السبت 3 آذار 2001

 


 

هنا وهناك

هذا الطفل الكبير هذا المتألم

جرح فاغر على رصيف دمشق

نحن ضيوفك أيها الماغوط

معرض شوقي شمعون

حروحانية اللون ومقام النص

ربيع حقيقي في سوريا

علامات هيبية في شارع الحمراء

ايام بيروت السينمائية في "مهرجان شمس"

عن مجلة "الآداب"

النهار الرياضي

نهار الشباب

الملحق الثقافي

نهار الانترنت

الدليل

النهار 2001


الصفحة الرئيسية

مساعدة

مـحـمـد الـمـاغـوط

هـذا الـطـفـل الـكـبـيـر هـذا الـمـتـألـم كـالـمـاء حـول الـسـفـيـنـة

وطـنـي دفـتـري ولـسـتُ فـخـوراً

بـكـونـي عـربـيـاً ولا حـتـى سـوريـاً

أحـيـانـاً أخـاف الـمـوت بـالأحـرى

أخـاف مـا يـسـبـقـه... الـمـرض

في عام ،1998 صدرت "أعمال محمد الماغوط" عن "دار المدى" في دمشق، من دون أن تلقى اهتماماً عميقاً وواسعاً في الصحافة الثقافية، يعيد قراءة شاعرŸ يتمتع بهذا القدْر من فرادة التجربة، الإنسانية واللغوية. منذ ذلك الحين، يحاول كثرž من أصدقائنا الشعراء والكتّاب والصحافيين "أسر" هذا النسر البدوي في مقابلة صحافية لـ"الملحق"، لكن من دون جدوى. في الأمس القريب، استطاع زميلنا محمد علي الأتاسي أن "يسرق" من الماغوط أجوبةً هي ردود على أسئلة، بل خلاصة أكثر من جلسة حول آرائه في الحياة والكتابة والشعر والشعراء ودمشق وبيروت والسجون والحرية وهلمّ جراً. وكان زملاؤنا الشعراء أكرم قطريب وشاكر الأنباري وعادل محمود قد أرسلوا مقالاتŸ تريد لنفسها أن تكون تحيةً أكثر منها قراءةً نقديةً لشعرية الماغوط وتجربته، مضافةً الى صورŸ نادرة أمدنا بها الصديق محيي الدين نصرة، فضلاً عن مقال عقل العويط. في هذا العدد، لا نحاول أن نكوّن ملفاً، بقدر ما نذكّر أنفسنا وأصدقاءنا وقرّاءنا بشاعرŸ عريقŸ يدمن الجروح والأوجاع ويتألم كالماء حول السفينة ويستحق الكثير من العرفان والتقدير.

"الملحق"

العزلة

نادراً ما ألتقي أحداً. أحب الوحدة وأتحاشى قدر الامكان الناس.

أكثر ما يضايقني هو أن يأتي لزيارتي ضيف، خصوصاً اذا كان من الاقرباء الذي لا حديث مشتركاً بيني وبينه.

لم يصبني اليأس في عمري، كما أصابني في الشهور الاخيرة. قنوط شديد، حتى أنني احياناً أكره الكتابة.

واليوم الذي يمر دون أن اكتب، يكون أتعس الايام.

أنا انسان تعيس، لم اعرف في عمري الفرح.

أحب الليل كثيراً، لكنني اصبحت اصاب بالنعاس الرهيب بدءاً من الساعة الخامسة مساء، فأمضي بقية الليل بين النوم واليقظة، متمدداً على الاريكة في غرفة الجلوس.

الكراهية والصداقة

أنا لا أكره أحداً ولا أحب أحداً

لم أكره وأحب في حياتي سوى الفقراء.

ليس هناك في الكراهية انواع، كما ليس في الشرف انواع.

ليس هناك اسهل من الاحتيال عليّ. عندما يبكي أحدهم امامي، أصدّقه فوراً.

أنا لا أجدد في صداقاتي او في عداواتي. الاعداء يأتون بأنفسهم، بشكل عفوي.

اصدقائي منذ ايام السجن لا يزالون اصدقائي.

اشعر بحنين الى أصدقائي القدامى في بيروت.

