sflag2[1].gif (21392 bytes)

  

ttk11.gif (7214 bytes)

Sat,Sept,30, 2000damasmov.gif (30109 bytes)

http://www.thawra.com/

 

ملامح الاصلاح الاقتصادي في سورية محاوره و اتجاهاته

عمل دائم على طريق الصلاح الاجتماعي

1 من 2

 

د. عارف دليلة

 

 

في فلسفة "الاصلاح الاقتصادي "الاصلاح هو العمل في سبيل الصلاح و الخير و عكس الصلاح و الخير هو الخبث و الشر , و الاصلاح يهتدي بنظرية اصلاحية , و لكنه

كعمل مستمر يقاس و يقوم بنتائج و معايير محددة لا يمكن ان يتجمد في أطر معينة , نظرية أو تطبيقية , بل ييجب ان يخضع للمراجعة المستمرة , استبعادا لاسباب التعثر و الاخفاق , و تحقيقا لافضل النتائج الممكنة .

فما هو "الاصلاح الاقتصادي " ؟ نهتدي في الاجابة على هذا السؤال بالتعريف الهام لعلم الاقتصاد السياسي لدى مؤسسة الاول الاقتصادي الانكليزي آدم سميث , بانه "العلم الذي يهتم باثراء الدولة و المجتمع " و لذلك جاء عنوان كتابه الشهير الصادر عام 1776"بحث في طبيعة و اسباب ثروة الاممم" و مصطلح "الامة" يشتمل على الدولة و المجتمع معاً.

 

 

الا انه و بسبب من الانحراف و التحيز في التطبيق في مختلف الانظمة لصالح الدولة , و استخدام المجتمع كمفهوم كلي , و ذلك على حساب الانسان الفرد , و الذي لم يضعه النظام الرأسمالي في اعتباره الا بمقدار ما يحتاجه كقوة عمل من الناحية المادية ,كما لم تضعه

الاشتراكيات الواقعية باعتبارها كقيمة معنوية بينما لم تضعه الانظمة المختلفة باعتيارها لا كقيمة مادية و لا كقيمة معنوية لذلك نزيد تعريف آدمم سميث وضوحاً فنقول ان " اثراء الدولة و المجتمع و الانسان " هو الهدف الرئيس لعلمم الاقتصاد السياسي ,وفق مفهومنا لهذا العلم , وفي الوقت نفسه للاصلاح الاقتصادي , حسب مفهومنا له .

بموجب هذا التحديد لمفهوم الاصلاح الاقتصادي , لا يمكن اعتبار اثراء الدولة لوحدها , واظهار عظمتها و تفوقها , مثلا بالآثار المادية الظاهرة , كالابنية و القصور الحكومية , و الاسلحة الجبارة و الاحتياطيات الضخمة من الاموال من معادن ثمينة او ارصدة اجنبية , و غيرها مع بقاء اغلبية الشعب الساحقة في حالة من البؤس , كما في الدول حديثة الثراء او مع بقاء عشرات الملايين من السكانحت خطر الفقر و مشردين لا مأوى لهم تسود في اوساطهم الامية و الجريمة و المخدرات و الانحراف كما في اغنى دولة في العالم لا يمكن اعتبار مثل هذا الاثراء للدولة او لطبقة مهيمنة على حساب المجتمع و الانسان صلاحا اقتصاديا , و قد يكون صلاحا نسبيا اذا ما حمل معه تحسنا نسبيا في احوال المجتمع يرتفع معه عدد الذين تتحسن احوالهم المادية و المعنوية و ينقص عدد الذين ما زالت احوالهم على حالها من السوء .

