حجم أكبر

 

 


حجم أكبر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


1969


1998

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

طيّب، رَحْ فَرْجِيك شِغْلي

جوانا حاجي توما وخليل جريج [1]

نقلتها عن الفرنسية: ليلى الخطيب

 

      في العام 1997، وخلال شهرَيْ تموز وآب، قدّمْنا في معهد العالم العربيّ في باريس معرضاً لتجهيزات فوتوغرافيَّة تحت عنوان: "بيروت: متخيّلات(fictions) مدينيَّة". وفي تمّوز 2000، طُلب منّا صياغةُ مقالة عن هذا الموضوع. غير أنّ ثلاث سنوات كانت قد مَضَتْ على ذلك المعرض.
      حاولنا كتابة هذا النصّ في صِيَغ عدّة: تحليليَّة، تحقيقيَّة، وثائقيَّة، مقتطفات مختارة من السجلّ الذهبيّ للمعرض، وثائق مزيّفة، تقرير عن المقالات الصحفيَّة... لكنْ بعد شهر، باءت كلُّ محاولاتنا بالفشل. ذلك أنَّ النصّ جاء مبالَغاً فيه، سواء في الوصف، أو في التحليل، أو في التجريد، أو جاء بعيداً عن همومنا الراهنة، أو مشوِّقاً ولكنْ يستحيل تقديمُه إلى جمهور لم يكن قد رأى المعرض. المهلة المحدّدة تنفَد. والمقالة لمّا تَزَل عصيّة على الكتابة...
      وفي ذلك الوقت تذكّرنا پيار مينار.
      پيار كاتب شغوف بـ دون كيشوت لسيرفانتس. وكان قد كَتَبَ الفصلين XI و XXXVIII من أوّل جزء من دون كيشوت، وجزءاً من الفصل XXII من الكتاب نفسه، وذلك في صياغة أمينة جداً للنصّ الأصليّ. وهذا العمل، أيْ كتابة دون كيشوت من جديد في القرن العشرين، يجسّد قوّةَ نهج پيار مينار وأهميَّتَه. فهو لم يؤلّف دون كيشوت آخر، ولم يقدّم صياغةً أخرى للكتاب، وإنَّما كَتَبَ الكتابَ نفسه. پيار هاوي سينما وتصوير فوتوغرافيّ، ولقد التقيناهُ في معرض "بيروت: متخيّلات مدينيَّة"، حيث كان يصوِّر التجهيز الأخير، "دائرة التشابك"، وهو عبارة عن صورة كبيرة (4 أمتار 3x) تمثِّل منظراً من الجوّ لمدينة بيروت. ولقد جُزّئتْ هذه الصورة إلى 3800 قطعة أُلصِقَتْ على مرآة. وكان زائرو المعرض مدعوِّين لاختيار قطعةٍ وأخذِها معهم. وكلّما نَقصتْ قطعُ الصورة ظَهَرَت المرآةُ عاكسةً صورةَ الزائر. وكان الزوّار يُمضون وقتاً طويلاً أمام هذه الصورة، وينتقون بعنايةٍ القطعةَ التي تمثِّل بيتَهم القديمَ، أو طرفاً من مدرستهم، أو ناديَ الرياضة، أو الكورنيشَ، أو قطعةً من البحر أو من وسط البلد أو من خطوط التماس. ويجد الزائر نفسه في النهاية يحمل قطعةً صغيرةً خضراء تمثّل البحر ولا تعني شيئاً لأحد غيره؛ ذلك أنَّ القطعة لا تمثِّل شيئاً في حدّ ذاتها، إذ إنَّها حبّة صغيرة، مجرَّدة، فقط.
      خلال المعرض، لاحظْنا وجودَ هذا الرجل (پيار مينار) الذي كان يعود بعد ظهر كلّ يوم ليأخذ لقطات للصورة الكبيرة وهي تتضاءل. ولقد فاجأناه عدّة مرّات وهو يصوّر أجزاء الصورة فقط. "قبل أن تختفي"، على نحوِ ما اعترف لنا بذلك فيما بعد.
      وكان يقوم أيضاً بإحصاءات حول القطع الأكثر "رواجاً". وهكذا لاحظ أنّ نواحي المدينة الأسرع زوالاً هي: أ) المساحات الخضراء؛ ب) البحر؛ ت) البيوت القديمة؛ ث) الكورنيش.
      ولقد دغدغ هذا التجهيزُ روحَ پيار الشغوفة بالتجميع. ولذا كان يعود كلَّ يوم ويلتقط صوراً لصورة المدينة، ويقول إنَّه سيفعل شيئاً ما بهذه الصور .[2]
      غير أنَّه كان أيضاً يقول إنَّ كل تمرين ذهنيّ هو في النهاية غير مُجدٍ.
      ومنذ ذلك الحين ونحن أصدقاء، نكاد لا نفترق، بمعنى أنَّه يتابع دوماً أعمالنا في كل أطوارها وبكل انتباه. أهو الناقد المثاليّ؟... بدون تعليق!
      لقد استنجدنا به لكتابة هذه المقالة، معتقدين أنَّ صيغة المقابلة أكثرُ قابليّةً للقراءة في هذه الحالة. ورغم موقف پيار المعارض بشدّة للترجمة - فهو لا يؤْمن بالتواصل الثقافيّ ولا بالعولمة أو الكونيَّة - فلقد وافق على إجراء حوار ليُترجَم إلى العربيَّة... وله كل الشكر.
