
26-28 مارس/آذار 2001
مساهمة في مناقشة مشروع قانون النقد والتسليف
سمير العيطة [1]
من ضمن مشاريع
القوانين الأساسية المطروحة من أجل الإصلاح الاقتصادي في سورية مشروع قانون
"النقد التسليف"، والذي جرى تداوله ومناقشته حديثاً من قبل بعض المختصين
في ندوة الثلاثاء الاقتصادية وفي الصحف السورية. ولهذا المشروع أهمية خاصة لأنه
بمثابة "دستور نقدي"ولأنه يطرح تحديد دقيق لمهمات مؤسسات الدولة
وعلاقتها مع بعضها من أجل وضع وتفعيل السياسات النقدية والمالية والاقتصادية.
ملاحظتين منهجيتين:
في سياق الإسهام في
مناقشة مشروع قانون النقد والتسليف، نبدأ بملاحظتين منهجيتين:
- الملاحظة
الأولى تاريخية، هي عن الفرق بين الظرف الاقتصادي الحالي في سورية والظرف الذي أتى
به المرسوم التشريعي رقم 87 لعام 1953.
فعام 1953 كان مصرف سورية ولبنان بنكاً فرنسياً (أي غير خاضع للقانون السوري ألا
عبر معاهدة وقعت قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية مع السلطات الفرنسية
المنتدبة) وكان لديه امتياز إصدار النقد السوري ومهمات إدارة أموال الدولة بالإضافة
إلى كونه أيضاً مصرفاً تجارياً حاصلاً على معظم العمليات المصرفية التجارية في
سورية. فأتى المرسوم ليمكّن الدولة السورية من إدارة ماليتها وليهيئ القاعدة كي
يكون لسورية أول مصرف مركزي مستقل بين البلاد العربية. أجل، يهيئ القاعدة في البدء،
عبر إنشاء مجلس نقد وتسليف يلعب دوراً محورياً ريثما تنتهي المفاوضات مع مصرف
باريبا، الذي كان يملك مصرف سورية ولبنان، وريثما يتم الاتفاق على التعويض الذي
دفع لباريبا، وحتى افتتح الرئيس شكري القوتلي سنة 1956بناء المصرف الذي يعرفه
السوريون اليوم في دمشق. وقد راعى القانون هذه المرحلة الانتقالية كما راعى رغبة
الشعب والسلطات وقتها أن يبقى بعدها لمجلس النقد والتسليف الدور المحوري نفسه من
ضمن الفكر السائد في حينه عن ضرورة إدارة الحكومة مباشرة للنقد
والاقتصاد معا.
الأمور تختلف اليوم، فلا مصارف أجنبية أو
خاصة في سورية، بل رغبة في استجلابها لتلعب دوراً إلى جانب المصارف الحكومية
والاقتصاد الخاص السوري في تحريك ركود الدورة الاقتصادية وتحفيز التنمية. ورغبة
أيضاً في إيجاد جهاز مركزي ورقابي يساعد على إعادة تأهيل المصارف الحكومية
المتخصصة لتكون مصارف وطنية حديثة. وسيكون للقناعة التي سيشكلها المشرّع حول هذا
الفرق في الظرف التاريخي أكبر الأثر على ماهية القانون الجديد.
-
أما الملاحظة
الثانية فهي من حيث تطور تجارب الدول وخبراتها حول دور المصارف المركزية وعلاقتها
مع الحكومة. وربما يكون المثال
الفرنسي أقرب لنا - من الأمريكي مثلاً - في هذا الموضوع، من حيث تجارب التأميم
التي مرت بها فرنسا ودور الدولة الذي كان تاريخيا فيها دوماً قوياً (وربما أيضاً
عبر قناعة الفرنسيين بأن الوحدة الاقتصادية مع أوروبا هي الكفيلة مستقبلياً بإعطائهم
دور على الساحة العالمية). وقد وضعت فرنسا سنة 1993 قانوناً جديداً في هذا المضمار
هيأها جيداً للدخول بسهولة في المصرف المركزي الأوروبي والنقد الأوروبي الموحد.
