"لبنان وسوريا: التحديات الاقتصادية والسياسات المطلوبة": "الدولة التنموية" وتجارب "النمور الآسيوية" مسعود ضاهر
يقدم كتاب ألبر داغر "لبنان وسوريا: التحديات الاقتصادية والسياسات المطلوبة" (*) مادة غنية مسندة الى غزارة في التوثيق العملي، ودقة في المعطيات والتواريخ، وجهد تحليلي رافق جميع صفحات الدراسة، قد يعاب عليه فقط ان معظم فصول الكتاب نشرت سابقا على شكل مقالات متفرقة أُعيد جمعها تعميما للفائدة لكنها حافظت على تمايزها دون ان تتدامج فصولا في كتاب موحد. الا ان هذا النقد المنهجي لا يقلل من قيمة الجهد النظري في المقالات نفسها. فالمؤلف باحث اقتصادي مميز وذو كفاءة عالية في معالجة موضوعات بحثه. حدد داغر في المقدمة غاية البحث على الشكل الآتي: "تقديم دراسة معمقة، بأدوات علم الاقتصاد، وفي ضوء التجارب المحققة في ميدان التكتل الاقتصادي الاقليمي. وكيف يمكن تعجيل النمو الاقتصادي في البلدين، وما المساهمة التي يمكن ان تقدمها العلاقات الاقتصادية بينهما في هذا المجال؟". انطلاقا من هذا الهاجس النظري تفرعت موضوعات الكتاب الى مجالات ثلاثة: هيكليات لبنان وسوريا الاقتصادية، والسياسات الاقتصادية التي تتيح للبلدين تحقيق اهدافهما، وأوجه التماثل والتشابه بين التجربتين بالاضافة الى وصف التحديات والاستحقاقات التي يواجهانها. وابرز ما تضمنته المقدمة النظرية التي جاءت تحت عنوان "اعتماد المقاربة البنيوية في اقتصاديات التنمية"، ان الدراسة: "لم تستوح النظرية الاقتصادية الليبرالية الصرف، بل استوحت في الاكثر الادبيات التي تصنف ضمن اطار المقاربة البنيوية في اقتصاديات التنمية، وتراهن هذه المقاربة بوجه خاص على ما يمكن ان يقدمه الاقتداء في مجال استراتيجيا التنمية المتبعة، بنماذج شمال - شرق آسيا، ومنها بالتحديد تجربتا كوريا الجنوبية وتايوان". من هنا كان حرصنا هنا على قراءة كتاب البر داغر في ضوء استراتيجيا التنمية المتبعة في دول شمال - شرق آسيا، بالاضافة الى جنوب - شرق آسيا، وخاصة اليابان. والسبب في ذلك ان هذه المسألة غاية في الاهمية لكنها لم تولَ العناية الكافية حتى الآن في غالبية الدراسات الاقتصادية العربية السابقة، وتاليا لا بد من استخراج الدروس والعبر من نجاح تلك النماذج او فشلها ومدى استفادة كل من سوريا ولبنان منها لاطلاق تنمية مستدامة تقود الى تذليل الكثير من العقبات القائمة الآن بين البلدين، مما يعطي هذه الدراسة سمة التمايز العلمي عما سبقها من دراسات اقتصادية متخصصة حول سوريا ولبنان. لكن المعالجة المعمقة لهذا الجانب بقيت في اطار التمني لرسم السياسات المطلوبة التي اعدها الباحث كملاحظات ختامية في مقالات اعدت سابقا للمشاركة في مؤتمرات علمية مشتركة ضمت اقتصاديين لبنانيين وسوريين، فكان من الصعب عليهم التطرق بجرأة وحرية الى اهمية العامل السياسي الضاغط على العلاقات الاقتصادية في البلدين، والذي يزداد تأزماً بسبب تغليب قوى سلطوية علي اخرى، تستمر معها غلبة بورجوازية على اخرى في لبنان وسوريا. وغني عن التذكير ان هذا المنحى السلطوي لعب دورا سلبيا في السنوات الاولى التي اعقبت الاستقلال السياسي في البلدين واوصلتهما الى القطيعة الاقتصادية او الانفصال الجمركي بين لبنان وسوريا عام .1950 من هنا تبرز علاقة السياسة بالاقتصاد كمسألة في غاية الخطورة لتحديد مستقبل العلاقات اللبنانية - السورية. يعترف الباحث صراحة ان "لبنان يطبق نظاما يقع على طرفي نقيض مع ذلك السائد في سوريا"، فيلاحظ، كما هو معروف لدى الجميع، سياسة تفضيل القطاع العام في سوريا وسياسة هيمنة القطاع الخاص في لبنان. فتبرز وجهات نظر متباعدة ومتناقضة عند رسم سياسات الاستيراد واعادة التصدير، والاستيراد، وتشجيع القطاع الصناعي، وعمل المصارف الخاصة ودور المصرف المركزي، وحرية التعامل بالنقد او مراقبة النقد الاجنبي، وسياسة القروض لتسديد الدين العام، والسياسة المعتمدة في القطاع الزراعي، وقطاع الخدمات والسياحة والتحويلات المالية من الخارج، ومعالجة مشكلة التضخم، والمضاربات المالية والعقارية، وكيفية مواجهة اقتصاد العولمة، والاستفادة من اتفاقات الشراكة الموقعة مع الدول الاخرى كالاتحاد