sflag2[1].gif (21392 bytes)

  

ttk11.gif (7214 bytes)

Sun,Oct,1,2000damasmov.gif (30109 bytes)

http://www.thawra.com/

 

ملامح الإصلاح الاقتصادي في سورية محاوره و اتجاهاته

 

 

الإصلاح الممكن و المتابعة المطلوبة

2 من 2

 

د. عارف دليلة

 

 

قلت في البداية أن الإصلاح المطلوب يمكن أن يتحدد بالشكل و الوسائل و الأدوات و لكنه لا يقوم بها و إنما بالمضمون و النتائج و من هنا فان من أهم خصائص الإصلاح المرونة و لكن مع المتابعة و الاستنفار الدائم لتصويب أولا بأول تبعا للنتائج و الأهداف , و فيما يلي سنحاول تلمس بعض اتجاهات الإصلاح الممكنة

 

 

1- بخصوص القطاع الخاص : يجب قلب اتجاهات التشجيع و الدعم المتبعة حتى الآن و التي أهملت , بل عاقبت القطاع الخاص المنتج بتحميله  كافة غرامات العطالة و البيروقراطية و الركود و الفساد و انعدام   التخطيط الهادف , و تحيزت للناشطين الخواص في أعمال المضاربة و اقتناص الاستثناءات و الامتيازات و القروض المصرفية الرخيصة و تمرير العقود و الصفقات على حساب الصالح العام و التفرغ كلياً لخدمة الخارج على حساب الاقتصاد و المجتمع الوطني , ودعمت الاستيراد النظامي و غير النظامي على حساب التصدير و تحيزت للتصدير الكاذب على حساب التصدير الحقيقي , هذا التحيز الذي كان الجسر الرسمي لانتقال نسبة هامة من الدخل الوطني إلى جيوب أثرياء قطع التصدير الكاذب المهربين و تجار السوق السوداء في جوهر الأمر

يجب تطبيق المعايير الاقتصادية الصحيحة في وضع سياسة تمايزية تجاه مختلف أنشطة القطاع الخاص ,

هذه المعايير التي تجدها , مثلاً في الشروط المطلوب توافرها حسب القانون 10 لتشجيع الاستثمار لعام 1991 و ذلك لترخيص المشروعات التي تستفيد من إعفاءات هذا القانون هذه الشروط التي كانت تنفذ عكسياً على الغالب منذ صدور القانون ,وهي أن تقوم المشروعات باستثمار الموارد الطبيعية المحلية و تخلق فرص عمل جديدة

و تزيد القيمة المضاعفة و الدخل القومي و تزيد الصادرات و تدخل القطع الأجنبي إلى البلاد و تنشر التكنولوجيا المتقدمة.........إلخ . فهل يعتبر نوعاً من التعجيز الالتزام بهذه الشروط عند الترخيص للمشروعات و عند تحديد الأنشطة الواجب دعمها في القطاع الخاص و النشطة الواجب الامتناع عن دعمها؟فلماذا إذن اتبعت و نفذت بإصرار سياسة معاكسة لأهداف القانون ؟ أليست  الإدارة الحكومية إذن هي السبب في كسر موجة الاستثمار الخاص النتاج الإنمائي ؟

