إصلاح القطاع العام يتوقف على

القدرة على التنفيذ

مناقشة لمستلزمات نجاح النظام الإداري الجديد المقترح للقطاع العام

 

سمير سعيفان
خاص مفهوم

 

 

1- هل إصلاح القطاع العام ضرورة؟

في محاضرته التي ألقاها في الندوة التي نظمها صندوق النقد العربي ووزارة الاقتصاد في فندق الميريديان بدمشق، بين 4و 7 حزيران 2001، حول تحديث القطاع المالي والمصرفي في سوريا؛ قال الدكتور مصطفى قارة: أن الجزائر حولت القطاع العام إلى شركات مساهمة بقصد معالجة أوضاعه المتردية، ولكن هذه التجربة فشلت، وتتجه الجزائر الآن لخصخصة قطاعها العام.

تجربة مصر هي الأخرى سارت في نفس المنحى، وتسعى الحكومة المصرية لاستكمال خصخصة (بيع)قطاعها العام.

لهذين المثالين أهمية كبيرة بالنسبة لسوريا، لتشابه الأوضاع في جوانب كثيرة، فهل ستكون نتيجة المسعى الحالي لإصلاح القطاع العام في سوريا، عبر تحويله إلى شركات مساهمة تملك الاستقلال المالي والإداري، هي النتيجة ذاتها التي وصلت لها الجزائر ومصر وغيرها من البلدان؟

الحقيقة هذا سؤال مفصلي، فإذا كان جوابه بنعم، وأن النتائج ستكون مماثلة حتماً، فإن الجهود والأموال والوقت التي ستمنح مجدداً للقطاع العام هي تبذير صرف، فماهي احتمالات إجابة الواقع على هذا السؤال؟

-  بعض المتمسكين بالقطاع العام سيجيبوا إجابة مسبقة الصنع :نعم " إن تحويل الشركات الحكومية لشركات مساهمة ستواجه الفشل وهي بداية للخصخصة"، وينقسم هذا البعض إلى فريقين، فريق أول ينطلق من مواقف دوغمائية جامدة في الدفاع عن القطاع العام دون أن تشوب مواقفه مصالح أنانية خاصة، وفريق ثاني ينطلق بدافع التمسك بمصالحه الخاصة التي يجنيها من القطاع العام وعلى حسابه.

أعداء القطاع العام سيجيبوا أيضاً بنعم، وقناعتهم هي «الدولة رب عمل فاشل» سواء اتخذ قطاعها شكل شركات مساهمة أم لا، واستثماراتها تبذير للثروة الوطنية، والمسعى الذي تبذله الحكومة اليوم ليس إلاّ محاولة عبثية ستكلف الدولة عشرات المليارات الإضافية التي يحتاجها إصلاحه والنتيجة أنه «لن يصلح العطار ما أفسد الدهر» وبالتالي خسارة أخرى، وبقناعتهم، وهي قناعة غير معلنة بقوة بعد، أن الأفضل هو البدء بخصخصته منذ اليوم توفيراً للمال والجهد والوقت.

وفي الحقيقة فإن كلا الرأيين أعلاه غير محق، فالدولة ليست رب عمل فاشل بالمطلق، كما أن القطاع الخاص ليس رب عمل ناجح بالمطلق، وإذا كان لنمط ممارسة الدولة لقطاع الأعمال بعض الجوانب السلبية، وخاصة البيروقراطية ونقص المرونة بدرجة منخفضة أو مرتفعة ؛ فإن للقطاع الخاص أيضاً نقاط سلبية كبيرة، مثل المضاربة المدمرة والاحتكار وتسخير التقدم العلمي والإنتاج الاجتماعي ككل لضيق أفق المصالح الفردية، وما ينجم عنها من تفاوت اجتماعي ومفاسد وأخطار، وقد لعب القطاع العام دورا" كبيرا" في السنوات الثلاثين التي تلت الحرب العالمية الثانية، حيث كانت شركاته تعمل بنجاح وديناميكية في مختلف القطاعات في جميع البلدان الصناعية، بل وكان القطاع العام (الحكومي) يحتكر الكثير من القطاعات ويعمل بنجاح، وحتى اليوم مثلاً فإن شركة كهرباء فرنسا الحكومية تعمل بكفاءة وتقدم خدمات أفضل من شركات الكهرباء الخاصة في ألمانيا وبريطانيا، وفي بريطانيا تدهور مستوى السلامة في الخطوط الحديدية بع خصخصتها بسبب سعي القطاع الخاص للتوفير في النفقات وتعظيم أرباحه مما دفع الحكومة للتفكير بإعادة استرجاع جزء منها كي تستطيع التدخل ورفع سوية خدماتها،  مما يثبت تحيز الادعاءات المعادية لي شكل من أشكال الملكية العامة.

وفي كل الأحوال وبغض النظر عن أي موقف أيديولوجي مسبق الصنع، فإن وجود القطاع العام أمر لا يمكن تجنبه، والاستثمارات الحكومية المباشرة لا يمكن الاستغناء عنها مهما كانت درجة العداء للقطاع العام والحكومة، والدليل أن القطاع العام  مازال موجوداً حتى اليوم في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان ومختلف دول أوروبا وجميع البلدان النامية، ولا يوجد دولة واحدة على وجه الأرض لا يوجد فيها قطاع عام(حكومي) يساهم بإنتاج السلع وتقديم الخدمات، ويساهم في الناتج المحلي الإجمالي بنسب لا تقل عن 20-50  %    

فأدوار القطاع العام (الحكومي) تنبع من عدة عوامل موضوعية، مثل الحاجة للاستثمارات الكبيرة التي يعجز عنها القطاع الخاص أو التي لا يرغب بها، والاستثمار في تنمية المرافق العامة، والاستثمار في المناطق النائية لتعزيز التنمية الإقليمية والاستثمار لتعزيز دور الدولة في المجتمع ولمقابلة مراكز قوى القطاع الخاص، والاستثمار لمنع الاحتكار، والاستثمار في مشاريع ذات طابع اجتماعي وما شابهها. نقول هذا لنبين أن مهمة التصدي لإدارة القطاع العام أمر لا يمكن تجنبه أبداً ...أبداًَ... وخصخصة بعض الشركات لا ينفي استمرار شركات حكومية أخرى في العمل وقيام شركات جديدة.

 

 

ليس هدفنا مناقشة دوافع البعض للمبالغة بسيئات الإدارة الحكومية وإلباسها بلباس الشيطان، ورفع شأن الإدارة الخاصة وإلباسها لباس الملائكة، وهي حجج ضعيفة ثانياً، ومدفوعة بدوافع الجشع الفردي على حساب المجموع أولاً، ومن جهة أخرى لا نغمض عيننا عما أصاب إدارتنا الحكومية من بيروقراطية وضعف كفاءة، وما سببه هذا من خسائر كبيرة.

من جهة أخرى لا يمكن قبول الأوضاع الحالية لإدارة القطاع العام تحت أية يافطة كانت، فهي تسبب هدراً هائلاً للثروة الوطنية، واستغلالاً سيئاً من قبل البعض لمنافعهم الخاصة بدافع الجشع الفردي على حساب المجموع، وهنا تتشابه الدوافع والنتائج بين المالك الخاص والمدير العام ولن نفصّل في هذه النقطة، فقد قيل وكتب فيها الكثير وأمثلتها معروفة على نطاق واسع.

إذن نحن أمام مهمة لا بد من مواجهتها وهي : البحث عن نظام إداري جديد للقطاع العام يرفع من قدرته الإنتاجية والتنافسية ويرفع من عائديته، ويخلصه من آلامه، ويحوّله إلى قطاع يساهم في تعظيم الثروة الوطنية، بدلاً من وضعه الحالي أشبه بمهرب تتسرب منه بعض الثروة القومية إلى العدم (هدر) وبعضها إلى جيوب الخاصة، واستمرارا هذا الوضع مستحيل، وهذا الوضع يفرض شعار " أصلحه أو ألغيه" والبعض لا يريد إصلاحه حتى يكون إلغاؤه هو الحل الوحيد، كما يعتقد، بينما نعتقد أن إلغاؤه غير ممكن موضوعياً.

انطلاقاً من هذه الضرورة جاءت أهمية النظام الجديد المقترح، الذي وضعت مسودته من قبل لجنة من الخبراء، وقدمته إلى اللجنة المعروفة باسم « لجنة الـ 35» ، وقد تمت مناقشته في مستويات مختلفة، وسيقدم قريباً لمجلس الشعب.

في كل الأحوال فإن النظام الجديد المقترح يقترب من أن يصبح واقعاً نافذاً، مما سيطرح بقوة مسألة نجاحه وفشله، خاصة وأننا نرى فشل تجربتي مصر والجزائر وغيرهما.

نعتقد أن النجاح والفشل هما نتيجة لعاملين رئيسين أولهما الإرادة السياسية، ونعتقد أن الإرادة في كل من مصر والجزائر كانت سلبية تجاه وجود القطاع العام، واضطرت حكوماتها للقيام بالإصلاحات بسبب ضغوط وبسبب تأجيل معالجة المشاكل الكبيرة التي تنجم عن خصخصته، بينا الإرادة السياسية في سوريا مختلفة، وثانيهما القدرة على التنفيذ، وتطرح مسألة القدرة على التنفيذ مجموعة من الإشكالات التي نرغب مناقشتها:

 

2- من المركزية إلى الاستقلال المالي والإداري:

يتم تداول عبارة « فصل الإدارة عن الملكية» كعنوان للإدارة الجديدة المقترحة، وفي الحقيقة هو عنوان غير دقيق، فالملكية الحكومية هي مفصولة دائماً عن الإدارة  ، لأن المالك " النظري" هو دائماً شخص معنوي سواء كان الشعب أو الحكومة كممثلة للشعب، بينما من يدير الشركة أو المؤسسة العامة هم أشخاص طبيعيون، غير مالكين، سواء كان في الوضع السابق أم في الوضع اللاحق، ونعتقد أن الفرق بين الإدارة الحالية والإدارة المقترحة  يتحدد«بالاستقلال الإداري والمالي»، ونعتقد أن عدم الاستقلال والمركزية الشديدة هو ما يميز الإدارة القديمة ويجعلها بيروقراطية و معرقلة لعمل الشركات الحكومية، بينما الاستقلال هو ما يميز الإدارة الجديدة ويعول عليه أن يمنحها الديناميكية والقدرة على تخليص القطاع العام من مشاكله.

يبدي البعض اعتراضين رئيسيين على استقلالية مجلس الإدارة وصلاحياته الواسعة في النظام المقترح، وما يمكن أن تخلقه هذه الاستقلالية من ظواهر سلبية:

·        من تشتت في توجهات نشاطات الشركات وخفض التنسيق والتكامل بين وحدات القطاع العام ، بعد انفراط عقد المركزية الشديدة.

·        ما تتيحه هذه الاستقلالية من إمكانية أوسع لتسخير المؤسسة للمصالح الخاصة، في مناخ عام مازال الفساد ينتشر فيه على نحو واسع.