      وفي ما يلي جزء من هذا الحوار الذي دام ساعتين وعشرَ دقائق.
      - مينار: أنتما تَعْلمان أنَّني أرفض عامةً الشكلَ الشفويَّ للحوار؛ فهو مُريح جداً وفيه الكثير من التكرار... ولكنني سأقبل هذه الصيغة هذه المرّة لأنَّ الموضوع يتعلّق بكما، ولأنَّكما لم تتركا لي الخيار. ولكنْ يهمّني أن أؤكِّد بدءاً، وأياً كانت طبيعةُ مداخلاتي، أنّ المديح واللوم عمليتان عاطفيتان لا علاقة لهما بالنقد.
      أمّا في ما يتعلّق بمعرض "بيروت: متخيّلات مدينيَّة"، فكيف عسانا نبدأ؟ أنتما تعملان دوماً ضمن راهنيّة معيّنة، وكان لمسألة "الطَلَل" في العام 1997 حضورٌ مختلف عن حضورها اليوم.
      - لقد أمضينا سنوات عدّة نصوّر بيروت، وكنا نجد أنفسنا أمام استحالة إقامة معرض يقول "انظروا! هذه هي بيروت!"، بمعنى أنَّه كان من المستحيل تقديم غائية العمل عوضاً عن تقديم مسار بلورته. وذاتَ يوم، بَسَطْنا كلَّ اللقطات الفوتوغرافيَّة وقُمْنا بعمل "تنقيبيّ" موضوعُه: "نظرتنا" الفوتوغرافيّة هذه [3] وسيرورتها. ولقد اتّخذ هذا العملُ التنقيبيّ شكلَ تحرّي جسد المدينة، وشكلَ البحث عن أدلّة وبصماتٍ تُرشدنا إلى جسد الضحية وتساعدنا في كتابة الجريمة. لذا يرتكز المعرض على سينوغرافيا مكوّنة من مقدّمة وخمسة فصول وخاتمة.
      لقد اتّسمت هذه المرحلة من عملنا بالضبابيّة. ذلك أنَّ السؤال المركزيّ الذي تمحور حوله البحثُ كان التالي: ماذا نفعل بالطلل اليوم؟ فمشروع إعادة إعمار بيروت كان يصبُّ فقط في إعادة إحياء دور المدينة كمَرْكز مُنشِّطٍ للاقتصاد، لكون هذا الأخير هو العاملَ الوحيدَ في الإنماء والتطوُّر. وبالرغم من وجود ديناميّة جديدة في هذا المشروع، فإنّ المجتمع الحداثيّ الذي يتبلور ضمنه يُعيد إنتاج الأشكال والصور التي أدّت إلى الحرب. ولقد رَمَزتْ مسألةُ الطلل إلى هذه الإشكاليّة وكوّنتْ، في الوقت عينه، الأرضيةَ التي انطلق منها مشروعُ عملنا. ولكنَّها - أيْ مسألة الطلل - أدّت أيضاً بالعمل إلى طريق مسدود. ولهذا السبب احتلّت تلك المسألة مساحةً كبرى من عملنا.
      كان هناك مَنْ يريدنا أن نصدِّق أنَّ الحرب لم تكن إلاَّ حادثةً عابرة، أو جسداً زائداً يجب علينا إزالتُه بسرعة. وكانت البطاقات البريديَّة الصادرة في الستينيَّات لمّا تزل تُباع: ساحة الشهداء، الأسواق، الشرطة الراكبة على الجِمال...
      إنّ هذه الأسطرة للمدينة لم تزل حيّة، ولقد شغلتْ حيِّزاً مهمّاً من عملنا على البطاقة البريديَّة من حيث هي صورة رسميّة، "كليشيه". وقدّمنا هذا العملَ في معهد العالم العربيّ، وفي معرض "وندر بيروت (Wonder Beirut): رواية مصوِّرٍ مهووسٍ بالنار" (غاليري جانين ربيز، بيروت، تموز 1998).
      - مينار: نعم، نعم، لقد أحببتُ ذلك كثيراً! فلنتحدّثْ عن "وندر بيروت". يبدو المجاز جليّاً في هذا المعرض، ذلك أنَّكما أَقَمْتُمَا علاقةً وطيدة بين الصور وبين طَوْر تكوُّنها نفسه.. وهذا ما يُعطي للعمل قوّته. دعونا نُخْبرِ الحكاية.. هل لي أن أخبرها؟
      - تفضّلْ يا پيار!
      - مينار: قَدّم معرضُ "وندر بيروت" حكايةَ مصوّرٍ فوتوغرافيّ كان يعمل مع والده. في العام 1969، طلبتْ منهما الدولةُ اللبنانيَّة وضع رزنامة رسميَّة وبطاقات بريديَّة. بعد عشر سنوات، خلال الحرب، انزوى المصوّر في مختبره (وذلك بعد وفاة والده)، فنزع كلَّ الصور والبطاقات البريديَّة عن الجدران وأحرقها ببطء وتأنٍّ، مُرسِلاً قذائفه الخاصةَ نحوها، ومُحْدِثاً فيها فجواتٍ وفراغاتٍ، جاعلاً إيّاها أكثر قُرباً إليه، إلى واقعه. ولمّا احترق كل شيء، كان سلامٌ... لقد أَحْرق المصوّر بطاقاته البريديَّة، فتحوّلتْ إلى آثار مقدّسة مليئةٍ بالحنين ولكنَّها خالية من أيّ مرجعية.
      أمّا اليوم، فلم يعُدْ هذا المصوّر يُظهِّر صورَه، بل يكتفي بالتقاطها. في المعرض افترشَتِ الأرضَ مئاتٌ من بكرات الأفلام، 6452بكرةً بالتحديد، كلها تحتوي صوراً التقطها هذا المصوِّر ولم يتمّ تظهيرُها بعدُ.