تكمن المشكلة في أن البعض لا يريد أن يعترف حتى الآن بان الانحرافات الاقتصادية تترك أثراً سلبية على المدى الطويل و أن كلفة تصحيحها تكون عالية جداً الأمر الذي يتطلب اليقظة و التنبه المسبق لمنع وقوعها , أو المسارعة الفورية إلى ردعها أو علاجها قبل أن تستفحل و تصبح واقعا صلبا على الأرض , فكيف يمكن  الارتقاء إلى مثل هذا المستوى من الإدارة الاقتصادية الواعية الحساسة المخلصة ؟ اعتقد انه لو أمكن ذلك لما وجدنا أنفسنا في حاجة يومية متزايدة إلى طرح السؤال عن كيفية الإصلاح الاقتصادي, و بدون أي صدى أو جواب ملموس ! فمهمة الإصلاح هي العمل اليومي للإدارة الاقتصادية على مختلف مستوياتها العليا و الوسطى و الدنيا , بينما يكون وضع الأهداف الاستراتيجية من عمل للقيادات السياسية العليا , إن الشرط الأول في هكذا إدارة اقتصادية هو أن لا يدعي أربابها انهم "مجرد أدوات" وهو ادعاء مخالف للواقع كما يعرف القاصي والداني إذ انهم مصممو السياسات الاقتصادية وأصحاب القرار في إنجاز تغيير اقتصادي – اجتماعي شامل و منفذون بإصرار لهذه السياسات في خدمة إنجاز هذا التغيير , فلماذا التهرب من المسؤولية ما تطرح قضية الآثار الاقتصادية – الاجتماعية الفاسدة لهذا التحويل المنظم و المنتظم ؟

و للتذكير فقط فقد دأبت شخصياً و في جميع المناسبات على البرهان على وقوع انحراف خطير في تنفيذ القانون 10 بما يتناقض مع نصه الحرفي الذي لا يسمح باستيراد سيارات سياحية بدون جمارك و دون أن يهتم أحد بهذه المخالفة التي ضيعت عشرات مليارات الليرات السورية , إن إنعاش إعادة توجيه  القطاع الخاص بحاجة إلى خطة تحدد أولويات القطاعات و الأنشطة التي تحتاج إلى التشجيع و الدعم و تحديد أشكال التسهيلات و الحوافز الممكن تقديمها لتحقيق نقلة نوعية في بنية القطاع الخاص لصالح المنتجين و الطليعيين من بينهم بشكل خاص .

2- بخصوص القطاع العام : إننا مازلنا ندعو و نؤكد منذ سنوات عديدة أن إصلاح القطاع العام و إخراجه من أزماته و عيوب إدارته لا يكون بإبدال أشخاص بأشخاص بل ببث الروح و الحياة في جسد متهالك , و الجسد المقصود بث الحياة فيه هو أولا مجموع العاملين في القطاع العام و ليس فقط إداراته العليا و ثانياً القاعدة التكنولوجية و تشكيله المنتجات  و ثالثاً النظم القانونية و الإدارية و رابعاً وهو تحصيل حاصل الإصلاحات السابقة لها وهو المحاسبة على نتائج الأعمال مقاسة بمعايير واضحة كالتسويق  و التصدير و تخفيض التكاليف (بتحسين الإنتاجية و ليس بتخفيض الأجور بل بزيادتها ) و تحقيق الأرباح

و ما زلنا نؤكد منذ طرحنا مشروع النقاط الخمس لإصلاح القطاع العام في محاضرتنا في ندوة الثلاثاء لعام 1991 حول "القطاع العام و دوره في التنمية"ضرورة خلق مالك حقيقي ملموس للقطاع العام ,فالدولة كشخصية الاعتبارية فاقدة الإحساس الذي وحده يؤكد على الحياة ,لقد أدركت الصين و فيتنام في السنوات الأخيرة هذه الحقيقة فأجرت إصلاحات شبيهة بما طالبت به في مشروعي المذكور وهو إشراك العاملين في ملكية المنشآت إلى جانب الدولة و بالتالي تحويلهم إلى جمعية عمومية للمساهمين يشاركون في انتخاب و محاسبة مجالس إدارة مؤسساتهم ووضع خططها و متابعة تنفيذها و اتخاذ القرارات في تخصيص الموارد الموضوعة تحت تصرفها بما يضمن تحقيق الاستثمار الأمثل لها و الذي ترتبط بنتائجه مصالح العاملين جميعاً , إن من أهم أسباب نجاح الرأسمالية اليابانية المميزة كانت إدماج مصالح العاملين مع مصالح المشروع الرأسمالي و أصحابه و قد أدركت أهمية ذلك الكثير من الشركات الغربية و أشركت العاملين بالأرباح و بالملكية من خلال توزيع الأسهم عليهم , فمتى نمسك نحن طرف الخيط المجرب في كل أنحاء العالم ؟