و بموجب هذا التعريف ايضا لما يمكن اعتباره اصلاحا اقتصاديا فلا يدخل فيه تزايد نسبة الاثرياء في المجتمع من5% مثلا الى 10% اذا كان ذلك قد تحقق على حساب ازالة الطبقة المتوسطة الميسور الحال و باليالي ارتفاع نسبة الفقراء و البائسين من 25% الى 50% من السكان

فاذا ما تحققت مثل هذه الظواهر بنتيجة التغيير الاقتصادي فلا يمكن وصف هذا التغيير بالاصلاح حتى ولو رافقه نمو سنوي في الدخل القومي و بمعدل غير مسبوق في العالم , و تراكم هائل في احتياطات الدولة من القطع الاجنبي . فقد شاهدنا دول " النمور الاسيوية منذ سنوات و قد كرست مئات مليارات الدولارات من فائض نتاج عمل مواطنيها الذين , رغم هذه المليارات , بل من أجل تكديسها في الخارج , استمرت حياتهم عند ادنى مستويات المعيشة , و فجأة , و في غمضة عين , تبخرت الاحتياطات , و حلت محلها ديون خارجية و باحجام قريبة من احجام الاحتياطات السابقة لتعود هذه الشعوب الى العمل العبودي هي و ابناؤها القادمون لسداد اعباء هذه الديون . و لهذا نرى ابناء هذه الدول في تظاهرات شاملة بصورة شبه يومية , كما في كوريا الجنوبية رغم ان منتجاتها تغزوا جميع اسواق العالم

كل ذلك يؤكد على ان أي تغيير اقتصادي لكي يعتبر اصلاحا يجب ان يحقق " اثراء للدولة و المجتمع و الانسان " في الوقت نفسه معاو و بشكل متزامن و مضطرد . و في الحالة المعاكسة و فان التغيير الاقتصادي يكون تنفيذا خبيثا لمخطط خبيث و خدمة شريرة لمصالح معادية للوطن و المواطن , وما جرى في روسيا و دول الاتحاد السوفييتي السابقة مما سمي كذبا و بهتانا بالاصلاح الاقتصادي ليس الا برهانا دامغا على ذلك . فقد دمرت الطاقات الانتاجية الجبارة التي كان يعيش على انتاجها و سرقت الثروات التي كدسها الشعب خلال عقود طويلة من قبل العصابات المنظمة و الشركات العالمية , و حرم عامة المواطنين حتى من ضروريات الحياة التي تأمنت لهم في ظل النظام السابق ليترك سواد الامة الى مصير واحد هو التشرد و التصفية الجسدية بالجريمة و الامراض و الموت جوعا , ليقال عن ذلك انه  التحديث و العصرنة و الاصلاح . و هناك طرق اخرى الى ذلك كله معروفة ايضا و مجربة على الارض و ناجحة , و بدون هذه الآثار المدمرة , الا انها مستبدة من قبل اعداء الشعوب , و اعداء الانسانية , الذين لا يرون الا شكلا واحدا للنظام الاقتصادي هو الشكل الذي يمنح الاقلية الطغمة الحقوق المطلقة في تكديس و استهلاك ثروات الامة بالطريقة التي تراها و الشكل و المكان الذي يناسبها و يحرم اغلبية البشر الساحقة من جميع الحقوق , حتى حقها في الحياة و التمتع بثمرات عملها .

و هذا هو التفسير للاصرار على معاقبة تلك الشعوب , او الاجيال التي "شطحت"باحلامها نحو مجتمع

انسان عادل بديل عن المجتمعات الطبقية , و بالاخص عن النظام الرأسمالي , تحقق فيه كرامة الانسان و المساواة و العدالة بين البشر , و كذلك الاصرار على معاقبة الشعوب التي لم تبرهن على امتلاكها القدرة على " الارتقاء الى النموذج الرأسمالي , الامريكي تحديدا . فلقد نفذ صبر الاسياد , و ليتهم قدموا للبشرية خبرات جديدة في الارتقاء الانساني تترك الابواب مفتوحة امام جميع البشر , ولو بشكل متدرج  للارتقاء . لكنهم بمنظماتهم و شركاتهم الدولية و شروطهم الجديدة التي يفرضونها على البشرية يشددون اقفال الابواب من خلف الطغمة المتناقصة عددا , و التي اصبحت طبقة عالمية , متحررة من لبوس الانسانية بل و من لبوس القومية و الوطنية و المحلية كلها.

