الاثنين 26 آذار 2001

 


 

هنا وهناك

السياسة الاستكبار والاستقواء

سيفها ذو حدين

ثعلب الشمال لنبيل الاظن

الموت من  اجل الصور

العابر في منظر ليلي

فكر حي يخترق اللغز

رينيه الحايك في "بلاد الثلج"

"تلفزيون لبنان" والسيد فيليبس

المتصرف والمتصرفية

النهار الرياضي

نهار الشباب

نهار الانترنت

الدليل

الملحق الثقافي

سلامتك

النهار 2001

عالمنا الآخر


الصفحة الرئيسية

مساعدة

رداً عـلـى مـنـطـق الـشــتـم والـتـخــويـن

ســيـاســة الاســتـكـبـار والاســتـقـواء لـن تـجـدي نـفـعـاً

سـمـيـر فـرنـجــيـة

قرأتُ في صحيفة "الشرق الأوسط" بتاريخ 18 أذار 2001 كلاماً منسوباً الى "مرجع اعلامي سوري" أثار لديّ الدهشة والاستغراب. يقول هذا "المرجع"، معلقاً على عدم لقاء البطريرك صفير الرئيس الاميركي الجديد جورج بوش، أثناء جولته الأخيرة في الولايات المتحدة، إن هذا الأمر يعود الى "أن التقييم الشخصي بعد اللقاء "اليتيم" بين البطريرك الماروني والرئيس ريغان لم يكن محبذاً لتكراره".

إن اعتماد معايير اميركية، اكانت واقعية أم لا، لشتم مرجعية لبنانية أمر يشكل سابقة في السياسة السورية ويستحق التوقف عنده.

في السابق، كانت العلاقة بين لبناني وسوري، جيدة كانت ام لا، علاقة مباشرة لا تحتاج الى احتكام خارجي. واذا كان هناك من ضرورة لاحتكام خارجي، فلم تكن دائرة الخيار تتجاوز الاطار العربي، كما سبق وحصل في العام 1989 عندما تدخلت لجنة عربية لتمهيد الطريق أمام اتفاق اللبنانيين في الطائف.

اما اليوم، فنسجل تغييراً نوعياً في طبيعة العلاقة، ذلك أنه لم يعد على مسؤول سوري يريد شتم البطريرك الماروني أن يوجه اليه انتقادات مباشرة، اذ يكفيه الاعتماد على تقويم الادارة الاميركية له، وتبني هذا التقويم من دون إضافة شيء عليه ليكون بذلك قد حقق غايته.

إنه لأمر غريب. فماذا يريد هذا "المرجع الاعلامي" أن يقوله للبنانيين عندما يتسلح بموقف الادارة الاميركية لمهاجمة البطريرك الماروني؟

هل يريد اقناعنا بأن الادارة الاميركية تقف الى جانب سوريا في خلافها مع اللبنانيين وأن ليس هناك من حاجة لتفاهم لبناني - سوري طالما أن القوة العظمى غير راضية عن تحرك اللبنانيين؟

أم يريد ابلاغنا أن سوريا لا تعترف بالبطريرك الماروني مرجعية وطنية طالما لم يحصل على اعتراف مسبق بدوره من الولايات المتحدة؟

أم أنه يريد دفعنا الى العمل على تأمين دعم اميركا لمطالبنا الوطنية وأن نعود الى سياسة المراهنة على الخارج، تلك السياسة التي انتهجها البعض خلال الحرب اللبنانية وأدت الى تحويلنا مجرد وقود في حروب الآخرين على أرضنا؟

إنه فعلاً لمنطق غريب، ذلك المنطق الذي عبّر عنه "المرجع الاعلامي السوري". فماذا اذا اقتنعنا به وتبنيناه؟

ماذا اذا اقتنعنا بمنطق اميركا وتبنينا تصنيفها لسوريا على انها "دولة ارهابية" ينبغي عزلها عن العالم ومعاقبتها؟ هل هذا ما يريده المرجع المذكور عندما يشتمنا بلسان الولايات المتحدة؟

وماذا اذا وافقنا على سياسة اميركا في الشرق الاوسط وبدأنا نشتم سوريا لانها تدعم "حزب الله" وتنفتح على العراق وترفض مشاريع السلام التي لا تأخذ في الاعتبار المصالح العربية؟ هل يكون هذا المرجع قد حقق غايته؟

ما نريد أن نقوله لهذا "المرجع الاعلامي" هو انه أخطأ في كلامه الى صحيفة "الشرق الأوسط" وانه وقع اسير انفعالات لا مبرر لها وهي تعوق امكان التوصل الى حلول واقعية مقبولة من الجميع.

