ملاحظات نحو سِيَرٍ سينمائيَّة لبعض أنبياء القرآن

جلال توفيق

ترجمها عن الانكليزيّة: فوّاز طرابلسي


      إنَّ الالتزام بتحريم تجسيد الأنبياء الذين يَعْترف بهم القرآن، إضافةً إلى تحريم تجسيد الخلفاء الراشدين والأئمة الشيعة، في التصوير والأفلام، قد يتَّخذ أشكالاً متعدِّدة:
      - فقد يَنْسخ السينمائيُّ التجسيدَ بأن يَجعل ممثلين عدّة يؤدُّون دورَ الشخصيَّة ذاتها وهي في عُمرٍ معيَّن (كما في فيلم بونويل: "المرغوبُ الغامضُ ذاك")، علماً أنَّ بعض هؤلاء الممثِّلين لا تَنطبق عليه إطلاقاً الأوصافُ الكلاميَّةُ التي نَعْرفها عن تلك الشخصية. أو قد يَجْعل أحدَ هؤلاء الممثلين يؤدِّي دورَ شخصيةٍ أخرى أيضاً في الفيلم ذاته. ومن المنظار الذي كَشف عنه الصوفيّ محيي الدين ابن العربي في فصوص الحكم، يجوز تطبيقُ هذا الخيار على جميع الأنبياء ما عدا النبيّ محمداً: "سمع [تقي بن مخلد الإمام، صاحبُ المسند] في الخبر الذي ثَبَتَ عنده أنه عليه السلامُ قال: ' مَنْ رآني في النوم فقد رآني في اليقظة، فإنَّ الشيطان لا يتمثَّل على صورتي '... فتتجسَّد له روحُ النبيّ في المنام بصورة جسده كما مات عليه لا يخْرم منه شيء. فهو محمد صلَّى اللَّه عليه وسلّم المرئيُّ من حيث روحُه في صورة جسديَّة تُشْبه المدفونة لا يُمْكن الشيطانَ أن يتصوَّر بصورة جسده صلَّى اللَّه عليه وسلّم عصمةً من اللَّه في حق الرائي. ولهذا مَنْ رآه بهذه الصورة يَأْخذ عنه جميعَ ما يأمره به أو ينهاه عنه أو يخبره كما كان يأخذ عنه في الحياة الدنيا من الأحكام على حسب ما يكون منه اللَّفظُ الدالُّ عليه من نصٍ أو ظاهرٍ أو مجمَلٍ أو ما كان. فإنْ أعطاه شيئاً فإنَّ ذلك الشيء هو الذي يَدْخله التعبيرُ؛ فإنْ خرج في الحس كما كان في الخيال فتلك رؤيا لا تعبير لها" [1] . أمّا الشخصيَّة التي لا تَخْضع لأولياتِ العمل الحُلُميّ - مثلِ التكثيف والنقل وسواهما - وتَظْهر دائماً في صورتها هي ذاتِها، وهي عندما لا تَظْهر على هذا النحو لا يصحّ تفسيرُها على أنَّها هي نفسها، فيحرَّم تمثيلُها بواسطة أحد الممثِّلين. وعكساً، فإنَّ مَنْ يتحوَّل في الأحلام، ليَظْهر فيها على شكلٍ مغايرٍ لما هو عليه في اليقظة، فيُسمح بتجسيده بواسطة أحد الممثِّلين [2] ، إذا وضعنا جانباً المعوِّقات الأخرى التي قد تَعْترض ذلك. فإذا كان لي أن أَظْهر بصورة شخص آخر في حلمٍ يَحْلمه شخصٌ ثالثٌ يَشْعر شعورَ اليقين بأنِّي أنا هو نفسي الحاضرُ في حلمه، أو إذا كان التفسيرُ النفسانيُّ لموادّ مستمدَّةٍ من تداعي الأفكار خَلُصَ إلى أنِّي أنا هو الحاضرُ في حلمه، فإذّاك يصحّ أن يتولَّى أحدُ الممثِّلين تجسيدَ شخصيَّتي في فيلمٍ. ذلك أنَّ الأفلام الروائيّة التي تستعيد فترات تاريخيَّةً معيَّنةً إنَّما هي خاصيةُ كائناتٍ تَحْلم. فلو لم يكن وجهاً من أوجه الأحلام ظهورُنا فيها في مظاهر مختلفة أو متنكِّرين في ملامح أشخاص آخرين، ولو لم نكن نحن كائناتٍ تَحْلم، لَصَدَمَنا استبدالُ شخصيةٍ تاريخيَّةٍ بممثِّل، فنعدّه عملاً غير مشروع بل وغريباً. في العرض الأول لفيلم روبرت آلتمان "فنسانت وثِيُو" (1990) مال أحدُ الحضور على رفيقته في عتمة صالة السينما وهَمَسَ في أذنها، بعد أن لَعَقها: "هل تتذكرين الحلم الذي رويتُه لكِ منذ نحو أسبوعين حيث تراءى لي فنسانت فان غوخ بمظهر الممثِّل تيم روث؟". بعد بضعة أسابيع، إذا برفيقته تَحْلم هي أيضاً بفنسانت فان غوخ وقد اتخذ مظهرَ المُخْرج الأميركيّ مارتن سكورسيزي! فهل نَجَمَ ذلك عن أنها كانت، قبل أيام قليلة، قد شاهدتْ مقطعاً لسكورسيزي عن أحد الرسّامين في فيلم "قصص من نيويورك" (1989)؟ إذا ما استثمرنا التفاعلَ المخفيَّ القُطَبِ الذي تَسْمح به التكنولوجيا الرقميّةُ بين الممثِّلين المعاصرين وفيلمٍ قديم، فإنَّ فان غوخ في سيرة سينمائيَّة لاحقة قد يَحْلم أحلاماً عدّة، أو حلماً من عدّة فصول، يَظْهر فيها في مظهر الممثِّلين المختلفين الذين مثّلوا دورَه على الشاشة: كيرك دوغلاس (في "شهوة إلى الحياة" من إخراج فنسانت مينَللي، 1956) وتيم روث (في "فنسانت وثَيِوُ" لروبرت آلتمان، 1990) ومارتن سكورسيزي (في فيلم "أحلام" لأكيرا كوروساوا، 1990) وتشيكي كاريو (في "أنا وفنسانت" لمايكل روبّو، 1990) وجاك دوترون (في "فان غوخ" لموريس پيالا، 1991). إنَّ مثل هذا الاسترجاع التناصّيّ من شأنه أن يُرسي، على أساسٍ متين، استخدامَ الأفلام الآنفة لعدة ممثّلين لتجسيد فان غوخ.
