يهود العراق .. هذه الطائفة الرائعة

خالد القشطيني


مثلما اعتبر الاكراد من اجدر الاقليات القومية بالمحبة والاحترام، اعتبر يهود العراق اجدر الاقليات الدينية بمثل ذلك. عرفتهم عن كثب واستمتعت بصحبتهم وتألمت برحيلهم عنا وفقداننا لهم. كانوا يشكلون الشريحة المثقفة والواعية الممثلة للأفكار الديمقراطية واللبرالية والاشتراكية، مما يجعلني اعتقد ان خروجهم من العراق ترك فراغا ساهم في فتح المجال للدكتاتورية.
جرت على صفحات هذه الجريدة مؤخرا نقاشات بشأنهم، ولا سيما بين رئيس الطائفة سابقا، استاذنا مير بصري والمستشار القانوني خالد عيسى طه. لا شك ان كثيرا من العرب يعتبرون من هاجروا الى اسرائيل خونة وناكري جميل. ما فاتت معرفته على الجميع ان الطائفة العراقية تمسكت بالخط المعادي للصهيونية طوال وجودها في العراق، أي لنحو 25 قرنا. فبعد صدمة السبي على يد نبوخذ نصر، سرعان ما تأقلموا على حياة الترف والخير والحضارة في بابل واداروا ظهورهم لأورشليم. نصحهم نبيهم وقائدهم ارميا بأن يستقروا في وطنهم الجديد، ان يتزوجوا وينجبوا ويبنوا ويزرعوا ويدعوا لسلام المدينة لأن في سلامها سلامهم. وهو ما كان، فاحتلوا المراكز المرموقة في البلد. وهناك زودوا انفسهم بالتراث البابلي الذي قدر له ان يصبح اساس التراث اليهودي. وهناك كتبوا الكثير من اجزاء العهد القديم والتلموذ البابلي الذي تأثروا فيه بشريعة حمورابي التي اصبحت مبادئها اسس الشريعة الموسوية.
في القرن السادس ق.م. اتخذوا ذلك القرار الخطير في معارضتهم لفكرة الصهيونية عندما سقطت بابل بيد الفرس ومنحهم كورش حق الرجوع الى فلسطين. رغم كل ما بذله عزرا من مناورات وضغوط لحملهم الى العودة فلم يستجب لندائه غير اقلية صغيرة وآثر الآخرون البقاء في بابل وصاغوا المبدأ الذي تمسك به اليهود عبر العصور وهو ان اعادة الدولة اليهودية يجب ان تتم بإرادة الله فقط وليس بسعي الانسان.
سارع يهود العراق الى امتصاص تراث الاسلام والعروبة فترجموا العهد القديم الى العربية وراحوا يتلون طقوسهم في معابدهم بلغتها. تحول عراق الدولة العباسية الى مرجعية ليهود العالم يقصدونه للتعلم في المدرستين الرئيسيتين في مدينتي صورة وبمبديثة.
استغلوا ابعاد الامبراطورية الاسلامية ايام العباسيين والعثمانيين ليصبحوا القوة الاساسية في التجارة والاقتصاد وتملكوا الاراضي الزراعية الواسعة في ما بين النهرين. ورغم انه كان بإمكان أي يهودي ان يهاجر الى فلسطين في ظل الامبراطوريات الاسلامية، فلم اسمع عن أي يهودي عراقي فعل ذلك. وفيما تزاوج واختلط المسلمون باخوانهم المسلمين من الاعاجم، حافظ اليهود بانعزالهم التقليدي على عناصر التراث الوطني. هكذا يتكلمون الآن لهجة اقرب الى الفصحى من لهجة العراقيين المسلمين. ومن ينشد الأكلات البغدادية الاصيلة يجدها في البيوت اليهودية. يقال مثل ذلك عن الموسيقى والغناء وسائر مظاهر الفولكلور البغدادي.
عندما ظهرت الحركة الصهيونية، لم تلق افكارها في الامبراطورية العثمانية غير الازدراء والرفض. روى الصهاينة ان الحاخام باشي في اسطنبول كان يبصق على الارض كلما ذكر اسم هرتزل امامه. حاول الصهاينة بمساندة الانكليز ترويج افكارهم في العراق في العشرينات تنفيذا لوعد بلفور، فلم يلقوا أي تشجيع يذكر. بدلا من ذلك لعب قادة اليهود، دورا كبيرا في بناء صرح الدولة الجديدة. كان منهم ساسون الذي ساهم في صياغة الدستور العراقي كعضو في المجلس التأسيسي ثم كسب للعراق ملايين الدنانير من تعامله بالذهب خلال عمله وزيرا للمالية. بيد ان تأزم المسألة الفلسطينية في الثلاثينات اخذ يزرع بذور الكارثة. راح البعض يشكون في ولائهم. تعاظم الشق خلال الحرب العالمية الثانية بسبب تأييد الاكثرية لألمانيا ووقوف اليهود طبعا ضد هتلر. انفجر الخلاف عام 1941 بحركة رشيد عالي الكيلاني الذي دخل الحرب ضد الانكليز. احتدمت عواطف بعض الغوغاء بعد هزيمته فقاموا بتلك المذبحة الشنيعة المعروفة باسم «الفرهود» التي تسببت بمقتل عشرات اليهود ونهب ممتلكاتهم.
