"نظريات الحكم في الفقه الشيعي" ميشال كيلو
كتاب "نظريات الحكم في الفقه الشيعي"* مهم من نواح عديدة. فهو أولا كتاب نضالي، دخل مؤلفه السجن، لأنه ضمنه نظريات تسع في الحكم، نسبها الى مراجعها في الفقه الشيعي، يتعارض بعضها اشد التعارض مع نظرية "ولاية الفقيه التعيينية المطلقة" التي انتهى اليها الامام الخميني، واعتمدت نظرية وحيدة للجمهورية الاسلامية، بعد تقنينها في دستور عام 1979 وتعديلاته. وهو ثانياً عرض خبير لنظريات الحكم في الفقه الشيعي، التي يؤكد على حداثتها ويقول إنها نشأت تلبية لحاجة رجال الدين الى موقع سياسي شامل يواجهون به معضلات طرحتها عملية تحديث الدولة الايرانية تحديثا متسارعا في مطالع القرن العشرين، بما واجهت به الفقهاء من تحديات طاولت دورهم كمؤسسة، ودور الدين في المجتمع والسياسة، ومن تهديد لدورهم المهم في ايران، خصوصاً بعد ما عرف بثورة المشروطة، بدستورها الحديث، الذي فرض على العقل الديني الشيعي ضرورات الانتقال من "سياسات" عملية تنضوي في اطار الحسبة، جوهرها وموضوعها تدبير شؤون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء والحدود والجهاد والخمس والبيع والحجر والنكاح والطلاق والصوم والحج وصلاة الجمعة... إلخ الى قضايا السياسة العامة بمعناها الحقيقي كالولاية والامارة، والقضايا الاجتماعية والاحكام المتعلقة بالحقوق العامة، وخاصة الاساسية منها. يقول المؤلف: "ان نظرة الفقهاء الى القضايا العامة انطلقت غالباً من زاوية الامور الفردية، حيث تتركز الابحاث الفقهية على الاشخاص الحقيقيين، وقلما تتطرق الى الشخصيات الحقوقية والمؤسسات الاجتماعية. ومن ثم فإن قضايا الحكم والدولة غالباً ما كانت تأتي في سياق الحديث عن شروط الحاكم ووظائفه ومن يجب ان يحكم، وليس عن كيفية نظام الحكم وبناء الدولة باعتبارهما شخصية حقوقية لها احكامها ووظائفها" (ص16). وهو يعزو هذا الى حقيقة ان الفكر السياسي الاسلامي عانى من فترة ركود نسبي طويلة، ترجع، بين عوامل أخرى، الى نظرية الامامة الالهية، التي حصرت العصمة في الامام وجعلت اي قيام في عصر غيبته نوعاً من الضلالة، وقصرت نظرتها في ضرورة الانتظار اهتمام الفقه على نوعين من المسائل الاجتماعية هما القضاء والحسبة، وجعلته يتجاهل موضوعات مثل الامن والصحة والتربية العامة. من ناحية أخرى، مورست الحسبة على يد الفقهاء العدول ولم تتكفل بها مؤسسة خاصة، لذلك اعتبرت مسائلها غير دولتية; مسائل لا شأن للدولة بها، فلم تدرج في السياسة، التي فهمت بدورها باعتبارها حقل القضايا العرفية دون غيرها. مرت نظريات الحكم في الفقه الشيعي بمراحل اربع: اولى هي عصر ازدهار الفقه الفردي (عدم وجود اهتمام بالفقه العمومي وقضايا السياسة والحقوق الاساسية)، وثانية هي فقه عصر السلطنة والولاية (لم تتحول ولاية الفقيه فيها بعد الى نظرية مستقلة للدولة او الى نظام للحكم، وان فك بعض الفقهاء الامور العرفية عن الحسبية، واعتبر السياسة والامن من الامور العرفية ومن واجبات المسلمين من ذوي الشوكة، اي السلاطين. في هذه المرحلة، كان الفقيه النراقي (ت 1248) أول من أشار الى الولاية السياسية للفقيه، وجعل ادارة شؤون الناس الدنيوية من واجبات الفقهاء). اما المرحلة الثالثة، مرحلة عصر المشروطة والنظارة فهي تمثل نقلة مهمة في تطور الفكر السياسي الشيعي، حيث رفض تيار منه التطور الديموقراطي وربط السلطة الدينية (ولاية الفقهاء التعينية في أمور الحسبة) بالسلطة السياسية (الامور العرفية)، ودعا تيار آخر الى التوفيق بين الدين والسياسة مع المحافظة على نظرية الدولة القائمة على الاذن العام الصادر عن الفقهاء. دخلت نظريات الحكم الشيعية مع عصر الجمهورية الاسلامية في طورها الرابع، حيث نجح فقيه شيعي هو الامام الخميني في تأسيس دولة، بعدما احدث نقلة نوعية في الفقه تخطت، من جهة، واجب مقاومة الظالمين الى واجب تأسيس حكومة اسلامية يمارس فيها الفقهاء العدول المعينون من جانب الشارع المقدس ولايتهم في جميع جوانب الحكومة التي كانت تسري عليها ولاية النبي (ص) والامام المعصوم (ع)، فهي لذلك ولاية عامة ومطلقة في