القطاع المصرفي في سوريا ،التاريخ والأبعاد

 

فارس منصور*

أيار 1999

يعاد نشر هذا المقال بمناسبة رحيل أبرز صانعي النظام المصرفي السوري في الخمسينات الدكتور عزة طرابلسي

في 7 كانون الثاني 2000رحمه الله وتغمده فسيح جنانه.

 

 " و نرى أن تطوير وتجديد الأنظمة المصرفية وتحديثها لتكون قادرة على جذب الادخار وجلب أموال للاستثمار والمساهمة في التنمية أصبح ضرورياً وملحاً ". هكذا أعلن الرئيس الأسد ، في كلمته بمناسبة القسم الدستوري في 11 آذار الأخير ، أن إعادة تنظيم القطاع المصرفي أصبح اليوم من الأوليات لسوريا .

 

          جاء هذا الإعلان في الجزء من خطابه المخصص للناحية الاقتصادية، منادياً بمضاعفة الجهود لتطوير الاقتصاد الوطني ، خصوصاً برفع درجة المسؤولية وإعادة تنظيم القطاع العام. كما نادى بمراجعة القانون رقم 10 حول الاستثمارات الخاصة " لإزالة الثغرات التي حالت دون الاستفادة القصوى منه وتوفير استثمارات جديدة ".

 

ويستحق النظر إلى إعادة التنظيم هذه عبر قراءة تاريخ القطاع المصرفي و النظام النقدي في سوريا، وعلاقتهما مع تطور السياسة الاقتصادية .

 

نشأة المصارف في سوريا :

       

           كانت بداية المصارف في سوريا خلال العصر العثماني مع إنشاء المصرف الإمبراطوري العثماني عام 1856 بمصالح بريطانية . وبالإضافة إلى العمليات التجارية ، حصل هذا المصرف على امتياز حصري للإصدار النقدي الذي امتد حتى عام 1925 ، ثم جزئياً حتى عام 1935 خلال الانتداب الفرنسي .

خطت عدة مصارف تجارية خطوات مماثلة ، فافتتح مصرف سالونيك (Salonique  ) عام 1988،والمصرف الألماني الفلسطيني عام 1889 ، والمصرف الإنكليزي الفلسطيني عام 1903 ، والمصرف الألماني الشرقي عام 1906 ، ثم عدة منشآت مصرفية محلية .

 

          بعد المرحلة المضطربة في الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية العثمانية ، أنشئ في عام 1919 مصرف سوريا برعاية المصرف الامبراطوري العثماني ( انشأ مصرف سوريا كمصرف فرنسي أعيدت تسميته عام 1924، فسمي مصرف سوري ولبنان ). هكذا كي تستمر امتيازات المصرف الإمبراطوري العثماني " تحت اسم فرنسي" في البلاد التي ستخضع للانتداب الفرنسي. ومع هذا الانتداب ، أنشئت مصارف فرنسية أخرى مثل المصرف الفرنسي في سوريا (1919) التي ملكته الشركة المصرفية العامة            Société Générale ،  و مصرف التسليف العقاري للجزائر وتونس، و مصرف التسليف العقاري لسوريا، بالإضافة إلى مصارف تسليف زراعية صغيرة مخصصة لتمويل النشاطات الزراعية ، حيث استفادت هذه الأخيرة بشكل جزئي من الإيرادات المحصلة من ضرائب العشر الموروثة من النظام العثماني .

تبع الإيطاليين عبر مصرف روما (1919) الذي لقي تطوراً كبيراً فيما بعد . وكذلك أنشأ السوريون أنفسهم منشآت مصرفية صغيرة ( نستشهد منهم مصارف مرقدة وسارة في دمشق ، ومصارف الأسود وصفرا في حلب )، وكما أنشئوا مكاتب صرافة متعددة .

 

       إن المصرف الإمبراطوري العثماني، الذي حول إلى مصرف سوريا ثم إلى مصرف سوريا ولبنان الكبير ، والذي كان أول  المصارف المنشأة ، قد سيطر على الأقدار النقدية والمصرفية في سوريا خلال مائة عام (1856-1956) .

 

الإصدار النقدي :

 

       تجدر الإشارة، أنه خلال العصر العثماني ، لم يستطع المصرف الإمبراطوري العثماني فرض العملة الورقية على نطاق واسع في سوريا . استمرت المعاملات الرئيسية باستخدام النقود الذهبية العثمانية (فضة أو معدن) ، وكذلك أيضاً الفرنسية والإنكليزية . فاضطرّت الإمبراطورية العثمانية والجمهورية التركية الحديثة أن تشتريا لوازمهما من سوريا خلال الحرب الأولى بالنقود الذهبية وبالسعر المرتفع.

 

        حاولت قوات الانتداب، عند وصولها، فرض الجنيه المصري الذي وقتها مرتبطا بالجنيه الإسترليني. وقد كان الجنيه المصري عملة تمويل جيوش الحلفاء في المنطقة، وأهمها القوات الإنكليزية القادمة من مصر. فاستبدلته بسرعة القوات الفرنسية، المكلفة بالانتداب على سوريا ولبنان عام 1920، بليرة سورية متصلة مباشرة بالفرنك الفرنسي ومصدرة باسم مصرف سوريا. وهكذا ولدت الليرة السورية (والليرة اللبنانية بالوقت نفسه).

 

          ولم تكن هذه الليرة السورية في الحقيقة إلاّ فرنك فرنسي متنكّر، مخصص لدفع نفقات جيوش الانتداب. وقد حرر على هذه الليرة السورية تعهّد مصرف فرنسا بدفع عشرين فرنك فرنسي مقابلها . و قد خلقت الصلة مع الفرنك، مشكلة أساسية للاقتصاد السوري منذ البداية، وذلك خاصة بسبب عدم استقرار قيمة هذا الفرنك والانخفاضات الكبيرة المتتابعة التي لحقته (عام 1924 ثم عند الأزمة العالمية عام 1927). واستمرت التجارة السورية في تفضيل الاعتماد على الذهب ( الليرة الذهبية التركية: العصملية ) وعلى الليرة الإسترلينية ، التي كانت أقوى و أكثر ثباتاً من الفرنك الفرنسي . وبالفعل، فقد اضطرت سلطات الانتداب، عند أزمة 1927، إلى سحب نصف الليرات السورية المتداولة  لتثبيت السعر .

 

          إذاً ترافق الانتداب السياسي والعسكري الفرنسي على سوريا ولبنان بانتداب اقتصادي ونقدي. وقد جرى "توقيع" اتفاق نقدي بين فرنسا وسوريا في كانون الثاني لعام 1924 ( وسط أزمة سقوط قيمة الفرنك ). وامتدت مدة امتياز الإصدار الممنوح حسب هذا الاتفاق حتى عام 1946، ثم استكملت المدة حتى عام 1964 . ولم يتبع الاتفاق "اتفاق" أخر حول أشكال تغطية الليرة السورية إلاّ عام 1938 . وأقرت شروط هذا الأخير ( سندات على صندوق النقد الفرنسي أو فرنكات فرنسية مستثمرة في فرنسا ) الانتداب النقدي . وقد تم "توقيع اتفاق ثالث" عشية الحرب العالمية الثانية حول مراقبة القطع، واضعاً حداً للحرية النقدية النسبية التي كانت سائدة في سوريا . خلال كل هذه المرحلة ، أسس رفض الارتباط بالفرنك الفرنسي أحد المواضيع الأكثر أهمية في النضال من أجل الاستقلال .

 

       فيما بعد، أدّت الحرب العالمية الثانية والمنافسة بين سلطات الجنرال دوغول والإنكليز حدوث أول تغيير في هذا الأمر عبر الاتفاق الموقع في كانون الثاني لعام 1944 بين سوريا ولبنان وفرنسا وبريطانيا العظمى (وهو بالحقيقة ناتج عن اتفاق معادلة مماثل بين الفرنك الفرنسي والجنيه الإسترليني ، وقعه الجنرال دوغول مع بريطانيا العظمى أثناء الحرب في آذار عام 1941 ) : أصبحت الليرة السورية اللبنانية مرتبطة بموجب الاتفاق الجديد، بالجنيه الإسترليني .

 

        ولكن قبيل جلاء القوات الفرنسية عن سوريا (17 نيسان 1945) ثم لبنان ، ألغت فرنسا من طرف واحد المعادلة مع الجنيه الإسترليني، وذلك في 15 آذار . وعادت الليرة السورية اللبنانية إلى حجر الفرنك الفرنسي وتقلباته. وحملت المشادات التي نتجت عن ذلك سلطات الحكومة السورية الحديثة الاستقلال على الانتساب منذ نيسان 1947 إلى صندوق النقد الدولي ، من أجل إقامة تغطية بالذهب والدولار الأمريكي لليرة السورية ( حسب نصوص بريتون وودز ) . فارتكست الحكومة الفرنسية ، وكذلك مصرف سوريا ولبنان الذي قام بتجميد الودائع السورية الموضوعة في فرنسا تغطية لليرة السورية.  فدخلت كل الأطراف في مفاوضات، قامت الحكومة اللبنانية خلالها بتوقيع اتفاق نقدي، من جانب واحد، مع فرنسا عام 1948 ، راضية الارتباط مع الفرنك الفرنسي (وذلك في غمرة المحادثات الثلاثية السورية-اللبنانية-الفرنسية، وبعد أن كانت الحكومتان السورية واللبنانية قد اتفقتا على اتخاذ موقف مشترك في هذه المفاوضات). وهذا ما أدى بشكل حتمي إلى الانفصال النقدي بين سوريا ولبنان ، بالرغم من أن سوريا كانت تتمنى وقتها المحافظة على هذه الوحدة النقدية مع لبنان .

 

          وتم في عام 1948 إنشاء مكتب سوري بحت لمراقبة القطع، غير المكتب السوري-اللبناني الموروث من الانتداب، (المكتب القديم كان قد أنشئ عشية الحرب العالمية الثانية، وكانت إدارته موكولة إلى مصرف سوريا ولبنان ) .

في الواقع ، دخلت ذاك الوقت أسعار الصرافة المتعددة، لأول مرة رسمياً إلى سوريا .( وهكذا أوجد سعر رسمي للمعاملات الحكومية {1 دولار = 2,2 ليرة سورية } ؛ وسعر حر للاستيراد والتصدير { 1 دولار = 3,65 ليرة سورية }؛ وسعر مزدوج فئة أ للقطع غير الناتج عن التصدير { 1 دولار = 3,48 ليرة سورية}، وسعر مزدوج فئة ب للشركات النفطية في سوريا { 1 دولار =2,5 ليرة سورية } ، وحقق هذا السعر الأخير إيرادات مهمة للدولتين السورية واللبنانية من عبور النفط القادم من العراق  (IrakPetroleumCo) والسعودية  (TAPLINE)). وفي ذاك الوقت أيضاً، ظهر لأول مرة " سوق لقطع التصدير ". وما زالت ازدواجية أسعار الصرافة وسوق قطع التصدير موجودة في سوريا عام 1999.

