حجم أكبر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعب مستعار

وليد صادق [1]

      لي صديق يستعمل التلفزيونَ كحبة منوِّم. يدير الجهازَ كلَّما اشتاقت عيناه إلى النوم، ويستلقي قبالته، ولا يلبث أن يغفو ويغوصَ في سبات عميق بعد دقائق قليلة. صديقي والتلفزيون يشكِّلان ثنائياً سعيداً ومكتملاً: جسدٌ صامتٌ ومستسلم، وقبالته علبةٌ تَبثّ - دون تعبٍ - سيلاً جارفاً من الصور والأصوات. هما أيضاً ثنائيّ مثاليّ للجنس ولآليّته: عنصرٌ دافق، وآخر هامدٌ، يلتقيان على سرير من الفوتونات والذبذبات لا يشوبه صريرٌ ولا عَرق. مجرّد صور متكلّمة تتوالى على شخير سكران. فصديقي هذا مدمِنٌ، ومثله أنا، على استعمال البثّ التلفزيونيّ، وإنَّما تَفْصلنا درجةٌ في سُلّم تطوُّرنا. فهو يبدو متقدِّماً عليّ بحكمته و"بُعْدِ نظره". إذ إنَّه فهم جيداً، ومنذ فترة طويلة، أنَّ البثّ التلفزيونيّ لا يبتغي سوى عشقِ مُشاهده، أي الالتصاق به. لذا فإنِّي لا أرى في نعاس صديقي سوى إقرارٍ مسبّقٍ ومؤثِّرٍ بذوبانه التام في أحضان عاشقه.