      - هلقُمتَ بِعَدِّها؟
      - مينار: نعم، بالطبع. ولقد قدّم المعرضُ صوراً لبطاقات بريديَّة من الستينيَّات تمّ إحراقُها. وكنا قد تحدّثنا عن الموضوع هذا، ونصحتُكما بالعمل على بلورة صيغة حَرْفية للصيغة الحَرْفية، صورة على الصورة. وهذا يعني، بكل بساطة، أن تصوِّرا من جديد تلك البطاقاتِ... لماذا حرقُها؟ كان يكفي أن تتوقفا قبل مرحلة الإحراق.
      - لقد دَرَسْنا هذه الإمكانية واستبعدناها.
      - مينار: لم أقترح إعادةَ إنتاجٍ آلية، ميكانيكيَّة، للنسخة الأصلية. لم أكن أقترح عليكما عَرض "نسخة طبق الأصل"، ولكنَّني كنتُ أحثّكما على الذهاب أبعدَ من هذه الفكرة أو من هذا المفهوم وعلى السعي لإيجاد "المصادفة"، أيْ ما يجعل الأشياءَ تُصادف بعضَها بعضاً... تلتقي.
      - لقد أغرانا أن نستعيد صلتنا باللغة العربية وإيمانَنا بالوطن وبالمجتمع، وأن ننسى تاريخ لبنان بين عامَيْ 1975 و1990، وأن نَكُون ذلك المصوِّرَ كي نصل إلى البطاقات البريديَّة. غير أنَّه بدا لنا من الأسهل أن نستمرّ في كوننا جوانا حاجي توما وخليل جريج كي نصل إلى تلك البطاقات.
      لم يَرْفض مصوِّر "وندر بيروت" تعاونَ المصادفة. كان يؤلِّف صوره كيفما اتفق. أمّا نحن، فلقد أُصبنا بضرورة غامضة أَلاَ وهي: إعادة بناء أو تركيب عمل المصوّر العفويّ. أَنْ تُصوَّر هذه الصورُ وتُصنَعَ منها بطاقاتٌ بريديَّةٌ في العام 1969 شيء، أمّا أن تُعيد تصويرها في العام 1998 فشيء آخر، شبهُ مستحيل. أشياء كثيرة حصلتْ خلال الأعوام التسعة والعشرين تلك، أشياء غايةٌ في التعقيد، من بينها - على السبيل المثال لا الحصر - البطاقاتُ البريديَّة نفسُها. في الأساس، صُوَرُ 1969 وصور 1998متطابقة. وفيما بعد يتمّ حرقها.
      - مينار: لديّ هنا صورتان: الأولى التقطها المصوّر عام 1969؛ والثانية صورة لتلك البطاقة البريديَّة، وتم التقاطُها عام 1998 (يُرينا الصورتين). إذا كانت الصورتان متطابقتين في الأساس كما ذكرتُما، فكيف تفسِّران كونَ صورة عام 1998 أكثر دقّة وغناءً؟ إنَّه لأمر مذهل...
      إنّكما، بمجرّد تصويركما لهذه البطاقات، قد بلورتما طريقةً جديدة في العمل: المفارقة التاريخيَّة المتعمّدة والتقنيّات الخاطئة. ولو اكتفيتما بعرض البطاقات البريديَّة في العام 1998 لكان ذلك بمثابة كَشْفٍ. أمّا إحراق البطاقات فليس إلاَّ تَوْرِيَةً تُضْعف قوّة العمل وإمكانياته.
      - لا، بالعكس. لقد أَحْرقنا أو "طبَخنا" كلَّ صورة على نحوٍ مختلف، وهو ما أسهم في إظهار الخصوصيّة التدليليَّة لكلّ صورة بشكل ملموس وحسيّ. أردنا العودة إلى البعد الأنطولوجيّ لتلك الصور. أردنا أن نسجّل الضوء بالحروق.
      إنَّها ردّة فعل على أزمة نقصان صور الحاضر، وهي تهدف الى عَكسِ كيفيّة تصوُّرنا لبيروت ولأنفسنا، وإلى مقاومة إعادة إنتاج وأسطرة الصور - الرمز.
      لقد عَمِلنا أيضاً على الأيقونات السياحيَّة. فالتجهيز - المدخل لمعرض "بيروت: متخيّلات مدينيَّة" عبارة عن ورق جدران مكوّن من بطاقات بريديَّة يغطّي جدرانَ قاعة الاستقبال. وأمام تلك الآلاف من البطاقات مُدَّ قماشٌ من "التول"، وأمام هذا القماش صورةٌ ذاتُ توليف كلاسيكيّ تمثّل حِرَفِيّاً أثناء العمل. ولقد وُضعتْ هذه الصورة في صندوق مغطّى بزجاج مصنّع  (Plexiglas).
      - إنَّها واجهة تُبقي المشاهد على مسافة، واجهة نلعب خلفها على عَرض بيروت. نقدّم للعين جزءاً مِنْ كلٍّ يُفترض أنه يمثّل "بيروتَ الحقيقيَّة"، الأصليَّة.
      - مينار: إنَّكما تتحدّثان بمنطق الحَدَث، الخبَر.. عليكما الخروج من هذا المنطق. إنَّ المفاهيم والنقد التاريخيّ والمنظور الذي منه تتحدّثان، كل هذا جيّد ومهمّ جداً، لكنّ هذه المواقع التي تتحدَّثون منها عَرَضية ولا أعتقد أنَّها حتميَّة بل ولا ضروريَّة أيضاً.