 

            إن تصفية الخلاف النقدي بين سوريا وفرنسا لم توقع إلا عام 1949 . وصدر قانون النقد السوري في آذار عام 1950 . وعبر هذا القانون ، أخذت الحكومة السورية رسمياً امتياز الإصدار ( تأسيس مؤسسة إصدار النقد السوري التي طبعت الليرة السورية منذئذ باسمها ) وتثبتت نظم التغطية النقدية مع التركيز خاصة على التغطية بالذهب .

    

             وبقيت الأسعار الحرة لليرات السورية واللبنانية لفترة قريبة جداً من بعضها ، وبقيت العملتان متداولتين فعلياً في البلدين ، حتى بعد الانفصال النقدي عام 1948 .ثم بدأت العملة السورية بتتبّع دورتها الفصلية ، من جهة ارتباطها بالنشاط الأساسي للبلاد وهو الزراعة . أما الليرة اللبنانية فكانت أقل حساسية لهذه التقلبات.

ولم يظهر الانفصال بشكل نهائي وفعلي إلا بعد الانقطاع الجمركي بين البلدين في آذار عام 1950. والأكثر من ذلك ، فقد بقي مصرف سورية ولبنان ، وهو مصرف تجاري أساساً تابع للقانون الفرنسي ، والذي كان يركّز 80 % من الودائع في البلدين ، بقي هذا المصرف يلعب دور المصرف المركزي وخاصة لإصدار العملة في البلدين ( إذاً لحساب الحكومة السورية بعد عام 1950 ) وذلك حتى تأسيس المصرف المركزي في سوريا عام 1956 . من خلال دور مصرف سوريا ولبنان ، بقي الانتداب الفرنسي فيما يتعلق بالتغطية النقدية وأسعار الحسومات ممتداً على سوريا حتى عام 1953 وعلى لبنان حتى عام 1964 .

 

                   


مصرف سورية المركزي :

        

        شكل المرسوم التشريعي الصادر في 28 آذار 1953 خطوة حاسمة . فقد حدد هذا المرسوم (ولأول مرة بطريقة مستقلة عن أي عملة أخرى) مفهوم الليرة السورية ، وقواعد عمل النشاطات المصرفية. كما أنه أسس مجلساً للنقد والتسليف ، يمارس بنفسه امتيازات المصرف المركزي، حتى تتم تسوية النزاع الذي نشأ من جرائه مع مصرف سورية ولبنان الحائز على الامتياز القديم، وذلك حتى الافتتاح الفعلي لمصرف سورية المركزي في آب عام 1956 .

شكل هذا المرسوم بحد ذاته قانوناً أساسياً للنقد في سورية . وكان إصداره في ذلك الوقت حدثاً سياسياً ضخماً ، " كتأميم" لامتياز الإصدار لمصرف سورية ولبنان ، الذي كان صالحاً حكماً حتى عام 1964.

ولزم الأمر عامان كاملان من المناقشات الطويلة والصعبة،  حتى توقيع صك التعويض مع مصرف سورية ولبنان وحتى يمكن افتتاح المبنى الجديد لمصرف سورية المركزي، وسط دمشق في يوم عاصف ( في الواقع افتتحا لمبنى الجديد في ساحة 7 بحرات في دمشق عام 1958 ، وكان المصرف قد تمركز منذ إنشائه عام 1956 في شارع الفردوس القريب) . وهكذا ، فإن الليرة السورية حملت منذ عام 1956 عنوان مصرف سورية المركزي.

 

            أما عن دوافع هذا العمل الجريء، الذي درسه وحققه سوريون لم يكونوا جميعاً من مؤيدي الأفكار الاشتراكية ، فقد صرح أول حاكم لمصرف سورية المركزي، عزت طرابلسي وفي بيروت (!):

 

      " ثم بعد هذا كله ، هل كان مصرف سورية ولبنان بنكاً مركزياً يضطلع بمهام الحديثة للمصارف المركزية ؟

           هل كان يستطيع أن يوجه سياسة الدولة النقدية، لمحاربة التضخم أو التقلص سواء برفع معدلات الحسم أو تنزيلها أو باتباع سياسة السوق المفتوحة؟

 هل يستطيع أن يراقب التسليف من حيث كميته ومن حيث كيفيته، وأعني بكيفيته توزيع التسليف بحسب القطاعات الاقتصادية :الزراعة والصناعة والتجارة وترجيح قطاع على أخر أو توزيعه التسليف بين الأفراد ومشاريع الدولة؟

ثم هل كان بإمكانه أن يراقب المصارف وأن يلزمها ببعض القيود في سبيل صون حق أصحاب الودائع أو تنفيذاً لسياسة الدولة النقدية كمحاربة التضخم النقدي مثلاً؟

أكان يجوز أن يكون مشاور الدولة المالي والنقدي والاقتصادي وهو مؤسسة أجنبية لها مصالحها وفوائدها في مؤسسة الإصدار؟

      إن الجواب على كل هذه الأسئلة هو طبعاً النفي ؟ فالبنك السوري لم يخرج في الواقع عن مصرف تجاري يقوم بمهمتين من مهام المصارف المركزية، مهمة إصدار الأوراق النقدية أو أدارتها، ومهمة عميل الحكومة المالي. وهما مهمتان ماديتان تدران عليه ربحاً صرفاً دون أن ترتب عليه مهمة أخرى من مهام المصارف المركزية.

      لهذه الأسباب كلها كان لا بد من تصفية امتياز مصرف سورية ولبنان وإصلاح قانون النقد وأكماله كما أشرت وإنشاء مصرف سورية المركزي ".

