أبعاد 10   قصة قصيرة
أجنحــة حـرة
   

كما هي عادته يسمر عيناه في الأرض عندما يرفع والده صوته معاتباً.. ولم يشعر بمرارة تلك القذائف من الألفاظ التي يسمعها فقد تعود عليها وتلك الدمعة التي تسقط في الماضي لسماع هذا التوبيخ كبرت وعصت.. صوت والدته المنخفض يأتي من بعيد مردداً لا عليك. لن يسرع بالسيارة مرة أخرى تقترب من شجاع تغمزله بعينها وتشجعه على الإعتذار من والده.. يبتسم ولمحة الحزن بادية على نظرته وهو لا يعلم لماذا والدته تصر دائماً على إعطاء الوعود بدلاً منه وهو فقط يتعب ليلتزم بها.. وبسرعة يمر بمخيلته منظره وهو صغير عندما كانت تؤكد عليه عدم العودة لفتح صنبور الماء وتبليل ملابسه.. تمسكه بذراعه وتقول أعرفك جيداً يا شجاع إنك لن تعود لهذا العمل مرة أخرى أليس كذلك فيهز رأسه الصغير موافقاً كابحاً كل رغباته الطفولية.. ولكنه حنث بالعهد بعد أن كبر فهو يقوم الآن بتبليل كل ملابسه وهي مازالت عليه قبل كل إستحمام فهو يشعر بحرية جميلة في ممارسة ذلك بالخفاء.
غاب قليلاً مع طفولته ولكن والده لم يتعب من توبيخه ولم يقل شيئاً جديداً، كان شجاع ينتظر فقط متى ينتهي ليصعد لمتابعة أحداث مسلسلة عربية غاية في الرومانسية وتمتد أحداثه في مخيلته فيحلم بفتاة رائعة الجمال تبادله الرسائل والأشرطة والورود الحمراء.. يغرق بعيداً.. يهمس في أذن والدته ذات مساء زاد به الشوق لحبيبة،
أمي.. أريد الزواج إقنعي والدي وابحثي عن فتاة جميلة.. ينظر أمامه متأملاً وكأنه يراها "مستمراً بالحديث" وطويلة وشعرها ناعم وخفيفة دم. يتبادل الضحكات مع والدته التي كانت تظن أنها دعابة ولكن ما لبثت أن عرفت جديته في الحديث وبدأت بسرد سلسلة من ألوان غضب والده عليه وعليها إذا علم بهذا قالت له:
لا تنسى يا شجاع أنك في آخر سنة في الثانوي ولم يتحدد مستقبلك حتى الآن.. إصرار شجاع جعلها تحدث والده بتلك المفاجأة التي نزلت كحائط على رأسه وبدأ يرعد بغضبه على شجاع وفي الظهيرة عاد الجميع من مدارسهم وتحلقوا حول الغداء كان أول ما بدأ به الوالد سؤاله لشجاع "ماذا سمعنا هل فعلاً تريد الزواج" وكعادة شجاع لم يرفع عينه بوالده ولو رفعها وشاهد عيني والده الشاخصتين الغاضبتين لما هز رأسه..
عندها إرتفع صوت الوالد أكثر قائلاً:
من متى هذا الكلام "توك ما بعد شميت ريحة ابطك.. شين وقوي عين".. إنتهى الغداء وانتهى العشاء وهجع من في المنزل والوالد ما زال يردد شين وقوي عين كلما لمح عيني شجاع..
طرد فكرة الزواج رغم جذورها الموغلة وحلمه الهرم بأن يكون له بيت وزوجة.. وانتهت أعوام الجامعة وحصل على بعثة دراسية إلى فرنسا كانت بمثابة نور الشمس لعينيه والأكسجين لرئتيه.. تنفس الصعداء.. وكطائر فك من سجنه ذهب في أول أسبوع لتسجيل إسمه كطالب منتظم وبعدها أطلق لرجليه وأحلامه وأفكاره العنان وأقسم أن يفعل ما لم يفعله من قبل.. كان يتمنى أن لا تفصل لحظاته نوم أو أكل.. بدأت رجليه تحفظ طرق النوادي الليلية يسهر حتى الصباح شعر وكأن قيداً فك عن عنقه أو هو بالفعل كذلك يحضر لجامعة يوم ويبتعد أكثر لم يحصل على درجات علمية كما كان سابقاً ولم يفكر في ركوب طائرة تتجه لبلده وصار يردد على مسامع أصدقاءه إن بلدك هي