وقبل أن نناقش هذه الاعتراضات الوجيهة، سنسعى للقول، إن الاستقلال المالي والإداري هو السبيل الوحيد للإدارة الجيدة، فلا يمكن تكليف شخص بإنجاز عمل ما ثم تقييده عن الفعل، فالشركة الحكومية، مؤسسة اقتصادية تعمل في سوق تنافسية تتطلب قدرة كبيرة على اتخاذ القرار في حينه، ومن المعروف أن القرار المتأخر يكلف كثيراً، ولا سبيل لإدارة منشأة اقتصادية بأدوات وأساليب غير اقتصادية ، فإما أن نقبل منحها الاستقلال والمرونة أو أن نقلع كلياً عن إنشاء شركات حكومية، وإذا كنا متمسكين بدور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، وإذا كان وجوده ضرورة موضوعية فلا يمكن رفض مبدأ الاستقلال ومنح الصلاحيات،ولكن في نفس الوقت يجب أن نسعى لنجد حلولاً للجوانب الضعيفة الملازمة للنظام الإداري المقترح، ولكل نظام نقاط قوته وضعفه.

إن الاعتراض على الاستقلالية كمسبب لتشتت توجهات نشاطات شركات الدولة في اتجاهات متعددة بتعدد الإدارات ليس اعتراضاً هاماً، لأن خطة الدولة التوجيهية ستستمر، وسيستمر وجود أو إيجاد جهات مركزية توجيهية تلعب دورها، وسنأتي عليها فيما بعد، كما أن السوق ستوجه نشاطات الشركات الوجهة المناسبة بحيث توفق بين إنتاج السلع والخدمات وفق حاجة السوق ومتطلباتها وبين تحقيق عائد جيد للشركة والعاملين فيها وللمجتمع عموماً.

أما الاعتراض الثاني من أن الاستقلالية تفسح في المجال أمام استغلال الشركة من قبل إدارتها للمصالح الخاصة، فهذا ليس اعتراضاً وجيهاً، فالمركزية الشديدة لم تمنع التحويل الواسع للقطاع العام نحو المنافع الخاصة، بل نقول أن المركزية الشديدة أحياناً تفسح أوسع في المجال أمام المنافع الخاصة، لأن المسؤولية تضيع عبر كثرة المراسلات وتعدد مستويات اتخاذ القرار، بينما تتحدد مسؤولية القرار بوضوح مع الاستقلالية، وبالتالي ترتفع إمكانية المحاسبة وتطبيق كفء لمبدأ الثواب والعقاب، ونؤكد أن آليات الرقابة المطبقة الآن والمرافقة للمركزية الشديدة لم تستطع منع انتشار الفساد فيه، ولم تستطع رفع كفاءة إدارته، بل وأكثر من ذلك، نعتقد أن مسعى البعض للتشدد في مركزة القرارات المتعلقة بإدارة القطاع العام قد جاء بدوافع فاسدة، وخاصة مركزية الموافقات على عمليات شراء مستلزماته، فقد أراد البعض تجميعها بين يديه كي يتحكم بالصفقات والمنافع المرتبطة بها.

مرة أخرى نؤكد أن «من يدير هو من يتخذ القرار»، وديناميكية الإدارة شرط لنجاحها، وبدون هذه الديناميكية للإدارة فإن أي استثمار حكومي هو تبذير، ومنح الإدارة الصلاحيات المطلوبة أمر لا بد منه، ويمكن وضع ضوابط  لبعض الظواهر السلبية الملازمة للإدارة الجديدة، وفي دول العالم تجارب كثيرة، وخاصة خبرات إدارة  الشركات الحكومية في البلدان المتقدمة في أوروبا واليابان وأمريكا والتي أديرت وتدار بكفاءة ومردودية عاليين مع نسبة فساد مضبوطة.

إن نجاح الإدارة الجديدة يتوقف على " القدرة على التنفيذ" ، على تأمين متطلباتها على نحو جيد، وهذا يتطلب أن يكون لعملية إصلاح القطاع العام وتحويله من نمط إدارته الحالية الفاشل إلى نمط جديد ناجح، أن يكون لها قيادة تتصف بالكفاءة والنزاهة والإيمان بموضوعية دور القطاع العام وضرورة إصلاح إدارته.

 

3- دراسة جدوى الإصلاح

هل يعني إصلاح القطاع العام أن تقوم الدولة على نحو آلي، بتطبيق النظام الجديد على جميع شركاتها وتمنحها كل ما تحتاجه لإصلاح أوضاعها؟

الأمر ليس على هذا النحو أبداً، فأوضاع الشركات العامة شديدة التنوع بين جيدة ومتوسطة وسيئة وسيئة جداً، وبينما يملك بعضها فرص النجاح، فإن بعضها الآخر لا يستحق أن يوظّف فيها ليرة واحدة ، ومصيرها التصفية.

إن تحديد مصير الشركات العامة يجب أن يتم بناءاً على دراسة جيدة يقوم بها فريق من المختصين من فنين وماليين ، وتقسم هذه الدراسة إلى قسمين:

一- «دراسة تشخيصية» تمثل جرد واقعي لأوضاع الشركة، تشمل أوضاع مبانيها وخطوط إنتاجها ومرافق خدماتها ومستلزماتها السلعية ومخازينها وأوضاع قوة عملها وأوضاعها المالية ورأسمالها ومديونيتها (مدينة و دائنة) وإنتاجها وقابليته للمنافسة وأرباحها وخسائرها وغيره، معززة بالشرح والأرقام معاً.

二- دراسة جدوى اقتصادية تعد وفق الأسس المتعارف عليها علميا،ً تحدد نقاط قوة الشركة وضعفها بحسب قطاع إنتاجها وتحدد الفرص التي تملكها والتحديات التي تواجهها، وببساطة يجب أن تجيب الدراسة على السؤال الجوهري فيها وهو: هل الاستثمار في هذه الصناعة مجدي أم لا؟ وإلى أي حدود وما هي التوقعات خلال السنوات العشر المقبلة لهذه الصناعة عموماً ولهذه الشركة تحديداً؟؟؟

 

وعلى ضوء هذه الدراسة يتخذ القرار المناسب، وإجراء مثل هذه الدراسة بقسميها ليس بالأمر السهل، ولا يستطيع كل من يعرف القراءة و الكتابة إعداد مثلها، فهي تتطلب خبرة كبيرة في مجال الدراسات عموماً وفي القطاع الاقتصادي تحديداً ...

إن صعوبة إجراء مثل هذه الدراسة يكمن في خلاصتها التي إما أن توصي بالاستثمار في هذه الصناعة وكيف، أو توصي بتصنيعها، و يجب أن تقوم الدراسة على تحليل عميق لواقع القطاع أو الصناعة التي تنتمي لها الشركة، وتحليل المزايا النسبية والتنافسية التي تملكها اليوم أو ستملكها في المستقبل، وما هي التهديدات الناجمة عن منافسة القطاع الخاص المحلي أوالعربي أو الأجنبي اليوم وفي المستقبل، وهل ستستطيع هذه الشركة بالتحديد الاستمرار في العمل بكفاءة وتحقيق أرباح؟

يمكن أن نتصور صعوبة مثل هذا القرار عندما ندخل في أمثلة عملية مثلاً: هل يمكن أن يعمل مصنع الكبريت وأقلام الرصاص بنجاح لو أمنَّا له كل ما يحتاج، وهل سيكون مردوده جيداً مع أخذ الاستثمارات الإضافية بعين الاعتبار؟ مثل هذا السؤال يمكن أن نطرحه بالنسبة لمعمل البطاريات الجافة أو لمعمل كونسروة درعا، كما يمكن أن نطرحه بالنسبة للشركة الحديثة للغزل والنسيج أو لشركة أسمنت عدرا أو معمل الأسمدة في حمص أو لمصفاة النفط في حمص، وغيرها..

وإذا كنا نقدر أن  الجواب «نعم» بالنسبة لشركة الأسمنت أو لشركة غزول قطنية فقد يكون بالنسبة لشركة الكبريت أو كونسروة درعا أو شركة وسيم لإنتاج الملبوسات غير واضحة، أو قد تكون واضحة ولكن بالسلب، وفي كل الأحوال الجواب يجب أن يكون معللاً بدارسة جيدة لأن هذا الجواب سيكون أساس لقرارات تكلف الاقتصاد الوطني الكثير، لذا يجب أن تتخذ بعناية فائقة.

إذا كانت الدراسة الأولى، بقسميها تتم على صعيد كل شركة MICRO فإن دراسة أخرى لا تقل عنها أهمية يجب أن تتم على صعيد كلي MACRO ، تدرس قطاعات الاقتصاد الوطني وصناعاته وخدماته ، وتختار القطاعات ذات الأولوية بالنسبة لاستثمارات القطاع العام.

فالدولة أولاً ليس لديها الإمكانات لتغطية جميع القطاعات ، فمواردها محدودة ، ويجب أن تستثمر هذه الموارد على نحو مجدي للدولة وللاقتصاد الوطني وللمجتمع عموماً، فبحسب طبيعة القطاعات وبحسب المزاحمة فيها فإن قطاع الدولة قد يملك مقومات نجاح في بعضها أكثر من بعضها الآخر، ومن الواضح أن الدولة لا تملك أية مقومات في بعض القطاعات.

مثلاً نعتقد أن فرصة نجاح الدولة هي أضعف في قطاع الصناعات المرتبطة بالاستهلاك المباشر وبالموضة وبالأذواق،بينما هي أفضل في صناعات مثل الأسمنت والسماد وتكرير النفط وإنتاج الكهرباء والغزول القطنية وماشابهها، وهذا تقدير عام، يجب أن يتم تقرير الأفضليات بدراسات جدوى كلية. ومثل هذه الدراسة الكلية لتحديد أفضليات الاستثمار الحكومي يجب أن يتم بالتنسيق مع الخطة الاقتصادية العامة للدولة التي تلخص أدوار ومساهمات مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني، (عام، خاص، مشترك، تعاوني) وتحدد أولويات قطاعية ممرحلة زمنياً لتطور الاقتصاد السوري، يكون من المناسب الاستثمار فيها بما يعزز الاستفادة من المزايا النسبية والتنافسية للاقتصاد السوري ككل ويدعم بنيته الداخلية وتكامل قطاعاته الاقتصادية وتكامل نشاطات القطاعات العام والخاص والمشترك والتعاوني.

إن إجراء دراسة تشخيصية لكل شركة وكل مصنع فيها، على ضوء الدراسة الإجمالية لأولويات الاستثمار الحكومي ستساعد في اتخاذ القرار الصحيح الخاص بكل شركة، وستتوزع القرارات إلى أربع مجموعات رئيسية:

مجموعة أولى: تشمل إقامة صناعات طليعية جديدة تملك مزايا نسبية وتنافسية وذات دور طليعي في النسيج الصناعي والخدمي.

مجموعة ثانية: سيتم التوصية بالتوسع فيها ورصد كافة المستلزمات المالية لتطويرها .

مجموعة ثالثة :سيتم التوصية باستمرارها كما هي دون استثمارات إضافية كبيرة، ودائماً في الحدود الضرورية الدنيا.