      في أيلول سنة 1997، قدّمتُ عملاً فنياً [2] أُدرج حينها في خانة فنّ التجهيز. وكان عملاً يقوم على حاجة إلى تقديم مداخلة في حاضرٍ مستلبٍ من خلال سردٍ شخصيّ لأحد فصول الحرب الأهليّة اللبنانيَّة، هو حصارُ مخيّم تل الزعتر في صيف 1976. وتمَّ ذلك من خلال نقد يستعين باستعادة نقديَّة لأغانٍ ردَّدتْها شبيبةُ الميليشيات "المسيحيَّة" حينذاك، وببثٍّ لمجموعة من الأداءات الفيديو - تلفزيونيَّة وضعْتُ فيها الراويَ الضمنيَّ للعمل في حيِّزٍ مقفَلٍ، هو بيتٌ في الحازمية، تسوده معرفةٌ عسيرة، أيْ معرفة ضيِّقة، قوامُها انخراطُ البيت في محيطه الجاهد نحو تمأسسه على وسطٍ لا نواة له سوى "أبلسةٍ" لامتناهيةٍ/أسطوريَّة للآخر، أي الفلسطينيّ. في أحد هذه الأداءات الفيديو - تلفزيونيَّة، قدَّمتُ شريطاً مدتُه أربعُ ساعات، هو توليف لحلقات (Loops) متتالية ومتشابهة، مدةُ كلَّ واحدةٍ منها 41 دقيقة و42 ثانية. في كل حلقة منها يَظْهر الراوي الضمنيُّ وهو يَدْهن وجهَه بطبقة من الطلاء الأسود ثم ينصرف إلى إزالتها ما إنْ تغطيه تماماً.
      عملية يكرِّرها هذا الراوي مرات عدة، تبدو فيها تقاسيمُ وجهه وتفاصيلُها كأنَّها تذوب لتعودَ وتطفوَ ممسوخةً ومحوَّرةً كما البقايا العائمة لسفينة غرقى. وعلى ما في هذا الوصف من مشهدية قد تَعِدُ القارئَ بعمليةِ تقنيعٍ للوجه بما فيها من إخفاء للذات واستعراض لها، فإنَّ الأداء هنا هو أدنى إلى "وجه - عتبة" منه إلى "وجه - قناع". إنَّها عمليَّة دهن الوجه بالطلاء الأسود ومسحه، عملية تَتْبع اليدُ فيها حركةً جانبيَّةً هائمة. والوجه في هذه العملية ينتقل ويتوالى تباعاً كسلسلة من المَشاهد الداكنة إلى مَشاهد أخرى أقلَّ دُكْنةً، كما ينتقل شريطٌ سينمائيٌ أو شريطُ فيديو من مشهد إلى آخر من خلال تقنية المسح(Wipe Cut) , حيث يتقدَّم مشهدٌ على آخر سابقٍ من خلال مسح إطاره والحلولِ محلَّه. وهذا التتابع اللامتناهي يعيد توجيهَ "الوجه - القناع" بعمقه ووعودِ دواخله نحو "وجه - عتبة" منبسطٍ ومنسابٍ على خيط شريط الفيديو الزمنيّ. وعلى ما حَمَلَتْه هذه الحلقةُ من معانٍ في تشابكها مع أجزاء أخرى من ذلك العمل التجهيزيّ، فإنَّها تَحْمل في حدّ ذاتها موقفاً نقدياً أولياً من منطق تعامل الفيديو مع التلفزيون، وهما في ترادفهما على التوالي قولٌ طارئٌ على لغة سابقة.
      الفيديو في استعمالاته الفنيَّة - النقديَّة، أيْ بقدر ما يَخْرج على منطق السيل في البث التلفزيونيّ، يتقدَّم غالباً كمداخلة نقدية على هذا البث التلفزيونيّ الذي يشكِّل سندَه الأولَ. فاستعمالُ التكرار وتوليفُه في حلقات داخل الشريط الفيديو - التلفزيونيّ قائم على إبطاء الوقت وتحويلِهِ إلى تجربة حسية (أو على الأقل مرئيَّة)، ومن ثمَّ فهو عمل معاكس في مواجهة منطق إخفاء الزمن في سرعة البثّ التلفزيونيّ ودفقِه. تكرار الأداء الواحد يَجْعل مِنْ تقدُّم الشريط وتعاقُبِ إطاراته عمليةً بطيئةً ومتأنِّية، ومن مساره الزمنيّ أمراً شبهَ مرئيّ. بل وأكثر من ذلك، تعيد هذه الحلقات المتكرِّرة إلى المشهد الفيديو - التلفزيونيّ عبءَ مشهده. فالتكرار يَحْجز الأداءَ في البثّ نفسه، جاعلاً من هذا الأخير عملاً انعكاسياً يحيل على داخله. الأداء وبثُّه يبدوان، إذاً، كحدث قائمٍ بذاته ومنكفئ على نفسه، وهذه عملية "لا تعبّر بالضرورة عن رأي صانعيها... بل تتحمَّل وحدها مسؤوليةَ ما تقوله وما تفعله..." [3] .
      انتقال مسؤوليَّة القول والفعل من راوٍ حقيقيّ إلى الراوي الضمنيّ للشريط هو انتقالٌ من التعبير إلى الترداد. أيْ هو انتقال من راوٍ حقيقيّ ذي عمق نفسيّ قادرٍ على حقن وسائله بمصلٍ من أفكاره وأحاسيسه، إلى راوٍ ضمنيّ يردِّد مجموعة من الحركات بحذافيرها، تقارِبُ في تكرارها الدقيق والمحتوم (طبعاً) منطقَ الصور الفوتوغرافية الجامدة. التكرار في الشريط الفيديو - التلفزيونيّ يَجْعل هذا الأخيرَ، بالرغم من خضوعه البدهيّ لمنطق مرور الزمن كضرورة أوليَّة لحدوثه، متحرِّراً من شرط الزمن وفعله الأساسيّ، أيْ من التهافت والاندثار. فالشريط في المبدإ، وفي التطبيق أيضاً (مع تطوُّر التكنولوجيا الرقميَّة)، تكرار خالص يَغِيب عنه فعلُ الزمن. ومن ثمَّ فهو متعلِّق وعائد دوماً إلى أسسه المكوِّنة له، أيْ إلى إطاراته الجامدة المفردة، لا إلى تعاقبها في مسارٍ تصاعديّ في المضمون أو انحداريٍّ في الوسيلة. وبحسب ما تقول سوزان سونتاغ [4] ، فإنَّ الصور الفوتوغرافية الجامدة هي في سندها الأول، أيْ في ماديَّتها وشرطِ حصولها [5] ، لاأخلاقية. الصورة غير قادرة على حمل معانٍ أخلاقيَّة، أو ما تفترضه هذه الأخيرةُ من عمق وامتداد زمنيِّيْن هما في المبدإ شرطان لتكوُّن القول الأخلاقيّ ولتبلور سلوكه. الصور الفوتوغرافيَّة، على عكس ذلك، مسطَّحة زمنياً، أيْ هي خارج الزمن. وليس الاعتبارُ الجماعيُّ للصورة، كوثيقة عن لحظة زمنيَّة تَبْعث الحنينَ في نفوس ناظريها، إلاَّ شاهداً على مدى خروج الصورة على الزمن وشروطه. فالصورة الفوتوغرافيَّة ليست لحظة ماضية مجمّدة، بل هي أقرب إلى شيء جامد ومستقلّ عن الزمن ندنو منه أو نبتعد بقدرِ ما نَنْظر إليه ونتساءل. جمود الصورة ليس وثيقة عن زمنٍ فات، بل مَعْلم نقيس به مدى انسياقنا الطيّع واندثارنا البطيء في الزمن. لذلك، فالصورة الفوتوغرافيَّة هي في الآن نفسه (أو للدقة في المكان نفسه) غيرُ قادرةٍ على تحمُّل الأخلاقيَّات وسلوكاتها، وهي بالقدْر نفسه مفتوحةٌ وغيرُ معترِضة على كافة الإسقاطات الكلاميَّة/الأخلاقيَّة. وليس استعجالُ والتر بنيامين الكتّابَ مباشرةَ التصوير إلا محاولةً أخرى لضبط الصورة بالكلام و"إنقاذِها من خراب الموضة (الدُرْجة) ومنحِها قيمةً وحركةً ثوريتَيْن".