 

أدونيس وخالدة سعيد

أنا لا أكره أدونيس.

أدونيس مجلة "شعر"، ليس أدونيس اليوم.

رغم ان أدونيس هو اول من قدّمني لمجلة "شعر"، لكنه لم يكن يدرك من يقدّم.

أدونيس يريد من حوله مريدين لا أنداداً.

خالدة سعيد كانت أهم امرأة في سوريا، في النضال وفي الكتابة، لكنه غطى عليها.

كانت يجب أن تكون أهم من ناقدة: روائية او مسرحية.

 

أنسي الحاج

أحب أنسي، ولا أفصل في علاقتي مع الشعراء بين الانسان وشعره. أنسي قريب من الذي يكتبه، وهو يشبه شعره. لم أره منذ سنوات. زمن بعيد. مشتاق اليه.

أجمل مقابلة لي، أجراها  أنسي ونشرها في "الملحق". كنا في دمشق برفقة فيروز، وتمشينا في الطريق، لم يسجل شيئاً وكتبها من ذاكرته.

 

الشام

لم أعد للعيش في بيروت بعد إلغاء أمر  إبعادي عنها في بداية السبعينات، بقيت في الشام. هنا أشعر نفسي أقوى، لأنني أكتب وأنتقد من داخل بلدي.

أحن الى الشام التي عرفتها، لا الى شام السلطة. كتبت مرة: كل ما أريده من مدينتي الحديثة، هو أرصفتها القديمة.

أغلق مقهى أبو شفيق في مدخل دمشق. لم تعد قدماي تسمحان لي بالمشي الطويل. أحن الى المشي كما أحن الى مقهى أبو شفيق. ثلاثون سنة من عمري وأنا أمشي كل صباح الى هذا المقهى وأكتب فيه.

الشام تحب دائماً الغريب.

نعم أشعر بنفسي غريباً في الشام.

الشام لا تحب أحداً.

كتبتُُ عنها مرة: المدينة التي أعطيتها صدري اربعين عاماً، لا أجرؤ أن أعطيها ظهري ثانية واحدة. حتى في السلمية أشعر بنفسي غريباً، فالناس تبدلت أكثر من تبدل الامكنة.

كل القضايا الكبرى انتصرت عليها، وهزمتني القضايا الصغرى كتسديد فاتورة الكهرباء.

علاقتي بالشام قضية كبرى. وأنا أثبت وجودي.

الشام مثل البنت التي أحببتها في صغري ورأيتها بعد خمسين عاماً. أصبحت مرعبة.

فجري كان في لبنان وغروبي في دمشق.

 

بيروت

أحن كثيراً الى بيروت الخمسينات.

بيروت - صور المعممين في كل مكان، ليست بيروت التي أعرفها.

بيروت السابقة لن تعود قطعاً. دورها انتهى، لأنه كان مؤثراً على اسرائيل وهذا ممنوع.

رجلاي تؤلمانني جداً، لم أعد قادراً على المشي. وأنا أحب بيروت لأمشي في شوارعها، لا لأركب التاكسي.

حدود بيروت التي أعرفها هي شارع الحمرا، شارع بلس والروشة.

مركز المدينة الحالي: أنا أكره المال ورأس المال.

في الحمراء كان هناك مقهى واحد على الزاوية اسمه النغرسكو، نجلس فيه أنا وليلى بعلبكي، ودائماً كان هناك عتمة.

شارع الحمراء كان بالنسبة لي أجمل من الشانزليزيه، لكنه الآن صار مثل شارع الشانزليزيه: كله عرب.

من أجمل السهرات في بيروت تلك السهرة التي جمعتنا بفيروز والرحابنة ويوسف الخال ونازك الملائكة، ومن يومها وأنا صديق للرحابنة وفيروز.

في بداية الستينات أجبرت على مغادرة بيروت، وبقيت عشر سنين مبعداً قسراً عنها.

كانت فترة مرة في حياتي، ولليوم أرى بيروت في منامي.

أحلم انني دائماً بعيد عن مكان اقامتي. لكن لا اعرف ما هو مكان اقامتي: بيروت... الشام. أرى احياء وأرى نفسي بعيداً عن بيتي وضائعاً، أحاول أن أصل إليه ولا استطيع. بعيد. وضواح ومستنقعات وأنهر وسلالم وقطط وكلاب وشرطة، وأنا حفيان. دائماً حفيان.