مجموعة رابعة : سيتم التوصية بتصفيتها لعدم وجود أية فرصة لنجاحها، وحيث يشكل استمرارها هدراً للثروة الوطنية.

وبتجميع هذه الدراسات سنحصل على قائمة بالاستثمارات الجديدة المطلوبة، والمبالغ المطلوبة بالعملة المحلية والعملات الصعبة وهذه ستصنف أيضاً ضمن أولويات لأن الإمكانات المالية المتاحة تبقى محدودة، ولا بد من تخصيص التمويل الحكومي المتاح وفق أولويات صارمة. غير أن مسألة التمويل يمكن أن نجد لها حلول عبر مصادر أخرى، وسنعالج هذه المسألة في فقرة خاصة، ومصادر التمويل الأخرى يمكن تأمينها إذا كانت الشركة الحكومية تبشر بالنجاح ، وإذا ما تم إصلاح إدارتها على النحو الجديد.

إن عامل الريعية والمردود المالي أي «الربح» يجب أن يكون العامل الرئيسي في تحديد أولويات الاستثمار الحكومي، وأن يكون القاعدة، ولكنه ليس العامل الوحيد أو القاعدة الوحيدة، فالاستثمار الحكومي الذي ينشئ وحدة اقتصادية لإنتاج السلع والخدمات يكون مدفوعاً بعوامل أخرى ، فقد يكون لشركة ما دور أساسي في بنية الاقتصاد الوطني أو لها دور اجتماعي أو غيره، حينها لن يكون الربح هو المؤشر الحاسم، ولكن يجب أن يبقى أمام الأذهان، أن هذه الحالات هي شذوذ عن القاعدة ويجب عدم التوسع فيها إلاّ لحالات مبررة ومدروسة جيداً. فالقطاع العام بمجمله يجب أن يكون رابحاً وعلى نحو جيد ويدر على خزينة الدولة موارد جيدة، وبدون الربح لن يتاح رفع رواتب وحوافز العاملين أو توسيع نشاط الشركة وخلق فرص عمل جديدة، ولن تورد ضرائب لخزينة الدولة، بل ستمتص موارد الدولة والمجتمع من أجل تغطية عجوزها، كما هو الوضع الآن.

 

4- قضايا التمويل والمال التي يطرحها الإصلاح:

إن الاستثمارات المطلوبة لإصلاح شركات القطاع العام هي مبالغ كبيرة جداً، خاصة وأن الاستثمار الحكومي في الشركات العامة بقي في حالة تراجع في قيمه الفعلية لسنوات طويلة، مما جعل أوضاعها الإنتاجية والمالية صعبة جداً، فخطوط إنتاجها أصبحت في معظمها قديمة جداً، وتتطلب استثمارات كبيرة لتحديثها، ورؤوس أموالها غير كافية في معظمها، وتتراكم ديون كبيرة لها وعلى بعضها بسبب عدم تعويض كامل خسائرها سواء كانت خسائر فعلية ناجمة عن قصور نشاطها أو عن عدم السعي الجدي لحل مشاكلها وتحميلها الكثير من الأعباء الإضافية التي لا علاقة لها بنشاطها وأعبائها،  أو كانت بسبب سياسات التسعير الإداري الحكومي وعدم تعويض الشركات لهذه الخسائر على نحو كامل وفي حينها، وبعضها ناجم عن تأخر بعض الجهات الحكومية في تسديد قيمة ما تستجره من سلع وخدمات من هذه الشركات ، وقد خلقت هذه الأوضاع تشابكات مالية معقدة بين الشركات والمصارف والجهات الحكومية ووزارة المالية ، وقد قصرت وزارة المالية في معالجة هذه الأوضاع على النحو الصحيح، ولا يمكن للشركات العامة أن تستمر في العمل في مثل هذه الأوضاع مما يتطلب حلها على النحو الصحيح العاجل، علماً أن الحل الصحيح يتوقف أيضاً على القدرة على تأمين التمويل اللازم ، كما يتوقف على القدرة على التنفيذ، وسنورد هنا بعض القواعد العامة لمعالجة هذا الأمر:

·        يجب أن تقوم وزارة المالية بعملية تقاص شاملة لجميع الديون المتراكمة بين الشركات والمصارف والجهات العامة الأخرى، بحيث تتحمل جميع المتراكم من هذه الديون بطرفيها المدين والدائن، دون الديون القابلة للتسديد في الأمد القصير، والتي تنجم عادة عن العمليات التجارية الاعتيادية.

·        أن يعد جدول إجمالي مستمد من الدراسات التشخيصية ودراسات جدوى كل شركة والدراسة الكلية لأولويات الاستثمار، وذلك من أجل تحديد الاحتياجات الإجمالية لشركات القطاع العام للتمويل والاستثمار، سواء كان بالعملة المحلية أو بالعملات الصعبة، لقيام الشركات بنشاطها العادي على نحو سليم وفق أوضاعها الحالية، أو كان لتجديد خطوط إنتاجها أو لتوسعاتها أو لإنشاء شركات جديدة، وأن توضع خطة على مدى ثلاث سنوات لتأمين التمويل من مصادره، والمصدر الرئيسي اليوم هو موازنة الدولة، وهذا يتطلب التوفيق بين الاحتياج وبين قدرة الدولة على التمويل، ولكن يجب ألاّ تبقى موازنة الدولة هي المصدر الوحيد.

·        يجب تحقيق استقلالية مالية الدولة عن مالية الشركات العامة جميعها، بما فيها مالية شركات التأمين والضمان الاجتماعي والمصارف، بحيث تنحصر علاقة الوزارة بهذه المؤسسات بتحصيل الضرائب والرسوم وفق القوانين النافذة، وأن ينظم استثمار فوائض الشركات العامة وفق تنظيم جديد، وتنظيم الدين العام وفق إصدار سندات حكومية .

·        يجب أن تتولى " هيئة الاستثمار الحكومي" التي نقترح إنشاءها إدارة استثمارات الدولة، بحيث تكون هي ممثل المالك، الذي هو المجتمع، وأن تحول لها المبالغ السنوية المخصصة في الموازنة العامة للاستثمار العام، وأن تتجمع لديها حصة الدولة في أرباح الشركات العامة جميعاً وتبلغ 40 % من الأرباح بحسب اقتراح النظام الجديد، أي أن تحل محل صندوق الدين العام في وزارة المالية.

·        يجب أن يكون للمؤسسات التي تملك فائض سيولة كبيرة مثل مؤسسة التأمينات الاجتماعية وصناديق التقاعد ومؤسسة التأمين السورية والبنوك حق اختيار توظيف حصصها المتراكمة من أرباحها، ومخصصات اهتلاكها في الشركات التي تراها مناسبة، هذا الحق يتيح توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر كفاءة كما أنه يشكل حافز للشركات لرفع كفاءتها لجذب الاستثمارات، إضافة إلى أن تنّوع الجهات المستثمرة يرفع من كفاءة الرقابة على أداء الشركات.

·        مثل هذا الحق يجب أن يكون أيضاً لبقية الشركات الحكومية ، خاصة وأن النظام الجديد ترك لها جزءاً من الأرباح ، وترك لها فائض السيولة، ويتوقع أن ترتفع أرباح الشركات بعد تطبيق النظام الجديد مما يعني توفر فوائض جيدة للاستثمار.

·        إن التسعير الإداري الذي تطبقه الحكومة لأغراض اقتصادية واجتماعية مثل شراء بعض المنتجات الزراعية بأسعار مدعومة كالقمح والشعير والقطن والشوندر، أو بيع بعض منتجاتها بأسعار مدعومة مثل المازوت(والبنزين الآن) والكهرباء والخبز والسكر، يجب أن نعالج على نحو شفاف وواضح ومستقل، ولا يترك أي أثر على تكاليف أو سيولة الشركات العامة، وأن تتولى خزينة الدولة تحمّل هذه الأعباء عبر نظام للتعويض محدد مبني على مبلغ محدد مقطوع لكل وحدة إنتاج يعادل الخسارة التي تتحملها الشركة في حال عملت بكفاءة، مثلاً لتعويض الكيلواط الساعي من الكهرباء لمؤسسة توزيع الكهرباء، يحسب الفرق بين سعر التوزيع للمستهلك وبين الكلفة التقديرية في حال عملت الشركة بكفاءة وهذا يستبعد ارتفاع التكاليف الناجم عن ضعف الأداء وسوء الإدارة والهدر إذا وجدت، بحيث تتحملها الشركة، مما يظهر أوضاعها بجلاء، وأن يكون التعويض عن كمية الكهرباء المباعة فقط أي التي استفاد منها المستهلك، مما يستبعد الهدر ويحملّه للشركة. ويجب عدم عكس دعم أسعار شراء المنتوجات الزراعية على الصناعة، وأن تباع للصناعة بالأسعار الرائجة عالمياً، وخاصة غزول القطن وبذوره، وبهذه المناسبة نعتقد أن مسألة التسعير الإداري تحتاج لإعادة دراسة جدواها وإعادة تنظيمها على نحو أكثر كفاءة وفعالية.

·        يمكن للشركات الحكومية أن تحصل مباشرة على قروض من المصارف ومؤسسات التمويل المحلية والعربية والدولية، بما فيها المصارف الخاصة، ويمكن أن يشكل هذه أحد المصادر الهامة ، وخاصة بالنسبة للشركات الناجحة، حيث ترغب جهات التمويل بإقراضها بضمانة موجوداتها ومنتجاتها. وهذا ينَّوع مصادر التمويل وجهات الرقابة، فالبنوك اليوم هي الرقيب الأكثر كفاءة وتأثيراً.

·        يمكن للشركات الحكومية الناجحة والتي ترغب بتوسيع استثماراتها، مثل إضافة خطوط إنتاج أو إقامة مصنع آخر أو بناء مرفق خدمي أو غيره، ولا تملك القدرة على التمويل ولم تستطع الحصول عليه، أن تطرح مشاركة القطاع الخاص المحلي، فتؤمن بذلك مصدر هام للتمويل، على أن يتم حصر ذلك بإحداث طاقات جديدة ، وألا يشمل بيع أي جزء من طاقاتها وموجوداتها القائمة، مثلاً قد يتشجع بعض أصحاب مصانع النسيج في القطاع الخاص للاستثمار في شركة غزول، أوقد يتشجع صاحب شركة خياطة خاص أن يستثمر في شركة نسيج حكومية ناجحة أو أن يتشجع تاجر يشتري منتجات شركة حكومية أن يستثمر في هذه الشركة الحكومية التي يتعامل معها وغيرها، ورغم معرفتي المسبقة بما سيثيره طرح هذه الفكرة من تحفظات لدى البعض، فإنني أراها فكرة هامة، وأن تحفظات البعض ليست في مكانها، فالقطاع المشترك هو جزء أساس من قطاعات الاقتصاد الوطني، واعتقد أن توسيعه يمثل فرصة لاستمرار الاستثمار الحكومي المباشر، وهو يجمع مزايا القطاعين في نشاطات مشتركة، واعتقد أن القطاع الخاص سيجد من مصلحته أيضاً أن يفعل ذلك.

