مقدمة الملف: عدم الفهم بذكاء ورهافة
جلال توفيق
ترجمة الآداب

      لا ينبغي لمخرجي الأفلام اللبنانيِّين، ناهيك بمخرجي الفيديو اللبنانيِّين، أن يصنعوا أفلاماً أو أشرطةَ فيديو من أجل فهمِ وإفهامِ ما حَدَثَ خلال سنوات الحرب. ففي حين يستطيع علماءُ الاجتماع والاقتصاد أن يقدِّموا لنا أسباباً مُقْنعة إلى هذا الحدّ أو ذاك، ويستطيع الدجّالون أن يُرْبكونا، يستطيع الأدب والفنّ القيّمان أن يزوِّدانا بعدمِ فهم ذكيّ ومرهَف. إنَّ واحدةً من مشكلات العالَم الرئيسيَّة هي أنَّه، خلافاً للفنّ والأدب، لا يتيح المجالَ إلاَّ للخيار الفظ: الفهم/عدم الفهم. وعلى العكس من ذلك لا يزوِّدنا الفنُ والأدبُ بوهم الفهم والاستيعاب، بل يتيحان لنا ألاَّ نفهم بدقّة، مُلمِّحيْن لنا إلى أنّ الخيار ليس بين الفهم وعدمه بل بين عدم الفهم على نحوٍ فظّ مع توقُّع الفهم من جهة، وعدمِ الفهم بشكل ذكيّ ومرهف من جهة ثانية. إنَّ الأفلام والأعمال الأدبيَّة الهامة تعمل على جعل حتى أولئك الذين بحثوا في الأسباب الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والجغراسيَّة للمجاعات في أثيوبيا والسودان وكوريا الشماليَّة، وللحصار المستمرّ ضدّ العراق، وللمذابح في راوندا، وللتطهير العرقيّ في كوسوفو، لا يفهمون هذه الكوارث ولكنْ بذكاء ورهافة. إنَّ الأفلام القيّمة تجعلنا نُدْرك الفرقَ بين فهم أسباب حادثةٍ ما وفهمِ الحادثة نفسِها. نحن الذين نرى اليوم بوضوح في لبنان النموَّ السرطانيَّ للأبنية على الشواطئ والتلال، وانبعاثَ الملوِّثات (كالديزل) من السيارات دُون أدنى احتجاج، والتنصّت المشروع على المكالمات الهاتفيّة، ونُحذِّر من ثمَّ من الكوارث التي ستَنْجم عن ذلك كلّه، في حين يغفل آخرون كُثُر عنها، نحن أنفسنا حين تقع هذه الكوارثُ حقاً سنَصْنع أفلاماً وأشرطةَ فيديو تُظْهر عدمَ فهمنا الذكيَّ والمرهفَ لها. لئن كنتُ أجد التدريس صعباً، فذلك لأنَّ الطلاب يريدون ويتوقعون ويطالبون بأن يفهموا. وفي حين أنَّني تحمّلتُ إلى حدٍ ما مثلَ هذا التوجُّه في جامعاتٍ في الولايات المتحدة الأميركيَّة فإنَّني لا أطيقه في لبنان: إذ ما تُرى يفهمه طلابٌ جامعيّون لبنانيّون، بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين من عمرهم، وهم الذين رُميَ بهم أولاً في العالم (هايديغر) ثم نجوا من خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية والحرب مع إسرائيل، قبل أن يُغْمَسوا في فترة فقدان الذاكرة الجماعية التي أعقبتْهما؟ وفي حين يجب على الأفلام، ولاسيّما الأفلام اللبنانيَّة، التي أنتجها أناس عانوا 15 عاماً من الحرب، أن تتيح لنا ألاَّ نَفْهم على نحوٍ ذكيّ ومرهف، فإنَّ على النظريَّة أن تُرينا (بملحظ أنَّ "النظريّ" هو المنسوب إلى النظر): "في نهاية الحسابات والرصد، لوحظ أنَّ كوكبَي المشتري وزُحل سارا وفقاً للحسابات، ولكنّ كوكب أورانوس كان يسير بشكل غريب. وتلك مناسبة أخرى لإثبات عدم كفاية قوانين نيوتن؛ ولكنْ صبراً! رجلان، هما ]جون كاش] آدمز و]أورين] لفرييه، كانا قد قاما بهذه الحسابات كلٌّ على حدّة وفي الوقت نفسه تقريباً، اقترحا أن تكون تحرُّكاتُ أورانوس قد سبَّبها كوكبٌ غيرُ مرئيّ، وكَتَبَ كلٌّ منهما إلى مرصده أن ' أَدِرْ تلسكوبَكَ وانظرْ هناك تَرَ كوكباً...'. وهكذا عُثِر على كوكب نپتون" [1] . وبودِّي أن أزيد (وهو ما قد يبدو أمراً خلافياً) أنّ بإمكان السينما، ولاسيّما السينما الخاصة ببلدٍ ما، أن توجد من دون آلات تصوير (وهو ما ظَهَرَ واضحاً بفضل أفلام مثل فيلميْ لَنْ لي Lye]] "صندوق الألوان" [1935]، و"الجذور الحرَّة" [1958]، حيث الشريط السينمائيّ نفسه مخدوش أو ملوّن باليد، ومثل فيلم ستان براكاج: "ضوء العثّة" [1963])؛ وبإمكانها أن توجد من دون توليف (كما ظَهَرَ في فيلم وارهول: "النوم")؛ ومن دون عَرْض على الشاشة، في شكل فنٍّ للموتى كما عند المصريِّين القدامى؛ ولكنّ تلك السينما لن تحيا طويلاً، ولن تزدهر، من دون خطاب نظريّ يُنشأ من حولها. ويبدو أنّ صانعي الأفلام والفيديو العرب قد تَرَكوا هذه المهمّة للنقّاد الغربيِّين، لمجلات كـ "دفاتر السينما" (Cahiers du cinéma) مثلاً. ولكنّ هذا حلّ موقّت فحسب.