وما نريد أن نقوله ايضاً هو إن موقفنا لن يتأثر بما قرأناه لأنه يقوم على مفاهيم ثابتة لن نتخلى عنها. وهذه الثوابت في التعامل مع سوريا هي الآتية:

.1 إن خلافنا مع سوريا هو خلاف حول مطلب محدد يتلخص في ضرورة تصحيح العلاقة القائمة معها بعدما أقر الجميع، مباشرة أو مداورة، بوجود شوائب تعتري هذه العلاقة، وأقروا بضرورة اصلاح ما ينبغي اصلاحه كي نتوصل الى بناء علاقة مميزة بكل معنى الكلمة.

.2 إن خلافنا مع سوريا هو خلاف أهل البيت الواحد، فلا نقبل بأن يتدخل أحد في ما بيننا لأن الاستقواء بالخارج، أكان من طرفنا أم من طرف سوريا، يفسد امكان التوصل الى اتفاق يمكن البناء عليه لضمان مستقبلنا جميعاً.

.3 إن استكبار الاخ على أخيه لا يشكل اساساً لعلاقة مستقبلية. فالسياسة التي ترتكز على مبدأ "موازين القوى" بين الاخوة هي سياسة قاصرة. فلا اللبنانيون ولا السوريون هم الذين يحددون هذه الموازين، انما تحديدها يعود الى من هم خارج دائرتنا المشتركة.

وما نريد أن نقوله ايضاً وايضاً لهذا المرجع الاعلامي هو إن لبنان وسوريا هما على ابواب استحقاقين داهمين:

الاستحقاق الاول هو استحقاق ذو طابع اقتصادي واجتماعي، اذ وُضع لبنان أمام خيار من اثنين: اما اعلان افلاسه بعدما فشلت محاولاته للاستدانة، واما الرضوخ لتوصيات الهيئات الاقتصادية الدولية واتخاذ قرارات صارمة لتخفيف العجز، الامر الذي سوف يطاول القطاع العام برمته ويحد من التقديمات الاجتماعية التي تؤمنها الدولة. وهذه التدابير لن يكون لها مفاعيل سريعة. فهي في طبيعتها لا تهدف الى اعادة اطلاق العجلة الاقتصادية، بل الى وقف النزف المستمر منذ سنوات، وافساح المجال تالياً لانطلاقة جديدة لا يدري أحد متى سيأتي وقتها. وهذا كله لا يلغي امكان خفض سعر الليرة اللبنانية لأن كلفة تثبيت سعرها باهظة من الناحية المالية.

إن خطورة هذا الاستحقاق على لبنان واضحة. لكنه لا يقل خطورة بالنسبة الى سوريا وذلك لاسباب عديدة أهمها:

.1 انعكاس الازمة في لبنان على الوضع الاقتصادي في سوريا، أكان ذلك بسبب انحسار العمالة السورية في لبنان وانخفاض حجم التبادل، أم بسب الارتباط الواقعي القائم بين الليرتين اللبنانية والسورية.

.2 بروز احتقان اجتماعي يطاول في الدرجة الاولى شرائح من المجتمع اللبناني كانت قد دخلت القطاع العام من خلال ولائها السياسي لرموز السلطة المتحالفة مع سوريا، الامر الذي يفقد هذه الرموز القاعدة الشعبية الداعمة لها.

.3 اقتناع اللبنانيين بأن الوجود السوري في لبنان يشكل سببباً من اسباب الازمة وبأن

الحل يحتاج الى تغيير في الادارة السياسية اللبنانية وبأن مثل هذا التغيير غير ممكن بسبب تمسك سوريا بالادارة الحالية.