·       اعتقد أنه من الضروري فتح إمكانية بيع وشراء جزء من أسهم الشركة للعاملين فيها، ضمن سقف محدد لكل عامل ، ونسبة إجمالية محددة من إجمالي أسهم الشركة، وأن يكون الشراء بخيار العامل، ورغم اعتراض البعض على هذا المبدأ ، فإنني أرى فيه توسيع لقاعدة الملكية ، ودعم لمصلحة الشركة، فالشركة الرابحة ستشجع العاملين فيها على شراء أسهمها ، ويرتفع بذلك إحساس العامل بالولاء لشركته وحرصه على مصلحتها مما ينعكس إيجاباً على أدائه وإنتاجيته وتعاونه.             

 

5- الهيئة العامة للاستثمار:

يطرح إصلاح القطاع العام العديد من القضايا، مثل الدراسات التشخيصية لواقع الشركات ودراسات جدوى تطويرها، ودراسات سياسات الاستثمار وقضايا التمويل والديون وتقييم الموجودات والمسح الوظيفي وخطوط الإنتاج، وأنظمة عمل الشركات (مالي، إداري، مشتريات، تسويق، تشغيل، أجور، حوافز...الخ)ومشاكل المخازن وقوة العمل والرقابة وتقييم أداء الإدارات وغيرها من القضايا.

إن وظيفة «إدارة الاستثمار الحكومي» مازالت وظيفة ضعيفة غير بارزة ومشتتة بين عدد من الجهات مما يضعف فاعليتها، فقضايا التمويل تتحكم بها وزارة المالية، وقضايا الاستثمار تتحكم بقرارها وزارة التخطيط وبتنفيذها وزارة المالية، وتتحكم الوزارات بعمليات التنفيذ، وتتحكم جهات كثيرة في الكثير من القرارات الخاصة بأداء الشركات لعملها، وعن جميع هؤلاء تغيب وظيفة الدراسات العلمية للاستثمار والإنتاج، ويشكل هذا التشتت السبب الأساس في ضعف القطاع الحكومي.

وإذا كان مشروع نظام الإدارة الجديد المقترح قد وضع أساس لحل الكثير من المسائل عبر اعتماده مبدأ الاستقلال المالي والإداري، فقد غابت عن النظام الجديد واحدة من أهم الهيئات التي تلم شتات القطاع العام بعد انفراط عقد المركزية، ففي النظام الجديد لا يوجد مثل هذه الهيئة .

فبعد تطبيق النظام الجديد يجب أن لا تبقى قضايا الاستثمار العام مشتتة بين وزارات التخطيط والمالية والصناعة والتموين والإنشاء والتعمير وغيرها، بل أن تجمع في هيئة إشرافية واحدة تتولى القضايا الكلية وتقدم خدمات استشارية للشركات العامة  دون تدخل في العمل اليومي مثل :

·        تحل محل «مديرية الدين العام» في وزارة المالية، فيما يخص الاستثمارات الحكومية، بينما تستمر المديرية في وظائفها الأخرى ضمن وزارة المالية فيما يخص الإدارات الحكومية، وأن تقوم بعمل «صندوق الاستثمار الحكومي» بحيث  تحول لها مخصصات الاستثمار السنوية من الموازنة العامة، وتحول لها حصة الدولة من أرباح الشركات العامة، وتنظم وتشرف على قروض الشركات العامة.

·        تجمع احتياجات الشركات العامة للتمويل بالنقد المحلي أو الأجنبي وتقوم بتوزيعها وفق الخطة المرنة المعتمدة.

·        تقوم بوضع أسس عملية إعادة تقييم موجودات الشركات العامة، وتنظم الاستعانة بخيرات أجنبية حين اللزوم.

·        وضع دليل يحتوى أسس إجراء القيام بدراسات تشخيصية ودراسات الجدوى الاقتصادية بالاستعانة ببعض الخبراء، بحيث تضمن إجراءها وفق أسس عامة موحدة (وليس نموذج موحد)، وأسس تشكيل فرق الدراسات ، وأن تتولى طلب الاستشارة من الجهات الخارجية حين اللزوم.

·        تقوم الدراسة الكيلة لتحديد الأولويات القطاعية للاستثمارات الحكومية، مستعينة ببعض الخبراء، بالتعاون مع وزارة التخطيط.

·        تقوم بتجميع نتائج المسح الوظيفي لقوة العمل في القطاع العام.

·        تشرف على حل مشكلة فائض العمالة في الشركات ككل.

·        تضع قواعد ومعايير وأسس عامة لأنظمة عمل الشركات،وليس الأنظمة نفسها، مثل النظام الإداري والنظام المالي والنظام المحاسبي ونظام المشتريات ونظام التسويق و نظام الأجور ونظام الحوافز ونظام الجودة، وأسس وقواعد الرقابة ومعايير تقييم أداء، إدارات الشركات ، أسس وقواعد التعامل مع الشركات الخاصة المحلية والخارجية ...الخ.

·        تتولى المعالجة الإجمالية لمشاكل الشركات العامة، مثل أسس وقواعد وطريقة معالجة الديون مع وزارة المالية والمصارف، ومعالجة فائض العمالة.

·        تنسق مع جميع الجهات الحكومية وغير الحكومية في القضايا العامة والمشتركة الخاصة بنشاط الشركات العامة.

·        تضع التعليمات التنفيذية لمختلف التشريعات ذات العلاقة بنشاط القطاع العام .

·        تشرف على عملية الانتقال من النظام الإداري المركزي الحالي إلى النظام الإداري الجديد.

·        يرأسها «رئيس هيئة الاستثمار العام» ويتبع لرئاسة الوزارة ويختار من بين ذوي الكفاءة والخبرة والنزاهة والإيمان بدور القطاع العام.

·        تضع قواعد عامة لتوزيع الأرباح بحسب الفقرة ج من المادة (50) من مشروع النظام المقترح.

·        تنّسق مع الجهاز المركزي للرقابة المالية فيما يخص عملها، وتضع قواعد الاستعانة بمكاتب التدقيق ومراجعة الحسابات من القطاع الخاص.

 

وعموماً تتولى هيئة الاستثمار وظيفتين:

الأولى: وظيفة تخصيص الاستثمارات وإدارتها على مستوى القطاع.

الثانية: مركز دراسات واستشارات يضع القواعد العامة المرنة الناظمة لعمل القطاع ككل.

وفي كل الأحوال يجب ألاّ يكون هذا المركز بمثابة إدارة مركزية تصادر صلاحيات الشركات، فحينها ستعود المركزية من النافذة بعد أن خرجت من الباب، ودورها المحدد والاستشاري المرن غير التدخلي يمكن ضمانه من خلال نظام عملها وصلاحياتها التي يجب ألاّ تؤثر سلباً على الاستقلال المالي والإداري للشركات، وضرورة دورها تنبع من ضرورة وجود تناسق إلى حد ما، وعدم وجود فروقات كبيرة غير معقولة وغير مقبولة وغير مبررة موضوعياً بين شركة وأخرى، علماً بأن وجود بعض الفروقات أمر لا بد منه ويبقى مقبولاً، كما أن هذا المركز يساعد في تبادل الخبرات وتعميمها بين مختلف الشركات.

 

6- تعقيدات قوة العمل:

لعل المشاكل المتعلقة بقوة العمل، والتي يثيرها إصلاح القطاع العام، من أكثر جوانب عملية الإصلاح تعقيداً، وأكثرها حساسية، مما يجعل خيارات الإصلاح محدودة ولا تتصف بمرونة كبيرة ، إذا ما أردنا أن يبقى الاقتصاد في خدمة البشر، وألاّ ننساق وراء دعوات وضع البشر في خدمة الأرقام الصماء للاقتصاد والتي تخدم مصالح فئة الأغنياء الضيقة على حساب المجتمع.

لمعرفة تعقيدات مشكلة قوة العمل في القطاع العام لابد من التذكير بأهم نقاط ضعفها، فمستوى تأهيل قوة العمل وتدريبها أقل من المستوى المطلوب، ومراكز التأهيل ضعيفة، وغائبة فيما يخص الكثير من المهن، ومستوى الأمية أو التعليم المنخفض بين العاملين مرتفعة، في عصر تتطلب فيه الصناعة مستويات أعلى وأعلى من ناحية التأهيل، مثلاً يوجد نقص كبير في منهدسي صناعة الغزل والنسيج، وهي واحدة من أعرق وأهم الصناعات في سوريا، وتنخفص مستويات الأجور والرواتب إلى حدود غير مشجعة على الإنتاج، وخاصة لليد العاملة الموصوفة وأصحاب الكفاءات، وتلعب سقوف الحوافز المنخفضة دوراً سلبياً كبيراً، مما جعل القطاع العام يعجز عن الاحتفاظ بالقوى العاملة الموصوفة، التي تتسرب منه إلى القطاع الخاص، مما جعل شركات القطاع العام أقرب لمركز تدريب مجاني للقطاع الخاص، وجعل القطاع العام يعاني من دوران كبير في قوة العمل ينعكس سلباً على الإنتاج والإنتاجية والنوعية والتكلفة وقدرة المنتجات على التسويق، ويوجد تضخم في أعدادالعاملين، تزيد كثيراً عن الحاجة الفعلية للشركات، ويوجد أعداد غير قليلة من المفرزين إلى جهات مختلفة خارج الشركات ورغم ذلك يتقاضوا رواتبهم منها، وقد تسبب كل ذلك في تضخم كتلة الأجور وارتفاع تكاليفها رغم انخفاض الأجر الذي يتقاضاه الفرد.

 لقد سعت الدولة خلال عقد السبعينات وحتى مطلع الثمانينات بخاصة لامتصاص البطالة عبر التوسع في التشغيل وذلك بدوافع اجتماعية وسياسية،غير أن إهمال عوامل التشغيل الاقتصادي قد تركت أثرها السلبي على المدى الطويل، وأصبح الاستمرار بهذه السياسة أمر مستحيلاً، وتلقى هذه المسألة جدلاً واسعاً، بين أنصار النظرة الاجتماعية وأنصار النظرة الاقتصادية، ويلقى التشغيل الواسع تأييداً واسعاً من قبل قطاعات قوة العمل الباحثة عن فرصة عمل، ولو بأجر منخفض، ويخشى العاملون أن تؤدي عملية الإصلاح في النهاية إلى تسريحات واسعة في قوة العمل وذلك رغم تأكيدات وتطمينات الدولة بأنها لن تلجأ قطعاً  إلى تسريح أي من العاملين، وأن هذا الأمر يشكل خطاً أحمراً، ولكن من الناحية العملية سيكون التسريح هو الاحتمال الوحيد إذا بقيت الدولة عاجزة عملياً عن معالجة مشاكل القطاع العام، وتخليصه من مشاكله ورفع  كفاءته وتحويله إلى قطاع رابح.