اعتاد اليهود عالميا، كمعظم الاقليات، على الانضمام للحركات اليسارية. وهو ما حدث في العراق حيث اعدمت السلطات اثنين منهم لقيادتهما الحزب الشيوعي. ولكنهم بهذه الصفة التزموا بالموقف التقليدي للاحزاب الماركسية، وهو معارضة الصهيونية كحركة رجعية عنصرية وامبريالية. هكذا شكلوا خلال الحرب في بغداد «عصبة مكافحة الصهيونية». بيد ان الموقف انقلب جذريا في 1947 عندما قرر ستالين نقض سياسته السابقة والتصويت لإقامة اسرائيل. بادر الحزب الشيوعي العراقي القوي والمطيع لموسكو الى تغيير سياسته واصدار الوثيقة الشهيرة «ضوء على المسألة الفلسطينية»، يدافع فيها عن حق اليهود في اقامة اسرائيل.
اختلط الامر في ذهن الجمهور فلاحظوا كثرة اليهود بين اليساريين ووقوف الحزب الشيوعي بجانب تقسيم فلسطين فاعتبروا الشيوعية والاشتراكية مؤامرة صهيونية. وباندلاع الحرب وهزيمة العرب، انطلقت الديماجوجية والشوفينية والغوغاء في شن حملة مريعة من الاضطهاد ضد اليهود، ولكن رغم كل ما تعرضوا له من عسف، ظلوا متمسكين بوطنهم العراق. وعندما اصدرت السلطات في الاخير عام 1950 قانون اسقاط الجنسية الذي اعطى اليهود حق الهجرة الى اسرائيل، لم يتقدم لهذا الخيار غير عدد محدود. بيد ان المخابرات الاسرائيلية اكملت ما بدأ به الشوفينيون العرب فبعثت بوكلائها الى بغداد لإلقاء بعض القنابل على تجمعات اليهود وكُنُسِهم لإثارة الرعب في نفوسهم واقناعهم بأن المسلمين مقدمون على قتلهم. هذا شيء ثبت وثائقيا ويعترفون به الآن في اسرائيل. انه جزء مما يسمى بالصهيونية القاسية.
كنت مسؤولا عن اصدار دفاتر النفوس لليهود، وكشاهد عيان اقول للتاريخ ان مكتبي بدأ يغص بهم فجأة وبصورة هستيرية بعد هذه القنابل، للحصول على دفاترهم لمعاملة اسقاطها. وبين عشية وضحاها اختفت هذه الطائفة الدينية الرائعة من التركيبة السكانية لشعب العراق بعدما يقرب من ثلاثة آلاف سنة.
بيد انهم حملوا معهم كل ما عرفوا به من الطيبة والكرم والتراث العراقي. ظلوا يحيون هذا التراث ويتمسكون به ويحنون الى وطنهم الاصلي. ما التقيت بواحد منهم إلا ضمني الى صدره، «خليني بقا اشم ريحة بغداد فيك». كانوا وظلوا ارق الاسرائيليين في تعاملهم مع الفلسطينيين والاسرى العرب. على خلاف بقية اليهود الشرقيين الذين ايدوا اليمين وانضموا الى الليكود، انضم العراقيون منهم الى احزاب اليسار وجماعات السلام وشغلوا المناصب العالية ضمن حزب العمل. هكذا رأينا بيريز وباراك يختاران وزراءهما من بينهم في حين يختار شارون وزراءه من بين المغاربة.
عندما خرجوا من العراق وفق قانون اسقاط الجنسية، نص القانون على تجميد املاكهم. لم ينص على مصادرتها. وقامت مديرية اموال اليهود المجمدة بإدارتها انتظارا لتسوية نهائية. جرى بيع هذه الاملاك في عهد البعثيين بأثمان زهيدة، بل وصورية. ولكن الاثمان بقيت مجمدة. اثار الزميلان مير بصري وخالد عيسى طه موضوع مصيرها. ويبدو لي ان مصيرها سيصبح واضحا في ظل انهاء حالة الحرب بين اسرائيل والعراق. ستحتج بغداد بأن اصحاب هذه الاملاك فقدوا حقهم بها بفعل تقادم الزمن. ولكن اصحابها سيحتجون بالقوة القاهرة التي منعتهم من اعادة تثبيت ملكيتهم لها او التصرف بها. وهم على أي حال قد سجلوا كمجموعة ادعاءهم بها بمثل هذه المبادرات كرسالة الاستاذ البصري. واعتقد ان هناك كثيرا من الحق والعدل في موازنة هذا الطلب بمطالبة الفلسطينيين بممتلكاتهم في اسرائيل. ولكن حلمي الارجواني هو ان أرى ذلك اليوم الذي يعود فيه الفلسطيني لأرضه ويعود اليهودي العراقي لبيته في ابو سيفين!.
لنجلس ونحيي ليالينا القديمة ونقول «القعدة طابت بالليل، اندار مداره لحسقيل»

عـودة إلى صفحة الـرأي