الاصلاح الاقتصادي المنشود , اذن يمكن ان يكون مرنا من حيث الشكل و الوسائل و الادوات بدون حدود الا انه لا بد ان يكون  صارما جدا من حيث المعايير و الغايات و النتائج التي يقاس و يقوم بها و صوب على اساسها و التي تتحدد ب " اثراء الدولة و المجتمع و المواطن , معا و في الوقت نفسه و بصورة مضطردة " مع التأكيد على التلازم بين الثراء المادي و الثراء المعنوي و الروحي ايضا , بحيث لا يأتي الاول على حساب الآخر .

فالاصلاح الاقتصادي لا يتحدد بالشكل بل بالمضمون ‍‍ !

اقتصادنا السوري الراهن و موجبات الاصلاح الاقتصادي

يرجع الاختلاف في الآراء حول امكانيات و مشكلات و آفاق نظامنا الاقتصادي السوري الى الخمسينات من القرن العشرين . هناك من يقول بان الرأسمالية الصاعدة آنذاك كانت تسير بالبلاد على طريق التقدم الاقتصادي فجاءت الاجراءات "الاشتراكية " في آخر اعوام الوحدة مع مصر 1961 من اصلاح زراعي و تأميم , ثم بعد الثامن من آذار عام 1963 لتقطع عليها الطريق , و لتحل محلها ادارة مركزية مخططة للاقتصاد و قطاعا عاما يعمل بالطرق الادارية غير الناجحة اقتصاديا . بينما الرأي المقابل يقول ان بوادر الرأسمالية التي نشأت في الخمسينات رغم نجاحاتها كأمثلة فردية , الا انها وصلت الى طريق مسدود كنظام , ولم تكن قادرة على النهوض بمهمات التنمية الاقتصادية الاجتماعية الشاملة , الامر الذي القى على كتف الدولة و هي المؤسسة الاكثر تنظيما هذه المسؤولية الجماعية .

و اننا نرى في كل من الموقفين جانبا من الحقيقة و جانبا من الخطأ . كما ان الحسم بين الموقفين لم يكن بيد العامل الاقتصادي و انما بيد العامل السياسي المتمثل باشتداد حدة الصراع آنذاك بين حركة التحرر القومي العربي الصاعدة و مخططات الامبريالية و الصهيونية الاقليمية.

الا اننا اليوم و بغض النظر عن نوع العلاقة بين الاقتصادي و السياسي في العقود الماضية , نواجه واقعا اشكاليا معقدا تطفوا على سطحه المشكلات الاقتصادية و كأنها ظاهريا مستقلة عن المشكلات السياسية و قابلة للحل بشكل مستقل ايضا. فالى أي  مدى يتطابق هذا الظاهر مع الحقيقة و الجوهر ؟

لا بد اولا من التحديد طبيعة نظامنا الاقتصادي الراهن.

1-تطور البنية الاقتصادية : التقدم الاقتصادي يعني تحول البنية الاقتصادية من بنية تسودها الانشطة و القطاعات ذات الانتاجية العالية . و بهذا التحول يصبح التقدم الاجتماعي صنوا للتقدم الاقتصادي , اذ تنتقل نسبة متزايدة من السكان  من انماط العمل و الحياة الراكدة الى انماط جديدة ديناميكية متطورة باستمرار . فهل تحقق ذلك والى أي مدى في اقتصادنا و مجتمعنا السوري ؟

 