اما الاستحقاق الثاني، فهو الاستحقاق الاقليمي الذي بدأت معالمه ترتسم مع قيام حكومة وحدة وطنية في اسرائيل، وهو أمر يمهد الطريق عادة لقرارات استثنائية تتعلق بمسألتي الحرب والسلم.

على ضوء هذين الاستحقاقين الخطيرين، يبدو لنا أن الكلام المنسوب الى المرجع الاعلامي المذكور لا يأتي في سياق التحضير لما هو مطلوب، بل على عكس ذلك فهو يندرج في إطار تصعيدي وكأن الغاية منه هو الجمع بين الاحتقان السياسي القائم منذ الانتخابات النيابية الأخيرة والاحتقان الاجتماعي الذي بدأت التدابير الاقتصادية للحكومة تمهد له.

في العام 1982، قبل أشهر معدودة من الاجتياح الاسرائيلي للبنان، شهدنا أوضاعاً شبيهة في المناطق التي كانت تسيطر عليها الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، اذ بدأت الخلافات بين أطرافها تتحول صدامات عسكرية دامية، مما أدى الى حال رفض شعبية لها وضرب المناعة الوطنية، الامر الذي مهد الطريق للدخول الاسرائيلي.

خوفنا اليوم هو أن تتكرر هذه التجربة، ولو في اشكال مختلفة، وأن نجد أنفسنا في اللحظة الحاسمة عاجزين عن مواجهة مصيرنا المشترك.

ما نريد أن نقوله أخيراً لهذا المرجع هو إن الاسلوب الذي يعتمده هو أسلوب مسيء في حق لبنان وتالياً  في حق سوريا.

فهل يعقل أن يسمح هذا المرجع لنفسه استخدام لغة الشتائم والتخوين في حق قادة ومرجعيات لبنانية لهم مؤيدوهم ومحازبوهم وجمهورهم؟ هل يعقل أن يتصور هذا المرجع ولو للحظة واحدة أن سوريا تستطيع في وقت واحد شتم البطريرك الماروني والنائب وليد جنبلاط وإقامة علاقة طبيعية مع الطائفة المسيحية والطائفة الدرزية وعموم اللبنانيين على اختلاف مواقعهم وآرائهم؟ أو انه يريد افهامنا بأن سوريا قررت استعداء شرائح واسعة من اللبنانيين وبأنها تكتفي بدعم أهل السلطة لها؟

عانينا ونعاني في بعض الاوساط اللبنانية من ردود فعل ذات طابع عنصري تستهدف السوريين العاملين في لبنان، وهي ردود لا يمكننا القبول بها مهما حاول أصحابها أن يبررها. فالخلاف السياسي شيء والعلاقة الانسانية شيء آخر. ونعتبر أن حفظ كرامة الانسان أمر مقدس وهو شرط لحفظ كرامنتا. ففي هذا المجال، كان لتصريح المرجع الاعلامي أثر بالغ السوء، وكأن الغاية منه استفزاز مشاعر اللبنانيين ودفعهم الى العودة الى الغرائز البدائية.

على هذا المرجع أن يدرك حقيقية بديهية هي أن الخلاف ظاهرة طبيعية في كل المجتمعات البشرية وأن غيابه لا ينم على حال صحية، انما هو تعبير عن حال قمع واضطهاد. ولا يُحلّ الخلاف بالغاء احد طرفيه كما يخيَّل للبعض. إن الحل يأتي من خلال الاقرار بوجود الآخر المختلف والانطلاق من هذا الاقرار للوصول الى تسوية تأخذ في الاعتبار ما هو مشروع لدى الطرفين. هكذا تُبت الخلافات.

اما اعتماد لغة الشتائم والتخوين فهو اسلوب عقيم لا ينم على نضج لدى صاحبه وهو يزيد من حدة الخلاف القائم. فهناك شعور لدى اللبنانيين بأن الوضع الحالي لم يعد يطاق وبأن باب الحوار قد اقفل وبأن البلاد مقبلة على أزمات متتالية لم يعد في مقدورهم تحملها. واللافت في هذا المجال كان التحرك الطالبي الاخير الذي شل الحركة ووضع المواطنين في مواجهة جيشهم كاشفاً هشاشة الوضع القائم وخطورته. وأن يأتي الرد على هذا التحرك بتوزيع مناشير مؤيدة لسوريا باسم جمعيات مجهولة الهوية او بتنظيم تظاهرة لاحزاب تحركها الاجهزة أمر خطير في مدلولاته اذ انه يكشف عدم ادراك المسؤولين لخطورة الوضع.