      - وقد يُؤْثر المخرِجُ عدمَ تجسيد النبيّ أو الإمام على الإطلاق، فيما الشخصيات الأخرى تتفاعل معه. أحد الأفلام النموذجيَّة عن إبطال التمثيل بالصورة هو فيلم "الشاحنة". تجلس المخرِجة و"كاتبةُ السيناريو"، مارغريت دورا، مع الممثِّل - وبدقّةٍ أكبر مع القارئ - جيرار ديپارديو، حول مائدة عليها ستفتان من الأوراق، ويتناوبان على قراءة نصّ يروي الأحداث التي وقعتْ لامرأة تستوقف سائقَ شاحنة ليأخذها معه. تتقاطع القراءةُ على الشاشة مع مناظر للشاحنة وهي تَعْبر المشاهد الطبيعيَّة، دون أن يَظْهر السائقُ ولا المرأةُ على الشاشة إطلاقاً، حتى في المَشَاهد داخل الشاحنة. أَمِنَ المدهش أن نَلْقى هذا التعطيلَ للتمثيل بالصورة في فيلمٍ لمُخرجةٍ سوف تمضي للبحث في قضايا تتعلَّق باليهود الذين تشدِّد ديانتُهم - شأنها شأن الديانة الساميّة الأخرى التي هي الإسلام - على التنزيه، ولكاتبةٍ تولي - مثلها مثل الإسلام واليهودية، وكلاهما ديانتا كتابيْن مقدَّسين - الأولويةَ للنصّ على الصورة، وحيث شخصيةُ الفيلم الرئيسيَّةُ هي امرأةٌ تستدعي - مثلها مثل النبيّ محمّد - نهايةَ العالم، وهي نهايةٌ تقع فيما هي تتكلَّم: "تقول: ' أُنظرْ نهاية العالم المتكرِّرة، في كل ثانية وفي كل مكان '" [3] ؟ إنَّ صوابيَّة الحل الذي تقدِّمه مارغُريت دورا، وحذاقتَه، وتعقيدَه، تَكْمن في أنَّها إذ تَحْجب شخصيَّتي السرد، إنَّما تشير إلى أنَّهما مرئيّان من خلال الصيغة الإنشائية  (performative) - "أترى؟" - التي توجِّهها دورياً إلى ديپارديو. وهذا شواذّ ممكنٌ عن الفجوة بين النظر والنُّطق، وبين المرئيّ وما يُمكن نُطْقُه، وهي الفجوة التي يتحدَّث عنها بلانشو وفوكو ودولوز (مارغريت دورا هي بين السينمائيِّين الذين يأتي دولوز على ذِكْرهم في هذا الصدد، ولكنَّه لا يتعرَّض للصيغة الإنشائية "أترى؟"  في فيلم "الشاحنة").
      في الفيلم الفظّ "المهاجِرُ" الذي يروي شخصيَّةً منحولةً بوضوح عن النبيّ يوسف كما ورد في التوراة والإسلام، اختار المخرجُ المسيحيّ المصريّ يوسف شاهين التغاضيَ عن تحريم الإسلام تجسيدَ صورة الأنبياء. ولا ضَيْر في ذلك بالطبع (لأنّ المشكلات التي يثيرها ذلك التحريمُ قد لا تستثير لديه أيّة حلول خلاّقة). ولكنّ الضيْر هو في أنَّ المُخْرج المحدود ليس يدري، وهو لذلك لا يأخذ في عين الاعتبار، أنَّ معظم الأنبياء، إنْ لم نقل جميعهم، الذين يَعْترف بهم القرآنُ، إضافةً إلى الأئمة الشيعة، وثلاثةٍ من الخلفاء الراشدين ممن اعتُبروا لاحقاً مصادرَ السلاسل الصوفيَّة (أبو بكر وعمر وعليّ)، قد ماتوا قبل أن يموتوا؛ ومن ثمّ، وبغضّ النظر عن التحريم الإسلاميّ السُّنَنِيّ لتصوير تلك الشخصيات، فإنَّ تمثيلهم قد يتعرَّض لتشوُّهات كالتي نراها في الأعمال عن اللاموت.
      قبل التطرُّق إلى موضوع يوسف، ينبغي أن نَحْذر وجودَ سكاكين حولنا. قال يوسف ليعقوب: "يا أبتِ إني رأيتُ أحَدَ عَشَر كوكباً والشمسَ والقمرَ رأيتُهم لي ساجدين" (سورة يوسف: 4). فحذّر يعقوبُ ابنَه من أن يَقصّ حلمَه على إخوته. يُمْكن أخذُ هذا القول على غير وجهٍ يكمّل واحدُها الآخرَ. فعلى يوسف ألاّ يُخبر إخوته بحلمه كي لا يزداد مكرُهم له - وهو ابنُ يعقوب المفضَّل - فيؤذوه. ثم إنَّه لا يجوز ليوسف أن يُخبر إخوته بحلمه لأنَّهم سوف يشاهدون ذلك الحلم بصيرورتهم جزءاً منه، لكون الحلم سوف يتحقَّق في هذا العالم كحلم . يعود الإخوة من رحلةٍ رافقهم فيها يوسف، حاملين إلى يعقوب قميصَ ابنه مضرَّجاً بالدم، زاعمين أنَّ الذئب افترس أخاهم في غفلةٍ عنهم [4] . لا شكّ أنّ ذلك الذئب ظلَّ على جوعه. في الرواية التوراتية، يَرْفض يعقوب العزاءَ، على الرُّغم من مواساة أبنائه وتوسُّلاتهم، فيقول: "إنِّي أنزل حزيناً إلى ابني، إلى مثوى الأموات" (سِفْر التكوين، 73: 53). فلماذا بدأ يعقوب حِدادَه على يوسف وهو الذي تأكَّد أنَّ الدم لم يكن دمَ ابنه بل دم حيوان، وفي وقتٍ لم تكن فيه الحادثةُ التي تراءت في الرؤيا قد تحقّقتْ بعدُ، وهو ما يعني أنَّ ابنه كان مايزال على قيد الحياة؟ لم يكن يعقوب بحالم. والأرجح أنَّ وفاة زوجته راحيل، أمِّ يوسف، قبل سنوات على أثر ولادتها بنيامين، أخا يوسف الأصغر، جعلتْ يعقوب يشكّ في أنَّ الحلم حلم نبويّ. ولأنَّ يعقوب لم يكن بحالم، فعندما قصّ عليه يوسف حلمَه، لم يسأله كيف ظهر هو - يوسف - في ذاك الحلم [5] . ولو فعل، لأجابه يوسف: "لم أكن أُشْبه نفسي. كنتُ أبدو كهلاً. وكنتُ أرتدي زيّاً مصرياً. بل إنَّ مظهري كلَّه كان مظهرَ رجل مصريّ. ومع ذلك كنتُ أشعرُ أنِّي أنا نفسي". بعد سنوات، وقعتْ مجاعة في أرض كنعان، حيث يعيش يعقوب وأبناؤه. فأرسل يعقوب عشرةً من أبنائه إلى مصر ليبتاعوا الطعام. فقرَّروا أن أفضلَ ما يستطيعونه هو السعي إلى مقابلة ناظر الأهراء. ومن بين العديد من الشخصيات المصريَّة المَهِيبة والوثيرة الملبسِ في البهو الكبير، تعرَّفوا فوراً إلى الذي كانوا يبحثون عنه. فسأل الرجلُ الرعاةَ العبريِّين: "مَنْ أنا؟"، فأجابوا: "الواضح أنَّك ناظرُ الأهراء الفرعونيَّة". فسألهم: "وما اسمي؟"