يمكن  القول ان التطورا كميا هاما قد تحقق في مختلف القطاعات بصورة شبه متوازية , بين الزراعة و الصناعة التحويلية و التجارة و الخدمات و لكن بدون انجازات نوعية مميزة في أي قطاع من القطاعات و بالاحرى على مستوى الاقتصاد الوطني , فما يسجل من انجاز زراعي في مطلع التسعينات كانت كلفته المالية(عندما رفعت اسعار شراء بعض المحاصيل الاساسية الى ضعف السعر العالمي ) و كلفته البيئية ( استنزاف المياه الجوفية و تخريب البادية )اعلى بكثير من عائديته الى درجة انه لا يمكن مبادلتهما ببعض , اما في الصناعة التحويلية و قطاع التشييد فقد جرى توسع ملموس ما بين منتصف السبعينات و منتصف الثمانينات , كذلك بما يتناقض تناقضا صارخا مع أي عقلانية او جدوى اقتصادية و ذلك استقطابا للمعونات العربية و تهافتا بيروقراطيا لاقتناص نسب كبيرة منها مقابل ترك مشروعات فاسدة و مكلفة وخطوط انتاج غير اقتصادية عبئا على الاقتصاد و العاملين عليها و قد زاد الطين بلة تسليط قليلي الخبرة و الكفاءة على اداراتها او ترويض المخلصين و ذوي الكفاءة النسبية من بينهم على تسخير كل جهودهم لشفط فائض انتاجها لصالح مراكز القوة البيروقراطية و شركائها من القطاع الخاص المستحدث خصيصا لهذه المهمة بسحب جميع سيولات القطاع العام لمنعه من التحديث بعد ان كانت قرارات ادارة التجارة الحارجية و ازمة الكهرباء المفتعلة على مدى الثمانينات قد حرمته من المواد الاولية ومن الطاقة حتى اودت به كل هذه الادارات و الاجراءات الى الحضيض , وليس آخر هذه الاجراءات تحرير القطاع العام من الالتزام بالتعامل مع القطاع العام و احلال بدائل مستوردة او من القطاع الخاص اقل كفاءة محل منتجات القطاع العام , لما للتعامل الحر هذا من" ميزات" لبعض اصحاب النفوذ و القرار هنا و هناك .

اما في مجالات اخرى كالتشييد و الخدمات فقد ادى تخفيض الانفاق الحكومي المستمر منذ اواسط الثمانينات الى التراجع المستمر في الطاقات الانتاجية و الابطاء المتزايد في الانجاز و اهتراء الجهاز الانتاجي التكنولوجي من الات و خبرات بشرية دون ان يثير هذا الاهتراء المنتظم حفيظة المسؤولين عنه و كيف يثيرها و هم يفعلون ذلك بشكل هادف و مخطط؟

المجال الوحيد الذي شهد "تراكما " في قطاع الخدمات هو قطاع النقل , ولكن الحل المتبع لازمة هذا القطاع كان اكثر تخريبا من الازمة نفسها , فقد امتلأت المدن بميكرويات و بيك آبات و كرافنات جعلت سورية بلدا فريدا من نوعه في العالم في وسائل النقل داخل المدن , اما بين المدن فقد اصبحت الباصات المهترئة الى جانب الحديثة و المستوردة معا معفاة من الجمارك و الضرائب دون ان يلزم هذا الاعفاء احدا بالسعر و شروط الخدمة التي تحترم المواطن اصبحت تتنافس على حمل خمسة ركاب احيانا ما بين محافظة و اخرى ما دامت كلفة تشغيلها ضئيلة الى هذا الحد, و بالطبع فلا يوجد بلد آخر يعاني من هكذا هدر في الموارد في غير الموضع المناسب القطاع الانتاجي الوحيد الذي شهد قفزة نوعية اواخر الثمانينات هو استخراج النفط على ايدي الشركات الاجنبية و بعقود و اساليب محاسبية مخالفة للاصول تجعل حصتها من النفط المستخرج تقارب نصف و دون ان يقارب ذلك من قبل هذه الشركات استثمارات جادة لتحقيق اكتشافات جديدة و في هذا القطاع عانت مؤسسة النفط الوطنية اهمالا مفتعلا في تجديد تقنياتها و الحفاظ على الخبرات الوطنية العالية التي كانت قد تشكلت لديها مما قوض الامكانيات الوطنية على التوسع و المواكبة فب هذا القطاع الهام لتزداد  التبعية للامتيزات الاجنبية مستقبلا .