رغم حرص المشتغل الفرد في الشركات العامة على استمرار عمله في القطاع العام ومهما كانت الظروف نظراً لانعدام البدائل أمامه، في سنوات يمر فيها الاقتصاد الوطني في فترة ركود، فإن المحاكمة المنطقية تدلنا على أن هذا المواطن الفرد والمواطنين عموماً هو وهم من يدفعوا تكاليف التشغيل غير الاقتصادي والأوضاع السيئة للقطاع العام، فالتكاليف المرتفعة والهدر والكومسيونات وضعف الإنتاجية والتشغيل الفائض وغيرها تنعكس أخيراً كخسائر تقوم موازنة الدولة أو المصارف الحكومية بتعويضها، وموارد الموازنة أو المصارف هي في النهاية جيوب المواطنين، فإذا أضفنا الخسارات الفعلية لفرص الربح الضائعة لعرفنا حجم الخسارة الهائل، فورشة خاصة صغيرة لتصنيع خزانات الماء وما شابهها تكفي لمعيشة بضع عائلات، بينما تعجز شركة حكومية باستثمارات كبيرة تبلغ بضع عشرات وربما بضع مئات من ملايين الدولارات، تعجز عن تحقيق فائض يكفي لإطعام عائلة، بل تحتاج من ينفق عليها ويعوض خساراتها سنوياً.

إن إصلاح القطاع العام وتشغيله وفق الأسس الاقتصادية هو في صالح الفرد المشتغل وفي صالح المجتمع عموماً، لأن تشغيله الاقتصادي يوفر تراكم يتيح توسّع في الاستثمارات وخلق فرص عمل جديدة وزيادات في الأجور وتقديم خدمات اجتماعية للعاملين، وهذا هو الفرق بين نظرة فردية ضيقة قصيرة الأجل وبين نظرة علمية بعيدة الأجل.

مشكلة القطاع العام في وضعه الحالي، أنه يجاهد كي يحتفظ بقوة عمله الفائضة، ويعتبر هذا هدفاً كبيراً يسعى لتحقيقه، بينما المطلوب منه، من قبل المجتمع، هو أن يستطيع استيعاب قوة عمل جديدة كي يمتص جزء من البطالة الكبيرة، والتي نقدر أنها تزيد عن 20 % ، رغم الإحصاءات الرسمية التي لا تعترف إلاّ بنصف هذا الرقم، فإذا كان لدى البلدان المتقدمة ذات المستوى المنخفض لتزايد السكان معدل بطالة بين 7-12% فيكف يمكن أن يكون في سوريا دون الـ 10% رغم ارتفاع تزايدها السكاني وانخفاض مستوى تطورها الاقتصادي وتراجع الاستثمارات إلى حدود بعيدة خلال السنوات الأخيرة خاصة وتوقف القطاع العام والدولة عن التشغيل؟؟؟

في كل الأحوال يجب أن نبعد عن أذهاننا ما يسمى «بالتشغيل الاجتماعي»أو التشغيل لأسباب إنسانية، على حساب اقتصادية هذا التشغيل وبما يتعارض، فمثل هذا الحل يجعلنا نصطدم بالحائط، والحل الوحيد هو تحريك عجلة الاقتصاد كي يستطيع خلق فرص عمل كافية، ومن جهة أخرى خفض التزايد السكاني تدريجياً إلى نحو 2 %  مع عام 2005 و 1%  مع عام 2010 ، ورغم أهمية مسألة ضبط التزايد السكاني فإن سياسة الحكومة مازالت خجولة تجاه هذه المسألة، ربما خوفاً من سعي البعض للتهويش ضد هذه السياسة، ولكن نعتقد أن الناس مستعدين للتفهم، بل غالبية الناس اليوم ينظموا أسرهم رغم غياب سياسة الحكومة الواضحة، والدعاية الجيدة لهذه المسألة، وفي كل الأحوال هي ضرورة ماسة رغم كل الاعتبارات.

وإذا أردنا الاستطراد قليلاً في مناقشة هذه المشكلة العالمية، فإن الحد من تزايد السكان لا يكفي لحل المشكلة لأن التقدم العلمي يرفع الإنتاجية يومياً مما يعني تقلص الحاجة لقوة العمل البشرية، ويبقى الحل الوحيد هو تقليص عدد ساعات العمل مقابل نفس الأجر، بل مع استمرار تزايده مع ارتفاع سوية الازدهار الاقتصادي، وهذا ما يعارضه أرباب العمل الذين يسعون لخفض الأجور من أجل خفض التكلفة، وبالطبع يتمسكوا برفض تقليص ساعات العمل، وبالتالي إذا ترك كل شيء لأرباب العمل كي يصيغوا المجتمع وفق مشيئتهم الحرة، فإن المشتغلين قد يتحولوا إلى عبيد العصر الإلكتروني ينتجوا وينتجوا مع شد الأحزمة على البطون كي يزيدوا الأرباح والازدهار، من هنا يأتي دور النقابات وقوتها كأداة توازن في المجتمع.

من جهة أخرى فإن رفع الأجور والحوافز دون رفع حقيقي للإنتاجية وتشغيل جيد لقوة العمل سيؤدي لارتفاع كلفة المنتجات الوطنية وبالتالي ضعف قدرتها التنافسية مما يؤدي أحياناً لإفلاس الشركة.

إن حل مشكلة فائض البطالة في القطاع العام أمر يحمل تناقضات كثيرة تحتاج لاجتهاد لإيجاد حلول معقولة ضمن المتاح، ونعتقد أن الإصلاح نفسه سيسهم بخلق قدرة أكبر على حل المشكلة، فتخليص الشركات من مشاكلها ورفع الأجور والحوافز وضخ الاستثمارات اللازمة ومنحها المرونة الضرورية سيعيد تحريك عجلات إنتاجها على نحو أفضل مما يرفع من مستوى تشغيل قوة عملها والانتفاع بها، بل يجب أن تخلق فرص عمل جديدة تساهم في امتصاص الفائض في شركات حكومية أخرى لن يكتب لها النجاح.

واعتقد أنه أصبح من المتفق عليه أن يحوّل المشتغلين المفرزين إلى المنظمات الجماهيرية أو للحزب أو غيرها إلى جهاتهم ليقبضوا رواتبهم منها أو أن تقوم وزارة المالية بتغطيها.

غير أن الفائض سيبقى موجوداً، وقد يكون من الضروري التفكير بحلول مثل ترك الخيار للعامل في الاستقالة مع منحه تعويض مناسب ومشجع أو التقاعد المبكر، فهذا يبقى أقل تكلفة للشركة، ولكنه من جهة أخرى يعني تشجيع ذوي الكفاءات ومن يستطيعوا إيجاد فرص عمل في القطاع الخاص على الاستقالة بينما سيبقى للشركات العامة المشتغلين الأقل كفاءة، ورغم وجاهة هذا الاعتراض فإن الشركة العامة يجب أن تنتقل إلى جاذب لقوة العمل الموصوفة عبر أجور وحوافز جيدة تتناسب وسوق العمل وضمان العمل والاشتراك بالضمان الاجتماعي والطبابة المجانية، بينما تعتبر هذه المزايا مفقودة  في القطاع الخاص.

في كل الأحوال فإن القانون الجديد نص على تطبيق قانون العمل رقم 91 لعام 1959 على الشركات العامة بدلاً من قانون العاملين الموحد رقم 1 لعام 1951، وهذا يعني امتلاك الشركة لإمكانية مشروطة لتسريح العاملين هذه واحدة من أكثر النقاط حساسية، وإذا كانت التوجيهات اليوم هي عدم تسريح أي من العاملين فإن فتح الباب قانونياً يجعل هذه التعليمات تصبح أكثر تساهلاً مع تزايد ضغط فائض العمالة أو ضغط ضرورات التسريح لأسباب أخرى مثل التكاسل أو الإساءة للشركة أو انعدام الإنتاجية وغيرها، ونعتقد أن وجود إمكانية التسريج يمكن أن يكون لها دور إيجابي كأداة للضغط على المتكاسلين وغير المنضبطين،وفي الواقع لا يمكن منح رواتب أعلى وتعويضات أعلى وبنفس الوقت الحفاظ على فائض العمالة كما هو،  وعدم استخدام أي أداة للضغط على العاملين لزيادة إنتاجيتهم، وامتلاك المرونة المشروطة هي جزء من مرونة الإدارة ، ثم كيف سنحول الشركات للعمل الاقتصادي ونطالبها بتحقيق ربح دون أن تملك مرونة في استخدام حاجتها فقط من قوة العمل وبحسب مستوى نشاطها تزايداً أو تقليصاً.

إن إحداث صندوق لإعانات البطالة هو الحل الأنسب والمكمل للمرونة الممنوحة للشركات بحيث تضمن للعامل المسرح إعانة مشروطة إلى حين تأمين فرصة عمل له، وببساطة يمكن للدولة أن تحوّل أجور العمالة الفائضة اليوم إلى تمويل لهذا الصندوق الذي يؤمن له مصادر مختلفة وأن ينظم وفق ما هو متبع في دول العالم اليوم.

سمعت من عشرات العاملين في القطاع العام خشيتهم من إساءة استعمال زيادة الصلاحيات الممنوحة لإداراتهم، وخشيتهم هذه مستندة إلى خبرتهم السابقة والحالية مع إداراتهم التي تتبع المحسوبية في التعيين وفي التكليف بالمهام وفي منح الحوافز والمكافآت حيث يوجد إجحاف كبير بحق المنتجين فعلاً، بل سمعت من العديد منهم أن إدارتهم تهددهم بالنظام الإداري الجديد، كما هددتهم من قبل بنظام الإدارة بالأهداف، بمعنى أنه سيأتي اليوم الذي تستطيع في الإدارة «تربيتهم».

ورغم وجاهة هذا الاعتراض، فلا سبيل آخر للإدارة، وإدارة بلا صلاحيات تعني إدارة فاشلة، ونعتقد أن النظام الجديد المقترح سيخلق مناخاً أفضل لإدارة أفضل وللتخفيف من المحسوبية السائدة الآن إلى حدود بعيدة، ففي النظام الجديد يجب أن يكون اختيار الإدارات يتم وفق أسس جديدة تعتمد الكفاءة والنزاهة بدلاً من المحسوبيات السابقة، وهذه الإدارات سيتم تقيم أدائها من خلال نتائج شركاتهم، وسيتم محاسبتها وفقاً لهذا الأساس ، وبالتالي سيكون من مصلحة هذه الإدارات تشغيل شركاتها على نحو أكفأ وتشجيع مشتغليها وتحفيزهم للعمل الجاد والجيد، فنتائج عمل المشتغلين في مختلف الأقسام هي التي ستقرر في النهاية مصير الإدارة ذاتها، أي أن إدارة الشركة العامة، بحسب النظام الجديد، ستنظر للأسفل، ستنظر للشركة ومشاكلها والعاملين فيها وأوضاعهم، بدلأً من توجيه أنظارها، سابقاً وحالياً للأعلى لاسترضاء من كان لهم فضل ترشيحهم وتعيينهم.

بناءاً على كل ما تقدم، نعتقد أن النظام الجديد بمجمله يضع أسس جديدة تساعد في رفع إنتاجية الشركات، وخفض تكاليفها وتسويق منتجاتها وزيادة أرباحها، وبالتالي تحسين أوضاع العاملين فيها وخلق فرص عمل جديدة.