التي تسعد بها وليس التي تولد بها.. شقته أصبحت "شقة الهناء بالنسبة لزملاءه فكانوا دائماً يرددون على مسامعه ليزيدوه إعجاباً بنفسه أنت بالفعل شجاع إسماً وفعلاً.. فكان لهم كمصباح علاء الدين كل ما يطلبون يجدونه بدون أن يحده الخوف من السلطات أو القانون كل أحلامه الصغيرة كبرت وأكثرها إلحاحاً الآن البحث عن حبيبة لم تكن بعيدة فها هي "روز" الشقراء ذات الملامح الناعمة.. هي محطته التي توقف عندها حلمه المكبوت أصبحت لا تفارقه ليل نهار تزوجها.. عاش معها كملك فلم يخطر بباله أن الإناث بهذا الجمال والفتنة فهو لا يعرف إلا والدته الخجولة ذات الصوت الخافت وبنات أعمامه قبل أن يختبئن عنه منذ إخشوشن صوته..
سعادته لم يؤرقها إلا رنين هاتف والده المتواصل طالباً منه الحضور لأمر هام إستمر الرنيين شهراً وهو في كل مرة يعتذر بامتحانات الجامعة ومع إلحاح والده حجز مقعداً عائداً لأهله بجسده أما قلبه فمعلقاً بيدي روز وابتسامتها وشموعها المعطرة وملابسها الشفافة التي لم يكن قبلها يعرف أن للنساء خصوصية بهذا القدر من الرقة..
والده كان ينتظره بالبخور والذبائح وبعدها عاتبه عتاباً لا يكاد يختلف عن الشتم فتأخره عن الحضور جعل والده يقرر خطبة إبنة عمه له وحدد موعد الزفاف.. وكعادة أبو شجاع يقول كل ما يريد من الآخرين تنفيذه دفعة واحدة وبنبرة صوت عالية وحازمة ولا ينتظر الرد.. أيضاً شجاع لم يغير عادته في تقبل أوامر والده وعيناه لم تبرحا خيوط السجاد التي بات يعرفها أكثر من نفسه.. لم ينم في تلك الليلة.. شعر أنه كذلك العصفور الذي قبض عليه وطويت جناحيه على ظهره ليرمى في القفص الصدئ شعر بالحنين لرائحة روز ودفئها.. حامت كل صورها أمامه طاردة عنه النوم..
وفي الموعد المحدد بدأ المعازيم يتوافدون وألهبت الأيدي الدفوف.. حانت ساعة لقاء العروس التي حاول جاهداً ليلة البارحة إستحضار صورتها القديمة من مخيلته ولم يستطع سوى تذكر سمرتها وشعرها المنكوش دوماً..
دخل الغرفة الواسعة المزينة بالورد تعبق بها رائحة الفل.. تجلس في صدر الغرفة عروسه الخجلة بثوبها الأبيض المزين بالكرستال وقد تسمرت عيناها بالسجادة كما هي عينيه دوماً خجلها وصوتها المنخفض جعله يسترجع من أول وهلة صورة والدته وصورة روز المحلقة بالجراءة والصراخ حدود اللانهاية.. إنتظر بمرارة الأسبوعين الأولين وكأنهما عامين حتى مهد لوالده خبر العودة لإكمال دراسته ووعد عروسه التي لم تعرف ملامحه بعد بالعودة لأخذها معه.. خرج بل حلق كطائر كاسر فارداً أجنحته في السماء.. لم يطبقها إلا على جسد روز بكى بين يديها مردداً يالشوقك وحبك الطاغي وكعادة روز.. تكتفي بابتسامة ماكرة.. عاماً آخر وشجاع يرفل بالدمقس والحرير تاركاً والده واتصالاته للريح.. حتى خبر مولوده البكر لم يحرك به شوقاً..
إنتهت سنوات الإبتعاث سريعة حانت لحظة فراقه لهذه الحرية اللذيذة وهو لم يعلم بعد أن روز لن تترك بلادها مهما كانت الإغراءات وهو أيضاً لا يستطيع تصديق أن روز غير آبهة بوجوده أو سفره وكان كثيراً ما يصم أذنيه عن نصح أصدقاءه..
