(العنوان: وزير التخطيط السوري لـ الحياة : . نمر في عنق الزجاجة ونأمل في تدفق رأس المال العربي والسوري )
(الكاتب: بارعة علم الدين )
(ت.م: 26-07-2001 )
(ت.هـ: 05-05-1422 )
(جهة المصدر: )
(العدد: 14011 )
(الصفحة: 10 )

يعتبر وزير التخطيط السوري الدكتور عصام الزعيم ممثلاً للفكر الجديد الذي يطرحه الرئيس بشار الأسد، وتعد الوزارة التي يتولاها بين أهم الوزارات لأن اهتماماتها ليست محددة بجانب واحد من جوانب الحياة، بل ان مفهوم التنمية واسع وتندرج في إطاره شؤون البلاد كافة تقريباً. عن وزارة التخـطيط وما تقوم به من مشاريع في سورية والعقبات التــي تعـــترض مســيرة الإصـــلاح الاقتصادي كان الحديث الآتي:
التنمية مسألة ملحة في سورية، فما هي الأولويات التي تعملون عليها؟
- نهتم بمسألتين مترابطتين: الأولي ما نسميه تطوير واستكمال البرنامج الوطني للإصلاح والتطوير بأبعاده المختلفة، والثانية تفعيل عملية النمو الاقتصادي والتنمية ورفع معدل النمو الاقتصادي بما يضمن وظائف العمل ويرفع مستوي الدخل ويحسن التخصص الاقتصادي السوري ويجعل سورية مؤهلة لمواجهة تحديات القرن الـ21 علي الصعيدين الإقليمي والعالمي. في هذا الإطار نهتم باستكمال الإصلاح بجوانبه المالية والنقدية والضريبية والمصرفية والتجارية. طبعاً تم تحقيق تقدم كبير في هذا المضمار، ولكن لا تزال هناك جوانب من هذا البرنامج بحاجة إلي تطوير، كما أن إقرار القوانين لا يكفي لأنه لا بد من التنفيذ. مثلاً اتخذت الدولة قراراً يتضمن الصيغة القانونية الجديدة لمؤسسات القطاع العام الصناعي وهذا أمر مهم حوّل الشركات إلي شركات عامة مساهمة وشركات قابلة للضم. وفي الوقت نفسه هناك حاجة ملحة لتطوير القطاع العام والصناعي والقيام باستثمارات وإصلاحات مؤسسية في القطاع العام وبعملية تأهيل وإعادة تأهيل وضبط النظام. كل هذه الأمور تتطلب البلورة والصياغة والموافقة والتنفيذ. هذا كله في إطار الإصلاح، أي أن الأولوية للبرنامج الإصلاحي وبرنامج التنمية الإدارية لأننا نريد أولاً أن ننمي الإدارة ونطور الأداء والإنتاجية.
ماذا تقصدون بالتنمية الإدارية؟ هل تعني التخلص من البيروقراطية؟
- التنمية الإدارية تتم بإعادة هيكلة الإدارة لتصبح أكثر فعالية وأكثر استجابة لحاجات التطور. مثلاً في وزارة التخطيط كنا نهتم بالتخطيط علي أساس مركزي، وأصبحنا الآن نهتم بالتخطيط علي أساس إرشادي. كنا نهتم بالمستقبل وكان الأفق البعيد عشر سنوات وأصبحنا نهتم بأفق استراتيجي مدته 20 سنة، ونضع الآن تصوراً لسورية سنة 2020. كنا نهتم بالمدي القصير وهذا كان مركزاً علي التخطيط السنوي، أما الآن فسنهتم إلي جانب الأجل القصير بالتخطيط الطويل الأمد علي أساس التحكم بالدورة الاقتصادية وآليات السوق واعتبار أن الاقتصاد سيبدأ بالعمل أكثر فأكثر وفقاً لقانون السوق، وبالتالي فإن ذلك يتطلب إعادة التأهيل. كذلك تتطلب التنمية الإدارية إعطاء معارف وخبرات جديدة لم تكن موجودة في السابق. نحن مثلاً في وزارة التخطيط بدأنا برنامجاً طموحاً لتعليم الإنكليزية والتدريب عليها لكل العاملين، ولدينا حالياً 70 شخصاً يدرسون اللغة ويطورون معارفهم بالإنكليزية، وسنبدأ قريباً دورة لتعليم استخدام الحواسيب.