أخيراً، ختم المرجع الاعلامي السوري حديثه الى صحيفة "الشرق الاوسط" بالتعليق على ما أثير حول مشاركة البطريرك صفير في استقبال البابا لدى زيارته المرتقبة لسوريا في أيار المقبل، فقال: "سواء أتى البطريرك صفير أو لم يأت، فهذا لا يهم سوريا".

هل هذا الكلام يعبّر فعلاً عن رأي القيادة السورية؟ هل أن سوريا تريد في وقت واحد إقامة علاقة وطيدة مع الفاتيكان وتثبيت حال العداء مع المسيحيين؟ هل هي تراهن على الفصل بين كنيسة روما وكنيسة انطاكيا وانهاء علاقة تدوم منذ قرون طويلة؟ لا نريد الاعتقاد أن ما قاله هذا المرجع يعبّر فعلاً عن حقيقة الموقف السوري. إن زيارة البابا لسوريا تمثل حدثاً بالغ الأهمية وهي تشكل مناسبة قد لا تتكرر لاقامة حوار في العمق لازالة التشنجات وتقريب وجهات النظر والبحث المشترك عن حلول تحفظ مصلحة الجميع وتعيد العلاقة بين لبنان وسوريا الى سابق عهدها عندما كان اللبنانيون والسوريون يحتفلون معاً بجلاء القوات الفرنسية عن بلديهما ويبحثون معاً في كيفية تطوير العلاقة في ما بينهم.


إدارة الـحـــرب الـبــــاردة

من الامور اللافتة التي حفل بها يوم الاحتجاج العوني، واكثرها مدعاة للنظر والتدقيق، ذاك الاتساع الملحوظ لرقعة الانتشار العسكري. ففي حين كانت الاجراءات الامنية والعسكرية، جبهاً لتحركات سابقة لطلاب التيار العوني، تقتصر على الشق الشرقي من العاصمة، وخصوصاً في الاماكن المحيطة بالجامعات، فان رقعة الانتشار العسكري الاخير شملت بيروت الكبرى كلها. وهذا ما لا يمكن عزله عن تمدد حال الاعتراض وشمولها فئات واسعة من اللبنانيين راحت تشارك العونيين مواقفهم من الهيمنة السورية في لبنان، بعدما تكفلت السياسات المتبعة منذ "اتفاق الطائف" تحويل سوداوية توقعات الجنرال عون من مثالب الاتفاق الى حقائق معيشة طاولت اثارها السلبية اللبنانيين جميعاً من غير تفريق.

قلب التحرك العوني الاخير انصبة الحكم اللبناني وتراتبيته المحروص على رعايتها. فبدت مؤسسات الحكم مع ذلك التحرك على حال من التفكك والتداخل وضعف الصلة بين موقعها من الحدث وادوارها المفترضة. وعبر عن ذلك الانقلاب اضطلاع الاجهزة الامنية والعسكرية على اختلافها وائتلافها بمهام المواجهة مع اصحاب الدعوة الى التظاهر التي استبقتها الاجهزة باصدار بيانات مهددة ومتوعدة. وذلك في وقت بدا مجلس الوزراء غير معني بالامر، باستثناء تعليقات لبعض الوزراء جاءت مجيء كلام المحللين السياسيين. كأن لا صلة لأولئك  الوزراء بالامر ولا يطاول مهامهم ومواقعهم. ولئن كان من باب المبالغة حمل الانقلاب ذاك على التحرك الاخير وحده، فإن من الجائز القول ان التحرك ساهم في تظهير ما كان مضمراً في تقاسم الادوار والمهام. ولم يكن اضطلاع أجهزة امنية وعسكرية بمجابهة حدث سياسي سوى مرآة هذه العتمة ونصابها المستقر، اضافة الى ان تصدّر العسكر واجهة المشهد السياسي وتواري السلطة السياسية خلفه ليسا (التصدر والتواري) سوى علامات على الضعف والوهن وقد استشعرتهما السلطة السياسية اللبنانية وامتدادها الاقليمي. فالعسكر لا يمكن اعتباره خياراً من خيارات عدة متاحة، ولا يجوز انزاله الى  الشوارع الا في اوقات الاضطرار. اما ذهاب ألسنة صحافية واعلامية وسياسية مأذون لها الى حد اعتبار ان نجاح العسكر في مهامه أعاد التأكيد مرة اخرى ان البلد ممسوك ومتماسك، فإن هذا لا يعدو كونه علامة اكيدة على الضعف والوهن اللذين يعيشهما البلد. هذا فيما ذهبت الاجهزة الامنية والعسكرية الى الايحاء ان فتنة جرى