، فلم يحيروا جواباً، "فعَرَفَهُمْ وهم له مُنْكِرون" (سورة يوسف : 58) [6] . فأبلغهم أنَّه لا يحقّ لكلّ واحد منهم أن يبتاع أكثرَ من حملِ رَحْلٍ واحدٍ من القمح، مع أنَّه كان لديهم مالٌ لشراء أكثر من ذلك. وعندما بلغوا أرضَ كنعان، وجدوا في أمتعتهم الفضّةَ التي دفعوها ثمناً للطعام. فكيف النظر إلى هذا الأمر؟ وما تفسيره؟ هل أراد المصريُّ الرفيعُ المقام التعويضَ عليهم لأنَّه سمح لبعض المصريِّين بشراء حصص تزيد عن الحد الأقصى الذي فرضه على الإخوة؟ فيما بعد، احتاجوا إلى المزيد من المؤن، فنزلوا إلى مصر مصطحبين أخاهم بنيامين، أملاً أن ينالوا حمْلاً إضافياً من الطعام. وما إن ابتاعوا القمح، حتى ارتحلوا باتجاه بلادهم، فاستوقفتْهم جماعةٌ من المصريِّين واتهمتْهم بسرقة صواع الفرعون. وفعلاً وُجد الصواعُ في متاع بنيامين، الذي انتابه ارتباكٌ عظيم لأنَّه لم يسرق الصواع. فكيف يفسِّر، لنفسه قبلِ غيره، هذه المفارقة؟ تأثَّر الإخوة باعتراضات أخيهم الصادقة وادّعائه البراءةَ، فجهدوا بدورهم في تفسير سببِ وجود الصواع بين أمتعتهم، وواصلوا محاولة التأويل في السجن: هل الرفيعُ المقام هو مدبِّر هاتين المفارقتين؟ وما غرضه من ذلك؟ في صباح اليوم التالي، قال حارسُ السجن لبنيامين: "أشعر أنَّه سوف يُطلَق سراحُك قريباً، مثلك مثل رئيس سُقاة الفرعون الذي قضى بعضَ الوقت هنا سجيناً لسنوات خلت". وفعلاً، أُطلق سراحُ بنيامين وإخوته في صبيحة اليوم الثالث وجيء بهم إلى حضرة الرفيع المقام فقال لهم: "هل تعرفون كيف اعتليتُ هذا المنصب الرفيع؟ إنِّي أوّلتُ رؤيا مزدوجةً تراءت لفرعون. فلتسع سنوات خلت، تراءى لفرعون منامان مزعجان. في الأول، رأى سبعَ بقراتٍ سمان أكلتْها سبعُ بقرات عجاف، وفي الثاني، سبعَ سنابل ذرة خضراء ابتلعتها سبعُ سنابل جفاف. فهل رأى فرعون حلمَيْن لهما تعبيرٌ واحد، إشارةً إلى أنَّ ما يُنْذران به سوف يتحقَّق؟ نعم. ولكنْ أيضاً، لمّا كان فرعونُ ملكَ 'الإقليمَيْن'، مصر العليا ومصر السفلى، التي افتتحتْ وحدتُهُما حقبةً طويلةً من حكم السلالات وتوحّد تاجاهما في تاجٍ واحدٍ مزدوجٍ يضعه على رأسه، ولمّا كان طعامُهما يَعتمد أيضاً على نهر النيل، فطبيعيّ أن يشاهد حلمَيْن اثنَيْن يُنذِران بدلالة واحدة، حلماً لكل إقليم. والأهم من ذلك، أنَّه رأى حلمَيْن لهما دلالة واحدة للإشارة إلى أنّ ما يُنذِران به لا يقتصر على عالم الأحياء وإِنَّما ينطبق أيضاً على عالم الأموات ولا يقتصر على الشرقيِّين وإنَّما ينطبق أيضاً على الغربيِّين، أهالي 'الأقاليم الغربيَّة'. وعلى ما يبدو فإنَّ تعبير ذلك الحلم هو أنَّه سوف تأتي سبعُ سنوات فيها شبعٌ عظيم تَعْقبها سبعُ سنوات من الجوع. ولمّا كان الحديث يدور عن الأحلام وتعبيرها، فإنِّي أدعوكم إلى الافتراض أنَّكم في منام فتحاولون تأويلَ مَنْ أنا وما هو اسمي". فلم يحر الإخوةُ جواباً. (في رواية تعتمد منطقَ التوراة كان يَسَعه القولُ: "ومع ذلك فإنَّكم عبّرتم بسهولة حلماً عن حزمة سنابل وقفتْ ثم انتصبتْ فأحاطت حزمَكُم وسجدتْ لحزمتي". وكان يوسف عندما قصّ ذلك الحلم  على إخوته قبل سنوات قد أكد أنّ الحزمة الأولى هي حزمتُه والحزمَ الأخرى لإخوته). "فارتاع فرعون لسماعه تعبيرَ رؤياه. فالجوع المتوقّع سوف يفتك لا بالأحياء وحدهم وإنَّما بالأموات أيضاً، فيموتون ميتة ثانية نهائيَّة. فخلال الجوع السابق، هجمتْ جموع غفيرة من الناس على مدافن الملوك والعامة على حدّ سواء بقَصْد سرقتها. وبلغتْ وطأةُ الجوع حدّاً دفع الكثيرين إلى تجريح أصابعهم والشربِ من دمائهم غيرَ مبالين بالألم. بل إنَّ بعضهم قَصَدَ المدافن سعياً إلى الطعام المرسومِ على جدرانها، وحين أَبلغهم الكهنةُ ذوو الضمائر الحية أنَّ التناول السحريّ لذلك الطعام يتطلَّب نوعاً آخر من الأفواه، أفواهاً لا تشتغل إلا بواسطة طقس ' فتح الفم '، دفعهم اليأسُ الى إجبار الكهنة المذعورين على أداء ذلك الطقس: إذ هم منتصبون في توابيت مصنوعة على هيأة البشر، أخذ الكهنة يردِّدون صيغاً سحريَّة من شأنها تجسيدُ الطعام الذي في الرسوم على جدران المدفن". عندها، دخل كاهنٌ وسجد للرفيع المقام. ثم اقترب منه وتحدَّث إليه بلغةٍ لا يَفْهمها إخوته. وعندما غادر، إذا بالرفيع المقام - وهو نفسه كاهنٌ متزوِّجٌ من بنت فوطفيار كاهنِ "أون" - يلخِّص الأمرَ قائلاً: "يجب أن أغادركم للمشاركة في تقدمة إحدى الذبائح، فهذه من مسؤوليات وظيفتي. ذلك أنَّ مهمة تأمين ما يَلْزم من القوت للأحياء في مصر، رغم مَحْل السنتين الأخيرتين، لا تلغي عندي واجبَ توفير الحد الأدنى من قوت هذا العالم للموتى. وإلاَّ، فإنَّ التجسُّد السحريّ للقوت المرسومِ على جدران المدفن والمحفورِ على المذبح قد لا يَحْصل. أو أنّ ترداد التعاويذ السحريَّة قد يحوِّل القوتَ المرسومَ على الجدران إلى قطع لحم وأصوعةٍ من البيرة الحقيقيَّة، لكنَّها لن تُشبع قرائنَ المومياءات؛ فهذه وإنْ أكلتْ دورياً فستظلّ نحيلةً وعلى جوع. ولكي أعطيكم فكرة عمّا أعنيه، تستطيع سمكتان وخمسةُ أرغفة، إضافةً إلى السمك والخبز المرسومَيْن على الجدران وقد تجسَّدا سحرياً، توفيرَ وجبة قوتٍ لرجل خلال خمسة آلاف يوم، أو هي، في المعادلة ذاتها، تُطْعم خمسة آلاف ميت لوجبة واحدة. وإنِّي إذ ارتضيتُ أن أتولَّى نظارة الأهراء الفرعونيَّة وتوزيعَ القوت على الأهالي، قبلتُ ضمناً مسؤوليةَ إطعام الموتى أيضاً بواسطة تلك الذبائح الجنائزيَّة". إذّاك أدرك الإخوة لماذا بدا أنّ يوسف لم يكن عادلاً في توزيعه القوتَ عليهم مقارنةً بالمصريِّين. "ما عدا ممارستي الذبائحَ عند مُصَلَّياتِ عددٍ من النسوة تورطتُ عن غير قصد في موتهنّ قبل الأوان لسنوات خلت، فإنَّني لا أتولى شخصياً إلاَّ الذبائح للمومياءات الفرعونيَّة في المعابد. والآن، يتعيَّن عليّ أن أرأس الذبيحة في مدفن إحدى تلك النّسوة. لن يُسمح لكم بالوجود في حَرَم المصلّى لأنَّكم رعاة، والمصريُّون يَعدّون الرعاةَ نجسين. ولكنَّكم تستطيعون انتظاري خارجه". فحار مساعدوه في الأمر لأنَّه سَمَحَ لأولئك العبريِّين الغرباء بالتعرُّف إلى موقع المدفن بدقّة وهم خارجون لتوّهم من السجن بتهمة السرقة؛ فما الذي يمنعهم من سرقة المدفن مباشرةً، أو بالتواطؤ مع آخرين؟ ما تفسير ذلك؟ أتى مساعدو يوسف، رغم ارتباكهم، بالعبريِّين في الوقت المعلوم إلى موقعٍ بدا غير محدَّد في الصحراء. ويَظْهر أنَّهم وصلوا باكراً إلى مقربة من المدفن، ذلك أنّ الرفيع المقام لم يكن موجوداً في المكان. فوقف الإخوة ينتظرونه في حرّ الشمس. وسرعان ما امتلكهم عطشٌ عظيم. ثم سمعوا صوته صادِراً من حفرة في الأرض. مرتجفاً ومشوَّهاً، كان لصوتِ رفيع المقام رنةُ صوت يوسف. بلغهم الصوتُ مجدداً مثلَ الصدى. هذه المرة تبيَّنوا كلماته: "أتعرفون ماذا فعلتم بيوسف؟". فتوجّسوا لبرهة أنَّهم سيشاهدون الغلامَ يوسفَ خارجاً من الفوهة. لما صعد الرفيعُ المقام من الفوهة، بعد ذلك بلحظات، كان مديراً لهم ظهره. كان يُشْبه أخاهم يوسفَ إذا ما أخذنا فارقَ السنّ في الاعتبار. ولكن حين استدار وواجههم، أيقنوا أنَّ الفارق بين الرفيع المقام المصريّ وبين أخيهم، الراعي العبريّ، لا يمكن أن يُعزى ببساطة إلى مرور الزمن. فصاحوا مشكِّكين: "أَإِنَّكَ لأنت يوسف"؟ إنّ حالماً لن يَسْأل مثل هذا السؤال حين يواجِهُ رجلاً لا يُشْبه يوسف. قد يلاحِظ الفارقَ بينهما ولكنَّه لن يسجّله، ولن يَصْدمه اختلافُ الهيأة. "أعرف أنَّه يصعب عليكم تصديقُ أنِّي حقاً أخوكم يوسف. وأَفترض أنَّكم ظننتم أنَّكم تركتموني ميتاً في أرض كنعان عندما رميتموني في البئر، أنا الغلامَ المدلَّلَ ابنَ السبعة عشر عاماً. لا أزال أَذْكر الألمَ المبرِّحَ الذي انتابني حين ارتطم جسدي بقعر البئر. ولعلّني فقدتُ الوعي لبعض الوقت، ذلك أنِّي عندما صحوتُ ألفيتُ رجلاً يَسْحبني نحو النور الساطع. وذات يوم، قال لي فوطيفار، رئيسُ حرس فرعون الذي اشتراني من التاجر الإسماعيليّ: ' ما مال بي إلى ابتياعك، رغم انزعاجي من الارتباك الذي يثيره حُسنُك في النساء حين تقع أنظارُهنّ عليكَ، وسببُ تقديري المستمرّ لك، هو ملاحظةٌ محدَّدةٌ قالها التاجر: "عندما أخرجناه من البئر الذي وقع فيه، على ما افترضنا، صاح بنشوة: "متجليّاً في رائعة النهار""'. لستُ متأكِّداً، إلى هذا اليوم، إنْ كنتُ قد تلفظتُ فعلاً بتلك الكلمات أم أنَّ التاجر نَسَبَها إليّ ليجعلني، أنا عبدَه، أكثرَ إغراءً لشارٍ مصريٍّ مرتَقَبٍ يشتريني". ثم خلع قميصه وأمرهم أن يذهبوا إلى أبيهم في أرض كنعان ويضعوا القميصَ على وجهه، علامةَ أنَّهم قد وجدوا يوسفَ في مصر، ليستردّ الأب بصرَه. وطلب منهم مناشدةَ أبيهم أن ينتقل وجميعَ أهل بيته إلى مصر، على الأقل خلال سنوات الجوع الخمس المتبقّية. ثم منحهم عدداً من الرِّحال مع سائقيها. فسافروا أياماً طويلة عديدة عبر الصحراء قبل أن يبلغوا مقصدهم. لما رأى يعقوب قافلتَهم من بعيد، انفلتتْ منه صيحة: "أشعر أنّ يوسف حيّ". فأجابه واحد من الواقفين قربه وقد عِيلَ صبرُه مما اعتَبَره دليلَ خرفٍ أو عنادٍ أو كليْهما معاً: "لعلّك تَحْلم!". لم يُخبرْ أيٌّ من أبناء يعقوب أباهم أنَّهم شاهدوا يوسف في مصر، ولا أنَّ يوسف لا يزال على قيد الحياة. ورغبةً منهم في التأكد من إتاحة الفرصة ليعقوب لكي يشتمّ أثرَ رائحة ابنه في القميص، لفّوا القميصَ حول وجهه لفّاً مُحْكماً، فخُيّل إلى أحد سائقي الرِّحال المصريِّين الذين بعثهم يوسف معهم أنَّه يشاهد رأس مومياء. لم يستعد أبوهم بصرَه فحسب، بل عاش في نشوة عارمة أياماً. وهكذا، نزل يعقوب إلى أرض مصر بمعية أهل بيته. وصلوا متأخِّرين إلى أون (هليوپوليس) لأنَّهم قضوا بضعةَ أيام يتحاشون عاصفةً صحراويَّة. فقيل لهم إنَّ يوسف غادر إلى الضفة الغربيَّة من النيل للمشاركة في تقديم الذبائح، وإنَّه أمر