مقاطع من "شذرات من كتاب الغَرَق"
غسان سلهب*

نقلها عن الفرنسيّة: بسام حجّار

 

      بأيّ نَسَقٍ أَجْعل هذه الشذرات، كان يسألُ في سرِّه: أَبِحَسبِ تتابعها الزمنيّ، أم بحسب موضوعاتها، أو كيفما اتَّفَق، أو بحسب نغميّتها، أو وقعها الشعريّ؟ واهتدى إلى فوضاها نسقاً.

* *          

      أهي رُوحُه التي تَنْفَصِلُ عن جسمه، محتِّمةً عليه ذلك العيشَ الدُّنْيويّ؟ أم انَّه جسمُه، ذلك الجسم البائس بالذات، هو الذي يرى روحه متنصِّلةً منه، محتِّماً عليها ذلك "التيهَ الأبديّ"؟

* *          

      استحالت له الكلماتُ مشقَّاتٍ. كلُّ لفظٍ منها انتشالٌ حقاً.

* *          

      اغفرْ لهم، يا أبتِ! اغفرْ لهم لأنَّهم لا يعلمون ماذا تفعل.

* *          

      عنه يَنْأى النوم.

* *          

      هاجسُ المال، لا بلْ نقصُ المال. أن يتكسَّب، أيضاً وأيضاً، عيشَه.

* *          

      ينبغي أن يُعبِّئ حماستَه كالآلة، وإلاَّ هَلَك.

* *          

      تلك الأنا لا تُطاق، لكنَّها عندي خيرٌ من النحن، يقول.

* *          

      لحُسنِ الطّالع أنَّ هناك فكرةَ الحب، يتنهّد.

* *          

      اغفرْ لهم يا أبتِ، لأنَّهم يُدْركون ماذا يفعلون.

* *          

      من المؤكِّد أنّ الحياة الحقّة هي في مكان آخر. إذاً: أين نحن؟، يسأل.

* *          

      لِمَ يُقال إنَّ الدروبَ كلَّها تُفْضي إلى روما، فيما الدروب تُفْضي (بنا) إلى الموت؟ يسأل.

* *          

      يُخيَّل إليه أنَّه لم يَرَ النور أبداً.

* * *          

      لا في الماضي يحيا ولا في مُقبل الأيام، ولا في الحاضرِ حتماً. والحقّ أنَّه لا يحيا لأنَّه لا ينام، حتى حين يُغمض عينيه وقد أنهكه التعب، لا يَحْلم أيضاً، بل يَسْهو!

* *          

      لا بأسَ، يقول.

* *          

      يحيا على مقربةٍ من كل شيء ولا شيء. على مقربةٍ وحسب.

* *          

      عَبْرَ نافذته، هناك حيث يكتب، يرى هوائيّات التلفزيون، أَسْطُحَ المباني، مداخنَ صغيرةً، واجهاتٍ، ثمانيَ نوافذ، حمامتين نؤومتين، سماءً ملبّدة. يرى أيضاً نفساً هائمة.

* *          

      يمضي وكأنّ شيئاً لم يكن.

* *          

      نحن في شَرَك الواقع، يقول واثقاً. وهذا أمر بدهيّ؛ فالواقع هو أنتم وأنا.

* *          

      هكذا ما كانت حياتُه سوى متتالية من الإخفاقات كبيرة وصغيرة، بدءاً بولادته. ولا بدّ أن تنتهي بإخفاقٍ أخير: الموت.
      وإلاّ فماذا يكون الموت؟

* *          

      الكلمات، لا شيء سوى الكلمات، كلّ ما تبقى له.

* *          

      يسعى جاهداً للانغماس بوتائر قد تسمّى جهنميّة، لكيْ يَطْبع ذاتَه بالتوحُّش ما أمكنه. التوحُّش ما دامت السكينة متعذّرة.

* *          

      الانبثاق الأكثر كتماناً.

* *          

      يفكِّر أنّ ما من شيء أكثر إلحاحاً من أن (يستعيد) يَعْثر على فكرة الرغبة. وللدقّة يقول: فكرة.

* *          

      كلُّ ما ينتابنا إنَّما ينتابنا تحت الغشاء، يقول. ما يجري برّانياً، خارجاً، ليس سوى انبعاثاتٍ، أبخرةٍ، غازاتٍ، أسربة.

* *          

      أن نَقْبل هو أن نَسْتسلم، إنَّه ليُدرِكُ ذلك. فما معنى أن ننسى؟

* *          

      لكيْ يفرِّج عن ذاته يتحدَّث عن نفسه في صيغة الغائب.

