|
هذه السنة يكون قد مضى نحو عقدين
من الزمن على نشوء "حزب الله" في لبنان (1982 - 2000). كانت هذه
السنوات ولا تزال مليئة بالاحداث الكبرى والمهمة، آخرها انسحاب اسرائيل
من جنوب لبنان، التي جعلت من المستحيل دراسة تاريخ لبنان والمنطقة من
دون الأخذ بوجود "حزب الله" ودوره وتأثيره في لبنان والشرق الاوسط.
يكفي أن ننظر حالياً الى هذا الدور في وجهيه الثوري والنظامي: الثوري
المتمثّل في المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان ضد اسرائيل (بنتائجه
وانعكاساته المستمرة لبنانياً واقليمياً) وبمفاعيله التي أدت الى تحرير
جنوب لبنان من الاحتلال الاسرائيلي (أيار 2000).
والنظامي المتمثل في دخول "حزب
الله" الندوة النيابية اللبنانية بقوة عبر الانتخابات التي أجريت خلال
عامي 1992 و.1996
ورغم الاهتمام الداخلي والاقليمي
والدولي بهذا الحزب، لم توضع، في حدود علمنا، دراسة علمية، تلقي الضوء
على هذا الحزب في منطلقاته العقائدية - السياسية ومساره السياسي ومصادر
قوّته والتحديات التي يواجهها (وسيواجهها) في المستقبل. ولئن كان الحزب
قد أحاط نفسه في البداية (ككل حزب جديد في طور النشوء) في شكل من اشكال
السرية (تنظيماً وعملاً)، فإن خروجه الى اشكال العمل السياسي والعسكري
المعلَن والمكشوف، جعل من الممكن ان يقارب الباحث هذا التنظيم لتبيان
خطّه الفكري وملامحه التاريخية، وذلك من ضمن المبادئ الآتية:
1- إن هدف هذا البحث علمي بحت،
ولا يمكن أن يكون غير ذلك.
2- إن الاسلوب المعتمَد هو اسلوب
موضوعي ينسجم مع المقاربة العلمية. إنه اسلوب عرض وتحليل للواقع في شكل
مركّز ومن دون الدخول في التفاصيل.
3- بناء عليه، ندع جانباً كل ما
هو في باب الاتهامات والتخيّل والامور المخابراتية والامنية، ونتعاطى
فقط مع الوجه الفكري - العقائدي - السياسي للحزب في منطلقاته العقائدية
الاسلامية وتحدياته الجيو - سياسية.
4- إن عودة الى كتاباتنا السابقة
في الحالة الاسلامية - الشيعية تؤكد صدقية هذه المبادئ.
الاطار العام
لنشوء "حزب الله"
إن نشوء حزب سياسي (أي حركة
سياسية) هو استجابة لواقع سياسي - تاريخي معين في مرحلة تاريخية محددة.
وهذه النشأة تصدر عن وضعية معينة تعيشها جماعة (او جماعات) معينة،
ويهدف الحزب، في رؤية مؤسسه (او مؤسسيه) الى تعديل هذه الوضعية او
تصويبها او تغييرها من خلال طرح ايديولوجي (عقائدي) يركّز على الايمان
بحقيقة اجتماعية او ما ورائية (او هي مزيج من الاثنتين معاً) ويسعى الى
جعل هذه الجماعة تتبنّى هذه الايديولوجيا كونها (اي الايديولوجيا) تعكس
مصالح هذه الجماعة وتعكس نفسيتها وتبرز فاعليتها وتوصلها الى غاياتها
الكبرى سواء على المستوى المجتمعي، أم على المستوى الديني أم على
المستويين معاً.
إن نشوء "حزب الله" في اوائل
الثمانينات، لا يمكن فهمه وتبريره، الا في ضوء الوضعية العامة
(اللبنانية - الاقليمية - الدولية)، وفي شكل خاص وضعية الطائفة الشيعية
في لبنان آنذاك. واذا كان لنا ان نسترجع هذه الوضعية في خطوطها العامة،
اختصرناها كما يأتي:
على الصعيد
الاقليمي
شهدت هذه المرحلة (نهاية
السبعينات وبداية الثمانينات) انتصار الثورة الايرانية بقيادة الإمام
آية الله الخميني مما شكل مفترقاً اساسياً ومهماً في مسار الوجود
الاسلامي الشيعي في جميع انحاء العالم. وكانت له انعكاسات غير مباشرة،
ثم مباشرة على الحركات الاسلامية السنيّة نفسها. فلقد رأى الشيعة، في
الجمهورية الاسلامية الايرانية، قاعدة ومرجعاً وقوة دولية، روحية
وسياسية، تساعدهم وتستنهضهم وتدافع عنهم حيال السلطات والانظمة الانتر
- دولية Inter tatiques والانتر - دولية انترناسيونال
Internationales. وطبيعي ان ينعكس هذا الامر على الشيعة في لبنان،
وخصوصاً أن بعض قادة الثورة الايرانية كانوا قد تدرّبوا فوق الارض
اللبنانية على يد المنظمات الفلسطينية (منهم وزير الدفاع مصطفى
شمران).