تدارك وقوعها من طريق تحويل العاصمة وضواحيها ثكنة عسكرية مقفلة. فالسيد ناصر قنديل هب حين عزّ الرجال عشية التحرك متنكباً عناء تنقله ليلاً بين محطات تلفزيونية محلية وفضائية جاوزت الثلاث، مساهماً بدوره على جري عادته في الافصاح عما ابقته البيانات الامنية مضمراً. فعاب على من تلكأ عن مقاومة العدو الاسرائيلي وأعطانا دروساً في الوطنية، ثم توقع أن تنتج من الدعوة الى التظاهرة نزاعات في صفوف الطلاب بين العونيين و"الوطنيين". وتوقع السيد قنديل هذا، شأنه شأن توقع السيد جوزف ستالين، على بعد الشقة ما بين الشخصيتين. فالاخير كان توقع ابان استيلائه على الحكم دنو احتضار البورجوازية، فأقام معسكرات العمل التي عاش فيها ما يقرب ثلث الشعب الروسي، على اعتبار ذلك علامة على صحة توقعه. وعلى غرار ستالين في شأن البورجوازية واحتضارها، كانت حال السيد قنديل في شأن الطلاب وتنازعهم. فلم تمر على نبوءته ساعات معدودات، الا وكانت "قيد التحقق". وهذا ما تمثل في قيام خمس عشرة "فرقة" طالبية ضمت منظمات تدين بموقعها البارز للسياسة السورية، الى منظمات اخرى لم يسمع بها أحد من قبل، بالتنادي على الفور الى اجتماع طارئ لجبه الطلاب العونيين الذين "يغرر" بهم جنرال "حاقد" و"عنصري" و"معاد للبنان" (بحسب ما جاء في البيان الذي تكفلت اعادة تلاوته محطة تلفزيونية محلية على مدار الساعة). ولئن جاز القول ان التيار العوني اخطأ توقيت تحركه على نحو اتاح لغلاة المتسورنين امكان التشويش من طريق نكء الجروح واستثارة النعرات الطائفية، فإن الطريف هو ان الاجتماع الذي ضم اطرافاً لا يمكن التقليل من مساهماتهم في الحرب الآفلة، خلص في نهايته الى اقرار دعوة للاعتصام استنكاراً لـ "مجزرة الأونيسكو".

وكما في كل مرة تتعالى اصوات الاعتراض على الهيمنة السورية، ترشح عن السلطة اللبنانية جملة مواقف متضاربة غايتها السعي الى اظهار البلد على حال من الانقسام العمودي يحتم بقاء الجيش السوري في ربوعنا. ومن جهة اخرى إظهار المواطنين اللبنانيين كأنهم مقتنعون بعجزهم عن ادارة دولتهم وحفظ استقرارهم وأمنهم من غير رعاية ووصاية خارجيتين. ولا يفيد اللبنانيين في شيء ذاك التغني ببناء جيش قوي، لتسويغ عدم ارساله الى الحدود الجنوبية بالخشية من أن يختطف أحد عناصره جنود الدولة العبرية!