بيروت لم تنتزع الشام من قلبي.

 

المثقفون والرقيب والسياسة

جيلي غير جيلك، أنت من جيل الشعارات وصعب عليك أن تفهم.

أكره جو الادباء والمثقفين، وأكره جلساتهم ونقاشاتهم، وأحاول دائماً أن أبقى بعيداً عنهم.

ايام مجلة "شعر" كنت اكثر الموجودين صمتاً.

أنا لم أوقّع في عمري ولن أوقّع اي بيان او عريضة. عندي رأي، أكتبه باسمي الصريح.

غالباً ما يكون موقّعو هذه البيانات، ثلاثة ارباعهم ملغومون والربع الباقي مرشح في مرحلة الاختبار.

في داخلي رقيب ذاتي، لكن اصبح عندي حرفة واستطيع ان أتحايل عليه.

الجمال يقتل الرقيب. أنت قوي ولا استطيع عليك، أحاول كرسام الكاريكاتور أن أجد لك عقب أخيل.

صحيح ان مسرحياتي أضحكت السلطة، لكن هذا لا يعني شيئاً ما دام المعيار هو شعبيتها لدى الناس كافة.

حتى الجلاد عندما يجلد، يرتاح قليلاً ويقرفص ويدخن سيكارة.

حاولت ان اعمل بعد ذلك في المسرح مع الجيل الجديد، لكنهم سرقوني وسرقوا ثيابي وسرقوا الغلة.

مستحيل ان اكتب زاوية دون ذكر الحرية او السجون. اما لماذا لا أذكر اسماء السجون والسجناء، فلأنه ممنوع ان تذكر. يجب ان تعمم، هذه خبرة. أنا احياناً لا أجرؤ على ذكر اسم الشام.

أنا مسكون بالذعر وأي شيء يخيفني. الصديق يخيفني، الجار يخيفني، فاتورة الكهرباء تخيفني. أين سأذهب وكيف سأدفعها.

أنا محمد الماغوط أينما كنت، في الشام، في بيروت، في الحمراء، في أبو رمانة، في الشانزليزيه، في السجن، في المرحاض. أنا أنا محمد الماغوط.

أنا الوحيد الذي لم يتغير ولم يتقولب. كبرت وصرت على ابواب السبعين: مرض، غم، حياة، وأنا أنا.

اذا كان هناك بعض الناس التي لا تزال تكن لي الاحترام، فلأنني لم أبدل من موقف الى آخر، من اليمين الى اليسار، من الشرق الى الغرب.

نعم تكفلت الدولة علاجي عندما مرضت. لم اشعر بالحرج وأحسست أنه لا يزال هناك خير في البلد. أنا اسم أدبي وهم يهتمون بالاسماء الادبية.

أنا لا أباع ولا أشترى، ومنذ الخمسينات الجميع يعرف ذلك بدءاً من اصغر ضابط مخابرات.

أنا أتنازل عن مليون شيء ولكن لا اتنازل عن قلمي.

لا مال ولا سلطة ولا امرأة تعوضني عن الكلمة.

كلما تقدم الانسان في العمر تصير المسؤولية اكبر في الحفاظ على المكانة التي وصل اليها. الصعود صعب، لكن السقوط ولا أسهل، خير مثال هو دريد لحام.

عندي حنين الى فكرة القومية السورية، هي أصفى فكرة على الاطلاق ومن اجل ذلك قتلوا أنطون سعادة هذا القتل المبكر.

الانتماءات لا تشغلني، وما في بطاقتي لا يعني بالنسبة اليّ شيئاً، على عكس ما في دفاتري. لست فخوراً بكوني عربياً ولا حتى بكوني سورياً.

أنا لست بمنظّر، سخرت من

البترول مليون مرة. اليوم هو زمنهم ومرحلتهم.

إنهم يمسكون الوطن العربي من رقبته ومن معدته ويمنعون عنه الحراك.

إننا نعيش في مرحلة انحطاط، والآن هو العصر الذهبي لما سيأتي بعد.