 

          من جهته ، انتظر لبنان انتهاء امتياز مصرف سورية ولبنان ليؤسس مصرفه المركزي عام 1964. وتم هذا التأسيس على أساس النموذج السوري لعام 1953 ، مثلما نصحته في زمنه تقارير الخبراء الدوليين الذين استشارتهم الحكومة اللبنانية ( تقرير كيسينغ مثلاً ) . ومع ذلك ، فلقد تقرر تنظيم النشاطات بشكل أقل دقة مقارنة مع سوريا . وبعد ثلاث سنوات ، كانت أزمة مصرف انترا .أما الأردن ، فقد أسست مصرفها المركزي عام 1959.

 

مشهد النظام المصرفي السوري في الخمسينات:

 

           إن الوجه الأخر الرئيسي في قانون النقد الأساسي السوري  هو تنظيم المهنة المصرفية. وقد تعرض هذا التنظيم إلى عدة وجوه تفصيلية منها :

-    تعريف العمليات المصرفية واحترام حرية عملها،

-          تسجيل وعمل المصارف على أساس قانون الشركات،

-          فرض نسب يجب احترامها على رؤوس الأموال البنوك، وكذلك على الاحتياطي الإجباري، وعلى السيولة ، الخ

-    تأسيس وظيفة "مفوض الحكومة لدى المصارف" لتنظيم ومراقبة احترام القواعد المفروضة .

 

      وكانت هذه القواعد في محلها، فلم يتعدى مجموع رؤوس أموال أكبر المصارف ( وكلها فرنسية ) مبلغ ثلاث ملايين ليرة سورية . بينما كان كل من هذه المصارف قد أقرض مبلغ 2,5 مليون ليرة لزبون واحد (معمر باشي)، حين أعلن هذا الزبون إفلاسه عام 1953، دون أن تستطيع تلك المصارف تغطية ذلك الإفلاس .

 

      وبشكل عام، أحدث القانون الجديد تفعيلاً ديناميكياً للقطاع المصرفي السوري، مع القواعد التي وضعها مع إنشاء مصرف سورية المركزي.

ففي عام 1951 ، كان في سوريا تسع منشآت للتسليف ، خمس منها بشكل فروع لمصارف أوروبية كبيرة وأربع منها بشكل فروع لمصارف دول عربية. وإلى جانب هذه المنشآت، وجدت عدة مؤسسات تسليف شكلها مشابه تقريباً لمكاتب الصرافة . وامتدت شبكة فروع المصارف على 32 فرعاً على الأراضي السورية.

أما عام 1957 ، فقد ازداد عدد المصارف الأوروبية من 5 إلى 7 (!)، وازداد عدد المصارف العربية من 4 حتى 9، كما تأسست 5 مصارف سورية جديدة. وامتدت كذلك الشبكة المصرفية من 23 فرعاً إلى 27 فرعاً للمصارف الأوروبية ، ومن 9 فروع إلى 23 فرعاً للمصارف العربية . أما فروع المصارف السورية فقد ازدادت من (0) إلى (6) فروع. والمجموع 56 فرعاً .

وتفتت بذلك احتكار مصرف سورية ولبنان على النشاط التجاري المصرفي (80 % عام 1950). وتوزع هذا النشاط التجاري المصرفي عام 1957 بين المصارف الأوروبية (55 %) والمصارف العربية (32%) والمصارف السورية (13 %). وحصلت المدن الكبرى على حصة الأسد من فوائد امتداد الشبكة المصرفية : دمشق (18 فرعاً عام 1957 ل 865.000 نسمة) وحلب( 15 فرعاً  ل  1,223,000 نسمة) واللاذقية ( 11 فرعاً ل 469.000 نسمة ) .

 

وحدث أيضاً تطور كبير في الودائع المصرفية، كما يشهد على ذلك الجدول التالي:

%

 

رؤوس أموال صافية

%

مساعدة معهد الإصدار

%

رؤوس أموال من الخارج

%

الودائع

مجموع الواردات

السنة

6

12.1

-

-

10

21.3

84

172.9

172.9

1951

5

14.7

-

-

11

32.3

84

242.3

289.9

1952

6

21.5

3

13.5

18

68.7

73

296.2

399.9

1953

5

27.9

8

43.5

24

129.5

63

339.0

539.9

1954

13

68.2

9

50.8

17

92.2

61

334.5

545.7

1955

13

63.3

29

137

20

92.2

38

180.5*

476.0

1956

12

63.2

33

174.3

17

85.4

38

199.6

522.0

1957

 

*في عام 1956 ، حولت معظم ودائع الدولة لدى المصارف، إلى مؤسسة الإصدار لتنقل فيما بعد إلى مصرف سورية المركزي.

 

تأميم المصارف :

      

           لم تأتي فترة الوحدة بين سوريا ومصر ( الجمهورية العربية المتحدة )، التي بدأت في شباط عام 1958 وانتهت في أيلول عام 1961،  بتغيرات كبيرة في المجال النقدي، رغم كون مسألة الوحدة النقدية المصرية السورية موضع مناقشة . ولقد بقي المصرفان المركزيان والعملتان مستقلين . وكذلك لم تحصل في هذه الفترة تغيرات كبرى في نوعية المصارف في سورية ، فكان دخول المصارف المصرية إلى سورية ضئيلاً .

الجديد التي أتت به هذه الفترة هو دور جديد للدولة، على مستوى رأس مال المصارف، أدى في نهايته إلى تأميم جميع المصارف وتجميعها.

 

إلى أية مسببات استجاب قرار تأميم المصارف في سورية ؟ وهل كان هذا التأميم مرادفاً لتدهور فوري لهذا القطاع، بعد التطور اللامع الذي سبقه؟

         للإجابة على هذه الأسئلة، تجدر الإشارة إلى أن هذا التأميم قد أجري على عدة مراحل .