 

7- الإنتاج والتسويق:

التسويق قاطرة الإنتاج، وقاطرة الشركة عموماً، فغاية الشركة عامة أو خاصة، هي إنتاج سلعة أو خدمة، وتقديمها للاستهلاك المجتمعي، سواء كان استهلاك وسيط، كأن تكون مادة أولية أو مصنعة تستهلك لإنتاج منتج نهائي ، أو كانت سلع وخدمات للاستهلاك النهائي الجماعي(المجتمعي) مثل بناء الطرق وتقديم خدمة الإعلام، أو كان للاستهلاك الفردي مثل صناعة الملبوسات وخدمة الهاتف، أي أن الإنتاج لا يكون للتكديس على أي نحو كان فالتكديس هدر، والتوقف عن الإنتاج يبقى أقل خسارة من تكديس الإنتاج، فمع عدم الإنتاج نخسر ما يسمى بالتكاليف الثابتة(اهتلاك الأصول، أجور العاملين، الحد الضروري لاستهلاك الطاقة وما شابهها) أما في حال التشغيل والتكديس فإن الخسارة تكون أكبر، حيث تشمل التكاليف الثابتة التي ذكرناها آنفاً إضافة للتكاليف المتغيرة، مثل كلفة المواد الأولية والمساعدة وكلفة الطاقة الإضافية المستهلكة بسبب عمليات الإنتاج وغيرها من تكاليف تتحقق مجدداً أو تزداد مع عمليات الإنتاج.

الشرح الذي قدمناه آنفاً يبدو زائداً بالنسبة لمن يعرف مبادئ الاقتصاد والمحاسبة، وسيبدو لهؤلاء أن لا أحد يتصرف على نحو يتناقض مع هذه البدهية، فأبسط صاحب ورشة صغيرة، ومهما كان ساذجاً وأمياً، يتوقف عن تصنيع أية سلع ينتجها إذا كسد السوق، ولكننا نذكر هذا لنظهر التناقض الكبير الناجم عن سلوك الإدارات العامة لشركاتنا والإدارات المركزية لاقتصادنا التي كانت مصممة ومصرة على الاستمرار في الإنتاج والتكديس ومراكمة الخسائر والديون، حتى وصلت مخازن مؤسسة منسوجات مثلاً لما يزيد عن 16 مليار حسب آخر ما أذكره، وتعاني معظم المؤسسات الأخرى من أوضاع مماثلة، وأظن أنني لست بحاجة للقول أن القيمة الفعلية (السوقية) للمخازين أقل بكثير من قيمتها الدفترية، فالتخزين يسيء لنوعيتها إن لم يتلفها كلياً، وقد يكون جزء كبير منها غير قابل للتسويق أصلاً أو ربما للتسويق بأسعار بخسة.

وبالتالي يبدو تصرّف الإدارات غير مفهوم أبداً أبداً، ولو كان أي من المدراء يتضرر من الخسارات الهائلة لما استمر على أي نحو في الإنتاج غير القابل للتصريف، مما يدفعنا للبحث عن الأسباب التي تدفع الإدارة للتصرف على هذا النحو دون أن تكترث بالخسارات، والتفسير الوحيد الممكن هو أن الإدارة تريد أن لا يقال عنها أن مصنعها متوقف عن العمل، وأن تستمر في رفع تقارير تحقق الخطة بنسبة 100 %  وما يزيد عنها، والاستمرار في الإنتاج يعني أيضاً استمرار الإنفاق واستمرار المناقصات الخارجية والداخلية للحصول على مستلزمات الإنتاج من سلع وخدمات، وما يرتبط بذلك من منافع شخصية معروفة على حساب الشركة العامة.

والسؤال هو لماذا تكون الخطة متمركزة على الإنتاج تبرزه وتقيسه وتحاسب عليه ولا تكون متمركزة على التسويق تبرزه وتقيسه وتحاسب عليه؟ فأنا لا أعرف شركة في العالم المتقدم ، عامة كانت أم خاصة، تخطط للإنتاج، بل تخطط للتسويق، والتسويق هو من يقود الإنتاج ويوجهه، وهذا المفهوم المقلوب للتخطيط كان أحد الأسباب التي قلبت النظام الاشتراكي.

إن السياسات المطبقة سابقاً قد حتمت غياب وظيفة التسويق في القطاع العام، فالقطاع العام نشأ تحت شعار الإحلال محل الواردات، وتلبية احتياجات السوق المحلي، وتم تطبيق سياسة حماية شديدة وتم التضييق على نمو القطاع الخاص الصناعي، وأقفلت قطاعات عديدة في وجهه، وقد أمن هذا للقطاع العام حماية من المنافسة الداخلية والخارجية وضمن تصريف منتجاته، بغض النظر عن النوعية والسعر، أما اليوم وبعد فتح معظم القطاعات أمام القطاع الخاص ليقيم صناعاته ويقدم خدماته، ودخلت سوريا اتفاقات تجارية وجمركية مع عدد من الدول العربية تزيل تدريجياً حاجز الحماية ، فإن المنافسة قد اشتدت أمام القطاع العام مما تسبب في تكديس منتجاته وتعاظم خسائره، وستزداد مستقبلاً حدة المنافسة أكثر فأكثر، مما سيخلق أوضاع أكثر صعوبة أمام شركات الدولة ما لم تنجح في التكيف مع الوضع الجديد.

النظام الإداري الجديد وضع أساساً لمعادلة صحيحة بين الإنتاج والتسويق، فالتسويق هو أولاً، وهو المؤشر الرئيسي، وبقية المؤشرات هي مؤشرات تابعة تشتق منه، فخطة التسويق تحدد خطة الإنتاج وبالتالي تحدد خطط المستلزمات من مواد وقوة عمل وخطوط إنتاج ومرافق وخدمات، وتنفيذ جميع هذه الخطط يرتبط ويتبع تنفيذ خطة التسويق.

قد يكون النظام الجديد حل الإشكال القانوني السابق، حيث كانت الأنظمة النافذة تقيد قدرة الشركات على التسويق، غير أنه وضع بداية لمهمة شاقة، وهي رفع قدرة الشركات العامة على التسويق، فهذه المهمة (الوظيفة) بقيت غائبة لفترات طويلة، والشركات العامة لا تملك خبرات وكفاءات وطنية ولا تملك شبكات من العلاقات الدولية التي تخلق طاقة كبيرة على التصريف، فالتركيز من قبل كان يتم على الشراء وليس على التسويق، فالشراء سهل، فالحكومية تؤمن الأموال، والإدارة تشتري والمشتري يجد دائماً من يرحب به ويغريه بالمنافع الخاصة لاجتذابه، أما التسويق فأمر في غاية الصعوبة. وعليه نعتقد أن التسويق هو المهمة الأهم، وهي المهمة الأصعب لأنها الأهم، وعلى دراسة التسويق يتوقف مصير الشركة العامة، وستبنى دراسة الجدوى الاقتصادية للشركة العامة على التسويق، سواء كان تسويق داخلي فقط أم تسويق داخلي وخارجي. ومن هنا تأتي أهمية التعاون مع شركات أجنبية للمساعدة في الترويج والتسويق أو لإقامة اتفاقات إنتاج، حيث تتعهد الشركة العامة بالإنتاج حسب مواصفات محددة والشركات الأجنبية تتعهد بالتسويق وغيرها من أشكال التعاون.

 

8- الرقابة :

 يمنح النظام الجديد المقترح لإدارة القطاع العام استقلالية كاملة مالية وإدارية للشركات العامة، وسيصبح بمقدورها أن تضع لوحدها ، خططها وتوجهاتها وأن تصيغها حسب ما تريد، وقد ألغى الحلقات الإدارية المتعددة التي كانت تمر عبرها مختلف مسائل الشركة العامة، كما ينص المشروع على عدم إخضاع الشركات المشمولة بالنظام المقترح ولا العاملين فيها لولاية الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش (مادة 63) ولا يطبق عليها ولا على العاملين فيها قانون العقوبات الاقتصادية الصادرة بالمرسوم 37 لعام 66 ولا قانون محاكم الأمن الاقتصادي الصادر بالمرسوم 46 لعام 1977، كما أن مختلف قضاياها الجنائية لا تعرض أمام محاكم الأمن الاقتصادي بل أمام القضاء العادي، وبالمقابل ثبت مشروع النظام استمرار خضوع الشركات العامة لرقابة الجهاز المركزي للرقابة المالية، ونص على إمكانية الاستعانة بمدقق حسابات إضافي من القطاع الخاص لأغراض الدراسة التحليل.

إن هذه البنية الجديدة للاستقلال الإداري والمالي والبنية الجديدة للرقابة دفعت وتدفع البعض للقول أن هذه سيدفع على التسيّب ويساعد على فتح باب سوء استغلال الوظيفة العامة على مصراعيه، وبحسب رأيهم (المال الداشر يعلم الناس الحرام).

نعتقد أن هذا الاعتراض ليس وجيهاً، فأولاً وكما ذكرنا من قبل، فإن المركزية الشديدة لم تمنع الاستغلال الواسع للقطاع العام من قبل المصالح الخاصة، وثانياً نعتقد أن بنية الرقابة في النظام الجديد يمكن أن تكون أكثر إحكاماً وأعلى كفاءة، فالرقابة هنا متعددة، ولا تقتصر فقط على الجهاز المركزي للرقابة المالية، بل يمكن أن تكون أوسع من ذلك، وتتكون بنية الرقابة الجديدة من عدد من المصادر :

أولاً: رقابة الجهاز كما ذكرنا.

ثانياً: الاستعانة برقابة من شركات المحاسبة والمراجعة الخاصة، حتى لو حصرنا القانون بأغراض الدراسة والتحليل فهي رقابة من جهة خبيرة لها أهمية.

ثالثاً: رقابة الجهات المساهمة في الشركة العامة، فمع تحويلها إلى شركات مساهمة، يساهم فيها عدة جهات حكومية مستقلة ممثلة في الهيئة العامة ومجلس الإدارة، سيحشد عدة جهات تتطلع وتتابع وتدرس أوضاع الشركة، ومع كثرة العيون يصعب إخفاء الأخطاء والممارسات الفاسدة.

رابعأً: فصل مجلس الإدارة عن المدير العام والمدراء العاملين في الشركة، سيخلق رقابة مباشرة فعالة من قبل المجلس، وجميع أعضائه من خارج العاملين في الشركة بحسب مشروع النظام الجديد.

خامساً: في العلاقة الجديدة التي سترسم بين الشركة العامة ومصرفها، سيقوم المصرف بالدور الرقابي المعتاد على الشركات التي تقترض منه أو تطلب تسهيلات، وعادة تقوم المصارف بدارسة جدية للجهة التي ستقرض منها وتتابع نشاطها حرصاً على حسن استثمار أموالها، ولضمان قدرة الشركات المقترضة على تسديد قروضها.

سادساً: إن انتخاب ممثلي العمال في مجالس الإدارات من قبل النقابيين في الشركة مباشرة، بحسب نص النظام الجديد،بدلاً من تعيينهم من قبل اتحاد نقابات العمال،كما هو سائد الآن، سيسهم في تبديل الحضور الهامشي والروتيني لممثلي العمال في الإدارات، إلى وجود فاعل وديناميكي، خاصة إذا ما طلب من ممثلي العمال تقديم تقرير دوري شهري عن عمل مجلس الإدارة إلى اجتماع النقابة الشهري.