2- حول السياسات الاقتصادية : و في مجال ادارة التجارة الخارجية فقد اطلقنا على السياسة المتبعة منذ الثمانينات و حتى اليوم " سياسة دعم الواردات و المستوردين , بما فيهم المستوردين غير الشرعيين اي المهربين مع معاقبة المصدرين و اعاقة الصادرات"فلو جردنا جميع قرارات و اجراءات سياسة التجارة الخارجية و القطع الاجنبي فلن نكتشف اي معنى لها غير هذا المعنى و الهدف و لان " المكسب"في الاستيراد فقط للخواص او للبيروقراطيين فان الاستيراد اخضع للقرارات الادارية اليومية المباشرة التي تصدر بخصوخ كل السلع منفردة او كل مستورد منفرد و لتبقى السياسة الاقتصادية العامة غائبة في هذا المجال الهم باستثناء الابقاء على الدولار الجمركي اقل سعرا بعدة امثال من سعر الصرف الفعلي (بينما جرى توحيده مع سعر السوق خلال عام واحد من مطلع التسعينيات في اللبنان) و ليذهب ما يضيع على الدولة من الدمارك و هو اربعة اخماسها الى جيوب الخواص و على مدى عشرين عاما (x)

و مما يزيد من هذا الضياع التمسك بمبدأ "كل شيء ممنوع استيراده الا بقرار و بنوع معين من المستندات الكاذبة " تسهيلات ائتمانية " او من القطاع الكاذب "قطاع التصدير"!!"ليبقى الطابع الاحتكاري و السعر الاحتكاري لمحتكر محدد هو السائد في السوق و هو العائق الاكبر لسيادة الاوضاع الطبيعية التنافسية في الاقتصاد الوطني , هذا رغم ادعاء القائمين على السياسة الاقتصادية بانهم يقومون بتحير الاقتصاد و النتقال به الى اقتصاد السوق و لم ينجح اهم ميدانين للسياسة الاقتصادية من التشويه المفتعل و المقصود  هما السياسة المالية و السياسة النقدية فعلى امتداد السنوات الخمس عشر الماضية تكافلت السياستان المالية و النقدية في طرد الاموال من المصارف و من داخل الاقتصاد السوري الى السوق السوداء و الى الخارج و تخفيف السيولة المالية من جيوب المؤسسات العامة و جيوب المواطنين الذين يعيشون على دخل العمل و اعمال البيروقراطيون عبقريتهم في اشتمام رائحة اي نقود في جيوب هذين القطاعين للانقضاض عليها, مثل تصليط جامعي الاموال عليهم و الرفع غير المبرر للاسعار و كل ذلك مقابل الكرم الحاتمي في اصدار القوانين و اجراء التنازلات التي لا مثيل لها و بمختلف الطرق عن المال العام و اعفاء أكثر الأنشطة طفيلية من وجهة نظر التنمية و الحياة العامة من اية التزامات جمركية او ضريبية او حتى بيئية .

و اما القطاع المصرفي الجهاز العصبي لاي اقتصاد فقد عملوا غلى جعله مشلولا لا يشبه المصارف بشيء و حولوه الى مجرد ادارات عامة لتنفيذ اوامر التنفذين في كيفية توزيع ما يتحكم به من اموال عامة وودائع الجمهور بعيدا عن الاصول المتعارف عليها و الاساليب السائدة في العمل المصرفي و الاقتصادي و هنالك اسرار على ابقاء هذا القطاع بعيدا عن اي جرد او التقويم حتى لا تنكشف الحقائق و نتائج الادارة الاوامرية التي مورست عليه و هي نتائج بالغة الخطورة بالتاكيد , ليس اقلها عشرات مليارات الليرات السورية من الديون المعدومة فب الداخل و الاموال الضائعة في الخارج و كذلك الانكفاء عن التسليف للانشطة الانتاجية و الاكتفاء بدعم الموازنات الخاصة غير الانتاجية بدون اي ضمانات حقيقية