 

قانون التعريب في أيلول 1959:

أصدر هذا القانون الأول بعد عام ونصف من الوحدة السورية المصرية ، وكان يستهدف بنفس الوقت المصارف السورية والمصرية، في حين كانت المصارف في مصر أكبر أهمية . وقد أقر بنده الأول ببساطة أن المصارف يجب أن تكون مؤسسات مغفلة طبقاً للقانون التجاري. أما بنده الثاني ، فقد طلب بأن يكون 70% من رأس المال المصارف في حوزة سوريين ، مع إمكانية وجود استثناءات ، على أن يكون الحد الأدنى لرأس المال العربي 51 %. وقد أعطى مهلة خمس سنوات لتسوية الأوضاع الحالية .

 

          إذاً ، فإن سيطرة المصارف الأوروبية وتفوّقها في النشاطات المصرفية كانا هما المستهدفين . ولكن ذلك لم يعني انهيار النشاطات المصرفية، إنما العكس تماماً . وللتأكد فإن الجدول التالي يطلعنا على تطور الودائع والقروض المصرفية خلال هذه الفترة ( مع العلم أنه قد سيطرت على هذه الفترة المشاكل المتعلقة بالديون الزراعية المرتبطة للمقترضين الذين خضعوا لقانون الإصلاح الزراعي) .

 

1961

1960

1959

1958

1957

السنة

355

430

360

226

200

مجموع الودائع المصرفية

799

818

633

505

530

مجموع القروض المصرفية

                                بملايين الليرات السورية

 

 

   قانون التعريب الثاني في آذار عام 1961 :

          صدر قانون تعريب ثان بعد عام ونصف من ذلك (أي ستة أشهر قبل حدوث الانفصال) يطبق على سورية ومصر سوية. ولأول مرة ، أدخل بنده الأول مفهوم التأميم ( الجزئي ) من قبل الحكومة . ففرض أن تملك "المؤسسة الاقتصادية السورية"، وهي مؤسسة حكومية أنشئت تابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، كحد أدنى 35 % من رأس مال المصارف  (وذلك من خلال زيادة رأس مال تلك المصارف) . وفرض أن يكون جميع المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة من رعايا الجمهورية العربية المتحدة ، إلاّ باستثناء من رئيس الجمهورية، على أن يكون في هذه الحالة 75 % على الأقل من الأسهم من الجمهورية العربية المتحدة والبقية عربية . وقد أعطيت مهلة تسعة أشهر لإنهاء إجراءات التطبيق .

 

وهكذا أصبح تعريب المصارف كاملاً، ودخلت الدولة للمرة الأولى في رأس مال وإدارة المصارف. وأخذت بعد ذلك في نيسان التالي النتيجة الحتمية التي تتلي بإلغاء فعالية مجلس النقد والتسليف وبتقليص مهمات المصرف المركزي .

        أما فيما يتعلق بتأميم المصارف الأجنبية، فقد لحقت هذه الإجراءات بالتأكيد بمصرف سوريا ولبنان

(الفرنسي)، كما لحقت بالمصارف التالية:

-    المصرف الوطني للتجارة والصناعة (فرنسي)،

-          الشركة الجزائرية (فرنسية)،

-          المصرف البريطاني للشرق الأوسط (إنكليزي)،

-    مصرف روما (إيطالي)،

-    مساهمات مصرف التسليف العقاري للجزائر وتونس (الفرنسي) بحيازة 30 % من رأس مال مصرف الشرق العربي،

-          وكذلك بالمصرف التجاري الإيطالي الذي كان في حوزته 21 % من رأس مال مجموعة المصارف المتحدة .

 

التأميم الكامل في تموز عام 1961 :

      تسارعت الأمور قبل ثلاثة أشهر من حدوث انفصال الجمهورية العربية المتحدة . فأعلن قانون التعريب الكامل للمصارف المصرية والسورية في 20 تموز عام 1961 . وفي الشهر الذي تلاه، جمعت المصارف في مجموعات جديدة.

        ولقد برر هذا التجميع، من أجل تقوية المنافسة بين المصارف مجابهةً لمصرف سوريا ولبنان المسيطر والذي أعيدت تسميته بهذه المناسبة ليصبح مصرف سوريا وما المهجر ( 13 فرع ).وقد تم التجميع على الشكل التالي :

-    جمعت مصارف :مصر (مصر ، 12 فرع) ، الأهلي (مصر ، 4) والتجاري السعودي (العربية السعودية ، 1) ضمن مصرف التسليف التجاري والعقاري؛

-    جمعت مصارف : العربي (الأردن ، 8) والرافدين (العراق ، 2) في مصرف الفيحاء؛

-          جمعت مصارف : العالم العربي (4) ، انترا (لبنان ، 1) ، والتجاري (1) في المصرف العربي للتجارة والصناعة؛

-          جمعت مصارف : القاهرة (مصر ، 5) ، الاتحاد العربي (مصر) في مصرف الاتحاد العربي؛

-    جمعت مصارف : الأهلي العقاري الصناعي (مصر) ومجموعة المصارف المتحدة (4) تحت مجموعة المصارف المتحدة؛

-          جمعت مصارف : اللبناني للتجارة (1) ، والبير حمصي (سوريا/لبنان ، 1) ، و اللاذقية (2) ، ومصرف الشرق العربي (4) تحت مصرف الشرق العربي .