بأنْ ينضموا إليه في مقرّه في الأراضي الغربيَّة بعد أخذِهِمْ قسطاً من الراحة. فنُقلوا في اليوم التالي إلى هناك عبر النهر. ما أشدّ دلالة أنَّ يعقوب، الذي حلّ بمكرٍ محلَّ أخيه عيسو في أخذ بركة أبيه الأعمى وهو على سرير الموت، لم يَهْتف شكّاً "أإنَّك لأنت يوسف" في حضرة صاحب المقام الرفيع المصريّ، وإنَّما تعرّف إلى أنَّ الرجل الذي لا يُشْبه يوسف ويُلقي عليه نظرةً حانية هو ابنه. عانق يوسف أباه وبكى على كتفه. لم يقل للعجوز الواقفة إلى جوار يعقوب: "ما لكِ ولي يا امرأة؟" (يوحنا 2/4)، بل خاطبها قائلاً: "لكِ عندي الكثيرُ يا أمي". فاغرورقتْ عيناها بالدموع. وقال يعقوب: "كأنِّي استنفدتُ كلَّ فرحي في أرض كنعان عند شمِّي رائحتَكَ في قميصكَ وتأكّدي أنَّك حيّ. وإلاّ فكيف أفسّر أنَّ الشعور الغالب عليّ الآن هو الحزن، حزنٌ لعله ناجم عن ندمي لانفصالنا واحدِنا عن الآخر طوال كل تلك المدّة؟". سمع صاحبُ المقام واحداً من إخوته يقول لآخر رداً على اعتراف أبيهما به بأنَّه يوسف: "ما معنى هذا كلّه؟ وما تعبيرُه؟" فأجاب يوسف: "هذا الواقع هو منام - أمَّا ما يسمّى بالمنام عادةً فإنَّما هو ' منام في منام '" [7] . ثم إنَّ يوسف "رفع أبويْه على العرشِ وخَرّوا له سُجَّداً" (سورة يوسف: 100). لدينا هنا في سردٍ كليِّ المعرفة بامتياز، مادام الراوي هو اللَّه الأحد، فلتةُ لسانٍ أو زلّةُ قلمٍ، إذ يجري التعاملُ مع شخصيَّة ميتة، هي راحيل، على أنَّها حيّة، وذلك خلال لقاء مع شخصيّة حيةٍ وميتةٍ (قبل أن تموت) في آن معاً هي الشخصيَّة المحوريَّة للقصّة. كما أننا إزاء تلميح إلى أنَّ يعقوب يحلم وإنْ بدا في حالة صحو، وذلك حين يَخْلط شخصيةً ميتةً بالشخصيات الحيّة من حوله، ويمثِّل شخصاً ميتاً بشخص آخر لا يزال على قيد الحياة. والأرجح أنَّ المرأة التي رفعها يوسف على العرش هي ليئة، شقيقةُ راحيل الكبرى [8] ، فقد حلّت ليئة محلَّ راحيل في مناسبة سابقة. إذ إنَّ يعقوب، في أيام شبابه، كان قد ارتضى العملَ عند لابان سبعَ سنين لقاء وعدٍ بأن يزوِّجه ابنتَه راحيل، لكنَّه اكتشف صبيحة ليلة زواجه أنَّه، بسبب مخاتلة لابان، إنَّما ضاجع ليئة، التي دخلتْ عليه متنقّبةً حسب عادة ذلك الزمان. أما الآن، فإذا كان يعقوب يحسب أنّ ليئة هي راحيل فذلك لم يكن لأنَّها متنقّبة وإنَّما لأنَّه كان يحلم. اقترب يوسف من أمّه على العرش ومسح دموعها وقال: "العينان المسترخيتان هما عينا ليئة، أما المدلولُ فلراحيل". فهبّ يعقوب إذّاك مدرِكاً أنَّه كان يحلم. وقال له يوسف "يا أبَتِ هذا تأويلُ رؤيايَ من قبلُ قد جعلها ربّي حقاً" (سورة يوسف: 100).
      إلى فئة الحالمين ينتمي يوسف: "فقال بعضُهم لبعض: ها هوذا صاحبُ الأحلام مقبلٌ" (سِفْر التكوين 37: 19). أَنُعرِّف يوسفَ بأنَّه حالم لأنَّه ليس واقعياً؟ كلا، فقد دبّر شؤونَ مصر تدبيراً واقعياً وفاعلاً خلال سنيّ الجوع. أهو حالم لأنَّه يعبِّر الأحلامَ تعبيراً صحيحاً، كما في حادثة السجينيْن؟ إنَّه لذو دلالة أنَّ أخوته وأباه، وهم لا يوصَفون بأنَّهم من أصحاب الأحلام، لم يجدوا صعوبةً في تعبير أحلام يوسف. ففي القرآن، يعبّر يعقوب حلمَ ابنه بسهولةٍ بالغة. ثم إنَّ نهيَه يوسفَ عن قصّ حلمه على إخوته يعني أنَّهم سوف يستطيعون تعبير ذاك الحلم. وفي الكتاب المقدّس، يعبِّر إخوةُ يوسف بسهولة حلمَه الأول عن حزَمِ السنابل، ويقول له أبوه عندما يسمع حلمَه الثاني السماويّ "أترانا نجيء أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك إلى الأرض؟" (سِفر التكوين 37: 100). ولكنْ ماذا عن نجاحه في تعبير رؤى فرعون، في حين فشل جميعُ سحرة مِصْر وجميع حكمائها؟ إنَّ ذلك العجز إشارةٌ إلى تدخُّلٍ ربّانيّ للحيلولة دون تعبيرها، وإلاَّ لسهلَ على السَّحرة والحكماء الأمرُ. أو أنَّ التدخُّل الربانيّ تمّ، في الأقلّ، لمنع أولئك السَّحرة والحكماء من الإفصاح عن حلّ صريح لفرعون (في رواية فرعون للحادثة يقول: "فقصّ فرعونُ عليهم [أيْ على السحرةِ والحكماءِ] حلمَه فلم يكن من يقوله له" [9] ). ولكنْ ماذا عن رواية الراوي لما حدث، إذ يقال صراحةً عن الحلميْن "فلم يكن مَنْ يعبِّره لفرعون"؟ يتمثل فشلُ السحرة في تعبيرِ حلميْ فرعون في أنَّهم لم يدركوا أنَّ التعبير الصحيح للأحلام يقتضي إدراك أنّ الحلم يبقى حلماً وإنْ تحقّق. "واستيقظ فرعون وإذا هو حلم" (سِفْر التكوين، 41: 7). المعنى الأول: استيقَظَ فأَدركَ أنَّ ما رآه هو مجرّد حلم. والمعنى الثاني: استيقَظَ لكنّ يقظته كانت لا تزال جزءاً من حلمه. ذلك أنَّ ما يميِّز حلم امرئ يوصَف بأنَّه حالم ليس مجرّدَ أنَّ الحلم يتحقّق في الواقع، أيْ أنَّه رؤيا (إنّ أحلام السجينيْن وفرعون، وهم لا يُعَرَّفون بأنَّهم أصحابُ أحلام، قد تحقّقتْ في الواقع)، وإنَّما ما يميّز حلمَ الحالم أنّ تحقُّقَه في الواقع يتم على شاكلةِ حلم، بحيث يتبيّن لبعض الحاضرين في الأقلّ أنَّهم هم أيضاً يَحْلمون. لقد عدّ المصريُّون يوسفَ "صاحبَ أحلام" لأنَّه كان قادراً على تعبيرِ ما هو نبويٌّ في الأحلام. أما بالنسبة إلى أبيه في مصر، فإنّ يوسف حالم لأنَّه أَظْهر لأبيه أنَّه في الوقت الذي كان أبوه يظنّ أنَّه خارج الحلم، أيْ أنَّه يقظ، إنّما كان يحلم حقاً. يوسف في القرآن، مثله مثل فرعون، يَحْلم حلميْن، ولكنْ لأسباب مختلفة، ولحلميْه مترتِّباتٌ متغايرة: حلم في المنام، وحلم في اليقظة. فيوسف لم يكن صاحياً تماماً عندما قصّ حلمَه على أبيه يعقوب. ومع أنَّه كان يقظاً حقاً خلال الحلم الثاني، فذلك لا يعود إلى أنَّ الحلم تحقق في هذا العالم (إخوته وأبوه وأمّه [المتجسِّدة في خالته] يخرّون على الأرض له ساجدين) وإنَّما لأنَّه كان قد مات قبل أن يموت. يُروى عن الرسول، في تقليدٍ كثيراً ما يَسْتشهد به الصوفيُّون، أنَّه قال: "إنَّ الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا" [10] . فما الذي عَلِمه يوسف عندما انتبه عند موته السابق لموته؟ لم يعلمْ أن يعبّر الرؤى تعبيراً صحيحاً وحسب، وإنَّما علم أيضاً أنَّ واقعنا إنَّما هو حلم. وإذا كان يوسف من أصحاب الأحلام، فذلك لأنَّه مدرِكٌ على الدوام أنَّ هذه الحياة إنَّما هي حلم، وأنَّ ما يسمّى عادةً حلماً إنْ هو إلاَّ "منام في منام". تأكيداً على ذلك، أليس للعديد من فصول سورة يوسف إيقاعُ الحلم ومناخاته؟ فعندما بلغتْ زوجةَ فوطيفار شائعاتُ النساء عن محاولاتها المتكرِّرة والخائبة أن تراود يوسفَ عن نفسه، دعت النسوةَ المعنيَّاتِ إلى وليمة. وفيما كانت تُعدّ الوجبات المختلفة في بيت فوطيفار، كانت النسوةُ الضيوف منشغلاتٍ بالتبرُّج: يضعن قشرَ الخيار على وجوههنّ، وزيتَ الزيتون الدافئَ على أيديهنّ، وزيتَ الزيتون الساخنَ في آذانهنّ لإخراج الصمغ منها، ويستخدمن عصيرَ الليمون لتصفيف شعورهنّ، ومحلولَ الليمون المغليّ مع السكّر والماء لنزع الشعر عن أذرعهنّ والسيقان. (في السينما تُمْكن مشاهدةُ توليفٍ متوازٍ للنشاطيْن المتزامنيْن، لاستظهار التشبيه الكامن فيهما). وإذ يطغى دورُ زوجة فوطيفار بما هي مضيفة على مشاعر الكره التي تكنّها للضيوف، تروح تسأل بصدقٍ ضيوفها: "كيف تجدن الطعام؟" - "حلواً" "إلهيّاً". وإذ تلاحظ أنَّ إحداهنّ لم تمسّ قصعةَ الطعام أمامها تسألها "لماذا لا تأكلين؟" - "لستُ جائعة"، فيخطر لها أن تنهرها قائلةً "إنْ كنتِ لستِ جائعة فلماذا لبّيتِ دعوتي؟"، على أنَّها تستدرك أنّ النسوة أتين إليها لا للأكل وإنَّما أملاً في إلقاء نظرة على يوسف. وكنَّ قد بدأن في تقطيع اللحم المطهوّ عندما خَرَجَ عليهنّ يوسفُ مثل "ملاك كريم" [11] . فواصلن التقطيعَ في جذبةٍ مسحورة، ولكنّهن أخذن يقطعنّ أيديهنّ [12] . وبدلاً من أن تنفر المرأةُ التي لم تكن جائعةً من سلوك الأخريات انتابتها نوبةٌ من الشراهة العظيمة، وسرعان ما أخذتْ هي أيضاً تقطع أصابعَها من حيث لا تدري. فبدت النسوةُ غيرَ آبهاتٍ بالدم المراق من أيديهنّ، فكأنَّه ليس دمهنّ، أو كأنَّه "ليس دماً وإنَّما صباغٌ أحمر". أيقن يوسف إذّاك أنَّه في حلم. وبعد سنوات من ذلك، عندما أَنْصتَ إلى حلميْ فرعون، تذكّر تلك الصورةَ الدامغةَ لأناس يشربون من دمائهم، كأنَّه الوسيلة الوحيدة لبقائهم على قيد الحياة. وتذكّر أيضاً الطعامَ الذي أمامهم ولم يكد أن يُمسّ. فالذكرى الأولى تؤكِّد الصورة المشؤومة للجوع. والثانية تشي بالحل المطلوب: عدم استهلاك الموسم الزراعيّ كلّه. حاولت النِسوةُ الضيوفُ مراودةَ يوسف عن نفسه ولم يُفْلحن. وكما في الحلم، سرعان ما نسين الحادثةَ كلّها "ثم بدا لهم مِنْ بعدِ مَا رأَوا الآياتِ ليَسْجُنُنَّه حتى حين" (سورة يوسف: 35). والنسيان في حكاية يوسف العاجّة بالأحلام لا يَقْتصر على النسوة في الوليمة. فبعد أن عبّر يوسف حلمَ رئيس سُقاة فرعون على أنَّه يعني قُرْبَ إطلاق سراحه، سأله يوسف أن يتوسَّط له عند سيّده فرعون، وأن يُخْبره بموهبة يوسف في تعبير الأحلام. فنسي رئيسُ السقاة أن يفعل ذلك لسنوات.
      وعندما مات يوسف، حنّطوه ودفنوه في مصر (سِفْر التكوين، 50: 26). وحسب التقليد المصريّ، وضعوا بين قدمَيْه فصولاً من كتاب متجلِّياً في رائعة النهار المخطوطِ على ورق البرديّ. وبعد إتمام طقس "فتح الفم" تلا الكاهنُ مزيداً من هذا الكتاب: "وسوف تَحلّ في جنان الخلد، وتجتاز السموات، وتنضمّ إلى الآلهة المتألقين مثل نجوم، وتُلقَى عليك المدائحُ وأنتَ في مركبك. وسوف تتلى عليك المدائحُ في مركب 'أتات'... [13] فلتبجِّلْ آلهةُ السماوات أوزيريس صُفْنَه فَعْنِئَح، إذ تلتقيه منتصراً، كما تبجِّل الإلهَ راع... [14] أنا [أوزيريس صُفْنَه فَعْنِئَح] المتألِّق، المتسربِل بالجبروت، الأعتى من سائر المتألقين..." [15] .