أما الإجابة على هذا السؤال بان هذه التجارب فشلت أكثر من مكان فيجافي الحقيقة , أن فشل بعض هذه التجارب

يرجى إلى فساد الأنظمة التي طبقتها و ليس إلى التجارب بحد ذاتها .

إن احدا لا يستطيع اليوم أو في أي يوم أن يقدم روشتة نهائية حول الإصلاحات المطلوبة في القطاع العام لأنها قد تختلف حتى بين مؤسسة و أخرى ومن ظرف لآخر لأن العاملين المتعاملين يومياً مع عملية الإنتاج  و التسويق عندما يصبحون ذوي المصلحة الحقيقية في نتائج العمل هم الأقدر من أي  بيروقراطي أو عالم اقتصاد أو إدارة من الخارج على تقدير ما هو انسب لهم لتحقيق افضل النتائج بل وهم الأقدر على تقدير مدى حاجاتهم للاستعانة بخبرات من خارج العمل في الاقتصاد و الإدارة و فنيين تكنولوجيين و غيرهم . لقد استطاع عمال و إداريو بعض الشركات القطاع العام التي كانت السلطات العليا في مصر قد قررت تخصيصها بحجة لا اقتصاديتها إن يقاوموا قرار التخصيص و أن يقنعوا الرئيس المصري حسني مبارك الذي اضطر إلى زيارتهم للتعرف على أسباب مقاومتهم بان أوضاعهم الاقتصادية حسنة جدا على عكس ادعاءات المسؤولين الحكوميين و انهم يسددون الأرباح و الضرائب للدولة و يطورون عملية الإنتاج و يحسنون أحوالهم المادية مما اضطر الرئيس إلى النزول عند رغبتهم و إلغاء قرار التخصيص فما هي الشروط الواجب توفيرها لمجموع العاملين في القطاع العام للتمسك به و البرهان عملياً و بالأرقام انهم قادرون على المضي قدما في مهمة تطويره و تحقيق مصالح الدولة و المجتمع و مصالحهم في الوقت نفسه؟

إننا ندعو إلى النزول إلى ارض الواقع إلى البشر أنفسهم أصحاب المصلحة الأولى قي وضع قضاياهم المصيرية قيد الحوار و التداول مع إعطائهم الحق و الفرصة في اتخاذ القرارات حتى الوصول إلى الشكل الأفضل للملكية و الإدارة و نظم العمل و اتخاذ القرار في مشروعاتهم بما يوازن بين حق الدولة و حق المجتمع و حق الجماعة و حق الفرد حتى لا يطغى أي من هذه الحقوق على الأخرى

3- السياسة المالية : إن السياسة الميزانية الحكومية في سورية على مدى العقدين الأخيرين كانت مقطوعة الصلة

كلياً بل ذات صلة معكوسة مع متطلبات عملية التنمية الاقتصادية و الاجتماعية , لابد من سياسة بديلة تخدم النمو الاقتصادي مضادة للسياسات التي أدت إلى الأزمة و الركود و البطالة و الهجرة و لتردي البيئة الاجتماعية بشكل منتظم و مضطرد في السنوات الأخيرة فليس هناك بلد في العالم تحدث فيه هذه التغيرات الاقتصادية و الاجتماعية على المدى سنوات طويلة متتالية بينما يجلس الجميع متفرجين غير مبالين و ربما مقتنعين بالخطابات البيروقراطية الإيجابية المناقضة لكل الوقائع السلبية الجارية على الأرض .

