(هدية (1995


(علّمني (1996

 


(نور (1995


(مشاهد موقوتة (1995


(مشاهد موقوتة (1995


(الشريط بخير (1997


(الشريط بخير (1997

أبعد من الصفر
أكرم زعتري
*

      وقف شابٌّ إلى جانب جسر الإسمنت في المحطة الأولى من رحلةِ انتظارٍ بدتْ طويلة. طوى رِجْلاً وأسندها إلى حافة الجسر، ثم أشعل سيجارة مارلبورو ذات العلبة الحمراء ودخّنها ناظراً نحو السهل الزراعيّ، الذي لا يعوِّق امتدادَه الأفقيَّ سوى جسر الإسمنت. لاشك أنَّه أبهى منهما مظهراً، وأصغرُ منهما سناً، وأكثرُ منهما خفةً في حركته وانتقاله. ولا شك أنَّه يثير فيهما الحشرية بصمته وما يَظْهر منه من عبث ولامبالاة. تتداخل رحلتاهم، فيختفي ويعاود الظهور، كأنَّه ينظم ويقسِّم انتقاله إلى أجزاء متقطِّعة تثير فيهما غريزةَ الصياد لطريدته، غريزةً فيها أشياء من الرغبة والافتتان والإثارة. فينجرفان وراءه نحو وجهة مجهولة، ويتوغّلان شمالاً إلى ما بعد السهل الزراعيّ.

      لباسه
      يرتدي قميصاً قطنياً كحليَّ اللون كُتب عليه بالإنكليزيَّة عبارة NO FEAR (لا خوف)، وبنطلون جينز قياسه 32 كحليّ اللون ممزَّقاً على الركبتين، وسروالاً داخلياً أبيض كُتبتْ عليه كلمة Intimissimi, وينتعل حذاءً رياضياً أسود اللون.

      مقتنياته
      يحمل على ظهره حقيبة سوداء فيها: آلةٌ حاسبة، علبة دخان، رواية ذات لصنع اللَّه ابراهيم، رخصة سير، مصّاصة من سكّر، غطاء فلين لزجاجة نبيذ، محفظة فيها قطعة نقود معدنيَّة وورقة حظٍّ مكتوبٌ عليها عبارة باللُّغة الإنكليزية: You will be fortunate in the opportunities presented to you (سوف تكون محظوظاً في الفرص المتاحة لك)، بالإضافة إلى صورة فوتوغرافية لطفلٍ في الخامسة من عمره مؤرَّخة عام 1981.

      المحطات
      يتوقّف خلال رحلته في:
      زحلة - جسر الإسمنت.
     الفرزل - الحائط الخارجيّ لمحل Happy Video (الفيديو السعيد) لتأجير وتصوير أشرطة فيديو، والذي تغطيه من الخارج جداريةٌ تمثِّل غابة طبيعيَّة خضراء.
     محطة القطار المدمّرة منذ قصف الطيران الإسرائيليّ لها عامَ 1982، على مفرق الهرمل.
     نقطة شبه صحراويّة، حيث تنبِّه إشارةُ سيرٍ معدنيّة مثلّثةٌ صفراءُ اللَّون إلى كوع خطر.
     منبع نهر العاصي.

      وسائل التنقُّل
      يتنقّل عبر ميكروباص صغير متّجه من بيروت إلى الهرمل، ثم يستقلّ سيارة مرسيدس 250 س زرقاء اللَّون، رقم لوحتها 1610190، يعتمر سائقُها قبعةً بيضاء اللون، ويكمل باقي طريقه سيراً على الأقدام.

      مخلّفاته
      يخلّف وراءه، خلال تنقُّله: قشرة معدنيّة رقيقة كانت غلافاً لبيضة من شوكولا، علبةَ مرطبات غازية  Mirinda  بطعم البرتقال، قلمَ شفاهٍ لحماية شفتَيْه من الجفاف والتشقق، محرمةً مستعملة بيضاء اللَّون كُتِبَ عليها "إنَّما نحيا حياة واحدة".