      أنتما تفضِّلان دائماً تبنّي موقع نقديّ يضعكما غالباً في موضع الباحث أو المحلِّل، أيْ يضعكما ضمن مسار تاريخيّ معيّن. وهذا شيء آسف له...
      ولكنَّني ارتحتُ كثيراً عندما رأيتُ التجهيزَ الأخيرَ في معرض "وندر بيروت"، أيْ بكرات الأفلام التي لم تُظهَّر بعدُ والتي تفترش الأرض. هناك تجاورٌ فعليّ بين عمل المصوِّر المرئيّ (البطاقات البريديَّة) والبكراتِ التي لم تُكشف بعد، وهي العمل السُفليّ البطوليّ الذي لا مثيل له والذي هو بالطبع غير مكتمل. إنَّها باختصار محاولة سامية(sublime) لضبط كلّ دقيقة تمرّ.
      - كان المصوِّر يتذمّر من كونه عاجزاً عن الاحتفاظ بصور الحاضر. فهي ضبابية، تُفلتُ منه باستمرار. وهو عَمِل على تصوير كل دقيقة تمرّ بهدف دحض فكرةِ أنَّ الصورة هي الحياة في زمنها المتأخِّر أبداً. والواقع أنَّ هذا الشغل على الزمن قد نَزَعَ كل قُدسية عن الصورة الفوتوغرافية من حيث هي نتيجة، وقدّمها من حيث هي فِعل.
      ويُضاف على هذا الفعل الفوتوغرافيّ لذّةُ تدمير البطاقات جسديّاً من خلال إحراقها. ذلك أنَّ البطاقات تمثّل أساطيرَ تأسيسيَّةً "للجماعة".
      - مينار: ما أحزنني هو أنَّكما لم تَكْشفا عن اسم المصوّر قطّ، كأنَّكما أردتما حمايته أو وضعَ مسافةٍ ما بينه وبينكما.
     - كنا بالفعل نريد حمايته، فهو يمرّ الآن بأزمة نفسيّة حادّة. أمّا في ما يتعلَّق بالمسافة، فهي مهمّة لأنَّها بمثابة فجوة تجعل الحدودَ بين الأشياء أقلَّ وضوحاً.
     دعنا نعد إلى معرض "بيروت: متخيّلات مدينيَّة"..
     - مينار: هيا بنا! في رأيي أنّ المعرض محاولة لتقديم بيروت من حيث هي تجهيز ضخم ويوميّ. فالصورة هنا، في المعرض، مُمَسرحة، مطروحة كإشكاليّة ضمن وضعيّة تَدْفع المُشاهدَ إلى المشاركة.
      - ليست المسألة مسألة مشاركة فحسب، بل ما يهمّنا هو زعزعةُ علاقة المُشاهد بالصورة. في المعرض، لا يبني الزائر علاقةً مباشرة مع الصورة: بل عليه أن يدور، أن يَلْمس، أن يُزيح، أن يرى، أن يشرِّح. فالتساؤل الذي طرحناه حول المدينة وَضَعَ بدوره قدرةَ الصورة نفسها موضعَ تساؤل. فكان علينا أحياناً أن نجعل الصورة أكثر قولاً، وأن نعيد لها هالتها، وأن ننظر إليها بوصفها مكاناً للعمل والحياة.
      - مينار: ربما... غير أنَّ معارضتكما المعلنة لإعادة تصوير الصور القديمة لا يمكن تبريرُها فقط بنهج سياسيّ يتصدّى للحنين وللصور الرسميَّة. عندما أتحَّدث عن المشاركة، أعني بذلك وجود إرادة لديكما لاقامة لقاءٍ ما. وهذا يدل على أنّ وهم "الجماعة" ما زال قائماً...
- لا، لا أعتقد...
      - مينار: لا أفهم، إذاً، ماذا تنتظران من هذا التفاعل بين عملكما والمُشاهد، وما مدى فاعليته الحقيقيَّة. إنَّ في هذا شيئاً يشبه اللعب.. حيلة.. "تفِنْكة"..
      - أُدرك بالطبع أنَّ هذا الأسلوب مغاير تماماً لنهجك أنتَ في العمل. ولكنْ ماذا شعرتَ عند التجهيز الثالث، عندما أزحتَ صور الندبات البشريَّة لترى، من تحتها، صوراً تمثِّل الدمار المدينيّ؟
      - مينار: ربما انزعجتُ قليلاً، أو ربَّما أُحرجتُ، هذا صحيح... ولكنْ بسبب فكرة أنَّني أمزّق جلداً بشرياً... فضلاً عن أنَّ المادّة المستعملة في الصور تذكّر بملمس الجلد. غير أنّ هذا لا يغيّر شيئاً مما قلتُه.
      - إنَّ مشاركة الزائر تولّد تلك المسافة التي تحدّثتَ عنها، ذلك أنَّ العلاقة ما بين الذات والموضوع مطروحة كإشكالية. أمّا على مستوى التركيب، فإنَّ هذا العمل يُعيد إلى الأذهان واقعَ الحرب التي لم يكن فيها أبرياء. أعطي مثالاً على ذلك تجهيزَ المسرح الذي هو بمثابة استعارة، فيه يمرّ الزائرُ بثلاثة مستويات، أو أشكال، من النظر. في الأول هو مُشاهِدٌ يَنْظر إلى صور سينما - مسرح "سيتي سنتر" المدمَّر كليّاً. ولكي يَخرج من القاعة، عليه أن يصعد إلى خشبة وأن يشغّل "بروجكتوراً". وفي تلك اللحظة تُبثّ على شاشة أمامه صورةُ مشهدِ عنفٍ. ولمّا كان ظلُّ الزائر ينعكس على الشاشة في الوقت نفسه، فإنّ هذا الزائر يجد نفسه مشارِكاً ممثِّلاً في المشهد. وعلى الزائر أخيراً، لكي يَخْرج، أن يَعبُر الخشبة كي يصل إلى خلف الشاشة. حينها، تنعكس صورتُه من جديد لأنّ الشاشة شفّانية (