هناك وزارة مختصة بالتنمية الإدارية تطور برنامجاً علي الصعيد الوطني يهتم بالوزارات المختلفة. نحن في هذا الإطار سنلجأ إلي المعونة الفنية من الاتحاد الأوروبي لتطوير وزارات عدة خلال برنامج تدعيم القدرة المؤسسية. إلي جانب ذلك نهتم بأوضاع الناس المعرفية وبرفع القدرة الشرائية وإيجاد فرص للعمل، ولذلك نتوقع مصادقة البرلمان قريباً جداً علي مشروع قانون وطني لمكافحة البطالة سيتولي خلال السنوات الخمس المقبلة مسؤولية خلق فرص عمل لحوالي 440 ألف شخص من الشباب الذي سيدخل أو دخل سوق العمل حديثاً. كما ان هناك توجهاً استراتيجياً لمعالجة الفجوة بين الأجور.
ما هي العوائق التي تعرقل سرعة تحقيق الأهداف المرسومة، وهل هي ناتجة عن قوانين الدولة أم أنها نابعة من الوضع التعليمي الثقافي؟
- هناك إلي جانب أولويات الدولة تطوير القطاع الصناعي وتطوير قطاع التكنولوجيا الحديثة وإنشاء المدينة التكنولوجية. ونحن بصدد إقرار تحقيق دراسة جدوي أولية ودراسة تفصيلية لمشروع المدينة التكنولوجية التي ستكون عملية استقطاب للاستثمارات وللخبرات في ميدان التقنيات الجديدة وتطبيقاتها، تقنيات المعلومات والاتصالات بالدرجة الأولي ولكن أيضاً تقنيات الليزر وتقنيات الهندسة الوراثية وتطبيقاتها. كما نولي اهتماماً للقطاع الصناعي لأننا نريد تطوير الصناعة السورية بشكل يمكننا من زيادة فرص العمل وتحسين اســـتخدام المواد الأولية وتحويلها الصناعي وزيادة قدرة التصدير.
نواجه كأي دولة اخري عقبات متعددة، فأي إصلاح يتطلب وقتاً وجهداً كما يحتاج إلي خبرة كبيرة متنوعة وأموال وترتيبات مؤسســـية من أجل تنـفيذه، وهناك الكثير من القوانين بحاجة إلي تعديل وبعضها بحاجة إلي إلغاء.