فماذا تقول الأسباب الموجبة لقانون 1993الفرنسي:
o "ينظم
هذا القانون استقلالية مصرف فرنسا (المركزي) عن السلطات الحكومية :" فلا يمكن
للمصرف أن يطلب أو أن يقبل أية أوامر من الحكومة أو من أية جهة أخرى"
o ينيط
القانون بمصرف فرنسا مسؤولية تحديد وتنفيذ السياسة النقدية بهدف تحقيق استقرار
الأسعار. ولهذا الغرض يشكل "مجلس للسياسة النقدية" يتألف من حاكم المصرف
ومن نائبيه ومن 6 أشخاص خارجيين يسمون لمدة 9 سنوات ولا يمكن تسريحهم.
o يثبت
القانون لمصرف فرنسا الامتياز الحصري لإصدار النقود الورقية ولإدارة احتياطي القطع
لصالح الدولة، أما الحكومة فهي التي تقرر أحكام القطع وأسعار الصرف.
o يعيد
القانون تركيز نشاطات مصرف فرنسا حول مهمات المصرف المركزي ويمنعه عملياً من فتح
أية حسابات خاصة جديدة."
o
وأخيرا تنتظم
العلاقة بين مصرف فرنسا ووزارة الاقتصاد بعقد يصادق عليه بقانون.
ومع اختلاف درجة
النمو الاقتصادي بين فرنسا وسورية، فان هذه الصياغة للأسباب الموجبة تطرح عند
قراءتها عدة مسائل جوهرية سيكون لقناعة المشرّع السوري بها وكيفية حلها أثراً كبيراً
على فاعلية المؤسسات المنصوص عليها في القانون. وتوضح أيضاً هذه الصياغة أن تجارب
الدول عامة، بما فيها تلك التي كانت تعتمد على إدارة مباشرة للحكومة لجميع الأمور
المالية والاقتصادية تتجه اليوم نحو تثبيت استقلالية المصرف المركزي بشكل واضح، مع
آلية تنسيق مع الحكومة، بالإضافة إلى منع الحكومة من الاستلاف من المركزي.
يتألف مشروع القانون
المطروح للمناقشة حالياً في سوريا من أربعة أبواب: الأول مجلس النقد والتسليف،
الثاني النقد، الثالث مصرف سورية المركزي، والرابع مهنة المصارف والصرافة، ويدخل
المشروع في كل باب في تفاصيل جمة (ينطوي نص المشروع على 37 صفحة).
يطرح الترتيب
المختار للأبواب منذ البدء إشكالية أساسية عن الهدف من هذا التشريع: أهو لإعادة إحياء
دور مستقل للمصرف المركزي كأحد مؤسسات سورية القوية أم إعادة توزيع جزء من أدوار
"اللجنة الاقتصادية" الحالية التابعة لرئاسة مجلس الوزراء على مجلس
النقد؟ ومن الأساس: المجلس أم المصرف المركزي؟ وما هي ماهية استقلال المصرف المركزي؟
المشرّع الفرنسي
يقدّم المصرف المركزي كأساس وبداية، فقانونه يتعلق "بالنظام الأساسي للمصرف
المركزي وبنشاطات ومراقبة مؤسسات الإقراض" . أما "مجلس السياسة
النقدية" الفرنسي الذي يمكن أن نعتبره مكافئاً لمجلسنا للنقد والتسليف:
- فيأتي
موضوعه ضمن أقسام القانون التي تعالج موضوع تنظيم المصرف المركزي؛
- ويقوم
مجلس النواب ومجلس الشيوخ والمجلس الاقتصادي والاجتماعي (وكلها مؤسسات دولة مستقلة
عن الحكومة) على نحو متساو بتقديم أسماء المرشحين للمجلس من بين المعروفين بخبرتهم
الاقتصادية والنقدية والمالية، ويوافق المجلس القديم عليها ثم يقوم مجلس الوزراء بتسمية الأعضاء
الجدد من بين أسماء هذه القائمة
لمدة 9 سنوات.
- أما عمل مجلس السياسة النقدية فيتعلق بوضع
أسس لقواعد التسليف والضمانات المتعلقة بها.
يطلب القانون
الفرنسي كذلك من المصرف المركزي "أن يقوم بدعم السياسة العامة الاقتصادية
للحكومة، دون المساس بهدفه الأساسي، ألا وهو استقرار الأسعار".
ثم ينص القانون
الفرنسي على حضور ممثل عن وزير الاقتصاد والمالية (سمي censeur أي المراقب الذي
يملك حق النقض) اجتماعات "المجلس العام" للمصرف المركزي (وهو المجلس
التنفيذي المؤلف من المدراء) مع حقه أن يعرض اقتراحات للتصويت وان ينقض قرارات
المجلس التنفيذي.
وأخيرا يشير القانون
الفرنسي أن المصرف المركزي مسؤول أمام رئيس الجمهورية والسلطة التشريعية الفرنسية.