العامل الثاني هو اندلاع الحرب
العراقية - الايرانية (1980)، وقد رأى الايرانيون فيها محاولة لتطويق
ثورتهم ولمنع امتدادها في اتجاه الدول العربية بدءاً بالخليج وصولاً
الى المتوسط. ولهذا سارع الايرانيون، وانطلاقاً من حسابات جيو -
استراتيجية، الى تدعيم وجودهم وتقويته داخل لبنان ومن خلال الطائفة
الشيعية بالذات، كي يكون لايران نقطة ارتكاز استراتيجية في المنطقة
العربية، فلا تُعزل بسبب حرب الخليج عن اوضاع هذه المنطقة. ولقد قوي
التيار الاسلامي وانتقل من موقع الدفاع الى موقع الهجوم (الديني
والعسكري والسياسي) بعد انتصار إيران في معركة خورمشهر (آذار 1982)
واستعادة الاراضي التي كان العراقيون قد احتلوها في بداية
الحرب.
اما العامل الاقليمي الثالث
فيتمثّل في الاجتياح الاسرائيلي للبنان (حزيران 1982)، وهو اجتياح يطعن
الثورة الايرانية في اربعة من شعاراتها الكبرى: نظرتها الى القدس كرمز
لكرامة المسلمين، نظرتها الى القضية الفلسطينية كقضية المسلمين الاولى،
نظرتها الى المستضعفين عموماً والشيعة اللبنانيين خصوصاً (في الجنوب
والضاحية الجنوبية لبيروت)، حيث ذاقوا الامرين من سلطات الاحتلال،
واخيراً، لا آخراً، نظرتها الى الوجود الاسرائيلي، كوجود غير مشروع في
"ديار الاسلام"، وهو وجود يتحدى الاسلام والمسلمين ويعمل على فرض
اتفاقات إذعان جديدة عليهم (اتفاقات كامب ديفيد، "اتفاق" 17 أيار،
أوسلو ووادي عربة...).
لحماية هذه الشعارات، ولتأكيد
صدقيتها في ما تقول وتفعل، عمدت ايران الى ارسال متطوعين ايرانيين الى
لبنان (الحرس الثوري الايراني) الذين تحوّلوا مع الوقت مدرّبين عسكريين
وموجّهين ثقافيين للشبان الشيعة انطلاقاً من بعلبك وصولاً الى الضاحية
والجنوب. وكان لهم تأثيرهم الكبير في تأطير كادرات "حزب الله".
من مفاعيل هذا الاجتياح، بروز
عامل دولي هذه المرة، وهو دعوة القوات المتعدّدة الجنسية (أميركية
وفرنسية) للنزول في لبنان والاشراف على ترحيل منظمة التحرير من بيروت
(مشروع المبعوث الرئاسي الاميركي فيليب حبيب). فبعد اليهود والمسيحيين
اللبنانيين، نزل الغرب (الاميركي - الاوروبي) بجنوده وأساطيله. إنها
ثالثة الاثافي!
وهكذا اجتمع الثلاثة، اليهود
والغرب والمسيحيون، في نقطة ضيّقة اسمها لبنان "لتحدي الاسلام
والمسلمين". وبحسب أرنولد توينبي، يكون الرد على التحدي من طبيعة
التحدي نفسها: العنف بالعنف. وكانت العمليات "الاستشهادية" ضد
الاميركيين والفرنسيين على السواء.