آن واحد. واعتبرت، من جهة اخرى، اقامة الحكومة الاسلامية واعداد مقدماتها - ومن بينها المعارضة العلنية للظالمين - من واجبات الفقهاء العدول، كما قالت بوجوب اتباع الناس لهم ومساندتهم. يقول محسن كديفر: "ان الفقهاء القائلين بولاية الفقيه كانوا جميعهم بمثابة طلائع هيأت لاتساع نظرية الامام وتبلورها، وعليه فان الامام يعتبر الوحيد القائل بالشرعية الاهلية المباشرة، وصاحب نظرية سياسية في باب الحكم وبناء الدولة، وأول فقيه تعامل مع الدولة بصفتها مؤسسة" (ص 32). في مقابل نظرية الشرعية الاهلية المباشرة، الخمينية، التي فوضت الولاية الالهية الى الفقهاء العدول في عصر غيبة الامام المهدي، وجعلت من هؤلاء خلفاء الله في الارض ونواب النبي والامام وأولياء أمور المسلمين، وقالت إن شرعيتهم السياسية تنبع من الشريعة الاسلامية وليس من اي دور تلعبه الامة الاسلامية في تفويضهم، شهدت هذه المرحلة نظريات قامت على مبدأ مقابل هو الشرعية الشعبية الالهية وقالت "بخلافة الامة تحت اشراف الفقهاء" - محمد باقر الصدر - و"بالحكومة الاسلامية المنتخبة" - محمد جواد مغنية ومحد مهدي شمس الدين - و"ولاية الفقية المنتخبة المحدودة: - آية الله منتظري - و"وكالة الملاك الشخصية المشاعة" - آية الله مهدي الحائري اليزدي. واجتمعت على جعل ادارة شؤون سياسة الامة الاسلامية بيد أبنائها، الذين فوضهم الله حق تقرير مصيرهم على الصعيد الاجتماعي فلا يحق لاحد تجريدهم منه، وفوضهم كذلك حق انتخاب الامام والنخبة الحاكمة من بين الافراد الحائرين للشروط، ليتمكنوا من ادارة شؤونهم على اساس دستور موافق للدين، في اطار عقد بينهم وبين الحاكم المنتخب. في هذه النظرية: الشرعية إلهية وشعبية في آن واحد، وحاكمية الشعب امتداد لولاية الله وحاكميته. يذكر مؤلفنا اربع نظريات في الحكم تقوم على الشرعية الالهية المباشرة هي: - نظرية الولاية التعيينية للفقهاء في الامور الحسبية وسلطنة المسلمين من أولي الشوكة في الامور العرفية. - نظرية الولاية العيينية لعامة الفقهاء. - نظرية الولاية العيينية العامة لشورى مراجع التقليد. - نظرية الولاية العيينية المطلقة للفقهاء. كما يذكر نظريات خمس تقوم على الشرعية الالهية الشعبية المباشرة هي: - نظرية الحكومة المشروطة (بإذن الفقهاء ونظارتهم). - نظرية خلافة الناس مع نظارة المرجعية. - نظرية الولاية الانتخابية المقيدة للفقيه. - نظرية الحكومة الانتخابية الاسلامية. - نظرية الوكالة للمالكين الشخصيين للمشاع. ثم يشرح بشيء من التفصيل كل واحدة من هذه النظريات، ويقيم بينها مقارنة تبرز اهم جوانبها، وما يجمعها بسواها من النظريات ويجعلها مغايرة له/ مبيناً ان نظريات الحكم في الفقه الشيعي شديدة التنوع، سريعة التطور، مفعمة بالاجتهادات العميقة، منفتحة على الواقع ومتناقضة في ما بينها. ويضيف في لفتة نقدية: "إن تشكل الحكومة الدينية في ايران وتصدر علماء الدين والفقهاء سدة الحكم جعلا من الفقه الشيعي ملازما لنظرية واحدة في الحكم، حتى اضحى الاعتقاد راسخا بأن النظرية السياسية الوحيدة في فقه الشيعة هي "ولاية الفقيه التعيينية المطلقة" - نظرية الخميني - (ص 11). علماً بأن: "رفع مكانة فكر الجمهورية الاسلامية وتطهيره من آفة الاستبداد الديني، وسلامة السلطة السياسية، لا سيما حتى خالطتها صبغة دينية، رهن ببقائها قيد الرقابة والمساءلة، وعرضة للنقد الحر". (ص13). هذا كتاب مهم، أشبه بدليل مختصر او بمدخل تفصيلي، يضم في صفحاته المئتين ونيف معلومات غزيرة تعرض بدرجة رفيعة من التماسك المنطقي والحياد العلمية. فهو يستحق قراءة متأنية. (دمشق) * نظريات الحكم في الفقه الشيعي - محسن كديور - دار الجديد - 2000 الصفحة الأولى |محليات سياسية|مقالات |اقتصاد-مال-أعمال |العرب والعالم| قضايا النهار|القضاء والقدر| تحقيق | بيئة وتراث | مفكرة | مناطق | أدب-فكر-فن |مدنيات-تربويات |وفيات | رياضة | حول العلم والعالم| المقسم 19|مساعدة| الملحق الرياضي | الملحق الثقافي | نهار الشباب| الدليل| ملحق الانترنت |لوموند ديبلوماتيك |نهار العرب والعالم | الصفحة الرئيسية |
|
|