فان ليو

نص لأكرم زعتري

www.fai.org.lb

 

                       

                                       فان ليو

                                    صورة ذاتية

                                    القاهرة 1944


 

نجح ليفون بويادجيان أن يزرع في مخيلتي مشهداً لطفل فيالسابعة من عمره، طويل الشعر، يجري في حديقة المدرسة ممسكاً ليفة، بينما يطاردهبقية الأطفال من دون أن ينجح أحد في الإمساك به. لا أعرف مدى دقة هذا الوصف ولامدى التشويش الذي ناب المشهد منذ حصوله في الزقازيق سنة 1927 إلى حين روايته لياليوم. لكن ليفون روى لي المشهد بكل تفاصيله كأنه مشهد سينمائي كدت أسمع ضوضاءالحركة فيه ولهاث الطفل. كان ذلك قبل سبعين عاماً، لم يعد بعدها ليفون إلى تلكالمدينة المصرية الهادئة، بل انتقل للعيش في القاهرة مع والديه عام 1930، و التحقبمدارسها إلى أن دخل الجامعة الأميركية عام 1940، و عرف لاحقاً في الخمسينات باسم"فان ليو،" أفضل مصوري القاهرة.

 

ذهبت إلى فان ليو اليوم مع كاميرا فيديو، وهو من أمضى خمسينعاماً في العمل على تصحيح السالب و جلاء الصور بشكل متقن. ربما استفزه الفيديوالملون لأنه أحد أسباب تراجع الطلب على الصورة الفوتوغرافية بالأبيض والأسود فقارنالتصوير بمهنة الخياطة، ليس للمجهود الذي تتطلبه كل منها بل لأن كلتاهما مهنة فيسبيلها إلى الزوال. قال أن الخياطة تتراجع أمام الثياب الجاهزة بكل المقاييس، وأضاف فارقاً يميِّز التصوير، هو أن البذلة يبطل "طرازها" أما الصورة فلاتبطل. وبالفعل إذا افترضنا أنه من وظيفة الصورة أن تدعو المرء إلى النظر، فنحن نجدأنها تحتفظ بقدرتها هذه فترة طويلة، هي على الأقل فترة حياة صاحب الصورة. و لإثباتقوله، أشار فان ليو إلى صورته وهو في سن السابعة من عمره في الزقازيق، صوَّرهاصديق لوالده اسمه فرجبيديان. يبدو في الصورة ليفون الصغير متنكراً في زي ملاك خلالتمثيل ولادة المسيح، بينما يبدو أخوه متنكراً في زيّ راع. أشار إلى الصورة وقال:لولا الصورة، لما أدركت مظهري في هذا السن المبكِّر، و لا هذا الموقف.


 

 


الممثِّل

 

يضع فان ليو أهمية كبيرة لإتقان المشهد، أي تهيئة المكان،إضاءته، اختيار الزاوية التي تؤخذ منها اللقطة، وصولاً إلى دراسة تعابير الوجهلاقتناص اللحظة الحاسمة، كأنه يصوِّر مشهداً سينمائيّاً، استعمل فيه أحياناً تقنيةالمشهد المزدوج في الصورة الواحدة. يأتي بعدها العمل في المختبر لجلاء الصورة كمايقول "مائة بالمائة". لذا، لا يقبل فان ليو أن يساعده أحد حتى ولو كانمصوِّراً ممتازاً. ويتميز عن غيره في كونه حرفيّاً بطبعه. يأبى إلا أن يتمم بنفسهكل مراحل صناعة الصورة، بينما تحوَّل غيره من مصوري القاهرة المعروفين في تلكالمرحلة خاصة أرمان، ألبان وأرشاغ، إلى مؤسسات يعمل فيها عدد كبير من المساعدينالمتخصصين، في الإضاءة، التكبير، أو الرتوش.  

 

 

        فان ليو.

        شريهان.

        القاهرة1976


 