يجهد إذاً المشرّع
الفرنسي جهداً كبيراً لتأمين استقلالية المجلس عن الحكومة ويضع الأساس لمجلس يكون كـ"مجلس
إدارة" للمصرف المركزي، "يدرس التطورات النقدية ويحلل آثار السياسة
النقدية"، "كما يضع أسس سياسات الإقراض والضمانات المتعلقة بها". ".
يؤكد المشرع الفرنسي، بعد تأكيده على استقلالية المصرف، على ضرورة تعاون هذه
المؤسسة مع الحكومة ولكن على نحو تعاقدي. كما أعطى لوزير الاقتصاد والمالية عبر
ممثله حق الاقتراح والاعتراض والنقض، عبر مراقبه الذي يمكن تشبيه مهمته ببعض مهمات
مفوض الحكومة لدى المصرف المركزي في قانون 1953 السوري. ولم يضع أخيراً
"لمجلس السياسة النقدية" مهمة التنسيق مع الحكومة.
أما مشروع القانون
السوري فيطرح بصيغته الحالية عدة إشكاليات منها أن معاوني وزراء الاقتصاد والمالية
(وهما وزارتان مختلفتان في الواقع والتوجهات في الحالة السورية) وكذلك الزراعة
والصناعة، حكماً أعضاء في المجلس، وكذلك ممثل القطاع العام المصرفي. لماذا العام
فقط إذا كانت السياسة انفتاحية على القطاع الخاص السوري وعلى المشاركة العربية
والأجنبية، ولماذا لا يكون هناك ممثل لوزارة التخطيط؟ وما الفرق إذاً بين مجلس
النقد و "اللجنة الاقتصادية" سوى غياب رئاسة مجلس الوزراء؟
ولماذا أغفل مشروع
القانون ذكر طريقة تعيين أو انتخاب أعضاء المجلس وخاصة الخبيرين في الشؤون
الاقتصادية، سوى الإشارة إلى أداء أعضاء المجلس القسم أمام رئيس الجمهورية مثل
حاكم المصرف؟
وماذا بقي لمجلس الوزراء واللجنة
الاقتصادية من مهام، بما أن مهمة المجلس هي "تنظيم مؤسسات النقد والتسليف
وتنسيق فعالياتها ضمن التوجهات العامة لمجلس الوزراء" وعلى نحو عام "
العمل على إنماء الدخل القومي"!!!
من المفيد خلال
مناقشة مشروع القانون من قبل المختصين وفي مجلس الشعب أن تعالج الإشكاليات
المطروحة، وأن يتم تحديد من هو الأساسي، المصرف أم المجلس، وأن يتم تحديد مهمات
دقيقة لكل منهما كي لا تتشابك الصلاحيات ونبقى على وضعنا الحالي (ربما مع تعقيدات
أكبر). وهناك فرق شاسع بين أن يراعي المصرف المركزي والمجلس توجهات الحكومة (ودور
مفوض الحكومة لدى المصرف المركزي يمكنه وحده أن يحقق هذا) وبين أن تتشابك
الصلاحيات بين المصرف والمجلس والحكومة.
ومن المفيد أيضا أن يؤخذ بعين الاعتبار أن
قانون 1953 الذي ينص على دور محوري لمجلس النقد والتسليف مع كثير من التنسيق
(وربما تشابك الصلاحيات) مع الحكومة ( لم يكن هناك لجنة اقتصادية وقتها) ولد وضعًا
أدّى فعليا إلى إلغاء المجلس أثناء الوحدة ثم إعادته غالبا دون دور فعلي ومن ثم
إلى تعليق أعماله نهائيا منذ عام 1982. فهل نبقي تشابك الصلاحيات هذا في قانون
نريد له أن يكون فاعلاً وفعلياً؟
ومن المفيد من ناحية
أخرى أن يؤخذ بعين الاعتبار أنه بعد إلغاء منصب "وكيل الوزارة" في سورية
أواخر الثمانينات وتدني الأجور وقلة استجلاب الخبرات في الوزارات، لم يبق اليوم
الكثير من موظفي الدولة المحترفين، مما سيؤدي إلى أن ممثل الوزارة في المجلس سيقوم
بالدفاع عن سياسة وزيره أكثر من تمثيله لمؤسسته والربط مع آلياتها.