translucide). وفي تلك اللحظة يجد نفسه في موقع المُشاهِد السينمائيّ أو التلفزيونيّ، إذ إنَّه بات يتأمَّل مُشاهِداً آخر دَخَلَ بعده وأصبح في موقع المشارِك الممثّل في المشهد. هناك إذن ثلاث مراحل، أو ثلاثة مواقع من النظر.
      - مينار: كلُّ ما تقوله مهمّ، لكنْ لا يمكننا وصفُ كل شيء في المعرض، رغم أنَّني أدرك أنَّ كثيرين لم يشاهدوه، وخاصةً الجمهور اللبنانيّ... ولكنَّكما طلبتما مني مقابلةً، أيْ حواراً، لا عرضاً شكلياً للعمل.
      - ولكنْ لا بدّ من الوصف؛ فبدونه لن يفهم القارئ عمّا نتحدّث. لنعدْ إذن إلى التجهيز الثالث الذي يقدّم صورَ الندبات والدمار العمرانيّ. لقد كتبنا على صور النَدبات نصوصاً شخصية بهدف عَكْس "البَصْبصة" (voyeurisme) (تماماً كالمرآة) وفجورِ العلاقة بالصورة.
      - خليل مُحقّ في التأكيد على هذا التجهيز ...إنَّ وضع صورتَي الندبات والعمارات في شكل متوازٍ يدلّ على استحالة التقاط واقِعَيْن في الوقت نفسه. هكذا تصبح صورة الندبة نفسها أثراً لأثرٍ...
[...]
      - مينار: ماذا يعني لكما الحديثُ عن المعرض اليوم، مع ما يتضمّنه ذلك من عودة إلى الحرب وآثارها، أيْ إلى الطلل أو إلى الذاكرة؟ كل هذه المصادفات، ونحن نعلم أنّ الحقيقة التاريخيَّة ليست "ما جرى" ولكنْ "ما نظن" أنَّه قد جرى. كيف عسانا نخرج من هذه المسألة؟ ألم تَمَلاّ من تكرار الحركة نفسها؟
      - هل تعتقد أنَّ بمقدور پيار مينار أن يقول شيئاً كهذا حول مفهوم التكرار والذاكرة؟
      - مينار: ربما اعتدتُ على نشر أفكار مناقضة تماماً لتلك التي أفضّلها... وربما لا. أجيبا على السؤال.
      - لقد تغيّر تصرُّفُكَ منذ بداية اللقاء، ربما لأنَّكَ لاحظتَ حدوث تطوّر ما: إذ إنَّنا انتقلنا من حوار "حول پيار مينار" إلى حوار "حولنا".
     - مينار: نعم، تريدانني أن أكون مجرّد مُحاور يحثّكما على الكلام. سأقوم إذن بهذه المهمّة، ولكنني آسف فعلاً لهذا الدور الموكل إليّ. إذ كنتُ أطمح إلى أكثر من ذلك، أيْ إلى حوار فعليّ بيني وبينكما. ولكنْ يبدو أنَّ هذا المشروع صعب جداً، وربما مستحيل... تريدان أن يتحوَّل پيار مينار إلى خليل جريج وجوانا حاجي توما، وأن يتكلَّم العربيَّة، ويُبدي اهتماماً بالتاريخ وبالحرب اللبنانيَّة وشروطهما، وأن يكون فعّالاً بدل أن يكون معنيّاً بالفعاليّة.
      "كل مقولة فلسفيَّة هي، في البدء، عبارة عن وصف كأنَّه حقيقيّ للكون. في ما بعد تتحوَّل المقولة إلى فقرة أو إلى اسم أو، في أفضل الأحوال، إلى فصل من فصول كتاب تاريخ الفلسفة". لقد أردتما توجيهي نحو الخطاب بهدفٍ (غيرِ مُعلن ولكنَّه فعليّ)، وهو الحصول على شهادة اعتراف وتقدير، وبعدها يتحوّل كلامي إلى "خربشة" تُنشَر في كتاب فنٍّ افتراضيّ.
      فلنعدْ إذن الى المهمّة الجديدة الموكلة إليّ.
      - أعرف أنَّ ما تقوله هنا هو تماماً عكس ما تعتقد. فلقد لجأت إلى الحيلة نفسها مع پول فاليري. ونحن الثلاثة نفهم ذلك. ولهذا السبب ليست صداقتنا في خطر، ومن ثم يمكننا متابعة الحوار.
      - مينار: أجيبا على السؤال.
      - لقد اتّخذ المشروعُ الحداثيّ لبيروت، منذ نهاية الحرب، شكلَ محدلة طَمَرَتِ الأشياءَ كلَّها تحت سجادة تتكاثر فيها أشباحٌ تحاول أن تقوم وتعود من جديد... ولا بُدَّ لكل أثر مكبوت أن يعود، ولكل عمل غير مكتمل أن يؤدِّي إلى ما قاله دريدا، وهو أنَّ "العائدين لا يكفُّون عن العودة". والصورة هي الأخرى شبح مكبوت - عائد، أو هي عائدةٌ لا تكفّ عن العودة.