يجب الوقف الفوري لكل الضياعات المالية الهائلة الجمركية و الضريبية و العودة عن سياسة الإعفاءات و الاستثناءات القانونية أو الشخصية غير القانونية الممنوحة و المتاحة لأنشطة طفيلية ضارة بالاقتصاد و المجتمع قناصة للفرص و متنصلة من جميع الالتزامات لا بد إذن من إعادة ما لقيصر (للدولة) لقيصر مما يصيب اليوم في جيوب فئات القياصرة الخواص من الحقوق الدولة و الشعب و لابد من عودة الدولة عن استقالتها التي طالت كثيراً عن ممارسة سيادتها على أملاكها و أموالها و حقوقها باعتبار هذه الأملاك و الأموال و الحقوق هي للشعب و ليست لبضعة من البيروقراطيين ومن يلف و يدور حولهم من الأشباح و القناصين حتى يتصرفوا بها تصرف المالك بملكه.

إننا على ثقة كاملة بان هذا الإصلاح سيبقى مستحيلا ما لم يتوفر لأصحاب المصلحة الحقيقية في الملك العام و المال العام أي الشعب أو الجمهور و أصحاب الرأي الآخر الحق الكامل في الدفاع عن حقوقهم و إبداء آرائهم و أن تتاح لهم فرص التعبير الحر بوسائل إعلام مفتوحة بعيداً عن الرقابة البيروقراطية المدافعة عن الوقائع القائمة و الممتنعة على الإصلاح و التغيير.

إن الاكتفاء بالأجهزة الرقابية البيروقراطية الحالية لا يكفي وحده رادعاً عن الاستمرار في الخطأ و الخطيئة و نقول ذلك اخذ باعتبار لتجربة طويلة و مريرة مع هكذا رقابات حتى اصبح ضياع الحق العام هو القاعدة و سيادة القانون هي الشواذ إن الضمانة لكي تعود الأجهزة الرقابية إلى أداء دورها الصحيح هو إحاتطها بالرأي العام الحر المتفتح الواعي و الناضج و مثل هذا الرأي العام لا يولد بالأوامر الفوقية أو من الفراغ و إنما من خلال التجربة اليومية الحية المستمرة.

يجب أن تهتدي السياسة المالية و الاقتصادية المراقبة شعبياً بمبادئ أساسية يأتي على رأسها تحقيق النمو الاقتصادي و الرفاه الاجتماعي و ليس تكديس الأموال على حساب النمو الاقتصادي و الرفاه الاجتماعي كما هو جاز منذ سنوات عديدة و يجب أن تكون الأجهزة المالية و كيلا للشعب في حراسة أملاكه العامة و استثمارها الاستثمار الأمثل و ليست خصماً للشعب و المواطن في إضاعة الإيرادات و هدر النفقات كما هو جار منذ سنوات و يجن أن تكون هناك جهاز رقابي مستقل عن وزارة المالية يقدم تقريراً مستقلاً إلى السلطة التشريعية يقوم فبه تقويما علميا السياسة المالية و أساليب العمل في تنفيذ الموازنة الحكومية و يكشف الخروقات و التجاوزات و الآثار الاقتصادية –الاجتماعية لهذه الخروقات على ارض الواقع و يقترح التصحيحات المطلوبة لتحقيق الأهداف المنشودة .

4- السياسة النقدية و المصرفية :كما بخصوص السياسة المالية نقول انه هناك في الواقع "سياسة مضادة "