 

إن الاختيارات الإقليمية والتقسيمية لهذه الجموع هي دلالات بحد ذاتها . وكذلك،  فإن أسماء أعضاء مجالس إدارة المصارف المؤممة هي أيضاً دلالات لعارفي أوساط المصارف والأعمال الحالية في سورية الشرق الأوسط :

-    رئيس المؤسسة الاقتصادية السورية : شفيق الأخرس؛

-          مصرف سوريا والمهجر : ملك العظمة (رئيساً ، مصرفي ومدير المصرف العربي سابقاً) ، خالد الأيوبي (مراقب المصرف المركزي) ، كرم توما ( مدير في المصرف المركزي ) ، توفيق هنيدي و ابراهيم العادلي (رجال أعمال)؛

-          مصرف التسليف التجاري والعقاري : نصرت طبوزادا (رئيساً ، مدير سابق لمصرف مصر) ، عدنان فرّا (أمين سر المصرف التجاري) ، سهيل قطان وعدنان شاويش (مراقب في المصرف المركزي) ، ابراهيم حسكور؛

-          مصرف الفيحاء : رفيق سيوفي (رئيساً ، مدير في الخزينة) ، صادق الأيوبي (موظف في الخزينة)، ماجد حلواني ، واصل قتابي ( مدير في المصرف المركزي ) ، رفيق جلاد؛

-          المصرف العربي للتجارة والصناعة : ناظم قدسي (رئيساً، رجل سياسي) ، خالد شعبان ، عدنان العيطة ( مفوض الحكومة في المصرف المركزي ) ، محمد ناصيف ، خير الله زخور؛

-          مجموعة المصارف المتحدة : عوض بركات ( رئيساً، مدير عام سابق ونائب حاكم المصرف المركزي)، عبد العزيز الصواف ، عبد الغني حمّور ، فؤاد دهمان ، نديم بساط.

 

      صدرت هذه التعيينات في 11/9/1961 (موقعة من قبل عبد الحكيم عامر) ،أي قبل خمسة عشر يوماً من الانقلاب الذي فصل سوريا عن مصر .

 

الانفصال بين سورية و مصر : هل عودة على التأميم ؟

في 28 أيلول 1961، أنهى انقلاب الوحدة السورية المصرية . واستلمت السلطة قوى سياسية جديدة التي لا يشك في أنها "اشتراكية". وكان مضمون أول قانون أتخذ (صدر في 10 تشرين الأول التالي) هو إعادة تفعيل مجلس النقد والتسليف والعودة إلى القانون الأساسي لعام 1953 لدور المصرف المركزي . 

         وعلى العكس ، فلم تحرر مراقبة القطع الشديدة التي شرعت في شباط 1961، إلا بشكل جزئي. والأهم من ذلك أيضاً ، لم يكن هناك عودة مباشرة على تأميم المصارف. (حيث لم يكن قد مضى ثلاثة أشهر على قانون التأميم هذا، الذي ظهر كأحد أسباب الانقلاب). وبالمقابل ، فإن موضوع إزالة التأميمات للمصارف كان سبباً لمناقشات حادة بين الحكومة والمجلس النيابي. وبالحقيقة لم تجري سوى مناقشة موضوع التأميم الكلي دون الرجوع عن مبادئ التعريب في آذار 1961 .

 

      وأنهي النقاش بانقلاب جديد في آذار 1962 . وصدر مرسوم تشريعي في شهر أيار الذي تلاه، يلغي فقط قانون تموز 1961، مثبتاً مع ذلك تأميم المصارف الأجنبية ومؤكدا مشاركة الحكومة الإجبارية في رأس المال التي خفضتها إلى 25 %.

 

     وبالرغم من كل هذه التقلبات، فقد بقيت الأعمال المصرفية دائماً نشطة ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.. وبلغت مجا ميع الودائع والتسليفات المصرفية عام 1962 تباعاً 409 و 707 مليون ليرة سورية .

 

إعادة التأميم الكامل :

في آذار من عام 1963 ، وصل حزب البعث إلى السلطة بعد انقلاب جديد، ليبقى فيها حتى نهاية القرن. وفي 2 أيار عام 1963، أممت جميع المصارف العاملة في سورية بمرسوم تشريعي، أعاد ببساطة فعالية قانون 20 تموز لعام 1961. وفي شهر آب ، أحدث جمع جديد للمصارف الآن في خمس مجموعات فقط :

-    مصرف سوريا والمهجر؛

-    مصرف أمية؛

-    مصرف المشرق العربي؛

-    مصرف العالم العربي؛

-    مصرف الوحدة العربية.

 

ولقد سميت مجالس إدارة هذه المصارف بطريقة مشابهة لتلك المتبعة عام 1961. ويكمن الفارق الكبير في أن أكبر قسم من الكوادر الفعّالة ل في الخمسينات،  هاجر ذاك الوقت إلى لبنان وبلاد الخليج. حيث كان عدد السوريين في اجتماع 70 مديراً للمصارف اللبنانية عام 1971 : 22 سورياً .

 

 الاختصاص المصرفي :

           وفي عام 1966 ، حدث تبدل أكثر جذرية في النظام لسياسي نحو اتجاه حكومي أكثر صلابة. فصهرت كافة المصارف التجارية في مصرف وحيد هو المصرف التجاري السوري . ونظمت كافة المصارف  العاملة في البلاد (وقد أصبحت كلها حكومية) حسب اختصاصها المهني :

-    المصرف التجاري السوري : وهو يدير كافة الأعمال التجارية في سوريا (خاصة الاستيراد والتصدير)؛

-    صندوق توفير البريد: الذي تأسس في تموز عام 1963 وهو يدير التوفير الشعبي؛

-    مصرف التسليف الشعبي : (أنشئ عام 1961 ولكنه تأسس فعلاً في تموز 1966 ) وهو يدير التسليفات المصرفية للأفراد؛

-    المصرف العقاري ( نيسان 1966 ) وهو يدير التسليف ل لحاجات الإسكان؛

-    المصرف الزراعي التعاوني : وهو يدير القروض للنشاطات الزراعية ويأخذ بطريقة محددة الدور القديم للصناديق القديمة للتسليف الزراعي؛

-    المصرف الصناعي ( تموز 1958 ) الذي يدير القروض للمنشآت الصناعية .