      تَطْرح إعادةُ الأعمار مشروعاً هو "المستقبل". وبطاقات الستينيَّات تُؤسطِر الماضي. وبين الاثنين لا مكان للحاضر. والصورة إمّا "ما كان" وإمّا "ما سيكون".
      "سوليدير" هي في الأساس صورة، صورة فوتوغرافية كبيرة، واجهة كتلك المعروضة في مدخل معرض "بيروت: متخيّلات مدينيَّة"، أو كواجهة البيت في فيلم "البيت الزهر": زهر من الخارج فقط. ("البيت الزهر"، فيلم ساعة ونصف، 1999).
      - أودّ أن أشير إلى أنَّ التحرّي عن جسد المدينة في "بيروت: متخيّلات مدينيَّة" قد أوصلنا إلى جسدنا. ولكنّ الجسد، كما المكان، عصيّ على التحديد. لذا يتحوَّل إلى متخيّل (fiction) جزئيّ عصيّ على الالتقاط. بيروت غير موجودة لكنَّها تجعل وجودنا ممكناً، بل إنَّها تصنع وجودنا ذاته. تلك هي الكلمات الأخيرة المدوّنة في معرضنا.
      - مينار: آه من المرجعيَّة اللاكانيَّة. على غرار تلك الأحجية  الجويّة الملصقة على المرآة، وعلى غرار تلك القطع من الصور، فإنِّي أعتقد أنَّ هذا التجريد أو التجزيء للجسد الذي تتحدَّثان عنه يحيل أيضاً على نقدٍ للسياسة المالية بما هي إصدار لأسهم وانتقالٌ فرضيٌّ للأموال. من غير الممكن الحديثُ عن هذا التجهيز الأخير... جُلّ ما أستطيع قولَه هو EE14... رقم قطعتي من الصورة. (يُخرج پيار القطعة من جيبه).
      - أتحتفظ بها معكَ؟!
      - إنَّه تولُّهٌ بالأشياء...
      - مينار: لا، لقد أحضرتُها معي لهذه المناسبة بالذات.
      عندما رأيتُ عملكما لأوّل مرّة، فكّرتُ في عجز الصورة... في عدم قدرتها على التقاط الواقع. وهي، من ثمّ، بحاجة إلى "وصلة" متخيّلة (relais fictionnel) . وهناك دائماً سيناريو ما يُسيّر عملكما. هكذا أحصيتُ ثلاثة أنواع من التفاصيل المصوّرة في ثلاثة من تجهيزات المعرض، وكل واحد من هذه التفاصيل الثلاثة يحكي أشياء مختلفة:
      أ - التفصيل المتعلّق بفئة "الجمال" (مُؤلَّف من قسمَيْن فرعيين).
      ب - التفصيل المتعلّق بفئة "العبث" (مؤلَّف من ثلاثة أقسام فرعيّة).
      ت - التفصيل المتعلّق بفئة "البحث عن معنى" (ليست له أقسام فرعيَّة).
      لنبدأْ بالتفصيل الأخير. أَذْكر تلك المصابيح التي حطّمتها الحرب، والتي صُوّرتْ بطريقة تجريديَّة جعلتْ للمصابيح أشكالاً غيرَ متوقّعة تمثّل حيوانات... أيْ ما يشبه الزريبة الخاصّة.
      - تَتَتَبَّعُ سينوغرافيا المعرض حركةً تصويريَّةً معيّنة: تبدأ بلقطات واسعة النطاق وتصل تدريجياً إلى التفصيل الدقيق. لذا فإنّ صور المصابيح التجريديَّة لا تحيل إلاَّ على متخيّل شخصيّ، تماماً كفعلٍ شعريّ. لهذا السبب عُرضتْ هذه الصورة في نوع من Camera obscura ذاتِ وجهٍ من زجاج مكبّر. وكان على الزائر أن يضع نفسه مكاننا، أيْ أن يرى إلى الأشياء من منظورنا، كي يرى الصورة.
      - فيتحوّل آنذاك المصباحُ إلى فيلٍ أو دلفين أو حشرة. هذه هي زريبتنا. تفصيل ما يَدْفع ويحرِّك المتخيّل.
      - لقد تمّ التعامل مع صور الفئة أ ("الجمال") كمواضيع ثقافيَّة، كأنَّما بالأطلال الناتجة عن الصدفة تزور عالم الفن. لقد بيّن هذا التجهيزُ مدى القدرة الجماليّة التي اكتسبها الطلل. فالحروق على الجدران، والدهانُ المفتّت، تحيل على لوحات فنيّة معاصرة عرضناها أيضاً في كوادر ذهنيَّة كما في متحف يَطْغى عليه اللونُ الأزرق.
      أمّا صور الفئة ب، فهي تحيل على عبثية بعض التفاصيل: حنفيَّة بدون مغسلة، شرفات متشابكة، شجرة وسط صالون في شقة، درج عموديّ.
      ولقد وُضعتْ هذه الصور على الجهات المتعدِّدة لمكعّب لولبيّ. وكان على الزائر أن يُدير المكعّب كي يجد اتجاهاً ما لقراءة الصور: يبدأ من فوق، من تحت، عمودياً، أفقياً.
      تَكْشف صورُ التفاصيل هذه عن عجز الصورة الفوتوغرافية عن الهيمنة على المكان بمعناه التوبوغرافيّ الكلاسيكيّ.