يجلس فان ليو أمامي علي كرسيه المجاور للنافذة المطلة علىشارع فؤاد، في المشغل المخصص للرتوش. ينظر إلى محل الملبوسات الجاهزة المقابل،ويقول: "أصبح لديه سيارة كبيرة بيضاء. لو قدِّر لي أن أعود بالزمن إلىالوراء، لما اخترت التصوير مهنة". يسكت ثم يضيف: "مع أنني أحب عملي، ولكن المصور لا يمكن أن يغتني. إذا كان التاجر ذكياً، أمكنهالوصول إلى درجة الغنى خلال سنتين، لكن أنظر، أمضيت خمسين عاماً في المختبر، ماذاحصدت؟ قيمة ضئيلة جداً. لا شيء." طوال فترة عمله كمصور، لم يسعَ فان ليو إلىالكسب المادي ولا إلى التقرب من رجال السلطة في مصر. وهو من القلائل الذين لميسعوا للحصول على لقب "مصور الملك" أو مصور الرئيس كما كان الحالبالنسبة إلى رياض شحاته، أو أرشاك مثلاً، وغيرهم من المقرَّبين من العائلة المالكةفي الثلاثينات والأربعينات. كان هذا الامتياز فخراً للمصوِّر يدوَّنه على دمغةالأستديو، مثلاً "رياض شحاتة، مصوِّر جلالة الملك،" بحيث يستغله للدعايةلنفسه. يفتخر المصورون كذلك بتصوير الفنانين النجوم الذين صوَّر فان ليو عدداًكبيراً منهم، أمثال فريد الأطرش، داليدا، شادي عبد السلام، عمر الشريف، ميرفت أمينوطه حسين. ومع أنهم أتوا إليه من دون أن يسعى هو إلى تصويرهم، لم يطلق فان ليو علىنفسه لقب مصور النجوم، ولو أن البعض يخطئ بتسميته هكذا. تفادى فان ليو التقرّب منذوي السلطة واختار العيش والعمل بعيداً عن الأضواء. و تسمية كهذه تحد من قراءةأعماله و تحصرها في إطار النوع الفوتوغرافي. يقول فان ليو: "إذا قصدت المالفي مهنة التصوير، يجب أن تنسى الفن. وأنا اخترت الفن. معظم الصور التي عرضتها فيالمعارض، صوَّرتها بدون مقابل، للمزاج". ومزاج المصوِّر هو الذي حثه علىالبحث عن أشكال و أطر جديدة للصورة الفوتوغرافية.

 

 

 


المتمرِّدالمنضبط

 

عمل فان ليو كمعظم المصورين المحترفين في تلك المرحلة، داخلالأستديو. و بالتالي نجد أن معظم أعماله صور بالتكليف، أي أنه أخذها لزبائنهبتكليف منهم. لكن ذلك لم يمنعه من تصويرهم مشاهد إضافية من أجل "مزاجه"كما يقول، ومن دون أي أجر إضافي. وبالرغم من ذلك نجده يكرس لكل صورة الوقت اللازملإتقانها، و يتعامل مع كل زاوية بشكل مستقل عن الأخرى. يعدِّل الإضاءة في كل مشهدخلافاً لما كان دارجاً لدى معلمه أرتينيان في "استوديو فينوس." و في بعضالحالات، يطلب من أحد أصدقائه المثول أمامه لتجريب مشهد ما يريد تحقيقه. تمرَّدفان ليو على السائد في صناعة الصورة الفوتوغرافية في مصر، وهزأ من قيم الطبقةالوسطى في محاولة لإثبات صحة رؤيته للتصوير. يرى أن الشرقيين لا يعرفون الفرق بينصورة الباسبور والصورة الفنية، وهم لا يملكون الشجاعة الكافية لدفع المال قبلالإطلاع على النتيجة.

 

فانليو. رياضي مصري. القاهرة 1945


 

 

ضمن النظام السائد لدى المصورين المحترفين، لا يدفع الزبونأجرة التقاط الصورة، بل يدفع فقط أجرة تكبيرها بالقياس المطلوب. وبالتالي يكسبالمصور فعلياً من تكبير الصور، كأن العناية بالمشهد تحصيل حاصل. يقول فان ليو:"يطلب الزبون في الشرق صوراً من مقاس: 9x 6 سم ويقول: "سوف أكبرها إن أعجبتني،" ويعطيك خمسين قرشاً أو جنيهاًواحداً. و عند وفاة أحدهم، يهرع أهله مصطحبين صورة صغيرة يطلبون نسخاً مكبرة عنها،و غالباً ما تكون مدموغة بأختام شتّى. ولكن عندما يأتي زبون، ويضع خمسين أو مائةجنيه على الطاولة  واثقاً أنه بينيدي مصوِّر عظيم، فإنه سوف يضمن تحفاً."

 

يأسف فان ليو للتغيرات التي حصلت في القاهرة منذ ثورة 52.كانت البداية في حجز أسهم شركة الترابة وسكك الحديد البلجيكية التي ورثها عن والده،فسعى لدى معارفه إلى أن نجح في استرجاع جزء من ثمنها. ثم يتوقف لتعداد هزائمالمصريين ضد إسرائيل ويتساءل: "هل شن عبد الناصر حربه على إسرائيل، أم عليناجميعاً."  لدى مغادرة الجالياتاليونانية، الإيطالية، واليهودية، خسر فان ليو عدداً كبيراً من زبائنه، ومع قيامالنزعة الأصولية بدأ بحرق صور العري التي صورها في الماضي، خوفاً من زمن أقلتسامحاً.

 

العري النسائي في الصورة نوع معروف لدى المصورين في مصر خلالالثلاثينات والأربعينات، وله نساء متخصصات تمثلن عادة أمام الرسامين و المصورينالفوتوغرافيين.