على الصعيد
اللبناني
يشار الى عوامل عدة هيأت السبيل
لنشوء "حزب الله":
- الصدمة التي أصابت الطائفة
الشيعية بتغييب الإمام موسى الصدر (آب 1978). إن الفراغ الذي تركه غياب
زعيم حركة "أمل" (أفواج المقاومة اللبنانية)، لا بد من ملئه بقيادة
بديلة او بفكر بديل يستقطب من جديد جماهير الطائفة الشيعية ويشكّل
البديل الاسلامي في لبنان بعد انحسار نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية،
وفشل الحركات الوطنية والقومية واليسارية الممثلة بالحركة الوطنية
(مرحلة حرب المخيمات والصدام مع اليساريين 1979 - 1981).
- وصول حزب الكتائب (المسيحي) الى
السلطة في لبنان بانتخاب الشيخ بشير الجميل ثم الشيخ أمين الجميل
لرئاسة الجمهورية، ونظرة القوى الاسلامية وفي مقدمها ايران الى "لا
شرعية" هذا الانتخاب، بل و"لا شرعية" اي سلطة غير اسلامية في
لبنان.
- بروز توجّه راديكالي نحو
التطرّف داخل الطوائف اللبنانية، اي نحو المزيد من الاصولية الدينية،
كتعبير عن الهوية والنضال من خلالها ومن أجلها: "القوات اللبنانية" على
حساب حزب الكتائب (في الطائفة المارونية)، "حركة التوحيد الاسلامية"
و"الجماعة الاسلامية" على حساب الحركات العروبوية - الناصرية (في
الطائفة السنية)، و"حزب الله" على حساب حركة "أمل" (في الطائفة
الشيعية).
- وصول الوضع داخل الطائفة
الشيعية الى مرحلة فرز المواقف وتحديد المواقع، اي تحديد الخيارات
الايديولوجية النهائية: بين الهوية الوطنية ذات البعد الشيعي كما تراها
"أمل" داخل الكيان اللبناني، والهوية الاسلامية ذات البعد الأممي كما
يطرحها "حزب الدعوة الاسلامي" وتالياً "حزب الله" من منطلقات ايرانية.
ولقد تبلور هذا الفرز خلال العام 1982 في شكل علني بخروج التيار
الاسلامي (بل التيارات) من حركة "أمل" وفي مقدمها ("حزب الدعوة
الاسلامي" ) الذي اسّسه في العراق (أواخر الخمسينات) السيد محمد باقر
الصدر، وكان من دعاته السيد حسين فضل الله العلاّمة الشيعي اللبناني
المعروف.
- الانشقاق الاول داخل "أمل"، تمّ
بعد المؤتمر العام الرابع للحركة (برج البراجنة، نيسان 1982)، وتزعمه
السيد حسين الموسوي، نائب رئيس الحركة والناطق الرسمي باسمها آنذاك. اذ
دعا الى تغيير هوية الحركة وجعلها "أمل الاسلامية" المرتبطة بإيران:
"فنحن مرتبطون بالإمام الخميني على الصعيد السياسي والعقائدي
والديني..." (1) على قوله.
- الانشقاق الثاني قاده السيد
ابرهيم الأمين، مندوب حركة "أمل" في ايران وذلك احتجاجاً على قبول
السيد نبيه بري، زعيم الحركة، الدخول في "هيئة الانقاذ الوطني" التي
تشكّلت غداة الاجتياح الاسرائيلي للبنان (اقترحها فيليب حبيب وأعلنتها
رئاسة الجمهورية في 14/6/1982)، وتضم بالاضافة الى رئيس الجمهورية
الياس سركيس ورئيس مجلس الوزراء شفيق الوزان، السادة: نبيه بري، بشير
الجميل، وليد جنبلاط، فؤاد بطرس، ونصري المعلوف، وهدفها: معاونة رئيس
الجمهورية لمواجهة الظروف الحاضرة. وعقدت اللجنة اجتماعها الاول في
20/6/.1982
- وكُسرت الجرة نهائياً بمشاركة
السيد نبيه بري في هيئة الحوار الوطني وحضور مؤتمرَي جنيف (تشرين
الثاني 1983) ولوزان (آذار 1984). وهو توجه يؤكد اصرار السيد بري رئيس
حركة "أمل" (ومعه الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس الاسلامي
الشيعي الاعلى آنذاك، والمفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الامير
قبلان)، وتمسّكه بالخصوصية اللبنانية للطائفة الشيعية، وهو توجه يرفضه
الاسلاميون الاصوليون داخل الحركة وخارجها، لأنهم يرون فيه تحويلاً
لحركة "أمل" الى "حركة طائفية لبنانية" بديل ان تكون جزءاً من الحركة
الاسلامية الأممية بزعامة الجمهورية الاسلامية الايرانية.