      - يبتعد الفعل الفوتوغرافيّ عن الواقعية، عن الريبورتاج. إنَّه، هنا، أقرب إلى قنبلة: فهو يُحيّد الموضوع عن إطاره، عن مهمّته، ويَهدِم معناه الأوّل. ولا تعود الصورةُ تَفْرض إعادةَ بناءٍ أو تحديداً واضحاً للمكان.
      - مينار: كالتحديد الواضح الذي مارستماه على دوري في هذا الحوار... ها أنا أُضيّع الموضوع... سأعود الى مهمّتي.
ما الذي يُحدّد مكاناً ما في رأيكما؟ أَجسدٌ ما مثلاً؟ أم حركة هذا الجسد؟ أم كون هذا الجسد مُحتجزاً وفي عزلة؟
      لقد احتلّ هذا الموضوع حيّزاً مهمّاً في عدد من أعمالكما، مثل "خيام" و"لا تمشِ" و"ندر بيروت" (حيث المصوِّر معتزل في مختبره)، وأيضاً في فيلم "البيت الزهر" حيث الحيُّ الذي تجري فيه الأحداث عبارةٌ عن استديو سينمائيّ خالٍ من أيّ خلفيّة، ويبدو وكأنَّه معزول عن كل شيء.
      - في فيلمنا الوثائقيّ "خيام" (أُنجزَ في نيسان 2000)، يحكي ستةُ أسرى محرِّرين عن الأشياء التي كانوا يقومون بها في زنزانتهم التي لا تتعدَّى مساحتها المتر 80
سنتمتراً 80 X سنتمتراً. كانوا مثلاً يمشون مسافة 4 كلم ونصف في الزنزانة دون أن يكون بإمكانهم إدارة وجوههم، لأنّ المكان لم يكن يسمح بذلك.
      هنا تتّخذ عبارة "المسار" بُعداً مدهشاً وسريالياً يجرِّد المُعتَقَل (المكانَ) نفسَه من واقعيته.
      - ما يهمّنا هنا هو ضيق المكان الحيويّ الذي يتحرّك فيه جسدٌ ما. فيلم "لا تمشِ" مثلاً (فيديو فنيّ مدّته 12 دقيقة) يحكي عن الفترة التي أمضتها جوانا في السرير دون تحرُّك (4 أشهر ونصف). كانت حاملاً وغير قادرة على التحرُّك. فضاؤها الوحيد الغرفة، وأفقُها الوحيد عمارتان حديثتان تُشْبه نوافذُهما الشاشةَ.
      - لقد جلبَ لي خليل صوراً لهذه المدينة ولكنِّي رفضتُ رؤيتها. كنت أصوِّر يومياً جيراني. وكما فعل جايمس ستورت في فيلم "النافذة الخلفية" (Rear Window); كنتُ أنا أيضاً أنتظر حدثاً ما. لكنّ الأمر في الواقع مختلف عنه في الفيلم.
      لم تحدث أيُّ جريمة. لذا يأخذ الحدثُ بعداً مختلفاً جداً: ذبابة على الزجاج، الجيران وهم ينقلون الصناديق، فتاة صغيرة تتنزّه... ثمّ، في يوم من الأيام، محادثة هاتفيَّة حادّة. لا نَفْهم شيئاً منها ولكنَّها تصنع الحدثَ فجأةً. إنَّه لوضع غريب يتحوَّل فيه المشهديُّ بشكل مدهش.
      - مينار: يحتاج موضوعُ المشهديّ إلى نقاش وجدل... ولكنَّنا نجحنا على الأقل حتى الآن في عدم ذكر "دوبور"(Debord) . فلنتابع هكذا.
      ملاحظة أخيرة سَتسرُّكُما لأنَّها تعود بنا إلى معرض "بيروت: متخيّلات مدينيَّة". تَكْشف صورُ المعرض، لأوّل وهلة، عن شبهِ غيابٍ لما هو إنسانيّ. أحصيتُ 24 شخصية أو صوراً لبشر، منها صورتان لمجموعات من الناس، وصورتان تجريديتان، وذلك من أصل 165 صورة لأطلال العمارات. وهذا يعني أنَّ 6,8 بالمئة فقط من الصور تحتوي على العنصر الإنسانيّ. وهذا قليل.
      - سبق أن قلتُ إنَّ للصور منطقاً معيّناً يتّجه من العام إلى التفصيل الدقيق الذي يَبْلغ درجةَ التجريد أحياناً. والظاهر أنَّها تؤكِّد الشيءَ أو الجزئيَّات (بقايا العمارات والأحجار) أكثر مما تؤكِّد الإنسانَ. ولكن، في الواقع، أن تلتقط الطللَ يعني أن تبحث عن أولئك الذين يسكنونه، ويهيمون فيه كالأشباح.
      - الطلل مطمور. وهو مسكونٌ إلى أقصى الحدود. الطلل يَكْشف الغياب وفقدانَ ما نبحث عنه فعلاً: جسدَ الآخر وجسدَنا نحن. وكما قلتُ آنفاً: علينا ألا ننسى أنَّ العائدين لا يكفّون عن العودة.
      - هنالك أشياء كثيرة في المعرض لم نتطرّق إليها... كان لديّ أشياء أكثر لأقولها.
      - مينار: لقد طال الحوار كثيراً... أحياناً، وأنا أسمعكما، أشعر أنَّكما تعتبران أنَّ معرض "بيروت: متخيّلات مدينيَّة" لـ خليل جريج وجونا حاجي توما هو فعلاً معرض لـ خليل جريج وجوانا حاجّي توما.
      - هل نستطيع الاستماع إلى كل الحوار منذ البداية؟