المصرف المركزي
مؤسسة دولة كما الحكومة مؤسسة (أو مؤسسات) دولة. الكل يعمل من أجل الخير العام،
ويعي مسؤولياته بما فيها السياسية والأمنية. ولكن للمصرف المركزي تقنياته
وخصوصياته التي هو مسؤول عن تنفيذها أمام الشعب ورئاسة الجمهورية. على المصرف
دعم السياسة الحكومية التي يضعها مجلس الوزراء وأجهزته (بما فيها الوزارات
المختلفة أو أي جهاز مشترك كاللجنة الاقتصادية)، ولكن هذا لا يعني سيطرة
الأجهزة الحكومية مباشرة على قراره ولا يعني أن على هذه الأجهزة القيام فعليا
بإدارته عبر مجلس النقد. فصحيح إذاً انه ليست هناك استقلالية مطلقة ولكن هناك
إدارة واضحة ومسؤوليات واضحة ضمن علاقات تعاقدية، بالإضافة إلى أجهزة مختصة أحدها
يراقب التوجه العام (مجلس النقد) وثانيها العمل اليومي (مفوضية الحكومة). وربما
تتضح على أساس هذه القواعد مسألة:
من هو الأساسي المصرف أم المجلس، ومسألة الاستقلالية.
في بابه الثالث
يعالج مشروع القانون السوري مهام ونظام المصرف المركزي. ويلخص أغراض المصرف كما
يلي:
1- امتياز
إصدار النقد،
2- مصرف
الدولة،
3- إصدار
سندات الدولة،
4- مستشار
مالي للدولة،
5- يتولى
القيام بعمليات الدولة المصرفية،
6- يدير
مكتب القطع،
7- إذا
ما طلب منه ذلك، تنظيم أعمال المصارف والمؤسسات المالية التي تخضع لمراقبة الدولة.
المصرف المركزي ليس
له أهداف مستقلة أو مهمات دائمة في هذا المشروع بل أغراض، أي أدوار تنفيذية. فماذا
سيضيف إذاً مشروع القانون الجديد على الوضع الحالي؟
ولاقتراح مهمات أكثر
ثباتاً، من المفيد الانطلاق من تحليل الوضع الحالي:
- يوجد
اليوم في سورية تشابكات مالية كبرى بين مؤسسات الدولة (الوزارات، المصارف
الحكومية، الخزينة، صندوق الدين العام)، حتمتها سياسات إدارة الاقتصاد والمال في
ظروف صعبة بالإضافة إلى ممارسات غير صحيحة وغير شفافة. خلقت هذه التشابكات علاقات
غير محاسبية بين الأطراف وتشوهات بالأرقام وبالتسعيرات الإدارية وصعوبة ( يقول
البعض استحالة) الحصول على رؤية واضحة عن الخسائر والأرباح وكفاءة الأداء وعن
الأوضاع المالية والاقتصادية الحقيقية لسورية (كمثال الدين العام الداخلي في
سورية، وحصول صندوق الدين العام على أموال شهادات الاستثمار وصندوق توفير البريد،
دون أن تقوم الحكومة بإصدار سندات خزينة حقيقية). ألا يجوز أن يكون أحد أهداف
المصرف المركزي هو وضع الأسس المحاسبية لتعامل أجهزة الدولة مع بعضها ومع شركات
القطاع العام ومع الادخار المحلي، والعمل على مراعاة الدقة في التعامل معها؟ وإذا
لزم يمكنه أن يقدم الاستشارة والعون الفنيين للحكومة في هذا الموضوع المحاسبي. ربما
هذه المهمة وحدها كافية للدفاع عن استقلالية المصرف المركزي.
