|
إن اعتماد معايير اميركية، اكانت واقعية
أم لا، لشتم مرجعية لبنانية أمر يشكل سابقة في السياسة السورية
ويستحق التوقف عنده.
في السابق، كانت العلاقة بين لبناني
وسوري، جيدة كانت ام لا، علاقة مباشرة لا تحتاج الى احتكام
خارجي. واذا كان هناك من ضرورة لاحتكام خارجي، فلم تكن دائرة
الخيار تتجاوز الاطار العربي، كما سبق وحصل في العام 1989 عندما
تدخلت لجنة عربية لتمهيد الطريق أمام اتفاق اللبنانيين في
الطائف.
اما اليوم، فنسجل تغييراً نوعياً في
طبيعة العلاقة، ذلك أنه لم يعد على مسؤول سوري يريد شتم البطريرك
الماروني أن يوجه اليه انتقادات مباشرة، اذ يكفيه الاعتماد على
تقويم الادارة الاميركية له، وتبني هذا التقويم من دون إضافة شيء
عليه ليكون بذلك قد حقق غايته.
إنه لأمر غريب. فماذا يريد هذا "المرجع
الاعلامي" أن يقوله للبنانيين عندما يتسلح بموقف الادارة
الاميركية لمهاجمة البطريرك الماروني؟
هل يريد اقناعنا بأن الادارة الاميركية
تقف الى جانب سوريا في خلافها مع اللبنانيين وأن ليس هناك من
حاجة لتفاهم لبناني - سوري طالما أن القوة العظمى غير راضية عن
تحرك اللبنانيين؟
أم يريد ابلاغنا أن سوريا لا تعترف
بالبطريرك الماروني مرجعية وطنية طالما لم يحصل على اعتراف مسبق
بدوره من الولايات المتحدة؟
أم أنه يريد دفعنا الى العمل على تأمين
دعم اميركا لمطالبنا الوطنية وأن نعود الى سياسة المراهنة على
الخارج، تلك السياسة التي انتهجها البعض خلال الحرب اللبنانية
وأدت الى تحويلنا مجرد وقود في حروب الآخرين على أرضنا؟
إنه فعلاً لمنطق غريب، ذلك المنطق الذي
عبّر عنه "المرجع الاعلامي السوري". فماذا اذا اقتنعنا به
وتبنيناه؟
ماذا اذا اقتنعنا بمنطق اميركا وتبنينا
تصنيفها لسوريا على انها "دولة ارهابية" ينبغي عزلها عن العالم
ومعاقبتها؟ هل هذا ما يريده المرجع المذكور عندما يشتمنا بلسان
الولايات المتحدة؟
وماذا اذا وافقنا على سياسة اميركا في
الشرق الاوسط وبدأنا نشتم سوريا لانها تدعم "حزب الله" وتنفتح
على العراق وترفض مشاريع السلام التي لا تأخذ في الاعتبار
المصالح العربية؟ هل يكون هذا المرجع قد حقق غايته؟
ما نريد أن نقوله لهذا "المرجع الاعلامي"
هو انه أخطأ في كلامه الى صحيفة "الشرق الأوسط" وانه وقع اسير
انفعالات لا مبرر لها وهي تعوق امكان التوصل الى حلول واقعية
مقبولة من الجميع.
وما نريد أن نقوله ايضاً هو إن موقفنا لن
يتأثر بما قرأناه لأنه يقوم على مفاهيم ثابتة لن نتخلى عنها.
وهذه الثوابت في التعامل مع سوريا هي الآتية:
.1 إن خلافنا مع سوريا هو خلاف حول مطلب
محدد يتلخص في ضرورة تصحيح العلاقة القائمة معها بعدما أقر
الجميع، مباشرة أو مداورة، بوجود شوائب تعتري هذه العلاقة،
وأقروا بضرورة اصلاح ما ينبغي اصلاحه كي نتوصل الى بناء علاقة
مميزة بكل معنى الكلمة.
.2 إن خلافنا مع سوريا هو خلاف أهل البيت
الواحد، فلا نقبل بأن يتدخل أحد في ما بيننا لأن الاستقواء
بالخارج، أكان من طرفنا أم من طرف سوريا، يفسد امكان التوصل الى
اتفاق يمكن البناء عليه لضمان مستقبلنا جميعاً.