كتاباتي في "الوسط" مرّة، سوداء، قاتمة بشكل مرعب، سخريتي تقطر مرارة.

أنا في طبعي لست سياسياً، عندي هموم اكبر من السياسة. عرضوا عليّ العمل في "الوسط" وقلت لهم سأكتب. لو لم يكن عندي شيء لأقوله ما كنت كتبت.

أنا لا أكتب من اجل الفلوس.

كنت اريد أن أضع عنواناً لكتابي الجديد: "شرق عدن، غرب الله"، لكن الصحف رفضت نشر العنوان، فوضعت عنوان "سياف الزهور".

 

الغرب والعرب

كلما سافرت الى اوروبا، اذهب وأنا عم أشتم وأعود وأنا عم أشتم.

لا أطيق أن أبقى هناك، فالتدخين ممنوع في كل مكان، في الطائرة، في المقهى، في الفراش.

في سجن المزة كنت أدخن بسهولة وحرية اكبر من اوروبا.

أكره اميركا بشدة. في حرب البلقان وقفت الى جانب يوغوسلافيا، وصادف وجودي في فيينا خلال تلك الفترة، ورأيت مظاهرات بالاحمر، بالازرق، وبالاخضر في كل مكان. أردت أن أتظاهر ضد اميركا، رفعت عكازي ملوحاً ودخلت احدى المظاهرات، فاستوقفني بعض الاصدقاء وقالوا لي: وين رايح، هذه مظاهرة تأييد لأميركا.

لا أخرج في مظاهرات في بلدي، لأن كل شيء هنا مرتب. أنا أكره الترتيب، حتى الرجل الأنيق أكرهه.

وطني هو دفتري، وأنا أتظاهر في دفتري فقط.

اذا صار في بلادنا مظاهرات غير مرتبة، يومها سنحّن لتلك المرتبة.

الناس فارغة، وليس هناك من شيء. الرأسمال يحرك العالم. أنه زمن اميركا، زمن قضي فيه على كل شيء جميل.

زرت روسيا وأحببت شعبها. شعب سوداوي يحب الشرب. لكن أين هو ذلك الزمن الذي كنت تجد فيه في كل انحاء روسيا عند الساعة السادسة صباحاً الخبز والبيض والحليب؟ أين طغاة ذلك الزمن واين ستالين من طغاة اليوم وبهدلتهم؟

سجن المزة

الذي فتّحني على الحياة وصنع مني شاعرا هو سجن المزة. عندما دخلته أحسست ان شيئاً في أعماقي تحطم، والى اليوم لا أزال أحاول أن أرممه.

كنت اريد الدراسة في الكلية الزراعية، لكن بعد السجن أدركت ان اتجاه حياتي تغير.

أمضيت فيه 9 شهور في العام 1955و 3 شهور في العام .1961

أنا وأدونيس دُشّن فينا عصر الارهاب كنا في زنزانتين منفصلتين وكنت أراه من بعيد. ألفتُ بعض المسرحيات في السجن ومثّلتها بمشاركة بعض المسجونين.

لم أكن قابضاً الحزب القومي السوري، ولم أصمد من اجله، ولكن لأن طبعي عنيد. كنت أول من يبكي ويصرخ اثناء التحقيق.

أنا انسان مذعور لا أخاف السجن فقط، ولكن أشمئز منه وأحتقره.

 

الكتابة بين النثر والشعر

اريد أن ألغي المسافة بين هذه التعريفات: النثر، الشعر، المقالة. كلها عندي نصوص.

اذا قلتَ عني لست بشاعر، لن أزعل ولن تهتز بي شعرة.

الموسيقى في اشعاري موجودة ضمن النص. علاقة الكلمات بعضها ببعض في النص مثل علاقة الأخ بأخته وهما نائمان على فراش واحد، أي حركة منه او منها تفسَّر.

علاقة الكلمات بعضها ببعض كالحب الحرام، وفي القصيدة يجب أن لا يكون هناك اي اشارة خاطئة من هذا النوع. وهذه هي الموسيقى.

كل كلمة في اللغة العربية هي كلمة شعرية، حتى الجيفة، حتى البراز، المهم ان تعرف كيف تضعها في النص.