- ويوجد
في سورية اليوم مصارف حكومية متخصصة غير تنافسية، وقد اتخذ القرار للسماح بإقامة
مصارف خاصة ومشتركة، تتضمن (ويرجى ذلك) مشاركة من مصارف عربية وأجنبية محترفة. أفلا
يجوز أن تكون سلامة القطاع المصرفي بمجمله (العام والخاص) والنشاط الرقابي
على هذه المصارف وعلى الإقراض من مهمات المصرف المركزي وجهاز مفوضية الحكومة لدى
المصارف لا من مهمات مجلس النقد كمجلس إدارة متعدد وجهات النظر؟
-
ومن يقوم بوضع قواعد
الإقراض والتأكد من ملاءة الزبائن ومنع تبييض الأموال في ظل قانون السرية
المصرفية الذي أقره مجلس الشعب مؤخراً (وهذه السرية هي أيضا تجاه الأجهزة
الحكومية)، أهو المصرف المركزي أم مجلس النقد الذي يحتوي على معاوني الوزراء؟
- أما
عن مهام مصرف الدولة، فما معنى التعبير التالي في مشروع القانون "أن يقوم
المصرف المركزي بالأعمال التي تخضع لأحكام قانونية خاصة بضمانة الدولة" ؟
-
ولماذا يدير المصرف
التجاري السوري اليوم جزء من قطع الدولة الأجنبي في سورية وليس المصرف المركزي؟
- وأخيراً
لماذا يتكفل وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية (وليس وزير المالية أو غيره) في
مشروع القانون بتعيين المدراء المشرفين ونائبي الحاكم وبالتصديق على عضوية كل
اللجان ؟ ولماذا يكون الحاكم مسؤولاً أمام مجلس الوزراء بما أن تعيينه يتم بمرسوم
(من رئيس الجمهورية)؟
-
هذا بالإضافة إلى
الظواهر التي أشارت أليها محاضرة في ندوة الثلاثاء الاقتصادية عام 2000 والتي
نلخصها كما يلي (وهي فعلا عناوين أقسام المحاضرة): "ضياع استقلالية النظام
النقدي السوري، عدم استقرار النظام النقدي السوري، انعدام الشفافية، انعدام
الإحصاءات الموثوقة، تخلف طرائق العمل عن الأساليب المعاصرة، ضعف وغموض وتضارب السياسات
النقدية الإجمالية لعدم توفر الرؤية الطويلة الأمد وعدم واقعية سعر الفائدة
والاعتماد، ألخ…).
كل هذه التساؤلات
والاقتراحات تطرح معضلة أساسية: ما الهدف من التشريع المقترح؟ أهو المساهمة في
ترسيخ دولة مؤسسات، كل من هذه المؤسسات مسؤول عن أعماله (أمام الشعب ومجلسه ورئاسة
الجمهورية) ضمن صك تعاقدي مصادق عليه؟ أم شيء آخر. أليس الهدف إعطاء دفع جديد
حقيقي للاقتصاد والمؤسسات، والخروج من الإشكاليات الحالية وإرخاء الثقة عن وضوح
الرؤية المستقبلية في الداخل والخارج.
رأى مصرف سورية
المركزي النور صباح أول آب 1956 وكان أول مصرف مركزي إطلاقاً بين البلاد العربية.
بعد ثمانية أشهر ألقى حاكمه د.عزت طرابلسي محاضرة في الجامعة الأمريكية في بيروت
شرح الصيرورة التي أدت إلى نشوء المصرف والمهام المناطة به وكيفية إدارة المصرف.
من المفيد العودة إلى هذه المحاضرة لأنه من النصوص النادرة التي تشرح الخلفية
الوطنية والتقنية التي أدت إلى نص القانون والى وجود المؤسسة.
تشير المحاضرة إلى
"حرص المشترع فعلاً أن يجعل من مجلس النقد والتسليف سلطة نقدية حقيقية تتمتع بأوسع
الصلاحيات في ممارسة الوظائف النقدية" والى أنه "من الطبيعي أن يمارس
مجلس النقد والتسليف إدارة المصرف المركزي بوصفه مجلس إدارته" وينهي عرضه
للعلاقات بين الحكومة ومجلس النقد والمصرف بقوله: "إن هذا الأسلوب المزيج
المتزن في إدارة المصرف المركزي يحفظ في الواقع للسلطة العامة حق التدخل في
سبيل المصلحة العامة ويؤمن للسلطة النقدية حريتها وتجردها واختصاصها في معالجة
الشؤون النقدية. ولكن نجاحه منوط باحترام استقلال السلطة النقدية، واقتناع السلطات
العامة بضرورة هذا الاستقلال لنجاح مهمتها ومن جهة ثانية بقيام تعاون مستمر بين
السلطة العامة والسلطة النقدية وكلا الأمرين يحتاجان في بلادنا إلى أناة ومرونة
وجهد دائب".