.3 إن استكبار الاخ على أخيه لا يشكل
اساساً لعلاقة مستقبلية. فالسياسة التي ترتكز على مبدأ "موازين
القوى" بين الاخوة هي سياسة قاصرة. فلا اللبنانيون ولا السوريون
هم الذين يحددون هذه الموازين، انما تحديدها يعود الى من هم خارج
دائرتنا المشتركة.
وما نريد أن نقوله ايضاً وايضاً لهذا
المرجع الاعلامي هو إن لبنان وسوريا هما على ابواب استحقاقين
داهمين:
الاستحقاق الاول هو استحقاق ذو طابع
اقتصادي واجتماعي، اذ وُضع لبنان أمام خيار من اثنين: اما اعلان
افلاسه بعدما فشلت محاولاته للاستدانة، واما الرضوخ لتوصيات
الهيئات الاقتصادية الدولية واتخاذ قرارات صارمة لتخفيف العجز،
الامر الذي سوف يطاول القطاع العام برمته ويحد من التقديمات
الاجتماعية التي تؤمنها الدولة. وهذه التدابير لن يكون لها
مفاعيل سريعة. فهي في طبيعتها لا تهدف الى اعادة اطلاق العجلة
الاقتصادية، بل الى وقف النزف المستمر منذ سنوات، وافساح المجال
تالياً لانطلاقة جديدة لا يدري أحد متى سيأتي وقتها. وهذا كله لا
يلغي امكان خفض سعر الليرة اللبنانية لأن كلفة تثبيت سعرها باهظة
من الناحية المالية.
إن خطورة هذا الاستحقاق على لبنان واضحة.
لكنه لا يقل خطورة بالنسبة الى سوريا وذلك لاسباب عديدة أهمها:
.1 انعكاس الازمة في لبنان على الوضع
الاقتصادي في سوريا، أكان ذلك بسبب انحسار العمالة السورية في
لبنان وانخفاض حجم التبادل، أم بسب الارتباط الواقعي القائم بين
الليرتين اللبنانية والسورية.
.2 بروز احتقان اجتماعي يطاول في الدرجة
الاولى شرائح من المجتمع اللبناني كانت قد دخلت القطاع العام من
خلال ولائها السياسي لرموز السلطة المتحالفة مع سوريا، الامر
الذي يفقد هذه الرموز القاعدة الشعبية الداعمة لها.
.3 اقتناع اللبنانيين بأن الوجود السوري
في لبنان يشكل سببباً من اسباب الازمة وبأن |
الحل يحتاج الى تغيير في الادارة
السياسية اللبنانية وبأن مثل هذا التغيير غير ممكن بسبب تمسك
سوريا بالادارة الحالية.
اما الاستحقاق الثاني، فهو الاستحقاق
الاقليمي الذي بدأت معالمه ترتسم مع قيام حكومة وحدة وطنية في
اسرائيل، وهو أمر يمهد الطريق عادة لقرارات استثنائية تتعلق
بمسألتي الحرب والسلم.
على ضوء هذين الاستحقاقين الخطيرين، يبدو
لنا أن الكلام المنسوب الى المرجع الاعلامي المذكور لا يأتي في
سياق التحضير لما هو مطلوب، بل على عكس ذلك فهو يندرج في إطار
تصعيدي وكأن الغاية منه هو الجمع بين الاحتقان السياسي القائم
منذ الانتخابات النيابية الأخيرة والاحتقان الاجتماعي الذي بدأت
التدابير الاقتصادية للحكومة تمهد له.
في العام 1982، قبل أشهر معدودة من
الاجتياح الاسرائيلي للبنان، شهدنا أوضاعاً شبيهة في المناطق
التي كانت تسيطر عليها الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، اذ
بدأت الخلافات بين أطرافها تتحول صدامات عسكرية دامية، مما أدى
الى حال رفض شعبية لها وضرب المناعة الوطنية، الامر الذي مهد
الطريق للدخول الاسرائيلي.
خوفنا اليوم هو أن تتكرر هذه التجربة،
ولو في اشكال مختلفة، وأن نجد أنفسنا في اللحظة الحاسمة عاجزين
عن مواجهة مصيرنا المشترك.
ما نريد أن نقوله أخيراً لهذا المرجع هو
إن الاسلوب الذي يعتمده هو أسلوب مسيء في حق لبنان وتالياً
في حق سوريا.