المهم ان اكون صادقاً وأن يكون ما أكتبه جميلاً.

كل قطعة أكتبها، أبيّضها عشرات المرات قبل النشر مدققاً في كل حرف. احياناً أبقى يومين اسأل نفسي أيهما افضل وأقوى وأصح في هذه الجملة الـ "بي" أم الـ "في".

أحب واو العطف، لكني أحب كاف التشبيه أكثر، خصوصاً في المناداة.

منذ ايام بيروت جعلت من صور كاف التشبيه صوراً قوية على عكس المتعارف عليه:

كإمرأتين دافئتين

كليلة طويلة على صدر أنثى

أنت يا وطني.

عدم معرفتي باللغات الاجنبية أراحني من الثقافة.

سنية

تعرفت على سنية لأول مرة عند أدونيس وخالدة في بيروت.

هي الحب الوحيد. نقيض الارهاب ونقيض الكراهية.

عاشت معي الفترة الصعبة. وأحملها في داخلي دائماً.

عاطفتي شموس وهي ليست مطواعة.

كل ما أكتبه فيه شيء من السلمية، فيه شيء من الشام، فيه شيء من بيروت، فيه شيء من سنية.

سنية أكبر من مدينة، إنها كون.

بعد موتها صار حبها يشبه حب السلمية، تمر عشر سنين ولا تراها لكنك تظل تتذكرها. يستحيل أن يمضي يوم دون أن أذكر السلمية او أذكر بيروت.

سنية شاعرة كبيرة لم تأخذ حقها. أنا أذيتها، اسمي طغى عليها، وهذا الامر لا يزال يؤلمني جداً.

بعد موتها قررتُ أن لا أتزوج ثانية.

قدمتُ لي أجمل ابنتين في العالم: شام وسلافة.

الحب لم يكن ابداً مشكلة بالنسبة لي، الحرية هي هاجسي الأوحد.

كل النساء من بعدها نجوم تمر وتنطفىء وهي وحدها السماء.

كانت حياتنا جميلة، لكننا كنا دائماً على خلاف. لم نتفق مرة على رأي. نسهر الى الصباح ونبقى مختلفين. جلستُ بقربها وهي على فراش الموت أقبّل قدميها المثقوبتين من كثرة الإبر، فقالت لي عبارة لن أنساها: أنت أنبل انسان في العالم.

لا أحب الغيبيات. تسألني اذا كنت سأراها بعد الموت، كيف هذا وأنا في حياتنا المشتركة لم أكن أراها كما يجب.

لم أزر قبرها في مقبرة "الست زينب" الا مرة واحدة. خالدة سعيد قالت للبنات عندما سألوها لماذا لا نذهب لزيارة قبر ماما: ماما فيكم، أنتم ماما.

أنا عاطفي جداً. كلمة واحدة في حوار، اغنية جميلة قد تبكيني. لكن عشرين جنازة لا تحرك فيّ شيئاً.

 

غروب الجسد

جسدي في غروب. أكره الشيخوخة وأكره جسدي. إنه حقير وتافه.

عندي الكثير لأعطيه لكن جسدي لا يلبيني، أما العقل فصافŸ.

لم يعد هناك من علاقة حميمية بين جسدي وعقلي.

لم أراع جسدي، وكل ما يمكن أن يمارسه الشاب من سكر وجنس وعربدة مارسته باكراً وبغزارة، وها هو جسدي ينتقم مني رويداً رويداً.

يدي التي أكتب بها القصائد، قد يمر شهران دون أن أتنبه لاستطالة أظافرها، او لورم فيها.

الويسكي كالشاعر، لا هوية له ولا وطن. وزجاجة الويسكي حبيبتي.

أدخن منذ كان عمري سبع سنوات. كنت أدخن في البداية اعقاب السكائر الملقاة على الطرق.

السيكارة قاتلة بالنسبة لي بسبب مرض نقص التروية، لكنني لا استطيع مفارقتها.

استيقظ في الليل من اجل أن أدخن سيكارة.

أتعاطف مع الشيعة لأن عندهم اجتهاداً في الدين.