نقدية و مصرفية ايضاً أو إذا ما احسنا الظن لا سياسة , فإذا كانت أدوات السياسة النقدية و المصرفية هي سعر الفائدة و سعر القطع و السياسة التسليفية وسياسة إدارة الموجودات إدارة مصرفية حكيمة و غير ذلك مما يهدف إلى اجتذاب الأموال من الداخل و من الخارج و إعادة تخصيصها في خدمة التنمية فان كل بنود السياسات المتبعة لم تعمل إلا على طرد الأموال من المصارف إلى الأسواق السوداء (لجامعي الأموال و تجار السوق السوداء) و من داخل البلاد إلى خارجها بمختلف الوسائل , و ذلك تأكيداً من القائمين على السياسة النقدية و المصرفية على إن المخرج الوحيد من الأزمة التي اختلقوها اختلاقاً هو إحلال المصارف الأجنبية محل المصارف الوطنية لأنها حسب اعتقادهم وحدها الكفيلة بإرجاع الأموال المطرودة بفعل السياسات إياها إلى داخل الاقتصاد الوطني.لكن الإصلاح في هذا القطاع لا يكون إلا بتطوير أساليب العمل المصرفي و منح الثقة الكاملة للمتعاملين بحسن الأداء ففي مصر مثلا و رغم الانفتاح الاقتصادي و رغم وجود الكثير من المصارف الأجنبية و العربية ما زالت المصارف الحكومية الأربعة الكبرى هي تسيطر على السوق المصرفية و هي موئل الثقة الأول للمتعاملين بينما يهدف الإصرار على منع مصارفنا من التطور إلى تعجيزها عن أي منافسة حالياً و مستقبلا مع أي منافس عربي أو أجنبي

يجب إحياء مجلس النقد و التسليف و العمل بقانون النقد و التسليف(الذي اغتيل منذ مطلع الثمانينات للوصول إلى الحالة المصرفية و النقدية الراهنة التي تخضع كلياً لقرارات فردية تتنافى مع متطلبات عملية التنمية سواء في جذب الودائع أو في تخصيص الأموال المصرفية و توظيفها مما كان واحداً من أهم  أسباب الركود الاقتصادي )

يجب إعطاء الاستقلال للإدارة المصرفية عن وزارة الاقتصاد و إخضاعها لمجلس النقد و التسليف و تحميلها المسؤولية الكاملة عن حسن الأداء و ذلك بعد تطوير الإدارة المصرفية نفسها و المصرف المركزي و إعطاء العاملين في المصارف الحوافز التي تربطهم بمؤسساتهم مع إنشاء إدارة كفوءة تحسن من نتائج أعمالهم وممارساتهم يجب فبل كل شيء إظهار الحقائق المصرفية الراهنة بكامل الشفافية لان إضاعة أي يوم جديد على إظهارها يعني إعطاء فرصة جديدة لأعمال التفريط و سوء الإدارة التي نسمع أخبارها المؤسفة يوميا دون أن نسمع شيئا عن إجراءات جادة لمعالجتها

5-و أخيرا : مكافحة الفساد: إذا كانت دول الرأسمالية المتطورة قد عرفت مختلف أشكال الترويج للفساد الاقتصادي و تزيينه في الستينات من القرن الماضي و التهوين من خطره بينما آخذت في العقد الماضي تفتح العيون على مخاطره باعتباره اصبح يهدد الحياة العامة و ليس فقط التطور الاقتصادي فان الوضع مختلف في الدول المختلفة فقد تأخر انتشار الفساد و الترويج له حتى السبعينات و لم يصبح القاعدة إلا في الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي, و هذا يعني أن تفتيح العيون على مخاطره و القيام جديا بمكافحته يبدوا انه مؤجل أيضاً إلى العقد القادم و ربما لا بعد من ذلك فسريان الكهرباء في المعدن الصدى أبطأ من سريانه في المعدن الجيد بسبب الفرق في الناقلية.         