[1]  جوانا حاجي توما وخليل جريج

وُلدا كلاهما عام 1969، وهما مخرجان سينمائيَّان وفنانان لبنانيَّان. كتبا وأنجزا معاً أفلاماً قصيرة عدّة، وأنجزا عام 1999 فيلماً روائياً طويلاً بعنوان "البيت الزهر"، وهو إنتاج فرنسيّ - لبنانيّ - كنديّ مشترك خَرَج إلى الصالات في بلدان عدّة واختير ليكون من ضمن عدد كبير من المهرجانات. عام 2000 أنجزا فيلماً وثائقياً بعنوان "خِيام" (25 دقيقة)، وسيكون العرض الأول في بيارتيز، مهرجان فيپا، عام 2001. كما أنَّهما أيضاً مؤلِّفا عدد من معارض التجهيزات التصويريَّة والفيديويَّة. ومن بينها: "بيروت: متخيّلات مدينيَّة" (معهد العالم العربيّ في باريس، 1997)، "وندر بيروت: رواية مصوّر مهووس بالنار" (غاليري جانين ربيز في بيروت، 1998) و"لا تَمْشِ" (إسپاس ميرا فلاينا، مركز الفن الحديث في مونتروي، 2000). من منشوراتهما: "بيروت: متخيّلات مدينيَّة"، و"ماذا كنت تفعل بين هذا الفجر والفجر الأخير؟" في سپسيمان رقم 4. وهما الآن يدرِّسان فنّ كتابة السيناريو، وجماليات الصورة وفلسفة الصورة، في معهد الدراسات المسرحيّة والمرئية المسموعة في جامعة القديس يوسف في بيروت.

[2]  ولقد قَبِلَ، مشكوراً، أن يُعطينا بعضاً منها لنشرها في هذه المقالة.

[3]  العبارة بالفرنسيَّة هي "archéologie de notre regard". (المترجم).