 

 في وقتها ، بررت هذه الإجراءات بوجوب سيطرة الحكومة النهائية على قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة الخارجية . إذاً، ستنفق الدولة مباشرة على خططها وعلى برامجها للتطوير. ,ليست هي لذلك بحاجة لا للقطاع الخاص ولا للمنافسة المصرفية .

    وبالفعل ، فقد المصرف المركزي تماماً دوره في المراقبة والتنظيم ذاك الوقت . فهو، كغيره من المصارف، وكالشركات التي سيمولها، دائرة خدمات حكومية.

 

****

وإن هذا النظام الأخير هو المأخوذ به حتى الآن في سورية وذلك بعد 33 سنة من إنشائه وعلى عتبة ألفية جديدة. ولكن المشهد السوري قد تطور كثيراً خلال 33 سنة، خصوصاً ابتداءً من عام 1970:

-    فقد احتل الريع النفطي مركزاً كبيراً في الاقتصاد؛

-    وقد طورت سورية طاقات زراعية هامّة ، كما أمكنت إجراءات تشجيع وتحرير حديثة (التي خلقت تعاوناً بين منتجي القطاع الخاص و سياسة الحكومة) نمواً هائلاً في الإنتاج؛

-    وقد طورت سورية شبكة بنية تحتية (طرق وكهرباء وهاتف الخ ) منافسة على الصعيد الإقليمي؛

-    وعاد القطاع الخاص ليلعب دوراً نشطاً معروفاً ومأمولاً اجتماعياً وسياسياً، ليس في التجارة فحسب ( كما ظل يفعل سابقاً) ولكن في الصناعة والزراعة أيضاً .

 

          بيد أن وضع اليوم يفرض آفاق هامة :

-    ضرورة تطوير قطاع صناعي (وخدماتي) بشكل سريع موجه للتصدير، مع المشاركة الضرورية المطلوبة بين مبادرات القطاع الخاص، إلى جانب وبمنافسة الدولة في هذا الصدد؛

-    وضرورة الانتماء إلى سوق اقتصادية أكثر شمولية وأكثر نشاطاً ، سورية-لبنانية وعربية وأوروبية-متوسطية ثم دولية (اتفاقية الغات).

فهل يتكيّف نظام القطاع المصرفي الموروث عن عام 1966 مع الوضع الاقتصادي الراهن في عام 1999؟ وهل بإمكان هذا النظام الوقوف أمام التحديات الهامة الناتجة عن هذه الآفاق؟

 

كان نصيب القطاع الخاص من مجمل القروض المصرفية 16 % عام 1992، بينما كان يتأرجح بين 58 و94 % في الخمسينات. إن القطاع الخاص السوري يقوم بإيداع توفيرا ته ويقترض من المصارف خارج سورية، وخاصة في لبنان، وذلك بالرغم من القوانين التي تجعل التعامل بالعملات الأجنبية جزائياً .

 

***

 

إننا لن نناقش هنا بالتفصيل الأوجه التنظيمية والتقنية التي تنطوي عليها تلك الأسئلة، مع العلم أن هذه الأوجه حاسمة بالتأكيد وخاصة بملاحظة التطور المتسارع للتقنيات والوسائل المصرفية والنقدية في هذه السنوات الأخيرة ، وكذلك مؤخراً التطورات الكبيرة في النظام المصرفي العالمي. ولكننا ببساطة، سنستقرئ أبعاد التطور المستقبلي عبر إعادة طرح مسألة تلاؤم التبريرات التي وضعت على أساسها خطوات التطور النقدي والمصرفي في سورية، خطوة بعد الأخرى.

 

          ما هي آفاق نظام مصرفي جديد :

 

1       - هل طرح " مصرف واحد لكل مهنة مصرفية " ( التخصص المتبنى عام 1966 ) هو الطرح الأكثر ملاءمة مع مستوى احتياجات تمويل القطاع العام ومع احتياجات تمويل القطاع الخاص ؟ هل يمكن إقامة التحديث المطلوب للنظام المصرفي السوري في إطار هذا التخصص ؟ وهل يمكن كذلك تكوين جيل جديد من المصرفيين بأفضل مستوى دولي ضمن الإطار الحالي؟

2        وهل يجب على المصارف العامة ( عدا المصرف المركزي الذي له دور خاص ) أن تعمل كمؤسسات حكومية أو كشركات مسؤولة حسب قانون التجارة؟ هل عليها أن تدار كدوائر "خدمة عامة" أو العمل، في إطار المنافسة الإقليمية والدولية، على تطوير مهنها من خلال مبدأ "الإدارة بالأهداف" ؟ وكيف يمكن إعادة الثقة المتبادلة بين هذه المصارف العامة والقطاع الخاص؟

3        - هل ترغب الدولة في أن تبقى المساهم الوحيد في جميع المصارف في سورية؟ وإذا كان الجواب بالنفي ، فهل يجب أن تفسح المجال لمصارف أخرى لتنافس مصارفها أو هل ستفتح رأس مال المصارف الحكومية لمساهمين آخرين ؟