كل هذه المبرّرات، على أهميتها،
لم تكن قادرة على تأمين نشوء "حزب الله" ما لم تكن هذه المبرّرات
بمثابة حوافز موضوعية لوضعية فكرية، اي لنشاط ايديولوجي (عقائدي) عمل
لفترة غير قصيرة في القاعدة الشيعية (خصوصاً بين فئات الانتليجنسيا
والمحرومين). وكان من ابرز ممثليه العلاّمة السيد حسين فضل
الله.
مراحل النشوء
والتطوّر
من ضمن هذا الاطار العام، الذي
عرضنا خطوطه العريضة، نشأ "حزب الله" (لبنان) (2). وخلال عقد ونصف عقد
من السنين، مرّ هذا الحزب، بحسب تحليلنا في اربع مراحل تاريخية: مرحلة
التأسيس (1982 - 1985)، مرحلة تأكيد الذات (1985 - 1988)، مرحلة
التحوّلات السياسية والعسكرية (1988 - 1997)، ومرحلة التحرير (1998 -
2000).
مرحلة التأسيس
(1982 - 1985)
إن اول ما ينبغي التوقف عنده في
هذه المرحلة هو التسمية بالذات، اي "حزب الله"، فهي تسمية تحمل في
صلبها بُعدين: البعد الديني - الفقهي (القرآني) والبعد الايديولوجي -
السياسي (النضالي).
في البعد الاول، أخذت التسمية من
القرآن الكريم، وهي تمثّل الوجه الايجابي للمؤمنين المسلمين:
جهادياً: "ومَن يتولَّ الله
ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون" (المائدة/56).
وإيمانياً - أخلاقياً: "لا تجد
قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حاد الله ورسوله ولو كانوا
آباءهم او ابناءهم او إخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان
وأيّدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي
الله عنهم ورضوا عنه اولئك حزب الله الا أن حزب الله هم المفلحون"
(المجادلة/22). فحزب الله هم "جنده وأنصار دينه" (3). وهم "المفلحون"
اي: الفائزون بخير الدارين (الدنيا والآخرة).
في مقابل هذا الوجه الايجابي لـ
"حزب الله"، هناك الوجه السلبي لـ "الاحزاب المجتمعين لمحاربة النبي"
(4) "اولئك حزب الشيطان الا ان حزب الشيطان هم الخاسرون"
(المجادلة/19).
اما في البعد الايديولوجي -
السياسي، فإن الحزب "هو الجماعة من الناس تشاكلت قلوبهم واعمالهم وإن
لم يلقَ بعضهم بعضاً" (5). وهو "القوم يجتمعون في امر حَزَبهم اي
اصابهم، للنظر في المخرج منه" (6). "وهو جماعة فيها قوة" ومصطلحه
الحديث "انه الجماعة من الناس المجتمعين على مذهب سياسي عقائدي واحد"
(7).
وفي عودة الى الاصول الاسلامية،
فإن فكرة الاحزاب ترتبط في الذهن الاسلامي "بالجماعات من الناس الذين
تألبوا وتظاهروا على حرب النبي"(8). وعلى هذا، تصبح المسألة المطروحة
خصوصاً بالنسبة الى دعاة الحركة الاسلامية المعاصرة هي: الى اي مدى
يصحّ، من منظور اسلامي، قيام أحزاب داخل الجماعة الاسلامية باعتبارها
الوسيلة الأسلم لنشر الدعوة الاسلامية؟
في الجواب عن هذا السؤال
يكمن التبرير الديني لقيام "حزب الله" في لبنان (وخارجه) باعتباره
تجلياً محلياً لـ "حزب الدعوة الاسلامية". والمعروف ان في الدعوة
الاسلامية (بآفاقها الشيعية والسنية) اربعة اصول:
- موضوعها، وهو الدعوة الى الله:
"قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" (يوسف/108)،
والمقصود بالدعوة الى الله الدعوة الى دينه وهو الاسلام "إن الدين عند
الله الاسلام" (آل عمران/19).
- الداعي الاول، وهو النبي محمد:
"يا ايها النبي إنّا أرسلناك شاهداً وبشيراً ونذيراً وداعياً الى الله
باذنه" (الاحزاب/45-46).
- المدعوون الى الاسلام وهم العرب
وجميع الناس "وما أرسلناك الا كافة للناس بشيراً ونذيراً"
(سبأ/28).