و كل ذلك من اجل احداث الفراغ يؤكد ضرورة استبدال المصارف الحكومية بمصارف اجنبية!ان انتيجة النطقية و الحتمية لمثل هذه الادارة الاقتصادية على جميع المستويات هي ما نراه اليوم على الارض من توقف للتقدم الاقتصادي –الاجتماعي(تحديث البنية الاقتصادية –الاجتماعية )منذ عشرين عاما , و بالتالي استمرار هبوط و ليس ارتفاع انتاجية العمل و رأس المال و هو المؤشر الاهم على التقدم الاقتصادي و الهبوط المستمر في الدخل الفردي و الاجور الحقيقية التي حملتها السياسة المالية المسؤولية الكاملة عن تغطية تكاليف جميع القوانين و الاجراءات اللا اقتصادية الموصوفة اعلاه , و التي كانت نتيجتها المستهدفة اعادة توزيع الدخل القومي من جيوب

80% من السكان الى جيوب 2-5% من السكان الذي لا يحكمه قانون

و كان من نتائج ذلك ايضا ارتفاع البطالة على نسب عالية في صفوف الشباب و المتعلمين منهم بالاخص و تزاحمهم على الهجرة , بعد تيئيسهم من ايجاد عمل يقيهم من شر السؤال و الجوع, ناهيك عن عمل يؤمن لهم الحياة الكريمة . فالاسباب نفسها التي اوقفت الاستثمار الحكومي هي التي تعيق الاستثمار الخاص رغم كل القوانين التشجيعية , مما ادى الى توقف الطلب على العما منذ سنوات عديدة و تسارع تسريح العاملين , و ذلك بعد تخفيض اجور و تعويضات من تبقى منهم الى اكثر من نصف رقمها النقدي في القطاعين العام و الخاص على السواء, و تخفيضها بالقيمة الحقيقية الى حوالي ربع مستواها في مطلع الثمانينات !!

بالطبع لا بد ان ينسحب ذلك كله على البيئة الاجتماعية و الصحة العامة الفيزيولوجية و النفسية . فسورية التي كانت تتميز بالاقبال الواسع على التعليم اصبحت اجيالها الجديدة في يأس من العلم و التعلم و علماؤها الذين تكونوا في مراحل سابقة اصبحوا يبحثون اليوم عن لقمة العيش ,و تزايدات نسبة تسرب التلاميذ و الطلبة من المؤسسات التعليمية الى اسواق البطالة و الهجرة ناهيك عن ركود و تخلف محتويات التعليم نفسه على جميع مستوياته و تردي نوعية مخرجاته بسبب تناقص الانفاق على التعليم بالقيمة الحقيقية و بالاخص تناقص نصيب المتعلم الواحد من هذا الانفاق و بسبب تسلط اعداء التقدم العلمي على ادارة المؤسسات التعليمية في مراحل سابقة ..

اما البحث العلمي فقد كان و مازال خارج دائرة الاهتمام العملي غير الخطابي , اما احوال الاسرة الخلية الاولى للمجتمع فهي بتردد متزايد يصل احيانا الى انفكاك الالتزام المادي و المعنوي بين افرادها فما دامت وزارة المالية تصر على انها لا تملك الاموال لزيادة التعويض العائلي الشهري عن ثمن صندويش فلافل واحد في الوقت الذي تغض الطرف فيه عن انفاق خارج و خلاف القانون على السيارات الحكومبة مثلا يكفي لوحده لمضاعفة الرواتب 100% في الموازنة الحكومية , و ما دامت الاجور تتقلص باستمرار من أجل ان تتكدس فوائض الميزانية الحكومية في حساب الدولة لدى المصرف المركزي حتى تبلغ 304 مليارات ليرة سورية (حزيران 1999)و ذلك فقط لمنع التدفقات النقدية و قسم كبير منها عبر طرق و قنوات غير سليمة التي تغذي أسواق التداول من ان تؤكدي الى انخفاض سعر صرف الليرة بعد ان خفضته بصورة مصطنعة في اواخر الثمانينيات 4ل.س الى خمسين ليرة سورية للدولار بكل ما حمله ذلك من آثار اقتصادية و اجتماعية سلبية , اذا ما دامت مثل هذه السياسات هي السائدة حتى الآن فإن اوضاع الاسرة و الحياة الانسانية سائرة في اتجاه انحداري (و من مؤشرات ذلك ارتفاع سن الزواج الى 30 سنة ) فماذا يبقى من المجتمع بعد ذلك!!

