهزة تستأهل السباب والشتيمة لأنها اجهزة اساءت للشعب السوري وللنظام السياسي، ولكن هذا لا يعني ان كل ما قاله نزار دقيق خصوصا عندما تحدث عن الآلاف من القتلى السوريين وعن المقابر الجماعية، هناك مبالغة وتضخيم، حتى المنظمات الدولية، وحتى "الاخوان المسلمون" لم يتحدثوا سوى عن 600 او 700  قتيل فقط، لماذا هذه الارقام الكبيرة (تكلم نزار عن 17000 الف قتيل سوري) ولخدمة من هذه المفرقعات؟

قال انه لن يسيء لزيارة الرئيس الى فرنسا وقد اساء لها عندما نسج قصة الاختطاف، يدعي انه مهتم بقضايا حقوق الانسان، وهو لا يتحدث الا عن مشاكله مع الاجهزة الامنية التي كان سجينا عندها، ليس هناك اي موضوع وطني او فكري او شيء له علاقة بحقوق الانسان  في سوريا في مجمل احاديثه.

عقل نزار عقل مريض واتهامي، وهذا النوع من الاشخاص ما زال يعيش في مرحلة الخمسينات والستينات، عندما كان الكل يتهم الكل، والكل يريد الغاء الكل. نزار يعيش انفصاما شخصيا وهو ابن شرعي لتلك المرحلة من الناحية السيكولوجية والسياسية. لقد رفع دعاوى قضائية على كل المقربين منه حتى على زوجته التي وقفت الى جانبه، زوجته المثقفة جدا، والتي تحملت الكثير بسببه وربما هي من كانت وراء اي نجاح حققه في حياته. كل المقربين من نزار يعرفون ذلك، ويعرفون انه رجل مريض ويكذب كثيرا. كل ما اخشاه ان يكون هذا الرجل يُوَظّف، هناك دائما اسئلة، من له مصلحة في تصريحات نزار هل هي قوى محلية ام اقليمية ام دولية؟ هل حالة نزار هي التي استدعت استثماره وفي هذا الوقت؟ ربما".

***

اخيرا كان لا بد من سؤال احد الجهات المعنية التي لها علاقة بقضية تصريحات نيوف حول رون اراد، وتلك المتعلقة بالوثائق والملفات التي غالبا ما يتحدث عنها نيوف، ما هو موقفها وهل رون اراد في السجون السورية حقيقة، وهل تعرض باسل الاسد لمحاولات اغتيال حقا؟

هذا ما سنتابعه مع الشخصية المعنية التي رفضت الافصاح عن اسمها وطبيعة عملها:

"من خلال ادعائه عن الوثائق والمعلومات التي بحوزته، يحاول نزار ان يدفعنا لاستدعائه، لكننا لم نستدعه ولن نستدعيه، ولن نمنحه مجدا جديدا، تخيل اننا استدعيناه ولأي سبب، في اليوم الثاني ربما يتحدث عن اعتقال وسجن وتعذيب وعبر كل الفضائيات والصحف، انه مغرم بالظهور على وسائل الاعلام.

اما حديثه عن رون اراد فنحن لا نراه بريئا في توقيته، اسرائيل نفسها تعرف انه ليس معتقلا في سوريا، لا بل انها لا تعرف اي شيء عنه، هل هو حي ام ميت. وهي حاولت، ومنذ سنوات، ومن طريق منظمات دولية وصحافيين غربيين، لكنها لم تصل الى نتيجة في موضوع رون اراد. رون اراد ليس عندنا في سوريا، وما اتى به نيوف من تفاصيل تكذّب نفسها بنفسها. مثلا هل يعقل ان نضع اسيرا اسرائيليا في المكان نفسه الذي نضع فيه نيوف وسجناء آخرين؟

يقول انه حصل على وثائق ومعلومات خطيرة من ضباط التقى بهم وهو في السجن، ويقول إنهم اطلعوه على وثائق مخزّنة في اجهزة الكومبيوتر... تخيّل هذه الدراما وهذا الخيال الذي يملكه نزار، هل يعقل ان يأتي ضابط او عسكري ويطلع سجينا معروفا بهلوساته الذهنية على الوثائق؟ ثم ان الوثائق المهمة والمعلومات الامنية العالية المستوى ليست بحوزة الجميع. ثم لماذا يطلع سجينا، أليس بإمكان الضابط نفسه اذا كان يوجد اصلا ضابط كهذا، ان يطلع اناس اصحاء ومن خارج السجن؟ اننا نتحدث بالمنطق نفسه وبناء على تفاصيل نزار نيوف.

اننا نستغرب هذا التوقيت، انظر الى ما يحصل في الاراضي الفلسطينية المحتلة، انظر الى المأزق الذي تعيشه اسرائيل، وانظر الى ما يتحدث عنه نزار نيوف وليحكم الجميع على وطنية هذا الرجل...".

***

لكن رغم كل هذه اللقاءات، نشعر أننا ما زلنا بعيدين عن الحقيقة، ويبقى السؤال الاساسي كما في المقدمة، من هو نزار نيوف؟ ما هي قصته؟ هل هو مناضل حقيقي يحمل الكثير من الاسرار؟ هل هو بحالة صحية جيدة ام مصاب بمرض ما؟ ما هي حدود علاقاته بالمنظمات الدولية؟ هل هي علاقة طبيعية؟ ام هي علاقة منفعة متبادلة؟ هل هناك علاقة بينه وبين احد الاجهزة الامنية في سوريا على حساب اخرى؟ كلها اسئلة مشروعة وكان ثمة اجابات... لكنها رغم ذلك لم تمط اللثام عن اللغز... من هو نزار نيوف؟


الصفحة الأولى |محليات سياسية |اقتصاد-مال-أعمال |العرب والعالم| قضايا النهار|القضاء والقدر| ندوة |مقالات |المقسم 19 | تحقيق | مناطق| بيئة وتراث | مفكرة |أدب-فكر-فن |مدنيات-تربويات |وفيات | رياضة | حول العلم والعالم |مساعدة|

النهار الرياضي | نهار الشباب | نهار الانترنت | الدليل | الملحق الثقافي | سلامتك| عالمنا الآخر| النهار 2000 | الصفحة الرئيسية


PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help

Copyright © 2001 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.