      في أحد الأداءات المسجّلة على شريط سينمائيّ سنة 1969، يقدّم بروس ناومان، الفنانُ الكاليفورنيّ، أداءً يُظهره متنقِّلاً في أرجاء محترفه وعازفاً على أوتار كمانه الأربعة المدوزنَةِ حسب تسميات السُّلَّم الموسيقيّ الأنغلو ساكسونيّ على النحو التالي: D-E-A-D. هذا الأداء هو بالنسبة إليّ أحدُ أفصح التعبيرات عن مأزق الصورة في عنفها وجماليّتها. فهو، في تنقُّله الدائريّ وعزفه الكادّ والجاهل تماماً لتقنيات الكمان (حسب ناومان)، هائم في منطق الصور المنفصلِ كلياً - باستثناء العلاقة المرئيَّة - عن عالم الأحياء. ولذلك فهو إذ يَعْزف على أوتار كمانه "الميِّتة"، يكرِّر مجتهداً، رغم اعتراضه الخافت، إعلانَ شرط الصورة وثمنها. فالصورة إذ تَجْمع الأحياءَ وتضفي عليهم جميعاً، أيّاً كانت ظروفُهم، سمةً جماعيةً مؤثِّرة، إنَّما تَفْصل عبر العملية نفسها الأحياءَ بعضَهم عن بعض وعن عوالمهم. جمال الصورة هو في عنفها، أيْ في تشييئها للحياة... أو بكلام آخر: إنَّ إنسانيَّة الأحياء هي في غربتهم.
      الحلقة الواحدة، التي تُظهر الراويَ الضمنيَّ وهو يكرِّر عملية دهن وجهه بطلاء أسود ومن ثمَّ إزالته، تمتدّ على 41 دقيقة و42 ثانية. في المبدأ، هذه هي مدة الأداء الأصليّ حيث يتقاطع الراوي والمؤدِّي الحقيقيّ للشريط. كما أنَّها مدة الأداء الفعليّ، وحدودُ صبر المؤدِّي الحقيقيّ وقدرتُه على التحمُّل. وهي أيضاً حدود التماهي المحتمل بين المشاهِد والمؤدِّي الحقيقيّ. إلى هذا الحدّ يبقى الكلامُ ممكناً على أداءٍ بمعناه الحرفيّ، أيْ كعمليَّة إيصال الشيء إلى المُرسَل إليه. ولكنْ عندما يُولَّف هذا الأداءُ في حلقات متسلسلةٍ تضاعِف مُدتَه إلى ما لا نهاية، تنقطع إمكانيةُ تماهي المشاهِد مع جسد المؤدِّي الحقيقيّ وجهدِه وتعبه. ولا يبقى من الأداء سوى استعراضٍ لراوٍ ضمنيّ يستعيد ويكرِّر ببطءٍ مجموعةً من الحركات والتعابير دون أيّ تراكمٍ تصاعديّ أو تكثيفٍ دراميّ. هي إذاً توليفٌ لحلقات متتالية ومتشابهة تحيل الأداء إلى استعراض، وفيها تشييءٌ للصورة أيْ تحميلُها ثقلَ تكرارها والبطءَ المتأتِّيَ عن تتابع إطاراتها. وفي هذا الانفصال عن أيّ تماهٍ مع المُشاهِد، تتحوَّل الصورة - بغضّ النظر عن محتواها ومعناها - إلى حركة مستقلة تذكّر باردةً ومتجرِّدةً بشيء من التعب الذي كان في أساس علاقة التماهي التي تربط صورةَ الأداء الأصليّ بالمُشاهد.
      وانتقال التعب (بصورته) إلى الشريط نفسه يبدو امتثالاً لرغبةٍ عند المُشاهِد في التعب، أو على الأقل في استرجاع ذكرى التعب. إنَّه شريطُ صورٍ لتَعبٍ يحاول المُشاهد الاستمتاعَ بالتفرُّج عليها دون التماهي معها. فالشريط، بمنطقه المبنيّ على التكرار، يستعيد فكرةَ جسدٍ سابقٍ قادرٍ على التعب وتَحَمّل متطلباته الماديَّة، ومن ثمَّ، يستعيد فكرةَ جسدٍ قادرٍ وربما راغبٍ أيضاً في الخروج والانخلاع عن ثمالة البثّ التلفزيونيّ وسَيْلِهِ الجارف. وهذا يبدو قاسياً وباهظ الثمن. إذ إنَّ الحلقات الفيديو - تلفزيونيَّة، باستيعابها لمنطق التكرار واستعارتها لصورة التعب، تبدو وكأنَّها تَفْرض بدورها (وهذا شرطُها) على المُشاهد أن يُحوِّل علاقتَه السكرى بالبثّ التلفزيونيّ الجارف إلى أخرى مبنيةٍ على الأرق. فالتكرار كمداخلة نقديَّة يريد أن يَفْضح هنا علاقةً تثير الريبة والحسد، كتلك التي تَرْبط البثَّ التلفزيونيّ بصديقي ذاك الذي أَنْعم على نفسه بحكمة النعاس. فهو، أيْ صديقي، وعلى حنكة موقفه، قد اختار والتجأ، بحسب المنطق النقديّ للفيديو، إلى ما قد أصبح مستحيلاً. إذ إنَّ إغلاق الأجفان والانزلاقَ إلى أحضان النوم بات امتيازاً لقلائل مازالوا قادرين على تسليم أجسادهم والاستمتاع بها. وهذا الامتياز يؤكِّده، ضمن السَّعي إلى نفيه واجتياحه، منطقُ التكرار الذي يحيل المتعةَ إلى خارج مشهده ويستبدل وعدَ اكتمالها بالتأجيل ورغباته، أيْ يستبدل الجسدَ وأحاسيسَه بالصورة وفكرتها. وليس فصلُ حاسة النظر هنا عن الجسد إلاَّ إتماماً لمسار النظر التاريخيّ وتميّزه بوصفه الحاسةَ الألصقَ بلحظة الخلق وصفات الخالق [6] . إنَّ العين، استطراداً لإحدى ملاحظات مارشال ماك لوهين [7] ، غير قادرة في زمن الصورة على انتقاء منظورها، شأنها شأن الأذن في عالم شبكات الاتصال الإلكترونيَّة. لقد أصبحنا مغلَّفين بالأصوات والصور. وكما أنَّ آذاننا غير مجهّزة بأجفانٍ تحميها، فإنَّ الأعين أيضاً عاجزة عن الانعزال والانكفاء خلف ظلمة أجفانها. فالأرق هو قرين البثّ التلفزيونيّ وثمنُ نقده، وهو الذي يحوِّل الأجفان إلى نوافل جسدٍ تنتظر بدورها، كالزائدة الدودية، أن تَلْتهب وتُقَصّ.