      تثيرني الشخصياتُ ذاتُ التركيبة غير المكتملة والتي تبوح بتفاصيل صغيرة لا بمجمل تركيبتها، كما هي عادةً في الأفلام الدراميّة التقليديَّة حيث تبدو الشخصياتُ كاملةَ الملامح ومهيّأة للعب دور واضح ضمن المنطق الدراميّ للفيلم ووفق مجريات أحداثه. للتفاصيل الصغيرة قدرةٌ على استحضار معانٍ عديدة لدى المُشاهد، وهي من ثم قادرةٌ على تحميل الفيلم قراءاتٍ مختلفة. مثال على ذلك: شخصية الشاب المذكور الذي لا نعرف عنه إلاّ مظهره، ومقتنياته، ومخلّفاته، ما يكفي لدفع الفيلم إلى الأمام. وفي رأيي تبقى هذه الشخصيات هي الأغنى سينمائياً لأنَّها تَسْكن المُشاهِدَ دون أن تَفْرض نفسَها عليه، وتحتفظ بشيء من غموضها العاديّ، المُشابِهِ لمن يصادفه المرءُ دون أن يَعْرف أبعدَ مِنْ ظاهره. تتّصف شخصيّة الشابّ بهذا الغموض الذي يشدّ اهتمامَ الصحافيّ ومصوِّره في الفيلم، فتبدو حركاتُه واضحةً في ظاهرها وإنْ زادت من الغموض حوله. يَحْمل بيضةً من شوكولا، يزيل قشرتها المعدنية وتمتدّ بها يدُه نحو الكاميرا في حركةٍ ليس لها أيُّ بُعدٍ دراميّ ولكنَّها مشحونةٌ بتركيبها. يبدو وكأنَّه يُقْدم على فعلٍ ما، دون أن يكتمل فعلُه أو دون أن يدع مجالاً للجزم بماهيته.

      علَّمتني الصورةُ الفوتوغرافية البلاغةَ في تصوير الأشياء، لأنَّها تختزل معانيَ عديدةً في جزء من ثانية. من هذا المنطلق، يثيرني في الصورة غموضُها والالتباسُ الناتجُ عنه، لا وضوحُها. هي جزءٌ من ثانية، معزولٌ عن زمنه ومكانه. إنَّها جزء صامت، مجهولٌ ما قَبْلَه وما بَعْدَه. ثمّة أمثلة كثيرة على ذلك، منها الصورة الأولى في "هدية" لصدرِ صبيٍّ عارٍ، أو لشاب يتلاعب بسكين. يعوق الالتباسُ في الصور قراءتَها بشكل سطحيّ، ويَفْتح آفاقاً لقراءة مستمدّة من منطق الصورة، أيْ ما توحي به، لا من منطق الرواية أو الخط الدراميّ. في هذه الحالة تَفْرض الصورة منطقَها على سياق الفيلم عوضَ أن تَتْبع، في بنائها، منطقَ الحكاية. لكلّ صورة منطقٌ مستقلّ عن منطق الحكاية الحاوية لها؛ وهنا دورُ التوليف في تسخير هذا المنطق لحبك الفيلم بدلَ اعتماده الحكايةَ مرجعاً له. صرتُ أسعى إلى بناء الصورة المشحونة القادرة على فرض منطق خاص بها في سياق الفيلم. في "علِّمني" (من سلسلة "صورة وصوت")، صورةٌ لشاب فاتحٍ يديْه متشبِّهاً بالعذراء مريم كما تَظْهر على أيقونة في كنيسة مار جرجس في ساحة النجمة؛ وهي الصورة التي نبعتْ منها فكرةُ الفيلم. اعتمدتُ في حلقات "صورة وصوت" طريقةَ عملٍ واضحةً تتمثَّل في اختيار مكان التصوير مباشرةً قبيْل التصوير، أقصده بصحبة ممثل ومصوِّر، وأستخلص من وحيه موضوعَ الحلقة. ولدى الانتهاء من التصوير، كنتُ أبحث في أرشيف التلفزيون عن مشاهد وأشرطة صوتٍ تُكْمل ما صوَّرتُه وتُغْنيه بقراءات جديدة. تمحورتْ فكرة "علِّمني" حول اليد، وحول اللمس المستوحى من الأيقونة (غسل يديْ بلاطس) المرسومةِ على أحد جدران الكنيسة. فكانت البداية انطلاقاً من لقطة للممثِّل الرئيسيّ رافعاً يديْه في إعادة تمثيل بعضِ ما في الأيقونات. وبناءً على هذه اللقطة كان التركيز على دلالات حركة الأيدي، ومن ثمّ ربطها بمفاهيم الحرب، والقيادةِ، والاستسلامِ، والإغواءِ والحبِ كما تظهر في أشرطة الأرشيف.
      كمعظم الأفلام التي صوَّرتُها في تلك الفترة، لم يكن هناك أيُّ سيناريو مكتوب، بل كنتُ أذهب إلى المكان مع فريق محدود العدد محاولاً رسمَ هويته وربما البحثَ في صورة الأفراد - شاغليه. تنتمي معظمُ هذه الأفلام إلى مفهوم استراق المشهد، بمعنى أنَّها مبنيَّة على عدم إطلاع المشاركين في الفيلم على مضمونه كاملاً، بل على جمعِ مَشاهد تبدو مفكّكةً، ومن ثمَّ أحاول جمعَها ضمن منطق جديد خلال التوليف. لذلك كنتُ أعتمد على تفكيك الفيلم إلى عناصر أسعى إلى الإحاطة بكلٍّ منها على حدةٍ وقتَ التصوير. وكنتُ أحاول تفصيل كل عنصر منها بكلّ جوانبه استباقاً لما يمكن أن أحتاجه وقتَ التوليف حيث تكتمل الكتابة. جرى تصوير "هدية" بهذه الطريقة، وكذلك "نور" و"صورة عائليَّة" وقد صوَّرتُهما في أحياء صيدا الأثريَّة فور الانتهاء من "هدية".