* * *

      ملحق: نظراً إلى الهجرات المتزايدة، الشرعية وغير الشرعيّة، من الدول النامية (وضمنها الدول العربيَّة جميعها)، بسبب عدم الاستقرار السياسيّ (كما في لبنان والعراق والجزائر والسودان...) أو بسبب الأوضاع الاقتصادية البائسة (كما في لبنان والعراق والجزائر والمغرب...)، يتوجّب على العرب أن يزيدوا من وتيرة ترجمتهم لكتّاب عرب مهاجرين. هناك تقدير ناقص لأدب العرب المعاصر، لا في الغرب وحده، حيث نَشهد ندرةً للترجمة عن العربيَّة؛ بل في العالم العربيّ أيضاً، حيث يعود ذلك إلى قلّة نقل الأعمال التي كتبها عربٌ باللُّغات الغربيَّة إلى العربيَّة. وكما هو واضح في الملفّ الحالي، فإنَّ عدداً لا بأس به من أفضل صانعي الأفلام وأشرطة الفيديو والتجهيزات اللبنانيِّين يكتبون بالإنكليزيَّة فقط (أمثال وليد رعد، وجلال توفيق) أو بالفرنسيَّة فقط (أمثال جوانا حاجّي توما وخليل جريج، وغسان سلهب). ولا شكّ أنَّ نسبة كتّاب كهؤلاء ستزيد إذا واصلت المنظومةُ الحالية في العالم المعاصر وفي هذه المنطقة تحديداً السيرَ على منوالها الحاليّ.

      أودّ في الختام أن أتقدّم بالشكر العميق إلى مترجمي هذا الملف (فوّاز طرابلسي، ليلى الخطيب، فادي العبدالله، بسام حجّار، طوني شكر)، وإلى سمير الصايغ (لتخطيطه العبارة القرآنيَّة أعلاه)، وإلى حاتم إمام (لتصميمه الغلاف والمشاركة في الإخراج الداخليّ)، وإلى مجلة الآداب ورئيس تحريرها.



[1] Richard Feynman, The Character of Physical Law (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1967), pp. 23 - 24.