أحب الله وأخاف منه، لكنني لا أحب أن أتكلم في الغيبيات.

أخاف الموت احياناً، او بالاحرى أخاف ما يسبق الموت... المرض، أن لا استطيع المشي او الجلوس.

لم اذهب الى السلمية منذ 12 عاماً. قد أعود اذا مرضتُ كثيراً وتعبت. مكان الدفن وشكليات الموت لا تعني لي شيئاً، كذلك هي شكليات الحياة.

كتبتُ على قبر سنية "هنا ترقد الشاعرة سنية صالح آخر طفلة في العالم"، لأميز قبرها عن الآخرين.

* وكيف سنميز قبرك، شاعرنا الكبير محمد الماغوط؟

- شخوا عليه.


 

هـذه الـمـقـابـلـة

هذه المقابلة مع محمد الماغوط "مسروقة" بكل ما في كلمة السرقة من حب واخلاص. لا يستطيع أحد غير الماغوط نفسه ان يحتال على الصحافي ويورطه بها.

عندما رحنا، أنا وصديقتي البيروتية، ندردش معه، صباحاً في مقهى الشام، وعلى الطريق بين المقهى والمنزل، واخيراً في منزله الدمشقي وهو جالس امامنا على الأريكة، مرتدياً البيجاما، يتكلم ويشاغب ويهزأ، محتسياً بين الفينة والاخرى رشفة من كأس "جين تونك" والساعة لم تتجاوز بعد الحادية عشرة صباحاً، ظننا، نحن اللذين يحلو له تسميتنا الجيل الذي لا يتكلم الا الشعارات، ظننا لوهلة أننا قد ورّطناه، وحققنا مقابلتنا المنشودة. لكن الماغوط، وهو آخر طفل كبير في العالم، كان في الحقيقة يورّطنا وينقلنا معه من مشارف حلم الى ضباب حلم آخر. كان يسكرنا بالكلمات، وكانت اسئلتنا تذوب كالزبد في بحر تجربته العصية على الاختزال. هو، وافكاره وجسده، كالبحر والموج وصخور الشاطىء. هو، كالبحر، معين لا ينضب، تتوالد الافكار فيه كالامواج بدون كلل او ملل، تنحت زمانها في الجسد الواقف ابداً كصخور الشاطىء يصغي الى الامواج ويتآكل رويداً رويداً على ايقاع ضرباتها. عندما عدت ثانية لأراه، حاملاً معي صكّ إدانتي بعدم القدرة على اجراء مقابلة صحافية تقليدية معه، عندما عدت اليه برأسي المبلل واوراقي المبللة برزاز امواجه، جفف رأسي واوراقي ببحر عينيه الزرقاوين، وابتسم منتصراً على الصحافي داخلي، وقال: يمكنك أن تنشر ما كتبت. وهذا الذي كتبت ليس بالمقابلة الصحافية، بل هو دليل آخر على استحالة اجراء مثل هذه المقابلة مع محمد الماغوط. إنه تداخل الحروف والكلمات والافكار، وذوبانها في شيء لا يشبه الا هذا الطفل الكبير والوحش الجميل والخائن المخلص الذي لم يعد يكفيه أن يلغي المسافة بين الشعر والنثر، بل راح يلغي المسافة بين الخير والشر، الخيانة والاخلاص، الجمال والقبح، الشيخوخة والشباب، الويسكي والماء، الموت والحياة.

واذا كان الماغوط يقول عن الشاعر أنسي الحاج إنه يشبه شعره، فالاكيد ان الماغوط لا يشبه النص الذي يكتبه، بل هو هذا النص. والكتابة والكلمات ليست الا احد تجلياته التفصيلية.

اعتراف أخير للقارئ وخيانة أخيرة للماغوط: فأنا لم أكره في حياتي اميركا كما كرهتها عندما التقيت الماغوط، ليس لما تجسده سياساتها وممارساتها في العالم، ولكن لما تشكله من مهرب كبير للماغوط عندما تريد أن تحاصره بسؤال محرج. عند ذاك تطل اميركا ويصير الحق على أميركا في كل تناقضات حياتنا اليومية والفكرية.

محمد علي الاتاسي

 


PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help

Copyright © 2001 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.