4         - ولنفترض أن الخيار سيكون في خلق "تعددية" في هذا المجال المصرفي، سامحاً لقطاع مصرفي خاص أن يتطور إلى جانب قطاع عام قوي، كما هو الآن مرغوب في قطاعات أخرى ، مثل التوليد الكهربائي أو مصانع الأسمنت ( في إطار القانون رقم 10 لعام 1991 ، ولكن في الحقيقة لم يقام أي مشروع حقيقي)، فكيف العمل لتكون هذه التعددية مفيدة للمصارف العامة وتسمح بإروائها  بتقنيات  وكفاءات جديدة؟ وما هي الشروط  التي يجب أن تفرض على البنوك الجديدة الخاصة المزمع تأسيسها ، إما من ناحية المساهمة الرأسمالية وإما من ناحية أنظمة العمل المصرفية ؟

5        - ولنفترض على العكس أن الخيار سيكون في إعادة تقسيم المصرف التجاري السوري إلى عدة مصارف (كما قد تم ذلك مؤخراً في سورية في قطاع التوليد والتوزيع الكهربائي)، مع إمكانية مشاركة خاصة في رأس مال هذه المصارف. فما هي أطر فتح رأس المال هذا والشروط التي يجب أن توضع حول جنسية المساهمين الجدد؟ هل هو فتح رأس مال للاكتتاب العام ( دون سوق مالية سورية ) كما هو الحال في القطاع الفندقي (الذي أطلق  بقانون خاص بعد الحركة التصحيحية للرئيس الأسد والتي أدى إلى تطور ناجح في الإيرادات السياحية)؟ ما هي الحصة الدنيا من الأسهم السورية والأسهم العربية؟ وهل نقبل بوجود رأس مال غير عربي وإلى أي مستوى؟ أي حصة من رأس المال ستكون مخصصة لموظفي المصارف السوريين، وما هي الحصة الدنيا المخصصة للدولة، ومع أية حقوق مميّزة ؟

 

6        ما هي الطريقة المثلى في هذه الحالة للحفاظ على المصالح والأولويات النقدية والاقتصادية السورية؟ هل هي بتنشيط الدور التنظيمي للمصرف المركزي ولمجلس النقد والتسليف، وبالنتيجة تطوير وتحديد الأنظمة المتعلقة بهما ؟

 

7        - من خلال الإجابة على كل ذلك ، كيف نخلق مناخاً يجذب الادخار السوري ليشارك بثقة في تطور بلده؟ وكيف نوقف الهروب الحالي لهذا الادخار إلى الخارج والبلاد المجاورة أو لجوئه إلى "مكاتب" استثمار مشبوهة (كما كان الحال مؤخراً في دمشق وحلب)؟

 

8       من خلال الإجابة على كل ذلك ، كيف نعمل من أجل الاندماج والتكامل العربيين ، خصوصاً مع لبنان والأردن ومصر وبلاد الخليج، لإثمار الاستثمارات العربية في سورية والاستفادة من التداوب الذي سينتج عن تنوع الكفاءات والتجارب؟

 

9       من خلال الإجابة على كل ذلك ، كيف العمل لتحتل سوريا المكانة التي تستحقها في الساحة الأوروبية المتوسطية والدولية ؟ وكيف العمل لتكون الاستثمارات غير العربية فرصاً وليست تهديداً؟

 

لقد كانت السنوات المائة للتاريخ المصرفي في سورية غنية بالتطورات. وفي كل مرحلة، اختارت سورية إجراءات كانت تعليلاتها الدفاع عن مصالح البلاد وعن اقتصادها وعن رفاهية سكانها. والسؤال المطروح الآن وبشكل ملح في القطاع المصرفي هو : ما هي الإجراءات الضرورية في المرحلة الحالية لتحقيق التطور المصرفي في سورية ؟

                                        فارس منصور

                              *اسم مستعار لرجل أعمال واستشاري سوري

 

 


مراجع

 

-    أرشيف الدكتور عزة طرابلسي (الحاكم السابق لمصرف سورية المركزي) والدكتور عدنان العيطة (مفوض الحكومة السابق لدى المصرف المركزي ورئيس مجلس ادارة مصرف سورية والمهجر).

-     د. هشام متولي : أبحاث في الأقتصاد السوري والعربي. منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق 1974.

-Jean Albert SOREL : Le Mandat Français et l’Expansion économique de la Syrie et

  du Liban ; Marcel Giard Ed., 1929

-Said HIMADEH : Monetary and Banking System of Syria, American University Press, Beyrouth 1935.

Fond Monétaire International, Direction Amérique Latine, Moyen et Extrême Orient-

Situation Monétaire en Syrie, 5 Mai 1950, P.G. KHLAT, G.F. BOTHRINGER.

- Banque Internationale pour la Reconstruction et le Développement Economique : Rapport sur la Situation Economique de la Syrie et sa Capacité à l’Emprunt. 22 Mars 1951. F.G. BOHINSKI.

- Izzat TRABULSI : La Banque Centrale de Syrie. Conférence prononcée par le Gouverneur à la Salle West Hall de l’Université Américaine de Beyrouth. 29/3/57.

- Abdallah AZMEH : L’Evolution de la Banque Commerciale dans le Cadre Economique de la Syrie (1920-1957), Thèse Université de Lausanne,1961.

-        Abdul Majed JANDALY : L’Expérience Syrienne en matière de Nationalisation des Banques, Thèse Neuchatel, 1965.

-        Ziad KASSEM : Bank’s Nationalisation, Credit Expansion and Price Stability in Syria, 1961-1967, Master thesis, AUB Beyrouth, 1969.

-        Talal Georges : le Système Monétaire et la Banque au Liban, Ed. An Nahar, 1970.

-        Abdul-Amir BADRUD-DIN : The Bank of Lebanon, Central Banking in a Financial Centre and Entrepôt, Frances Pinter Publishers, Londres, 1984.

 

 

جميع الحقوق محفوظة. مفهوم. 1999-2000