       ملحق: هل يحقّ للمرء صرفُ النظر فوراً عن مصطلح "فتاة الأحلام" بعد أن مَسَخَها الاستخدامُ التبسيطيُّ في "مصنع الأحلام"، هوليوود؟ كلا.
      الممثِّلة مادلين ستو، في شخصية ماري في فيلم بارنارد ل. كووالسكي "الميلاد"، هي فتاةُ أحلام بالمعنى الأساسيّ للكلمة. إذ إنّ كلّ ممثل يؤدِّي دور شخصية تاريخيَّة هو كائن حلميّ. ولكنّ صيرورة امرأةٍ ما فتاةَ أحلام في ما يتعدى هذا المعنى الأساسيّ، في المناخ الروائيّ أو السينمائيّ المتخيّل، يتطلّب تضافُرَ ظروفٍ نادراً ما تجتمع. أشاهد امرأةً آسرة. ليلاً، تَظْهر لي تلك المرأة في الحلم. أيكون هذا دالاً على شيء؟ ليس بالضرورة. فقد ضُمَّتْ، على الأرجح، إلى حلمي فقط بوصفها ترسّباً من ترسُّبات حياتي اليقظة في ذلك اليوم. تبدو المرأة مختلفة في الحلم عنها في اليقظة، وقد شوّهتْها أوالياتُ العمل الحلميّ من نقل وتكثيف. عندما أعود فأشاهدها في حياتي الصاحية تَظْهر عبر سلسلة من الأحداث الواقعيّة في الصورة التي كانت عليها في الحلم. والحال أنَّ ما يجعل امرأةً ما "فتاةَ أحلامٍ" هو انتقالُها، عبر مقتضيات عالم الصَّحو ووسائله، إلى ما حوّلتْها إليه العملياتُ الأساسيةُ في لاوعي الحالِمِ. إنَّ الدكتورة كاثرين رايلي في فيلم "اثنيْ عشر قرداً" لجيليام لهي مثال على فتاة الأحلام تلك.
      يختبئ المسافر إلى الماضي وكاثرين رايلي، الطبيبة النفسانيَّة التي صارت شريكةً له، في صالة سينما هرباً من رجال الشرطة. الصالة تَعْرض فيلمين لهِتشكوك بدءاً بفيلمه "دوار". لماذا "دوار"؟ لأنَّ أحد شخصيات الفيلم يتمثّل فيه ماضٍ يعود إلى ما قبل تاريخ ولادته (وهذا هو أيضاً حال الشخصيَّة الرئيسيَّة في فيلم "المرسى" لكريس ماركر). ولعلّه أيضاً لأنَّ من المرجَّح أنَّ شخصية هذا الفيلم الرئيسيَّة سوف تحاول إظهار كاثرين تماماً كما كانت في الحلم. هل شاهدتْ تلك الشخصيةُ سكوتي يحوّل جودي إلى مادلين حين جعلها ترتدي فستانَ مادلين ذاتَه ويكون لها تصفيفةُ شعرها ذاتُها؟ لسنا متأكِّدين من ذلك، لأنَّه عندما نشاهد سكوتي مرةً ثانيةً يكون قد استيقظ للتوّ خلال عرض الفيلم التالي. ويمكن النظرُ إلى فيلم "اثنيْ عشر قرداً" على أنَّه إعادة لفيلم "الدوار"، ولفيلم "المرسى" أيضاً: في أنّ الشخصية الرئيسيَّة تُحْجم عن محاولة جعل كاثرين تبدو في الحياة الحقيقيَّة في الهيئة التي كانت عليها في الحلم! هل يعود ذلك إلى أنَّه بدأ يشكّ في أنَّه يَفْقد رشده، فخشي إنْ هو ألبسها الفستان ووضع عليها الشعرَ الأشقرَ المستعار اللذيْن كانا لها في الحلم أن ينزلق الواقعُ ليصير حلماً نهائياً؟ أم أنَّه يعود أيضاً إلى أنّ هذا الحلم لم يكن مرغوباً فحسب بل كان أيضاً، في وجه من الوجوه، كابوساً يُنْبئه بموته؟ لعلّ سبب ذلك الإحجام أيضاً وأيضاً أنَّه إذا ما نجح بوعيٍ في جعل كاثرين تبدو تماماً في صورة المرأة التي في الحلم، فإنَّها لن تعود فتاة أحلام، مادامت هذه الأخيرة نتاجَ أوالياتٍ ورغباتٍ لاواعية. ومن هنا فإنَّ جودي التي تحولتْ أخيراً إلى مادلين، وظهرتْ في غرفة الملابس وأخذتْ تتقدّم نحو سكوتي في دغشة خضراوية، ليست فتاةَ أحلامٍ. أما كاثرين، التي باشرتْ تحويل الواقع إلى صور الحلم، إذ وضعتْ شارباً فوق فم رفيقها لكي لا تتعرّف إليه الشرطةُ ثم اختفتْ عندما أفاق من نومه، أفتكون مجرّد أضغاث أحلام؟ لدحض هذا الشك يهرع رفيقُها خارجاً وعلى رأسه الأقرعِ الشعرُ الأشقرُ المستعار الذي وضعته عليه وهو نائم. فيلمحها وهي تنهي مكالمة هاتفيّة. تستدير وتبدأ بالمسير في اتجاهه. هنا يترامى إليه صوتُ شخيرٍ خافت متواصل، كأنَّه صوت منوِّم مغناطيسيّ بعيد، أو رنينُ ساعة منبِّهة توقظه من الحلم. هكذا إذن، شاهدها أولَ مرة تعتمر الشعر الأشقر المستعار الذي ظهرتْ فيه في حُلمه بين نومَيْن: نومِه هو، وقد أغفى في صالة السينما، ونومِ حاجبِ السينما العجوز، الغافي على كرسيّ إلى جانبه. أحاطها بذراعه. تمنّى لو أنَّ الحاجب العجوز يشاهدهما، بل يحدّق إليهما مشدوهاً، بدلاً من أن يكون غارقاً في حلمه: كان ثمّة خاصة تلصصيّة لدى ذلك الحاجب النائم، كأنَّه كان يسترقّ إليهما النظر وهو يحلم.