الاوروبي وغيرها. في هذا المجال، ينصح الباحث بتبني استراتيجيا ايجابية جديدة للاستفادة من حركة العولمة مع تلافي الاخطار الناجمة عنها وذلك من طريق القيام باجراءات لتعزيز دينامية داخلية للنمو، وتخفيف التبعية القائمة مع الخارج، والتأسيس لاندماج استراتيجي يتوافق مع المشروع التنموي لكل من سوريا ولبنان دون الأخذ بحرية التبادل الكامل بينهما. فسياسة "التوجه نحو الخارج" اثبتت فاعليتها في دول شمال - شرق آسيا خصوصا كوريا الجنوبية وتايوان، ونجحت في تحقيق تنمية وطنية فعلية جعلتها ترتقي الى مصاف الدول الصناعية الحديثة، واعتمدت تلك الدول سياسة الاندماج الاستراتيجي الذي يتلاءم مع اهداف النمو والتنمية الوطنية في كل منها، فاستعاضت بذلك عن الاندماج الضيق وغير المشروط في السوق الدولية. لذا، فالمهمة المطروحة الآن على الاقتصاد اللبناني هي اعادة النظر بانفتاحه السابق واعتماد انفتاح استراتيجي غير سلبي اي غير متلق فحسب. اما بالنسبة الى الاقتصاد السوري، فالمطروح ايضا هو اعتماد اندماج استراتيجي يخرجه من قوقعته ويعزز امكانات الاستفادة من السوق الدولية. ورغم الخصائص البنيوية المختلفة التي يتميز بها اقتصاد كل من لبنان وسوريا، فهما يواجهان التحديات ذاتها، والتي تفترض بالضرورة اعتمادها على سياسات اقتصادية تستند الى خلفية واحدة، او تنطلق من مقاربة واحدة. وبعد ان يوصي مجددا بنقد الليبرالية الاقتصادية الصرف ومعها نقد المقاربة الليبرالية المعتدلة التي يعمل على هديها البنك الدولي، ينصح بتبني سياسات تستوحي الى حد كبير النموذج الذي مثلته دول شمال - شرق آسيا، اي اليابان اساسا، ثم كوريا الجنوبية وتايوان. ويتمحور اهتمامه فقط على التعريف بالمقولات النظرية المطلوب الاستفادة منها وابرزها دراسة عوامل الانتاج، اي التكنولوجيا ورأس المال البشري. اذ لا يجوز الاكتفاء فقط بنقل التكنولوجيا والانفتاح على الشركات العالمية المتعددة الجنسية التي تصدرها بل العمل على خلق مقدرة تكنولوجية وطنية او ما يسمى "نظام وطني للتكنولوجيا" على غرار ما تم في كوريا الجنوبية وتايوان، ومن قبلهما اليابان. والهدف من ذلك دعم نشاطات البحث والتطوير العلمي والتقني، وتكوين الرأسمال البشري وتأهيله والقيام بالاصلاح المالي المطلوب لتحقيق اهداف التنمية المستدامة، وتشجيع الادخار الوطني والتوظيف الاجنبي لتحقيق مهمات الاستثمار الانتاجي، وتطوير الادارة العامة والمؤسسات المالية لكي تلعب دورا وطنيا في مجال تشجيع الاستثمارات الانتاجية. هذا بالاضافة الى اعادة تحديد دور الدولة وكل من القطاع العام والقطاع الخاص في لبنان وسوريا ضمن استراتيجيا تصنيع بهدف التصدير تبعا لما قامت به دول النمور الآسيوية وليس بالاعتماد الوحيد الجانب على نصائح البنك الدولي وسياسة "المقاربة الودية حيال قوى السوق". وذلك يتطلب فهماً عميقاً للمقولات النظرية التي تساعد على خلق قدرة تنافسية بنيوية دينامية للاقتصاد الوطني، اي القابلية للتكيف مع الوقت ومع تغير الظروف. وهذا ما عبرت عنه مفاهيم الليبرالية الجديدة التي اطلقتها النماذج الآسيوية الناجحة وابرزها مفهوم "الدولة التنموية"، اي التركيز على دور الدولة في التنمية كما برز من خلال نماذج دول شرق آسيا وجنوبها والتي تعتبر الاكثر اكتمالا في هذا المجال. ولعل السبب الاساسي في نجاحها يعود الى اعتمادها مبدأ الكفاءة دون سواه في اختيار النخب الادارية التي يوكل اليها تنفيذ مشروع التنمية مع الحد من قدرة السلطة السياسية على الفساد والافساد في مجالي الادارة والتنمية. وينتهي الباحث الى القول بوجود ركائز ثلاث ضرورية لنجاح نموذج الدولة التنموية في لبنان وسوريا وهي: وجود النخب الاجتماعية التي تؤمن بالانسان من حيث هو الرأسمال الاكبر في عملية التنمية المستدامة، واستقلالية الدولة عن القوى الفاعلة ومجموعات الضغط في المجتمع، وتوافر المقدرة التقنية لصوغ مشروع تنموي جديد ووضعه موضع التنفيذ العملي. وتاليا على لبنان وسوريا ان يعملا ضمن اهداف ومتطلبات استراتيجيا التوجه نحو الخارج، والتصنيع بغاية التصدير، ولمتطلبات تكوين "قطب صناعي مشترك" قادر على المنافسة في الاسواق الدولية.