      في "نور"، كانت الفكرة تصوير مقطع من فيلم روائيّ طويل عن علاقة طفل بفتى أكبر منه سناً. والمشهد يصوِّر خروج الطفل من البيت إلى بيئته المحيطة واكتشافه إياها عبر مرآة صغيرة يحملها ويحاول من خلالها اكتشافَ العالم بعيداً عن أهله، وهو إنتاج الصورة بمفهومها الأوليّ، لكونها صورةً يراها من خلال أداة دون أن تُسجَّل على ورق أو فيلمٍ أو كاسيت. هي صور متحرِّكة تتّبع مفهوم الوقت الذي يعيشه الطفلُ وما حوله، مع فارق وحيد: وهو أنَّها من تكوينه هو ومن اختياره هو وحده. ثم أردتُ أن أجعل من هذه التقنيَّة البدائيَّة، نوعاً ما، أداةً تَعْكس النورَ لإضاءة الأشياء أو لمشاكسة المارة، بهدف التفاعل معهم. هكذا يتعرَّف الطفل حسني بمحمود الأكبر منه سناً، الذي يأخذه إلى محل ألعاب الفيديو ويعرِّفه بالصور الإلكترونيَّة، المنتشرة في محلات المدينة.
      أردتُ من "نور" أن يكون مدخلاً لعلاقتي السينمائيَّة بالصورة، إذ تمثِّل تقنيةُ المرآة -، كما هي حاضرة في الفيلم - نوعاً من المعرفة التي يتناقلها الأطفالُ في ما بينهم. بعد أن ترك حسني مرآته الصغيرة في محلّ الألعاب الإلكترونيّة، يحوزها طفلٌ آخر ويحاول هو أيضاً تكوين صوره الخاصة ومشاكساته الخاصة مع أطفال الحيّ. ويمثِّل اختيارُ أحياء صيدا القديمة عودةً إلى أصول الأشياء، لا استحضاراً للماضي. ويعود اختيار العمل مع طفل إلى بداية تكوين الأشياء، لا بحثاً عن صور البراءة أو معالجةً لأيّ من قضايا الطفل. بالإضافة إلى ذلك، أردتُ أن أضع جانباً مفهومَ الاعتماد على الحدث، وأن أعتمد عنصرَ الوقت أساساً للفيلم بدل اعتمادي إياه رابطاً لتسلسل الأحداث. وقد تطوَّر هذا المفهومُ لاحقاً في حلقات "صورة وصوت" التي اعتمدتْ على التلاعب بالزمن، أو ما أسميّه "توقيت الصورة"، أيْ قياس الزمن بالنسبة إلى زمن آخر.
      في سلسلة "صورة وصوت" أردتُ التجريب على مستوى الصوت والصورة بدمج صور وأصوات جاهزة من الأرشيف التلفزيونيّ الإخباريّ العالميّ في سياق مختلف عن سياقها الأوّليّ، بحثاً عن قراءة جديدة لها. وأردتُ قبل كل شيء إعطاء كلٍّ من المستويين (الصورة والصوت) الأهميّةَ ذاتَها في صناعة الفيلم، حيث لكلٍّ منهما مسارُه، وروايتُه ومكانُه المكمِّل للآخر لا المكرِّر له. تَحْدث حلقاتُ "صورة وصوت" في مكان افتراضيّ يُشْبه مفهومَ المكان في التلفزيون لأنَّه ليس مكاناً جغرافياً، بل هو مكان يعتمد منطق إلصاق صورة بصورة، بصوت، ومنطقَ ربطِ الكلمة المكتوبة على الشاشة بكلٍّ من هذين المستويين. وهو مكان نافٍ للمسافة لأنَّه ينتقل بالمُشاهد من بلد إلى آخر، ومقلِّصٌ للزمن لأنَّه ينتقل بسهولة بين الحاضر والماضي. "صورة وصوت" تجربة أردتُ من خلالها استعمال كل الأدوات المتاحة للمخرج لإضافة شيء على معنى كل صورة، إنْ من ناحية استعمال صور الأرشيف والتلاعب بسرعتها وإيقافها أحياناً، أو من ناحية إضافة بعض العبارات على الشاشة، أو في الشريط الصوتيّ المصاحِبِ للصور. لذلك أعتبر تركيب حلقات "صورة وصوت" أشبه بتركيب أحجية (puzzle) تحتمل كلُّ صورة فيها الدمجَ مع صور أخرى، الأمر الذي يتيح خياراتٍ عدّةً ممكنةً في التوليف. ويبقى المعنى المحتمل، الناتجُ عن تركيب مَشاهد مصوَّرةٍ مع أخرى من الأرشيف، هو المنطقَ السائدَ خلال عملية التوليف.