[1]  وليد بطرس صادق

مواليد بيروت، 1966

معارض:
2000     "لا أحسب أنّ الناس تخرج من شارع الحمراء"، "أشكال ألوان"، بيروت.
1998     "كاريوكي"، بلوكوت غاليري، ليفربول، إنكلترا.
1997     "آخر أيام الصيفية"، مهرجان أيلول، معهد غوته، بيروت.
1996     "بيت بيوت"، مسرح بيروت.

 

منشورات:
1999     "الكسل" (مع بلال خبيز)، من منشورات "العالم الثالث"، بيروت .
1999     "في أنَّني أكبر من بيكاسو"، مهرجان أيلول، بيروت.
1999     "كاريوكي"، بلوكوت غاليري، ليفربول، إنكلترا.

 

[2]  "آخر أيام الصيفيّة"، في إطار مهرجان "أيلول" الأول للفنون المعاصرة. معهد غوته، بيروت، 5 - 15 أيلول 1997.

[3]  "بيروت - اللقاء"، سيناريو لفيلم روائيّ في بيئة الحرب اللبنانيَّة. أحمد بيضون، 1984، ص 60.

[4]  أنظرْ كتابها1997, On Photography , ص 106 - 108.

[5]  ذلك أنّ شرط حصول الصورة الفوتوغرافيَّة الأساسيّ هو انعكاس الضوء من شيءٍ ما على ورق حساس.

[6]  ربما علينا إضافة صفة سادسة إلى صفات الإله المسيحيّ، وهي الأرق.

[7]   يقول مارشال ماك لوهين، في الثلث الأخير من  The Medium is the Message (1967، والصفحات غير مرقّمة)، إنَّنا "غير مجهِّزين بأجفانٍ للآذان... وإنَّ عالم الأذن هو عالم من العلاقات المتزامنة ".