نُشر هذا النصّ في الفصلية الأميركيَّة ديسكورس شتاء 1999، ص 56 - 75.



[1]  محيي الدين بن عربي: فصوص الحكم، تعليق: أبو العلا عفيفي (مصر: دار إحياء الكتب العربيَّة، 1946)، ص 86 - 87.

[2] "وكذلك إذا تمثَّل له الملك رجلاً فذلك من حضرة الخيال، فإنَّه ليس برجل وإنَّما هو ملك، فدخل في صورة إنسان. فعبّره الناظرُ العارفُ حتى وصل إلى صورته الحقيقيَّة، فقال هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم". (فصوص الحكم، ص 100). "في الحديث: ' كان جبريلُ عليه السلامُ يأتيه (النبيَّ محمّداً) في صورة دِحيةَ الكلبيّ '. وهو دِحيةُ بنُ خليفةَ، أحدُ الصحابة، كان جميلاً حسن الصورة" (ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، بيروت، المكتبة العلميَّة، ج 2، ص 107). ولهذا يجوز لممثِّل أن يُجسِّدَ الملاكَ جبريلَ في فيلم أو مسرحية، ويجوز لرسّامٍ أن يرسمه كذلك.

[3]  لا بد أنَّه قد ظهرتْ شِيَعٌ مسيحيَّة عديدة بعد جيل مِنْ صلب المسيح، وبعد انقضاء الموعد المفترض لنهاية العالم، افترضَتْ أنَّ نهاية العالم وقعتْ متزامنة مع استمراره. وتشير القيامة الكبرى (أو قيامة القيامة) لحركة النزاريِّين عام 1164 إلى أنَّ العالم المستمرّ في نَواحٍ أخرى قد انتهى عندهم. وبإمكاننا تفسير كلمات مارغريت دورا على أنَّها تستعيد وجهات النظر التي تقول بالخلق الجديد للعالم.

[4]  "ذلك من أنباء الغيب نُوحِيه اليك (الرسول) وما كنتَ لديهم (إخوة يوسف) إذ أجْمَعوا أمرهم وهم يَمْكرون" (سورة يوسف: 102). هذه الآية التي تلي السرد المباشر يجب أخذُها بوصفها توجيهاتٍ للمخرج المسرحيّ. ومن هنا فإنَّ على السينمائيّ أو الكاتب الذي يُعدّ النصَّ للإخراج أن يُغفِل الفصلَ عن تخطيط إخوة يوسف للإيقاع به.

[5]  فقط في حالة النبيّ محمد لا سبب للتساؤل في أيّ هيئة ظَهَرَ في الحلم لأنَّه يظهر في الحلم في الهيئة التي هو عليها في اليقظة.

[6]  "وعرف يوسف إخوته أما هم فلم يعرفوه". (سِفْر التكوين، 42: 8).

[7]  عبارة لابن العربي؛ انظر: فصوص الحكم، ص 99.

[8]  يَرِد ُ في سِفْر التكوين أنَّه بعد سنوات من ذلك، طلب يعقوب من يوسف أن يدفنه في أرض كنعان في الموقع الذي وارى فيه ليئة ( 49: 30 - 31). ولمّا لم يبلغنا في أيّ مكان من النص أنَّ يعقوب عاد إلى أرض كنعان خلال إقامته في مصر، فالمقصود إذن أنَّه لا بد أنَّه دفنها قبل أن يذهب لملاقاة ابنه في مصر، أيْ أنَّها كانت ميتة خلال المشهد الذي يرفع فيه يوسف أبويه على العرش ويسجدان له. يجب أخذُ إشارة يعقوب العابرة لموت ليئة في أرض كنعان على محملين: فإما أنه إعلان لواقع، وإما أنَّه ناتج عن الظرف التالي: حين يحلّ امرؤ محلّ ميت، في الحياة بما هي حلم، فذلك يترك أثراً عليه.

[9]  العبارة العبريَّة تُعتبر عادةً اختزالاً، وتُترجَم: "فقصّ فرعون عليهم حلمه فلم يكن من يقول معناه له".

[10]  محيي الدين بن عربيّ: فصوص الحكم، ص 99.

[11]  حسب الرواية القرآنيَّة، تشهق النسوة "ما هذا بشراً إنْ هذا إلا ملك كريم" (سورة يوسف: 31).

[12]  تذكّرنا هذه الحادثة بحادثة أخرى لحيّ يَجْرح إصبعه خلال الطعام وهو يتطلّع إلى ميت حيّ، أيْ إلى رجل مات قبل أن يموت. ورد المشهد في فيلم مورناو "نوسفراتو"، حيث يجرح هاركر إصبعه وهو يَقْطع رغيفَ خبز في حضرة اللاميت نوسفراتو.

[13]  اللوحة 21 من كتاب الموتى: برديّ آني (نيويورك، دوفر، 1967)، ص 326.

[14]  انظر ص 328 من كتاب الموتى، وقد استبدلنا "اوزيرس آني" هنا بـ "أوزيريس صُفْنَه فَعْنِئَح".

[15]  انظر ص 331 من كتاب الموتى. ويمكن، بدلاً من ذلك، أن يرتّل الكاهن نيابةً عن صُفْنَه فَعْنِئَح، المعروف أيضاً باسم "يوسف" - الذي قال له فرعون: "أنت تكون على بيتي وإلى كلمتك ينقاد كلُ شعبي، ولا أكون أعظمَ منك إلاَّ بالعرش" (سِفْر التكوين 41: 40) - ليرتّل له هذه المقاطع من هرم پيپي الأول: "وسوف يكلّمك ايزيس، وتُبادِلك نيفثيس أطرافَ الحديث، ويخرّ المتألِّقون أرضاً ساجدين عند قدميك، لروعةِ ما تكتب، يا پيپي".