      يَعْبر الصوتُ المسافةَ ببطء قياساً بعبور الضوء (الصورة) المسافةَ ذاتها. على سبيل المثال، لا يتطابق صوتُ الانفجار مع صورته إلاّ مكانَ الانفجار، أيْ على المسافة صفر منه، لأنَّه كلما تم الابتعاد عن هذا المكان افترق صوتُ الانفجار عن صورته. أَذْكر أنَّنا خلال الحرب كنا ننتظر الصوتَ بعد مشاهدة الانفجار بالعين المجرّدة، وكنّا نجد الأمر مسلِّياً. في السينما، يكون صوتُ الانفجار عادةً مطابِقاً لصورته، وكأنَّ المُشاهد يراه من على المسافة صفر. في تصوير السينما للانفجار شيء من الطوبوغرافيا، اختزالٌ للتشويش الحاصل من جرّاء المسافة، تسطيحٌ للتضاريس كأنَّه نفيٌ للمسافة وتقليصُها إلى صفر. تدّعي السينما، عادةً، جلبَ المُشاهد إلى داخل الحدث. في "الشريط بخير" مشهد قصير لدبابةٍ تُطْلق قذيفة مدفعيّة يُسمع دويُّها بعد بضعة ثوان. أردتُ هذا المشهد مدخلاً للإشارة إلى المسافة المرتبطة بشكل كليّ بموضوع الشريط الحدوديّ المحتل [حُرِّر في أيار 2000]، والذي يتناوله الإعلامُ بشكل يوميّ. في "الشريط بخير"، أردتُ التشديد على وجود هذه المسافة لأنّ المُشاهد ليس داخل الحدث ولا داخل الشريط. وكأنّ ذلك تمهيد للإشارة إلى أنّ كلَّ ما نشاهده عن الشريط معرَّض للتشويش نظراً إلى المسافة التي تَفْصل المنطقةَ المحتلةَ عن باقي لبنان. وهي المسافة التي أردتُ ترجمتها سينمائيّاً عبر مفهومَيْن ظاهريْن في الفيلم: أولاً تلقين شهادات الاعتقال ليؤدِّيها ممثِّلون، تعليقاً على تلفزة تجربة الاعتقال. وثانياً اعتماد التلاعب بصور الأرشيف من حيث الشكل، كي تتراءى عبر حواجز بصريّة هي إمَّا نصوص مكتوبة ومسقطة على الصورة وإمّا حواجز أفقية ناتجة عن التلاعب بسرعة الفيديو، لتعويق قراءتها بشكل سطحيّ ومباشر، وتشديداً على استحالة اقترابها بالمُشاهد إلى داخل الحدث. لذلك كان التحدّي هو تصوير فيلم عن الشريط دون العبور إليه، ودون الاقتراب بالمُشاهد إلى المسافة صفر منه.



[1]  أكرم زعتري

مولود في صيدا، 1966.

درس الهندسة المعمارية في الجامعة الأميركية في بيروت، والدراسات الإعلاميَّة في المدرسة الحديثة في نيويورك حيث حاز الماجستير عام 1995. عمل منتجاً منفِّذاً لبرنامج "عالم الصباح" في تلفزيون المستقبل. له كتابان: وجوه مصر، والمركبة. من أعماله أفلام: "العلكة الحمراء" (2000) و"الشريط بخير"، و"مجنونك" (1997)، و"علّمني"، و"المرشح" (1996)، و"مشاهد موقوتة"، و"نور"، و"صورة عائليَّة" (1995). له أيضاً تجهيزان فيديو: "إطار آخر" و "الفضيحة" وهو عضو مؤسِّس في "المؤسَّسة العربيَّة للصورة".