فادي توفيق


لـغــة "الـحــلـفـاء" الـســـوريــيـن

نظراً الى الحاجة الملحة، يخضع الخطاب السياسي لـ"حلفاء" سوريا في لبنان لعملية ترميم مستمرة. هذه الحاجة الملحة، تستدعي ردود فعل سريعة تستند الى نبش  الماضي الأليم، كأن تقوم جمعيات "شبابية" وأخرى "وهمية" بإحياء ذكرى ضحايا سقطوا كغيرهم في مظلمة الحرب اللبنانية.

يلفت في هذا الاطار ما اوردته احدى الصحف عن عزم "مجموعات اهلية" التقدم بدعوى شخصية ضد العماد ميشال عون لتحمله شخصياً مسؤولية ضحايا سقطوا إبان حرب التحرير عام .1989

يبدو أن قانون العفو، الذي اعقب اتفاق الطائف والذي يتربع بفضله مشاركون في الحرب على "عروش" اعلى مراتب السلطة، اليوم، لم يسترع انتباه هذه "المجموعات الاهلية". تضاف هذه الحيثيات الى اليوم الامني الطويل في مواجهة تظاهرة طالبية سلمية، لكي يظهر جلياً مشهد الترميم السياسي لخطاب لم يعد يُقنع اصحابه الذين راحوا يكيلون تهم التخوين في ما يشبه اعلان حرب من طرف واحد.

يستطيع مراقبو هذا الخطاب ان يكتشفوا عمق الازمة التي يعانيها هذا الخطاب. فتارة يخوَّن وليد جنبلاط وطوراً يشكَّك في وطنية البطريرك صفير ومجلس المطارنة الموارنة، ومرة يُردّ على رئيس مجلس النواب وتُدفن مبادرته الشهيرة فيلوذ بالصوم طلباً للصمت المرجو فلا يبقى متكلم واحد خارج سباق التبجيل والتمجيد لعلاقة لبنانية - سورية اقل ما يقال فيها إنها على حساب لبنان ومصالح الشعب اللبناني. ويلجأ اصحاب خطاب الترميم الى التخوين كلّما احسوا بخطر زوال الوصاية السورية عن البلد.

وفي هذا المعنى تُرفع شعارات تحرير المزارع ودعم الانتفاضة وحدث انتخاب شارون، والتي ترمي بحسب "الحلفاء" الى دحض كل خطاب يحمل في مضمونه رفضاً للوصاية السورية على لبنان.

من اجتماعات اللجنة اللبنانية - السورية لدرس وضع الحدود

إنهم يضعون نصب اعينهم تحرير مزارع شبعا فيما البلد كله ينهار اقتصاده ويموت. يتحفزون "كلامياً"

لمواجهة شارون فيما الشعب اللبناني، الذي من المفترض أنه المعني بالمواجهة، يرزح تحت مديونية لم يشهد لها مثيلاً منذ الاستقلال. اما دعم الانتفاضة فالقول فيه لا يُقنع احداً. فالشعب الفلسطيني الذي لجأ الى الحجار، لم يجد من يقف الى جانبه ايام المحن الحقيقية، والارجح انه لن يجد الآن من يقف الى جانبه من العرب سوى حفنة من مالهم وجملة مخشبة من لغتهم وشعاراتهم المعهودة.

اللافت ما يقوم به بعض الاعلام اللبناني المكتوب من شحن وتحريض على كل خطاب سياسي غير "سوري"، اذ وصل الامر بأحد الصحافيين الى اعتبار قرار السماح بالتظاهر الذي اقره مجلس الوزراء ايام الرئيس سليم الحص، خبثا سياسيا وطالب بمنع التظاهر مجددا انطلاقاً من هذا التبرير. المضحك - المبكي في الموضوع ان يصدر في لبنان طلب من احد الاعلاميين يدعو الى التضييق على الحريات، اسوة بالاخوة العرب والانظمة الشمولية. وهذا ايضا يمكن ادراجه في اطار ما انتجته السياسة السورية في لبنان وضمن الثقافة التي يتم تسويقها والتي تتخذ من القمع والسجون وخنق الحريات ملاذا لاخضاع الشعب اللبناني والاستمرار في عملية التدجين الى ما شاء الله.


 


PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help

Copyright © 2001 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.