هاجس استقلال السلطة
النقدية نفسه الذي كان وراء قانون المصرف المركزي الفرنسي الحديث. والفرق هو دور
مختلف لمجلس النقد نتج عن الظرف التاريخي. فهل النص المقترح لمشروع القانون الحالي
يحافظ على هذا الهاجس؟
تلخص المحاضرة أيضا مهام
المصرف المركزي بمهمة سياسية فنية (وهذا بدقة التعبير الذي نصت عليه المحاضرة)،
ومهمة إدارية (إدارة المصرف والصندوق النقدي ومراقبة مهنة المصارف وتوجيه
فعاليتها) ومهمة استشارية (مالية للحكومة). المصرف إذا هو الأساس في روح واضعي قانون
1953 وهو مؤسسة سياسية مستقلة للدولة السورية. فهل يحفظ النص المقترح لمشروع
القانون الجديد هذه الأولوية وهذا الوجود المؤسساتي؟
ثم تناقش المحاضرة
أهداف المصرف المركزي واحدة تلو الأخرى كالتالي:
تنظيم مؤسسات النقد والتسليف في البلاد
وتنسيق فعالياتها:
وهنا
تشير المحاضرة إلى أن القانون يعتبر الجهاز النقدي وحدة متكاملة " وان المجلس
يدير أو يوجه أو يراقب مختلف مؤسسات النقد والتسليف عامة كانت أم خاصة" بما
فيها الصندوق النقدي (أي محفظة الحكومة) وصناديق التوفير والتقاعد والمؤسسات
المالية العامة كصندوق الدين العام (وكلها كانت موجودة وقتها). ويعطي مثالاً كيف فٌصِلَ
المصرف الزراعي الحكومي عن وزارة الزراعة وأضحى لمجلس النقد صلاحيات واسعة في
توجيهه.
وفي
معرض مراقبة المؤسسات النقدية يشير إلى أن مهمات المصرف المركزي هي تنظيم مهنة
المصارف وحماية الوفر العام وودائع الأفراد بالمحافظة على ملاءة المصارف وتأمين
سيولتها وتوفيق السياسة المصرفية مع سياسة الدولة النقدية وسياسة التسليف
(معتبراً هنا أن هناك سياستان مستقلتان يجب التوفيق بينهما، وهذا طبيعي) وإحداث
"مفوضية الحكومة لدى المصارف" كجهاز قائم بذاته يسهم في تشكيله وتنفيذ مهامه
وزير المالية وأمانة سر مجلس النقد والمصارف نفسها (التي تعين المراقبين لديها).
وكانت هذه هي الخصوصية السورية وقتها. فهل يمكن بمشروع القانون الجديد أن يحفظ روح
هذه الأفكار بصيغة تنطبق أكثر على العصر وعلى الواقع؟
استقرار
النقد السوري وتأمين تحويله إلى العملات الأجنبية:
وتحدد
المحاضرة هذا الهدف بناحيتين:
-
"تثبيت القوة
الشرائية للنقد السوري في الداخل" متجنبا "التضخم والتقلص النقدي وتضخم
الاعتمادات المصرفية... وموجباً امتناع الدولة عن اللجوء إلى المصرف المركزي
لتمويل عجز الموازنة أو المشاريع لاستهلاكية". وتدخل المحاضرة في تفاصيل
الوسائل التي يملكها مجلس النقد والمصرف بتعامله مع الحكومة كحقه في شراء أو
التخلي عن سندات الخزينة. (فإذاً هنا أيضاً كان روح النص هو التوجه نحو تفادي
استلاف الدولة من المركزي).
-
"والدفاع عن قيمة النقد السوري بالنسبة للعملات الأجنبية الثابتة
وتأمين تحويله إلى العملات الأجنبية" ...
وفي
نقاش هذه الناحية الثانية تسرد المحاضرة كيف أن مكتب القطع كان قد نُظِم في قانون مختلف (المرسوم
التشريعي 208 في 21 نيسان 1952) وكيف أدخل مرسوم 1953 مكتب القطع كجزء من المصرف
المركزي "مع احتفاظه بطابع استقلالي" وتتابع (مع ربما شيء من التعثر
هنا) كيف أن "نظام القطع النافذ في سورية يقول بالحرية الكاملة، وهو لا يفرق
عن نظام القطع في لبنان إلا من حيث أسلوب التدخل في استقرار أسعار القطع، وانتقال
رؤوس الأموال حر في كلا البلدين".
ويعطي مبررا "للأسلوب السوري" في التعامل بالموسمية الزراعية للاقتصاد السوري الذي يمكن أن
يعطي موسمياً تقلبات للدولار بين 320 و 380 قرشا (ونحن نشهد اليوم نفس التقلبات
الموسمية لأسباب غير زراعية ومع وجود مكتب القطع!).
أجل
كم نحن اليوم بحاجة لمن يدافع داخلياً عن القدرة الشرائية لليرة السورية (انظر
المهمة الوحيدة للمصرف المركزي الفرنسي في قانون 1993) وكم نحن بحاجة لمراجعة دور
مكتب القطع واتباع وسائل أكثر حداثة بالتعامل مع هذا الموضوع الجوهري دون مؤسسة
دولة أخرى تزيد تشابك الصلاحيات. مع التأكيد أنه في كل دول العالم مسؤولية تقرير
سياسة القطع هي للحكومة وليست للمصرف المركزي. وينفذ المصرف المركزي هذه السياسة
من خلال وسائله.