سابعاً: بحسب النظام الجديد فإن نتائج عمل الشركة ستعرض أيضاً أمام الهيئة العامة السنوية، وسيناقش تقريرها بجدية، وستنشر ميزانيتها في صحيفتين يوميتين محليتين.

كما أن تقاليد الشفافية ستترسّخ أكثر مما سيجعل سوء استغلال الإدارة أمر أصعب بكثير.

ثامناً: إن اختيار الكادرات على أساس الكفاءة والنزاهة، وتقييم أدائها بحسب نتائج نشاط الشركة، وتحسين الرواتب والحوافز كلها، ستسهم في خلق مناخ إيجابي يساعد في خنق الفساد في مهده. غير أن الأمر الأهم في مسألة الرقابة ليس البحث عن المخالفة والجناية، فهذا إجراء هام من واجبها، ولكن يجب أن تكون الوظيفة الهامة للرقابة  أيضاً هي نقل الخبرات وتبادلها وتعميمها والكشف عن نقاط الضعف مسبقاً، والدلالة على الإمكانات غير المستغلة، وذلك من أجل رفع كفاءة أداء الشركة العامة.

غير أن الجهاز المركزي للرقابة المالية بوضعه الحالي لا يرقى إلى مستوى القيام بالمهمة الجديدة الملقاة على عاتقه، فقد كان دوره ثانوياً وكادراته ليست في المستوى المطلوب من حيث خبراتها وكفاءاتها ومعرفتها بأصول المحاسبة والمراجعة وفق المعايير الدولية، وحتى أنها لا تملك حق إحالة ما تضبطه من مخالفات للقضاء، بل ترفعه للهيئة المركزية، وتقدم تقاريرها للمدير العام للشركة ليطلع عليها، وتجهيزاتها المكتبية ووسائط نقلها أقل من أن تفي بالغرض، وبالطبع الرواتب والحوافز متدنية، كما أنها تتبع وزارة المالية وليست جهازاً مستقلاً، ونعتقد أن إصدار النظام الإداري الجديد للقطاع العام يجب أن يترافق مع إعادة تأهيل هذا الجهاز وذلك عبر:

·        استقلالية الجهاز عن وزارة المالية وتبعيته لمجلس الشعب ليكون مستقلاً عن تأثيرات الإدارة التنفيذية.

·        رفع سوية الجهاز، ورئيس الجهاز وظيفياً، أي أن لا تقل مكانته عن مكانة الوزير.

·        إصدار نظام عمليات جديد يتفق ومهامه الجديدة.

·        إعادة تأهيل كادراته عبر دورات تدريبية وربما بالتعاون مع إحدى شركات المحاسبة والمراجعة الدولية المعروفة، ورفده بكادرات جديدة، يتم اختيارها من ذوي الكفاءة والنزاهة وليس عبر المسابقة.

·        رفع رواتب وحوافز العاملين في الجهاز، سواء كان رفع الحد الأدنى إلى مالا يقل عن ثلاثة أمثال الحد الحالي، ورفع الحد الأعلى إلى ما يقل عن سبعة أمثال الحد الحالي مع توسيع نظام الحوافز، على اعتبار أن ذوي الكفاءات فقط هم من يجب أن يعمل في هذا الجهاز، كما أن الرواتب الكافية لحد مقبول من المعيشة شرط لضمان نزاهة المراقبيين، وهذا عامل هام من أجل رفع كفاءة وفعالية الجهاز.

أيضاً نعتقد أن مهنة المحاسبة ومراجعة الحسابات في سوريا وجمعيتها،في وضعها الحالي، لا ترقى إلى مستوى القيام بمراجعة حسابات وتقديم تقارير مالية عن الشركات العامة، فالعمل يتسم بالطابع الفردي ولا يوجد شركات محاسبة.

كما أن التشريعات النافذة لا تعترف بالشخصية الاعتبارية لشركات المحاسبة وتشترط أن يكون تقرير المراجعة موقع باسم شخص طبيعي، والغالبية العظمى من المحاسبين لا يملكون تأهيلاً مناسباً ولا خبرة  مناسبة، وخاصة معرفتهم بأصول المحاسبة والمراجعة الدولية أو إتقان اللغة الإنكليزية، وإعداد تقارير المراجعة التي تساعد الإدارة في عملها، ولا تشترط التشريعات الحالية تفرغ المحاسب لعمله، كما هو متبع في كل العالم بل تجيز الجمع بين الوظيفة وممارسة المهنة، كما أن نظام ممارسة هذه المهنة ووضع جمعيتها الحالي لا يرقيان إلى مستوى القيام بإعادة تأهيل هذه المهنة لتكون في المستوى المطلوب، وعموماً بقيت هذه المهنة مهملة، وحتى الآن لا تلق أي اهتمام من أي أحد، مما أدى لتخلفها حتى بالمقارنة مع بلدان مثل الأردن ولبنان وتركيا، مما يجعل مسألة رفع كفاءة هذه المهنة من الشروط المساعدة على نجاح نظام الإدارة الجديد للقطاع العام.

بالطبع إن تطوير مهنة المحاسبة والمراجعة له نفس الأهمية بالنسبة لنشاط القطاع الخاص، وخاصة لقيام الشركات المساهمة وقيام الأسواق المالية وأيضاً له نفس الأهمية في هيكلة قطاع النقد والمصارف، مما يرفع من أهمية وإلحاح إعادة هيكلة هذه المهنة على نحو عاجل.

 

9- الإدارة ، تسميتها، تقييمها، محاسبتها:

النظام الجديد المقترح لإعادة هيكلة وتنظيم وإدارة القطاع العام يعظّم دور إدارة الشركة الحكومية إلى حد بعيد جداً ، فهو يمنحها كامل الصلاحية وكامل المرونة التي تتطلبها حركة السوق، وقد انتزع النظام الجديد جميع الصلاحيات من مختلف الجهات الوصائية ووضعها في يد إدارة الشركة، في يد هيئتها العامة ومجلس إدارتها وأعطت المدير العام، مع من يساعده من مدراء في الشركة، كامل الصلاحية في تنفيذ قرارات وتوجهات مجلس الإدارة والهيئة العامة، فقد نص النظام المقترح على صلاحية إدارة الشركة(هيئة ومجلس ومدير عام) على إقرار الخطط والتوجهات ووضع الأنظمة الداخلية لعمل الشركة، وهي التي تقرر لوحدها كل ما يخص شؤون عمل الشركة، أي أصبح لها المرونة التي للقطاع الخاص.

إذا كان النظام المقترح يمنح إدارة الشركة الحكومية كل هذه الصلاحيات، فإنه يحمّلها بالمقابل، أو يجب أن يحمّلها، كامل المسؤولية بحيث تقيّم هذه الإدارة وتحاسب على النتائج التي تحققها، وأن تنعكس هذه النتائج على إدارة الشركة وعلى الأشخاص الذين يشغلون منصب أعضاء مجلس الإدارة والمدير العام ومدراء مديريات/إدارات الشركة على شكل مزايا ومنافع معنوية ومادية، وهذا يتطلب وضع معايير واضحة لتقييم الأداء والنتائج على نحو عالي الكفاءة وبشفافية وعلانية.

إن هذ1 الدور الجديد الكبير لإدارة الشركة الحكومية يجعل مسألة اختيار كادرات الشركات في غاية الأهمية، ويجعل مسألة الاستمرار بالمعايير غير السليمة وغير الشفافة لاختيار إدارات الشركات الحكومية غير ممكن، فالإدارات التي لا يتم اختيارها وفق معايير الكفاءة والنزاهة والقناعة بدور القطاع العام، كمعايير أولى لازمة، حتى لو تم اشتراط معايير أخرى إضافية، ولكن ليس على حساب المعايير الأولى، فالإدارة التي لا يتم اختيارها وفق هذه المعايير تسبب، وكما بينت التجربة الطويلة، أذى كبيراً يلحق بالقطاع العام والمصلحة الوطنية، فالإدارات تميل عادة لاستخدام وتطبيق نفس المعايير التي طبقت عليها، والمدير العام الذي يتم اختياره لاعتبارات تقوم على المحسوبية، على حساب الكفاءة والنزاهة والقناعة سيطبق ويعمم المحسوبية في شركته على المستويات الأدنى، مما سيلحق أذى كبيراً بكفاءة العاملين وكفاءة الشركة وإنتاجيتها ويدهور أحوالها، وهذا ما حصل ويحصل.

نعتقد أن الإدارة، عموماً، وليس فقط في الشركات العامة، هي نقطة ضعف سوريا، فسوريا تملك اقتصاد متعدد، وتملك إمكانيات كبيرة، يمكنها أن تحسّن أوضاعها على نحو جذري، فيما "لو" استطاعت تطوير كفاءاتها الإدارية في مختلف المجالات، من هنا نعتقد أيضاً أن إصلاح القطاع العام يتوقف على توفر إدارة كفء تستطيع إدارة مختلف عناصر عملية إعادة هيكلته على نحو كفء ، والنجاح في بناء مثل هذه الإدارة سيقرر مصير عملية إصلاح القطاع العام وبالتالي القطاع العام ووجوده.

تتشكل الإدارة اليوم من أربعة عناصر:

الأول : هو مجموعة الأنظمة والتعليمات والإجراءات وطرق اتخاذ القرار وأساليب التنفيذ وطرق متابعة التنفيذ وطرق التقييم، أي تشمل أنظمة الإدارة والهيكل الإداري وأنظمة التخطيط والإنتاج وأنظمة الاستخدام والأجور والحوافز والمالية والمحاسبية والمشتريات والتسويق وغيرها مع تعليماتها التنفيذية ودورتها المستندية.

الثاني : هو مجموعة التجهيزات والتقنية المكتبية، وخاصة الحواسيب وشبكاتها، فهي أدوات ذات دور حاسم في رفع كفاءة الإدارة.

الثالث: هو الكادر الإداري ومجموع العاملين في الإدارة، تأهيلهم وتدريبهم ومهاراتهم في حقل اختصاصهم وخلفيتهم الثقافية وموقفهم تجاه عملهم وشركتهم، ويشمل هذا نظام الأجور والحوافز الذي يحدد رضى الكادر من عدمه.

الرابع: القيادات الإدارية، وتشمل أعضاء مجلس الإدارة والمدير العام ومدراء المديريات وهؤلاء لهم الدور الحاسم والأهم في العملية الإدارية ككل، من هنا تنبع أهمية اختيارهم ومراقبة أدائهم وتقييم نتائجهم ومحاسبتهم على النتائج.

وإذا أردنا تقييم واقع هذه العناصر الأربعة في إدارة شركاتنا الحكومية اليوم فسنحصل على نتائج غير مسرّة على الإطلاق مما يضع أمام عملية إصلاح القطاع العام مهمة كبيرة تتطلب جرأة وقدرة على ابتكار الحلول الجديدة.