كان عليه العودة وكمن يسلخ جلده من جسده أو أشد ألماً إستدار عائداً إستقبله صغيره يخطو أمامه.. زوجته بدأت أكثر أنوثة مما كانت عليه من قبل شعر بجمال سمرتها.. ذهل من روعة إبتسامتها.. هي لم تسعد أبداً بقدومه رغم انها ظهرت كعروس بذلك الثوب الأحمر الناطق بمفاتنها وما أن وضع يده على يدها حتى شعر ببرودتها وبكل ثقة وشموخ سحبت يدها بهدوء من تحت يده.. إبتعدت قليلاً ثم قالت:
آسفة شجاع.. تركتني بعد أن تمناك قلبي وحدثني بك كثيراً.. تركتني وأنا عروس توقظ رائحة عطري كل من في الحي.. تركتني تلوكني ألسن النساء في كل مجلس.. تركتني أتضور جوعاً للحب والغزل.. تركتني حاملاً باستهتارك ألماً وخوفاً.. تركتني أماً صغيرة بمفردي.. تركتني فبحثت عن غيرك أستميحك العذر لأنني أحمل إسمك معي فلم ترد على إتصالاتي لأحلك مني.. فتح فاه فرغم قسوة كلماتها إلا أنه ذهل من سلاسة حديثها وهدوءها.. شعر وكأنه يريد أن يقبل قدميها.. إقترب منها.. إبتعدت وأكملت.. شجاع.. رد مسرعاً ياعيون شجاع ياقلب شجاع لم يبدل هذا الغزل الجامح ما عزمت على قوله: شجاع أنا أم طفلك فقط وسأكون زوجة لغيرك فأنا أقول لك ذلك بحكم أنك ذو ثقافة غربية وسيسعدك حديثي بصراحة..
نهض كأسد وانهال عليها ضرباً وبصقاً ولم يتركها إلا بعد أن ذبلت بين يديه كانت المهانة تشق صدره وتحول جسده لكتلة من الهواء الساخن خرج مسرعاً في السيارة لا يعلم لماذا فعل ذلك وبدأ يتساءل لم أضرب بحياتي فلم هي بالذات؟ هل لأنني رغبتها.. هل لأنني تفاجئت بروعتها.. أم لأنني خسرت روز.. وهي تجلس مع زملاءه وهو يعلم أنها كانت صديقة لجميع زملاءه قبله.. هل لأن روز يشتهيها كجسد ولم يرغب منها بشيء آخر.. لا يريد أسرة أو أطفال.. كانت الأسئلة تنهال عليه بعنف.. لماذا ضربتها وقد حدثتني بصراحة.. قد تكون تريد جرحي ورد الصفعة لي؟.. قد تكون غير جادة في حديثها لماذا لم أتريث!!.. لماذا لم أحتويها فالمرأة تحب أن يتعب الرجل في إقناعها بحبه.. أدار مقود السيارة عائداً لها.. وجدها تسبح بدماءها.. حملها بين ذراعيه.. فتح على جسدها اللولبي الماء رشها ببعض العطر.. لم يحتمل.. أمسك يديها وقبلهما أرجوك سامحيني أنا نادم فأنا.. فأنا.. أنا أحبك..
لم تكن تنتظر سماع مثل هذا الحديث منه.. ردت بصوت خافت وأنا أحببتك قديماً واليوم سامحني أنت.. فقلبي لم يعد ملكاً لي.. تنهد بحرقة ويديه مازالت تلتف على يديها..










  أبحث في مجلة أبعاد
abaad.naseej.com
في هذا العدد

   الغلاف
   مقال
   الافتتاحية
   صوت الأرض
   مقال
   مذكرات من قلب التاريخ
   صوت الأرض
   مقال
   شرقاً حيث نحن
   الروشن
   ومن الحب ما قتل
   مقال
   قصة قصيرة
   إنقلاب
   شعر
   أكشن
   كشف
   ضفاف
   مقال
   شعر
   منوعات
   شعر
   مقال
   شعر
   المدائن
   شعر
   مقال
   وداعية
   دردشة بالريشة
   فن عالمي
   منوعات
   الفن الإسلامي
   حوار
   بريد حواء
   مقال
   لكل داء دواء
   سيكولوجيا
   مقال
   الرياضة
   مقال


الأعداد السابقة

السابق                التالي

حقوق النشر والطبع © 2000 النظم العربية المتطورة. جميع الحقوق محفوظة
Copyright © 2000 Arabian Advanced Systems. All rights reserved

If you have any remarks, please email to info@naseej.com اذا كان لديك أي ملاحظة الرجاء الكتابة