توسيع
إمكانيات الاستخدام وزيادة الدخل القومي:
وقبل
معالجة هذا الهدف تحلل المحاضرة مشكلة الاقتصاد السوري، يبقى اليوم لهذا التحليل كل
حداثته مع مضي 44 عاما: " الاقتصاد السوري اقتصاد في طريق النمو، ذو إمكانات
واسعة، يفتقر -فيما يفتقر- إلى رؤوس الأموال. لا يجدها لدى الجهاز المصرفي لضعف
الوفر القومي، وقلة الودائع نسبيا لدى المصارف الخاصة ولا سيما لآجال طويلة، ولا
يجدها في الأسواق المالية لانعدامها، ولا يمكن أن يعتمد على رؤوس الأموال الأجنبية
في جميع حاجاته: أولا لكثرة تكاليفها، وثانيا لئلا يقع تحت رحمة الأموال الأجنبية
والشروط، سياسية كانت أو غير سياسية، المفروضة لمنحها."
ثم
تعطي المحاضرة كيف "أخذ الدستور النقدي السوري على عاتقه حل جزء من (هذه)
المشكلة:
- بتنمية
التسليف الداخلي لآجال قصيرة بما يتفق مع الفعاليات الاقتصادية (وتستطيع سورية
اليوم الذهاب كثيراً أبعد من ذلك)؛
-
بإمكان لجوء الدولة إلى
مؤسسة الإصدار لسد حاجات التوظيف لأمد طويل في حدود مبلغ معين لا يخشى معه أي أثر
تضخمي أو خلل في ميزان المدفوعات (ولم يكن للدولة السورية وقتها لا إيرادات نفطية
ولا قاعدة اقتصادية تبني عليها سياسة ضريبية معقولة، وكان الفكر العالمي –حتى في
فرنسا- أن على الدولة فقط أن تقوم بالاستثمارات الطويلة الأمد)
-
بتنمية السوق
النقدية والمالية (وهذا الهدف باق اليوم بتمامه)
-
بإمكان المساهمة في
رأس مال المؤسسات المالية الحكومية كالمصارف الزراعية والصناعية والعقارية (في وقت
لم يكن في سورية سوى مصرف حكومي واحد هو المصرف الزراعي... بينما يتفق الجميع
اليوم على إزالة التشابكات المالية بين الدولة والمؤسسات الإنتاجية بما فيها
المصارف).
وأخيرا
تأسف المحاضرة عن عدم إمكانية المصرف المركزي تسليف المشاريع الخاصة لآماد طويلة
ويعزو ذلك لضرورة تأمين سيولة عناصر التغطية للنقد. ويبرر لجوء الدولة إلى
الاستلاف من المركزي بالتالي:
-
" فقدان
الأسواق المالية لإمكان توظيف أسناد الدولة العامة لآجال طويلة؛
-
وحاجة الدولة الملحة
إلى تحقيق المشاريع الكبرى التي يعجز الأفراد عن القيام بها أو التي تتسم بخدمة
عامة."
فهل
بقي لهذين المبررين كل حقيقتهما اليوم؟ وحتى وقتها، تضيف المحاضرة "على أن
هذه الأسباب لا تبرر اللجوء إلى المصرف المركزي بدون حد… مما حمل المشترع على
تحديد المبلغ الممكن تسليفه للدولة بستين مليون ليرة، وهو مبلغ مقدر إن يستعمل
خلال سنوات عدة"…
بعد
60 سنة على استقلال سورية والقيام عبر عهود مختلفة ببناء البنية التحتية للاقتصاد
السوري وبعد ثلاثة عقود من الاستقرار في عهد الرئيس حافظ الأسد وضمن توجه جديد
لمساهمة مختلف القطاعات العامة منها والخاصة في التنمية ضمن دولة تعامل مؤسساتي، هل
بقي لهذه المبررات كل حقيقتها في سورية، خاصة وأن للدولة مواردها الخاصة من نعمة
الله على سورية من ريع الموارد الطبيعية: النفط وغيره.
تنمية
السوق النقدية والمالية وتنظيمها وفقا لحاجات الاقتصاد القومي:
تصر
المحاضرة على أن يكون المركزي هو الذي ينظم السوق المالية ويعترف بان النصوص
القانونية وقتها محدودة الغايات، ويقصد بذلك تحديداً قوانين صندوق الدين العام
وسوق الأوراق المالية. وتطالب بأنه من الضروري أن يدرس هذا الموضوع دراسة شاملة،
"وأن يسعى مهما تكن النتائج إلى تعويد الموفرين على توظيف وفرهم في مختلف
القيم المتداولة، سواء بخلق ثقة الأفراد في اعتبار الدولة أو بالشروط المفضلة التي
تغري بهذا التوظيف أو بإنشاء المصافق الرسمية وتنظيم الأسواق المالية
الخاصة".