فهل يعقل أن يسمح هذا المرجع لنفسه
استخدام لغة الشتائم والتخوين في حق قادة ومرجعيات لبنانية لهم
مؤيدوهم ومحازبوهم وجمهورهم؟ هل يعقل أن يتصور هذا المرجع ولو
للحظة واحدة أن سوريا تستطيع في وقت واحد شتم البطريرك الماروني
والنائب وليد جنبلاط وإقامة علاقة طبيعية مع الطائفة المسيحية
والطائفة الدرزية وعموم اللبنانيين على اختلاف مواقعهم وآرائهم؟
أو انه يريد افهامنا بأن سوريا قررت استعداء شرائح واسعة من
اللبنانيين وبأنها تكتفي بدعم أهل السلطة لها؟
عانينا ونعاني في بعض الاوساط اللبنانية
من ردود فعل ذات طابع عنصري تستهدف السوريين العاملين في لبنان،
وهي ردود لا يمكننا القبول بها مهما حاول أصحابها أن يبررها.
فالخلاف السياسي شيء والعلاقة الانسانية شيء آخر. ونعتبر أن حفظ
كرامة الانسان أمر مقدس وهو شرط لحفظ كرامنتا. ففي هذا المجال،
كان لتصريح المرجع الاعلامي أثر بالغ السوء، وكأن الغاية منه
استفزاز مشاعر اللبنانيين ودفعهم الى العودة الى الغرائز
البدائية.
على هذا المرجع أن يدرك حقيقية بديهية هي
أن الخلاف ظاهرة طبيعية في كل المجتمعات البشرية وأن غيابه لا
ينم على حال صحية، انما هو تعبير عن حال قمع واضطهاد. ولا يُحلّ
الخلاف بالغاء احد طرفيه كما يخيَّل للبعض. إن الحل يأتي من خلال
الاقرار بوجود الآخر المختلف والانطلاق من هذا الاقرار للوصول
الى تسوية تأخذ في الاعتبار ما هو مشروع لدى الطرفين. هكذا تُبت
الخلافات.
اما اعتماد لغة الشتائم والتخوين فهو
اسلوب عقيم لا ينم على نضج لدى صاحبه وهو يزيد من حدة الخلاف
القائم. فهناك شعور لدى اللبنانيين بأن الوضع الحالي لم يعد يطاق
وبأن باب الحوار قد اقفل وبأن البلاد مقبلة على أزمات متتالية لم
يعد في مقدورهم تحملها. واللافت في هذا المجال كان التحرك
الطالبي الاخير الذي شل الحركة ووضع المواطنين في مواجهة جيشهم
كاشفاً هشاشة الوضع القائم وخطورته. وأن يأتي الرد على هذا
التحرك بتوزيع مناشير مؤيدة لسوريا باسم جمعيات مجهولة الهوية او
بتنظيم تظاهرة لاحزاب تحركها الاجهزة أمر خطير في مدلولاته اذ
انه يكشف عدم ادراك المسؤولين لخطورة الوضع.
أخيراً، ختم المرجع الاعلامي السوري
حديثه الى صحيفة "الشرق الاوسط" بالتعليق على ما أثير حول مشاركة
البطريرك صفير في استقبال البابا لدى زيارته المرتقبة لسوريا في
أيار المقبل، فقال: "سواء أتى البطريرك صفير أو لم يأت، فهذا لا
يهم سوريا".
هل هذا الكلام يعبّر فعلاً عن رأي
القيادة السورية؟ هل أن سوريا تريد في وقت واحد إقامة علاقة
وطيدة مع الفاتيكان وتثبيت حال العداء مع المسيحيين؟ هل هي تراهن
على الفصل بين كنيسة روما وكنيسة انطاكيا وانهاء علاقة تدوم منذ
قرون طويلة؟ لا نريد الاعتقاد أن ما قاله هذا المرجع يعبّر فعلاً
عن حقيقة الموقف السوري. إن زيارة البابا لسوريا تمثل حدثاً بالغ
الأهمية وهي تشكل مناسبة قد لا تتكرر لاقامة حوار في العمق
لازالة التشنجات وتقريب وجهات النظر والبحث المشترك عن حلول تحفظ
مصلحة الجميع وتعيد العلاقة بين لبنان وسوريا الى سابق عهدها
عندما كان اللبنانيون والسوريون يحتفلون معاً بجلاء القوات
الفرنسية عن بلديهما ويبحثون معاً في كيفية تطوير العلاقة في ما
بينهم. |