في جميع الفقرات السابقة تحدثنا عن الوصول إلى الحالة التي تصبح فيها الجهاز البيروقراطي يقوم بعكس المهام المناطة به و المنتظرة منه في كثير من المستويات و الأصعدة , فان كان جابي الجمارك و الضرائب جباية حق الدولة و الشعب طبقا للقانون إلى الميزانية العامة فهو يقوم بجباية 20% من الحق العام إلى الجيوب الخاصة مقابل التضحية ب 60% و جباية 20% إلى الميزانية العامة مفرطا بذلك ب 80 من الحق العام , و لقد عملت سياسة تحطيم الرواتب و الأجور عملها في تحفيذ و تبرير جميع أشكال الانحلال البيروقراطي و الفساد الإداري و ذلك لتغطي هذه الممارسات  اليومية على الأنواع الأخطر من الفساد الاقتصادي و هي الاختيار الأوعى للسياسات و النظم الإدارية المنحرفة مسبقا و التي تفرط بالمصالح العامة بأرقام و حجوم كبيرة دون أن تكون مع ذلك موضع اتهام أو مساءلة و ذلك لأنها ( سياسات عامة ) و صادرة عن ( أصحاب القرار ) و قد أتينا فيما سبق عن ذكر العديد منها و ليس جميعها بالطبع.

 إن الفساد الاقتصادي لا يعالج بإجراءات فردية لأنه ما دام المناخ العام يفرخ الشروط الموضوعية و الحوافز و المشجعات على

الممارسات الخاطئة المنافية للقانون و للأخلاق و المصالح العامة فان اتباع القمع الشخصي في العلاج لن يؤدي إلا إلى (تسريع دوران اليد العاملة ) في قطاع الفساد الاقتصادي , و السؤال الأكثر جوهرية هنا كيف يمكن قطع دابر الفساد أو ردع ممارسيه ما دامت مفاتيح العمل الاقتصادي و الاجتماعي العام هي الميدان الأوسع المستباح للعمل المخالف للقانون و للصالح العام حيث ترتكب المخالفات الظاهرة الصارخة و أمام أعين جميع المواطنين و ما دام هناك (طبقة)بيروقراطية و طبقة من الخواص شريكة وواجهة لها ينتهكون يوميا الأصول القانونية و المصالح العامة في سياساتهم و قراراتهم و ممارساتهم و هم في منجى من أي نقد أو مسألة من قبل أي جهة رسمية أو شعبية مدنية أو من قبل أي وسيلة إعلامية و مادامت الرقابة و المساءلة لا تقع إلا (مصادفة ) و على رؤوس (منتقاة)ودون منهجية عامة ملزمة يخضع لها الجميع على قدم المساواة؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

إن الآثار التدميرية الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية للفساد و الضرورة الماسة لمكافحته لم تعد موضع جدال إطلاقا وإنما ينصب الاهتمام على متى تبدأ حملة مكافحة الفساد ومن أية أسس منهجية تنطلق و كيف و على أيدي من ستنطلق هذه الحملة و ما هي أهدافها و متى ستحقق هذه الأهداف ؟

يجب إذن إخراج الحملة على الفساد من أطرها البيروقراطية الرسمية التي تختنق فيها بين فينة و أخرى إلى الإطار الاجتماعي الرحب و اعتبارها مهمة الأمة بأسرها و في جميع ميادين حياتها و لكن جنبا إلى جنب مع إصلاح الأوضاع و السياسات و الإدارات و التشريعات التي تشجع و تبرر و تساعد على انتشار الفساد .

لم يعد الفساد خطراً على القطاع العام و المال العام فحسب بل اصبح الخطر الأكبر على الوطن و الشعب و المستقبل لقد اصبح الفساد الخطر الأكبر على حق الوطن و المواطن بالحياة  و البقاء انطلاقاً من هذا الوعي على خطر الفساد يجب أن ترتقي حملة مكافحة الفساد وبدون ذلك فلن يمكن للتقدم الاقتصادي و الاجتماعي أن يعود إلى الانطلاق من جديد و لن يكون ممكناً تحقيق هدف الإصلاح الاقتصادي : إثراء الدولة و المجتمع و المواطن معاً و بشكل متزامن و مضطرد و مادياً و معنوياً في الوقت نفسه.