خلاصة:
لا مجال هنا في
الدخول في كل التفاصيل. ولكن الهدف هو استقراء روح نصوص قوانين النقد العالمية
وروح قانون النقد الأساسي لعام 1953، كي نستلهم من العرض والمقارنة والمناقشة
خطوطاً عريضة لاقتراحات تعديل على صيغة مشروع القانون، كما يلي:
1-
ضرورة أن يركز
القانون على استقلالية المصرف عن بقية الأجهزة الحكومية، مع تحديد مهمات واضحة له:
-
الحفاظ على استقرار
الأسعار
-
دعم السياسة العامة
الاقتصادية والمالية للدولة
-
تنظيم مؤسسات النقد
والتسليف (العامة والخاصة وتنسيق فعاليتها
والسهر على سلامة النظام المصرفي، عبر مفوضية الحكومة)
-
العمل على دقة تنفيذ
القيود المحاسبية في المؤسسات المالية العامة (عبر لجنة رقابة على المصارف وعلى الأنظمة المحاسبية خاضعة
للمصرف المركزي)
-
استقرار النقد
السوري وتأمين تحويله إلى العملات الأجنبية، تبعاً للسياسة العامة للحكومة؛
-
تنمية السوق النقدية والمالية وفقاً
لحاجات الاقتصاد ؛
-
تطوير أنظمة الدفع
وتحسين أدائها والسهر على حسن عملها (كإنشاء قاعدة معلومات مركزية عن الزبائن
الغير نظاميين ونظام سوري موحد لبطاقات الدفع).
2-
غير هذه المهمات
يضطلع المصرف المركزي بمسؤوليات:
-
امتياز إصدار النقد
وصكوك الدولة؛
-
امتياز كونه مصرف
الدولة، يدير فيما يديره قطعها الأجنبي بشكل
حصري؛
-
كونه مستشار الدولة؛
-
إصدار إحصائيات دورية عن الاقتصاد الوطني
ورفع تقرير سنوي إلى رئاسة الجمهورية ومجلس الشعب؛
-
ويمكنه إدارة مكتب القطع وصندوق الدين
العام ريثما يتم وضع قوانين جديدة لهذين الموضوعين.
3- أما عن مجلس النقد والتسليف فيعمل كمجلس
إدارة للمصرف المركزي، ويتم اختيار ممثلين من ملاك الوزارات المختصة والشركات
العامة والخاصة، ممن يعترف لهم بخبرتهم التقنية وبحكمتهم في التعامل، ويتم تعيينهم
بقرار من رئيس الجمهورية لمدة طويلة (5 سنوات على الأقل).
4- يتم
تثبيت مهمة مفوضية الحكومة لدى المركزي، كجهاز تنسيق بين الحكومة والمصرف المركزي
والمجلس والمؤسسات المالية، ويتبع رئيسها مباشرة لرئيس مجلس الوزراء مع حقه في نقض
قرارات المجلس والمصرف لمدة محددة.
5- يتم
وضع صك تعاقدي بين المصرف المركزي ووزارة المالية ينظم العلاقة بينهما ويصدق عليه
بمرسوم: يناط للمصرف المركزي بها مهمات دائمة كإدارة القطع الأجنبي للدولة ومؤقتة
كوضع أنظمة قيود حديثة لحسابات المؤسسات العامة والخاصة.
6- يعمل
المصرف المركزي إلى تحويل ديون الدولة والمؤسسات العامة لديه إلى سندات خزينة مع
فائدة مناسبة خلال مدة معقولة (3-5 سنوات) يحظر بعدها على الدولة أو الحكومة
الاستلاف من المركزي إلا بمرسوم.
راجين لهذه المساهمة
أن تقدم الفائدة في مناقشة مشروع القانون لهدف تفعيل دولة مؤسسات تتعامل بوضوح دون
تشابكات لمصلحة الخير العام. فلدى المشرع فرصة تاريخية اليوم لإعادة تفعيل مؤسسة
أساسية للدولة السورية ألا وهي المصرف المركزي تساعد عبر صلاحها في صيرورة الإصلاح
الاقتصادي العامة وفي إرساء قواعد النمو ضمن رؤية بعيدة المدى.