* *          

      الآن، يقول مقتنعاً، أصبحتُ مستعدّاً. لكنَّه لا يذكر لأيّ أمرٍ بات مستعدّاً. لا بدّ أن يتذكّر، يطمْئِنُ نفسَه.

* *          

      يحتوي العالَمَ الذي، بدوره، يحتويه. حَلَقَةٌ مُفْرَغة لا فكاك منها.

* *          

      العالَمُ ليس كلَّ ما يحصل فحسب، بل هو أيضاً كلُّ ما كان ممكنَ الحصول، يقول.

* *          

      وحدَه الإيمانُ، يُقال، كفيلٌ بزحزحة الجبال. أيّ دُعابةٍ هذه! لا يزحزِحُ جبلاً، بل ولا مثقالاً منه.

* *          

      وإذا لم "تُكْسَبُ" الحياةُ، أيكون ذلك خُسرانَها؟ يسأل.

* *          

      كلُّ دموع جسده لا تكفي.

* *          

      الدموع مجدّداً. سيولٌ منها. هكذا بلا سبب بعيْنه. دموع من أجلِ الدموع.

* *          

      في الصراع بين العالم وبينكَ، أَعِنِ العالَمَ، كان كافكا يقول. ولكنْ ماذا لو كان الصراعُ بينكَ وبينكَ؟ يسأل.

* *          

      بإمكانه القولُ حقاً إنَّه، مع الوقت، قد امتلَكَ بعضاً من حكمة، وإنَّه، على الأقلّ، صار أكثر تعقُّلاً. والحقيقة أنَّ الضاري فيه صار نعجة، نعجةً قابلةً لأن تكون أضحية. قد تكون هذه هي الحكمة.

* *          

      كيف يُمكن بَعْدُ الحديثُ عن الأرق؟ أما زالت العبارةُ ذاتَ معنى؟ ما من شيء يقال ليلاً أو نهاراً، سوى ساعات تمضي. إنِّي هنا، وإنِّي القطارُ الذي يَعْبر، والسكّةُ التي تصرصر، والمسافِرُ الذي يجول من عربةٍ إلى أخرى، والناظرُ الذي يراقِب، والمدلِّسُ الذي يدلِّس، والمَنْظرُ الذي لا يراه أحدٌ، والبقرةُ التي تتظاهر بأنَّها تَنْظر. ولكنّي أيضاً لا شيء من كلِّ هذا، يدوِّن.

* *          

      ما يجدينا ما نُدْركه عن أنفسنا؟

* *          

      ماذا نصنع بمثل هذا الإدراك المُرْبِك؟

* *          

      يبدو له أنّ كلَّ حياة ينبغي أن تشتمل على عددٍ من الحيوات الأخرى. ويبدو له أيضاً أنّ كلّ حياة ينبغي أن تشتمل على حِدادٍ على كلِّ تلك الحيوات الأخرى.

* *          

      ليس لأنَّه في هذه الآونة يَشْعر بأنَّ ما يجري من حوله يتخطاه تماماً؛ فلطالما تخطّاه ما يجري من حوله.

* *          

      بدهيّ أنّه حتى حين يمشي، لا يمشي. وبدهيٌّ أنَّه حتى حين يتكلّم، لا يتكلّم. وبدهيّ أنَّه حتى حين يرقص لا يَرْقص. وبدهيّ أنَّه حتى حين يُطوِّفُ لا يُطوّف. وبدهيّ أنَّه حتى حين يفكِّر، لا يفكِّر. وبدهيّ أنَّه حتى حين ينام، لا ينام. وبدهيّ أنَّه حتى حين يموت لا يموت.

* *          

      كما لو أنَّ المادة ما عادت تَتْرك أثراً فيه، كما لو أنَّ براهين واقعه تتحلّل متلاشية.

* *          

      وليست البراهينُ وحدها ما يتحلّل.

* *          

      الحقيقة أنَّني أنا وسأكون دائماً أنا، إلى النهاية، يدوِّن. لا مفرّ.

* *          

      يَبْسط ذراعيه على آخرهما.

* *          

      فيه يسري كل سوء طالعه، فيبدو بلا نهاية.

* *          


* غسان سلهب
.مواليد دكار 1958
انتقل للإقامة في بيروت عام 1970، ومن ثم سافر إلى باريس عام 1975. أخرج عدداً من الأفلام القصيرة، منها "إفريقيا، الشبح"، و"في الغواية" (بالتعاون مع نسرين خضر)، و"ذات يوم" (2000)، وفيلماً روائياً طويلاً "أشباح بيروت" (1998). وهو الآن بصدد التحضير لفيلم روائيّ جديد.