بعض الملاحظات الختامية في اكثر من مكان في كتابه "لبنان وسوريا: التحديات الاقتصادية والسياسات المطلوبة"، اشار ألبر داغر الى امكان الاستفادة من تجارب النمور الآسيوية، خاصة تجربة النهضة اليابانية بهدف اقامة علاقات اقتصادية سليمة تخدم المصالح الاساسية للشعبين اللبناني والسوري. وليس من شك في ان دراسة تجارب النمور الآسيوية تقدم فوائد جلى لدول نامية كسوريا ولبنان. ومن اهم مقولاتها ان التنمية المستدامة تحتاج الى توظيف كثيف في الرأسمال البشري، والى نقل التكنولوجيا وتوطينها والابداع فيها، والى الانفتاح التام على العلوم العصرية، والى توظيف نسبة كبيرة من الموازنة في التعليم والبحث العلمي. هذا بالاضافة الى تجاوز حدة المورث السلبي، واجراء اصلاح جذري للنظم السياسية والادارية والاقتصادية، والتشديد على الكفاءة كمعيار وحيد للتوظيف والترقي، واطلاق الحريات العامة، واعتماد الممارسة الديموقراطية السلمية، والحد من تدخل العسكر في الادارة ومحاربة الفساد والافساد في مختلف المجالات وغيرها. لكن الوقائع الملموسة تؤكد ان اياً من هذه الركائز غير متوافرة بشكل يمكن الركون اليه في كل من لبنان وسوريا. فالطبقة السياسية المسيطرة في كلا البلدين تغلب مصالحها الطبقية الضيقة على مصالح الشعبين ومستقبل العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. ختاما، ليس من شك في ان هذا الكتاب هو من افضل ما نشر حتى الآن لدراسة التحديات الاقتصادية التي تواجه كلا من لبنان وسوريا. لكن السياسات المطلوبة والمستوحاة من تجارب النمور الاسيوية بقيت مجرد امنيات يصعب تحقيقها في مجتمعات شديدة التوتر كسوريا ولبنان، تحكمها بورجوازيات قصيرة النظر تفضل الرسملة على الرأسمالية، غايتها الربح السريع، والمضاربات العقارية والمالية، وتهريب الرساميل الى الخارج، وتسديد الديون بقروض جديدة في حلقة جهنمية قد تقود الى الافلاس التام. ومن اساليبها المفضلة: قمع الحريات، والنهب المنظم، والفساد والافساد وضرب الطبقة الوسطى، وتوسيع دائرة الافقار العام، ودفع الناس الى الهجرة القسرية، واستخدام جميع انواع الطائفية، والـمـذهبـيـة والـوراثـة السـيـاسـيـة وغـيــرها. وليس ما يؤكد على ان الدولة الحاكمة في جميع ارجاء الوطن العربي ومنها سوريا ولبنان مؤهلة لكي تلعب الدور المطلوب الذي يصبو اليه البر داغر على غرار "الدولة التنموية" في دول النمور الآسيوية. وتاليا فالتنمية المستدامة على الطريقة الآسيوية ما زالت بعيدة المنال في المدى الزمني المنظور.
* البر داغر: "لبنان وسوريا: التحديات الاقتصادية والسياسية المطلوبة"، "دار النهار"، بيروت، .2001 الصفحة الأولى |محليات سياسية|مقالات |اقتصاد-مال-أعمال |العرب والعالم| قضايا النهار|القضاء والقدر| تحقيق | بيئة وتراث | مفكرة | مناطق أدب-فكر-فن |مدنيات-تربويات |وفيات | رياضة | حول العلم والعالم |مساعدة| النهار الرياضي | نهار الشباب | نهار الانترنت | الدليل | الملحق الثقافي | سلامتك| عالمنا الآخر| النهار 2000 | الصفحة الرئيسية |
|
|