في ندوة التنمية الاقتصادية التي عقدت في قصر إييلا الشام بين 19-21 أيار 2001، قال رجل الأعمال المصري المعروف، نجيب ساويرس:

«في السبعينات عندما بدأنا بإعادة النشاط كقطاع خاص في مصر، واجهتنا مشكلة الكادرات، ولأن القطاع الخاص كان صغيراً لا يملك كادرات، فقد كان القطاع العام المسيطر هو مصدرنا للحصول على الكادرات اللازمة لتوسيع نشاطنا، وخلال سعينا لانتقاء البعض من كادرات القطاع العام كنا نواجه بثلاث نماذج، النموذج الأول صادق جداً وأمين جداً و كسول جداً، وهذا لم يكن طلبنا، والنموذج الثاني، ذكي جداً وديناميكي جداً وذمته واسعة جداً، وهذا أيضاً لم يكن طلبنا، ونموذج آخر ذكي جداً وديناميكي جداً وأمين جداً، وهذا ما كنا نبحث عنه، ولكنه كان نادر وكان علينا أن نفتش عليه بالمجهر، لذا توجهنا إلى المتفوقين من الخرجين الجدد من الجامعات المصرية وغير المصرية وإلى بعض الكادرات المهاجرة.

نسوق هذا القول لأننا نجد أنه ينطبق على واقع قطاعنا العام، ورغم الاختلاف بين ساويرس الذي يبحث عن حل لإدارة القطاع الخاص و بين بحثنا عن حل لإدارة القطاع العام، فإن جوهر العملية واحد، وهو البحث عن إدارة كفء ونزيهة ومخلصة لعملها، وإذا لم نكن نملك الآن أعداد كافية من الكادرات الجاهزة الكفء والنزيهة، فإن وضع نظام جديد متكامل وخلق مناخ إيجابي سيساهم في خلق كادرات جديدة تتمتع بالكفاءة والنزاهة، فكما أن النظام الحالي قد ساهم على مر عدة عقود على طرد الكادرات الكفء والنزيهة إلى خارج القطاع العام، وعلى كبح إمكانية تطور الكادرات الباقية فيه، فإن النظام الكفء الجديد والمناخ الجديد المفترض والمطلوب سيساهم، تدريجياً في خلق كادرات جديدة.

إن البداية الصحيحة أو الخاطئة في مسألة إدارة الشركات تكمن في عملية اختيار الكادرات، ونعتقد أن الآلية التي يتم فيها الاختيار الآن تعاني من  نقاط ضعف عديدة تسمح باختيار كادرات غير مناسبة ونعتقد أن تطوير آلية كفء للاختبار تتطلب :

·        القيام بمسح وظيفي لجميع العاملين في القطاع العام و وضع سجلاً إلكترونيا يعتمد قاعدة بيانات تشمل جميع العاملين وتتضمن معلومات كافية وواضحة عن كل فرد تشمل تأهيله وتدريبه والدورات التي أتبعها والأماكن التي عمل بها والوظائف التي شغلها والمزايا التي يتصف بها والإنجازات التي حققها والمكافآت التي حصل عليها لإنجازات خاصة، وبالمقابل أية عقوبات وجهت له أو أي نقطة سلبية في تاريخه الوظيفي، وأيضاً اللغات التي يتقنها والبلدان التي زارها أو درس أو أقام فيها وإتقانه لاستخدام الكمبيوتر وهواياته وثقافته وغيرها من معلومات مفيدة، وبالطبع تكون المعلومات المطلوبة أكثر تفصيلاً كلما ارتفع الموقع الوظيفي والعكس صحيح. تؤمن هذه القاعدة للبيانات إمكانية للبحث ضمن الشركة العامة أو القطاع ككل عن الأشخاص المتوفرين في القطاع العام وتنطبق عليهم المؤهلات المطلوبة لأحدى الوظائف المتوسطة أو العليا، وبالطبع هذا يتطلب وضع معايير محددة لكل وظيفة    (وصف وظيفي) وخاصة للوظائف العليا، وهذا يخرج عملية اختيار الكادرات من عنق الزجاجة الحالي، حيث تفتقد الجهات التي تقوم بالترشيح إلى معرفة كافية بالمتوفر من الكادرات، وبمعلومات وافية جاهزة عن كل مرشح، مما يجعل عملية الترشيح والاختيار تتأثر إلى حد بعيد بعلاقة المرشح مع هذا المسؤول أو ذاك.

·        إن الترشيح لشغل وظيفة شاغرة دنيا أو متوسطة أو عليا في الشركة العامة يجب أن يكون مفتوحاً وشفافاً، وأن يمتلك كل من يجد في نفسه الكفاءة أن يتقدم لشغل هذه الوظيفة، حيث تعلن المعايير والشروط المطلوبة لشغل هذه الوظيفة، بل وأن تلجأ الشركات، بحسب اللزوم، إلى الإعلان عن أي من الوظائف في وسائل الإعلام كي تحصل الإدارات والجهات التي تتخذ القرار، على أكبر عدد ممكن من المرشحين مما يتيح لها الاختيار من بين طيف واسع، مما يرفع من كفاءة عملية الاختيار، أو على الأقل تكون القيادة المكلفة بالاختيار قد فعلت أفضل ما هو ممكن لاختيار أفضل الكادرات من بين المتاح.

·        إن وضع أسس للاختيار السليم للقيادات يتكامل مع وضع أنظمة وأساليب عمل وإجراءات تتصف بالكفاءة والمرونة وتوفير التكلفة والوقت، وأيضاً مع كفاءة الكادر الإداري وكفاءة التجهيزات من أجل منح الشركة العامة إدارة كفء قادرة على تحقيق الأهداف، غير أن هذه جميعها لا تكفي، والشرط الآخر لكفاءة الإدارة هو آلية فعالة لمراقبة الأداء على مدى الأيام والأسابيع والشهور والسنوات من أجل تحديد نقاط الضعف واستدراكها وتطوير أنظمة وآليات العمل، ومراقبة أداء العاملين من مختلف المستويات على نحو دائم ومستمر واتخاذ القرارات المناسبة في حينها دون تأخير، فالتأخير مكلف جداً، ونعتقد أن النظام الجديد يتيح إمكانية وضع آلية أفضل للرقابة والمتابعة، وقد ناقشنا هذه الفقرة في عنوان خاص.

تقييم الأداء ليس أمراً بسيطاً وسهلاً وواضحاً، ولكن أيضاً ليس أمراً مستحيلاً أو غير قابل للتطبيق، بمعنى أنه يحتاج لوضع نظام متكامل لتقييم الأداء، يوضع من قبل مجموعة من الخبراء ويطور على نحو مستمر، ويحتوى النظام على تقارير جزئية وكلية، شهرية وربعية وسنوية ، أي تقارير تقييم خاصة بأداء مختلف عناصر عملية الإنتاج مثل قوة العمل، المواد والمستلزمات ، الآلات والتجهيزات، مرافق النقل ومرافق الخدمات، المنتجات والنوعية، التسويق والمالية ويحتوي كل منها على معايير قياس رقمية ووصفية تترجم في علامة محددة. ويشتق من التقارير الفرعية معايير إجمالية تدمج مع بعض في تقرير إجمالي عن أداء الشركة ويتم تجميعها ربعياً وسنوياً، وتقيس هذه المعايير كفاءة الأداء وحسن الاستغلال وكفاءة الإنتاجية وخفض الهدر وخفض التكاليف والالتزام بالزمن، وتحقيق أرباح أعلى وتقديم سلع وخدمات أفضل وغيرها...

ويجب أن تكون معايير تقييم الأداء معلنة وأن تنشر الميزانية السنوية مع تقرير الأداء والتقرير المالي على نحو مختصر في وسائل الإعلام.

في مؤسسة الإسكان العسكرية، وبين عامي 1980 –1985 أتيح لي أن أشارك في وضع نظام للمكافآت للفنيين من مهندسين ومساعديهم ونظام مكافآت للعاملين في الشؤون المالية والتجارية، وقد أشرفت لبضع سنوات على تطبيق هذا النظام الذي يقوم على مبدأ تقييم وقياس رقمي شهري لأداء الفنيين والإداريين والماليين ووضع علامات تحّول إلى مكافآت مالية عبر ضربها بأسعار محددة للعلاقة بحسب الوظيفة، وقد كانت مكافآت شهرية مجزية تبلغ نحو ربع الرواتب الشهرية، التي كانت مرتفعة أصلاً قياساً برواتب الدولة وبما لا يقل عن 100 % إلى 300 % ، وقد لمست النتائج الإيجابية لذاك النظام وانعكاسه الإيجابي على توفر المعلومات والقيام بمراقبة مستمرة، وخفض بعض التكاليف وتقليص بعض الهدر وتعليم الفنيين والإداريين مبادئ القياس الموضوعي المستند إلى المشاهدة والرقم. وقد كان لهذا النظام عيوب ونواقص أيضاً رغم تطويره عدة مرات بين البدء في تطبيقه وعام 1985،ولكن وللأسف، وبدلاً من تطوير النظام لرفع كفاءته، جاء قانون العاملين الموحد ليقضي على هذه التجربة، وغيرها من تجارب مماثلة قليلة، ووضع الدولة وقطاعيها الإداري والإنتاجي في قالب ضيق بيروقراطي لا يتناسب أبداً مع عملية الإنتاج وتحكمت وزارة المالية البيروقراطية جداً بتطبيق قانون العاملين مما ساهم في تدهور أحوال القطاع العام ووصل إلى الحالة التي هو فيها الآن.

يشكل تقييم أداء الإدارة والمحاسبة على النتائج جزءاً أساسياً في نظام الإدارة المتكامل، فما لم يتم المحاسبة على النتائج، وما لم تنعكس النتائج على مصالح أفراد الإدارة، من حيث المكافأة المعنوية بأشكالها وقابلية الترفيع أو من حيث المكافآت المادية المجزية ، وبدون جعل مصلحة مباشرة تربط بين النتائج والمصلحة الشخصية لعناصر الإدارة فإن نظام الإدارة برمته ينهار، وهذه قاعدة مجربة ومتبعة في كل العالم، فإن لم يرتبط الموقف الوطني بالمصلحة الشخصية للأفراد فلن نستطيع بناء نظام إدارة كفء وفعال.

ولا ننفي وجود أفراد مستعدين للعمل بنكران الذات، وبغض النظر عن أية مكافآت مادية، غير أن هذه لا تصلح كقاعدة جيدة لبناء إدارة جيدة ، وللأسف فإن الحكومة لا تفرق حالياً بين من يعمل بكفاءة ونزاهة وقناعة وإخلاص، رغم الرواتب الهزيلة إلى مادون خط الفقر، وبين من يكرس الشركة العامة لمنافعه ومنافع من يلوذ بهم أو من يلوذون به، وأنا أعرف بعض من شغلوا أو يشغلوا وظائف مدير عام في بعض أكبر شركات القطاع العام ومؤسساته وعملوا ويعملوا بكفاءة ونزاهة نادرة، ورغم ذلك لم تلتفت الحكومة لهم بأية مكافآت مادية عبر سنوات عديدة ، ولم يحصدوا سوى الفقر وسخرية البعض منهم، وهذا وضع يجب ألاّ يستمر على أي نحو لأنه ظالم ويحفز على الفساد.