البعض يري صعوبة في حصول انطلاقة فعلية للتنمية والاستثمار في سورية في ظل استمرار الوضع الأمني في المنطقة علي ما هو عليه؟
- لا شك أنه لو لم يكن هناك نزاع عربي - اسرائيلي لكانت تدفقت الاستثمارات بشكل أكبر. وفي الوقت نفسه نعتقد بأن وجود نزاع في المنطقة لا ينفي إمكان استقطاب الاستثمارات. فقطاع النفط، مثلاً، يستقطب الاستثمار الأجنبي حتي في حالات الحرب، وهناك بلدان يعمل فيها فنيو شركات النفط مصحوبين بحراس ليلاً نهاراً. الأهم من هذا برأيي أن هناك عوامل اقتصادية تشكل عائقاً أمام اجتذاب الاستثمارات. فالبنية الاقتصادية العربية تهيمن عليها المواد الأولية والأنشطة الاقتصادية تعتمد علي الطاقة أو المواد الطبيعية ولا تعتمد علي كثافة العمل، وبالتالي فإن الرساميل الأجنبية لا تجد الصناعات التحويلية لدينا، ونحن نحتاج إلي تنشيط هذه الصناعات. في سورية ننطلق من فكرة بأن ليس ضرورياً أبداً أن نربط بين عملية السلام وعملية التطوير الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات. بل علي العكس من ذلك يجب أن نفصل بينهما. إذا قام السلام فمرحباً به ونحن نطلبه ونريده عادلاً وشاملاً ومبنياً علي الإنصاف، وشاملاً يشمل أول من يشمل الشعب العربي الفلسطيني ويشمل أيضاً حقوق لبنان وسورية. ولكن في الوقت نفسه إذا لم يأت هذا السلام فإننا لن ننتظر وإنما نعمل لتفعيل الحياة الاقتصادية وإدخال الإصلاح إلي الاقتصاد وتطويره واجتذاب الاستثمارات. ونعتقد بأن رأس المال السوري المغترب ورأس المال العربي مهتمان بالاقتصاد السوري كما لمسنا في ندوات عدة نظمناها في سورية أو نظمت في بلدان أخري مثل لبنان وبريطانيا. ونهتم أيضاً باجتذاب رأس المال الأجنبي لكي نطور القدرات التكنولوجية ولكي ندخل الصناعات والخدمات المرتبطة بالاقتصاد الجديد الذي يعتمد علي التقنيات الجديدة. طبعاً في هذه الحالة نحتاج إلي الاستثمار الأجنبي وفي هذا المضمار نمضي قدماً ونعتقد بأن السنوات القليلة المقبلة ستشهد طفرة في الاستثمار. نمر الآن في عنق الزجاجة ونعمل علي الاصلاح والتطوير وتغيير الهياكل والسياسات، ونركز علي إيجاد فرص العمل وربط الاستثمار بالاقتصاد السوري، ونحن متفائلون بأننا في غضون سنوات قليلة سننطلق إلي مرحلة جديدة تتميز بالتوسع الاقتصادي ومعدلات نمو مرتفعة، وبأن رأس المال السوري المغترب والعربي سيأتي بشكل متزايد إلي الاقتصاد السوري، ونريد أن تخدم هذه الظاهرة عملية التنمية في سورية وتلبي حاجاتها التنموية. كمـــا نسعي الي ربط عملية التنمية السورية بعملية بناء كيان إقليمي عربي يساعد العرب جميعاً علي مواجهة تحديات العولمة بصورة إيجابية وفعالة وننطلق من أقرب الناس إلينا وهو لبنان، اذ نريد أن نبني علاقة وثيقة اقتصادياً تحقق المنافع للسوريين واللبنانيين وأن تكون لبنة في بناء الوحدة الاقتصادية العربية.
ما هو حجم قطاع النفط ومشتقاته والدور الذي يلعبه في إطار عملية التنمية؟
- يساهم النفط مساهمة كبيرة في الاقتصاد السوري فهو يمثل ثلاثة أرباع الصادرات ويساهم بنسبة لا تقل عن 40 في المئة من الإنتاج المحلي الإجمالي. لكن هذه الظاهرة لها وجهان: ايجابي وسلبي. فهي تساعد سورية علي الصمود وتعطيها مادة للتمويل والتنمية وتساعدها علي تسديد ديونها من دون شروط. اما سلبيتها فتنبع من ان النفط مادة خام فيما نأمل في تحقيق قيمة مضافة. نحن نريد أن نرفع من قيمة الصادرات ليس بزيادة كميات النفط وانما بزيادة حصة الصادرات المصنعة أي الصادرات التحويلية، مثل أن نصدر الأسمدة ومشتقات التكرير بدل النفط الخام.
أكثر من ذلك، نريد أن نتجاوز النفط بأن ننتج سلعاً وخدمات تكنولوجية متقدمة، ونصدر برامج وخدمات كتابة برامج، وبالتالي ترتفع الإنتاجية وقيمة هذه الصادرات وتقل قيمة النفط وهذا سيكون إيجابياً.