 

 

 

صوَّر فان ليو عدداً كبيراً من صور العري، وكان يتحيَّن وضعاًيسمح له بطلب التعرّي من الماثلات أمامه. يقول: "لصور العري طابع شخصي: أولاًيجب أن تتوصل لعلاقة صداقة وطيدة مع الزبونة كي تطلب منها التعري، وإلا كان هذامستحيلاً. كل صور العري التي صورتها مبنية على صداقة حميمة فيما عدا واحدة فقط.كانت سيدة مصرية من هليوبوليس، أرادت أن تتصور 12 صورة مختلفة بكاميرا روليفلكس.في البداية كانت مرتدية كامل ملابسها، ولكنها بدأت بالتعري تدريجياً إلى أن صورتهاعارية تماماً. صورتها في 12 وضعية مختلفة وهي تخلع ثيابها تدريجياً، من دون أن أسألهاحتى ماذا تعمل، ومن دون أن تكون بيننا أي معرفة سابقة." يرجح فان ليو أنلصورة العري ارتباطاً بالوقت. إذ أن الإنسان يتغير مع الزمن بجسده و ملامح وجهه.والمرأة وعت ذلك برأيه، لذلك تسعى عادة إلى تصوير نفسها في سن الشباب. 

 

ولكن الصور أيضاً تشيخ وتزول مع الوقت. الأسباب عديدة أولهاضعف المثبت المستعمل في المختبر. بعض نغاتيف صور فان ليو تأثر بفعل الحر لأنه لميكن مصنوعاً أصلاً للبلاد الحارة. ولكن ما جدوى حفظه إذا كان المصريون يحبوناللون: "عندما اكتشفوا الألوان نسوا أن الأبيض والأسود هو أساس المهنة. يرونأن الفن في اللون، وهذا خطأ. تسعون بالمائة منهم مهتم بالألوان لا بالمصور، ولابالصورة." مع كل ذلك لم يترك فان ليو مصر كما فعل أخوه أنجيلو، بل فضَّل البقاءفي الأستوديو الذي أسسه و اعتاد العمل فيه.

 

يعود فان ليو بالذاكرة إلى طفولته في الزقازيق. يتذكر كمّ اللغاتالتي كان يسمعها من حوله: ألأرمنية أولاً في البيت، التركية للغناء وتبادلالأحاديث خلال زيارات الأقارب، اليونانية مع محلات البقالة، والإنكليزية مع زملاءوالده في شركة الترام.  يعودبالذاكرة إلى الأحاديث التي كان ينقلها الآتون من تركيا عن أخبار المجازر الحاصلةضد الأرمن هناك، ولكنه كان طفلاً ولم تكن تخيفه. يقول "لن ترجع تلك الأيام،حتى عندما جئت إلى القاهرة، والتحقت بالمدرسة الأميركية، لم أكن أملك حتى خمسةقروش، ولكني كنت سعيداً جدّاً. الآن أملك كل شيء إلا السعادة." لم تنصفه مصر.ويتمنى لو هاجر إلى كندا كما فعل المصور الأرمني الأصل يوسف كارش، لربما ذاع صيتهفي العالم. ولكن فان ليو لا يعرف أنه استطاع أن يفعل ما لم يفعله كارش. أولاً،قدَّم لمصر وثيقة عن أكثر من نصف قرن من حياتها. وثانياً، أثبت أنه في بقعة ما منالعالم العربي الغني بتعدديته، توصل المصور الفوتوغرافي إلى أن يكون كاتباًومفكراً وأن تكون له شخصية ولغة فوتوغرافية خاصتان به، هو وحده. تمرّد فان ليو،ولو بانضباط، على قيم عديدة لإثبات ذلك حتى ولو كان ذلك على حسابه هو. يروي كيفاضطر إلى حرق نيغاتيف صورة امرأة، عندما أصرّ زوجها اعلى حيازته صوناً لعرضه. ولمّاكان النغاتيف من حق الأستديو، كما هو مدوَّن في الإيصال المعطى للزبون، فضّل فانليو حرقه أمام عينيه، في نوع من التمرد، تجنباً لتسليمه إياه. و يستعيد فان ليوأمامي تذكار أول تمرد له عندما كان في سن السابعة في مدرسته في الزقازيق، عندمااشترى له والده صندلاً، وكان هو يريد حذاء. فقرر أن يتصنع الذهاب إلى المدرسة، و قضىالنهار بطوله مختبئاً في ظلام الطابق السفلي إلى أن انضم إلى الطلاب ساعةالانصراف. ولم يعلم أحد بغيابه. ويضيف: "أنت كذلك، يوماً ما، تأتيك رؤية منبعيد، فتتذكَّر."

يقولها ويضحك.       

                                      _____________________________

 

نشر المقال في مجلة الوسط، عدد: 388،5/7/1999

أكرم زعتري: مخرج، وباحث فيمجال الصورة.