هذا السؤال موجه الى من لا يزال يحترم اهمية مثل هذا السؤال , و يربط الاجابة عنه بالتحديات الهائلة المحيطة بسورية دولة و شعبا مسؤولية الامكانيات المادية ؟!

لا يملك البيروقراطيون اصحاب اقرار الاقتصادي و المالي عندما يواجهون بالحقائق الدامغة اعلاه الا ان يوجيبوا بكلمة واحدة : لا توجد امكانيات مالية ... من اين نأتي بالموارد ؟! ...حتى ان الزيادة الاخيرة للرواتب و الاجور النافذة اعتبارا من 1/9/2000

و التي تكلف 20مليار ل.س ( بعد اقتطاع الضرائب عليها ربما تنزل الى 15 مليار ليرة سورية فقط !) و رغم انكار الوزراء الاقتصاديين لأي زيادة اسعار لتغطيتها فقد اصدروا كالعادة زيلدات سعرية تمثلت في رفع سعر علبة التبغ الى 5ل.س و الذي سينتج عنه زيادة دخل المهربين 10 مليارات ليرة سوري مقابل 2 مليار ل.س للخزينة ) و رفع سعر السكر و الرز و المواد المدعومة الاخرى ( الغاء الدعم ) بما يحقق للميزانية و فورات ليس بما يغطي الزيادة فقط ( علما بان ما تتحمله الميزانية الحكومية هو نصف الزيادة فقط و الباقي تتحمله ميزانيات القطاع الاقتصادي و الادارة المحلية و الاوقاف) بل كالعادة , بما يجعل الزيادة سبب لتحقيق فوائض اضافية للميزانية و على حساب المستفيدين االمزعومين من زيادات الرواتب و الاجور . فآخر زيادة كانت عام 1994 و قد استعيدت فورا برفع اسعار المحروقات و تقليص الدعم و ليستمر اصحاب الرواتب و الاجور سبع سنوات بعدها يدفعون ثمن التضخم دون اي تعويض و لتستمر الموازنة تكدس الفوائض الناجمة عن زيادة الضرائب على ذوي الدخل المحدود تحديدا و زيادة المسحوبات من القطاع العام و تخفيض الانفاق الانتاجي و الانفاق على البنية التحتية و الانفاق الاجتماعي على الصحة و التعليم و غير ذلك . فأية اهداف لا تستطيع عامة الشعب بمن فبهم الاقتصاديون و المثقفون اداركها من وراء هكذا سياسات اقتصادية تنفذ باصرار و تصميم و يحرم نقاشها أو التداول حولها في وسائل الاعلام ؟

اننا نؤكد باستمرار عاى ان الامكانيات المادية لا تتحمل اي مسؤولية عن تردي الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و انتكاس عملية التنمية الشاملة و انما تتحمل المسؤولية الكاملة السياسات الاقتصادية و الممارسات الجارية للمسؤولين الاقتصاديين على جميع المستوياتهم اولا و اخبرا و التي تؤدي الى اعادة توزيع الامكانيات المتوفرة في الاتجاهات الخاطئة و الفاسدة و تضييع الموارد التي يفترض ان تكون حكمية و ذلك عن طريق غض النظر عن التهريب و التهرب الجمركي و الضريبي و سياسة اسعار الصرف و الفساد الجمركي و الضريبي و التفسخ الاداري على جميع المستويات حتى اصبحت الادارة غالبا لا تؤدي الا وظائف خاصة لتحقيق مصالح اشخاصها الطبيعيين و على حساب مصالح الدولة و المجتمع و المواطن و على طول الخط .

نؤكد باستمرار ان ايرادات الميزانية السورية الحالية , للاسباب اعلاه لا تزيد عن نصف و ربما ثلث ما يجب ان تكون عليه و ان الباقي متنازل عنه و موزع على الجيوب الخاصة جهارا نهارا و بخلاف القانون , وا ن نسبة كبيرة من الانفاق الحكومي الذي يجري "اصولا" انما يهدربخلاف جميع الاصول , من المناقصات الى السيارات و غيرها!و نؤكد باستمرار على ان حق المواطن مهدور و مضيع و يتعرض للابتزاز في كل خطوة يخطوها في حياته العامة و الخاصة مما ادى الى ارتفاع تكاليف الانتاج و المعيشة بنسبة كبيرة و لا يمكن و قف التدهور الا بتأكيد حق المواطن في الثورة العامة و ازالة كل الاسباب التي تؤدي الى انتقاصه , و ذلك لا يكون الا بتأكيد سيادة القانون و بقيام مرجعية سامية تحظى بثقة الشعب المطلقة بالتأكيد عمليا بأن الحقوق مصانة و على رأسها الحق في الحيلولة دون تناقص القيمة الحقيقية الكاملة لاجر العمل و التي تؤمن كل متطلبات الحياة العصرية الكريمة, و الحق بالعمل اصلا , كما يؤكده الدستور باعتباره واجبا اساسيا من واجبات الدولة تجاه المواطن و يتمثل اهم المكانيات المهدورة في تناقص انتاجية القطاع العام التي تكافلت الاسباب ة العوامل الموضوعية و الذاتية في ايصالها الى معدلات منخفضة جدا و سلبية في معظم الاحيان.

ان الجهاز الانتاجي الضخم الرأسمالي و البشري الموظف في القطاع العام يجب ان يحقق قيما مضافة كبيرة تضاف الى الدخل القومي و تحسين الرفاه الاجتماعي بدءاً من مستوى معيشة العاملين لديه. و من خلال جميع دراساتنا السابقة تبين لدينا بان اوضاع القطاع العام المؤسسية انما نتجت عن فعل فاعلين طبيعيين و قراراتهم لاهداف مبيتة , و قد اوضحنا ذلك بشكل لا لبس فيه فيه عشرات المرات.

و ما دام الاملر كذلم فلا بد من فتح ملف اصلاح القطاع العام , و ذلك أولا باستئصال تلك الاسباب و العوامل المصطنعة , و ثانياً بتحديث اشكال الملكية و الادارة و نظم و فنون العمل و الانتاج و التسويق و التمويل و غيرها . و لكننا نقول : سيبقى اي تغيير ايجابي ملموس مستحيلا ان يأتي على ايدي من وصل القطاع العام و الاقتصاد الى الحالة الراهنة . و هذا ليس موقفا متطرفاً , بل بديهة بالغة البساطة لا تقبل الالتفاف و الدوران . خلاصة القول لدينا احتياطات كامنة من الطاقات و الاموال و القوى البشرية اضافة الى الثروات الطبيعية  التي يمكن باحلال المنطق البسيط أولا و العقلانية العلمية تاليا محل الامنطق و الا عقلانية السائدين حاليا, ان نحقق فورة عظيمة في الامكانيات المتاحة تكفي لتحقيق انطلاقة جديدة للتنمية و التقدم الاقتصادي و الاجتماعي ..., و التي ما لم تتحقق و بدون تأجيل او ابطاء فان وجودنا و بقائنا في عالم القرن الواحد و العشرين سيكون مهددا تهديدا جدياً و حقيقياً .

د. عارف دليلة

(x) لمعرفة ما يذهب من حقوق الدولة للجيوب الخاصة نضرب مثلين فقط : تحصل الخزينة اللبنانية ايرادات من التبغ سنوياً 421مليون دولار , مقابل عشرين مليوناً للخزينة السورية , و تحصل 1400-1500 مليون دولار ايرادات جمركية سنوياً مقابل 200-300 مليون للخزينة السورية , اي ان الضائع مقارنةً بالبنان فقط هو 70مليار ليرة سورية .