- يبقى الاصل الرابع، وهو
المتعلّق بوسائل الدعوة الى الاسلام، حيث تتعدّد الاجتهادات والوسائل،
ومنها وسيلة الاحزاب. فالى اي مدى تتوافق هذه الوسيلة مع الوحي القرآني
والسنّة النبوية؟
هذا سؤال انقسم حوله الاجتهاد لدى
الفقهاء المسلمين في العصر الحديث:
الفئة الاولى: تقف ضد مبدأ قيام
الاحزاب في الجماعة الاسلامية:
- لأن مفهوم الاحزاب ارتبط
بالعداء للنبي ودعوته الاسلامية (يوم الاحزاب).
- لأن فكرة الاحزاب تقوم على مبدأ
التفرقة والعصبية داخل الجماعة في حين أن الاسلام هو دين توحيد
الجماعة.
- لأن صوغ ايديولوجيات حزبية
(قومية واشتراكية وحتى اسلامية... الخ) سيكون حكماً في تعارض بل في
تناقض مع الايديولوجيا الواحدة الشاملة وهي الاسلام.
- لأن هذه الايديولوجيات ستكون
حكماً موضوعة من الناس (مؤسسو الاحزاب) في حين أن الايديولوجيا الشاملة
هي من وحي الله، وشتّان ما بين المصدرين!
الفئة الثانية: هي التي لا ترفض
بالمطلق الفكرة الحزبية بل تدعو اليها بالاستناد الى المبرّرات
الآتية:
- لأن القرآن الكريم دعا الى "حزب
الله" ونهى عن "حزب الشيطان" وكفّر "الاحزاب": "ومَن يكفر به من
الاحزاب فالنار موعده" (هود/17).
- لأن القرآن الكريم يفرّق في نصه
بين وحدانية "حزب الله" (استعمل المفرد ولم يستعمل تعبير أحزاب الله)،
وبين تعددية بقية الاحزاب (استعمال الجمع "الاحزاب" احدى عشرة مرة في
الآيات) (9).
- هذا يعني ان "حزب الله" ليس
(ولا ينبغي ان يكون) جماعة من المسلمين، او طائفة داخل الاسلام،
بل هو الأمة الاسلامية كلها: "حزب الله = أمّة المسلمين. وتالياً، فهو
ليس عامل تفرقة داخل الاسلام بل هو عامل توحيد للمسلمين، كل المسلمين،
لأنه حزب كل المسلمين.
- إن صوغ ايديولوجيا "حزب الله"
ليس امراً يشرّعه الناس، بل ان عقيدته (ايديولوجيته) موجودة في صلب
الشريعة الاسلامية، وما على الفقهاء والمجتهدين الا إظهارها
وإبرازها.
- إن الحزب في المطلق، و"حزب
الله" بالتخصيص، هو حقل العمل الأنسب لإطلاق "الدعوة الاسلامية" لأسباب
عدة منها:
إن الحزب جماعة منظّمة. والنظام
مدخل الى التوحيد. إن الحزب مؤسسة متحرّكة تتفاعل مع الواقع الموضوعي
وتتطوّر معه وتطوّره. إن الحزب، كما أظهرت تجارب البشرية في العصر
الحديث، هو طاقة التغيير في الأمة ولا يمكن طرح عملية التغيير في الأمة
من دون أن يقود الحزب، "حزب الله"، هذه العملية، او أن يتابعها في
شموليتها وحرارتها واندفاعها الجماهيري كي تستمر في الخط الذي رسمه لها
"قائد الثورة". إن الحزب (كالقائد التاريخي) هو الذي يؤمّن
انفتاح الحالة الاسلامية على الواقع وعلى الآخرين. من خلال الحزب، بل
من خلال الايديولوجيا الحزبية، يمكن الجماعة الاسلامية ان تحدّد بوضوح
أعداءها واصدقاءها. وتالياً أن تحدّد درجات علاقتها بالآخرين: تناقض أم
نزاع أم تنافس. كما تتحدّد، تبعاً لذلك، اشكال الصراع (سرّي أم مكشوف)،
ووسائله (الاتصال بالجماهير عبر وسائل الاعلام والاحتفالات والمسيرات
والندوات...) لترسيخ القوة الحزبية وابرازها من خلال النظامية والكثرة
العددية، "لأن اعظم عقيدة لتخفق في الفوز في أبسط المعارك اذا كانت
اساليبها ووسائلها متخلّفة عن مقتضيات الحركة الاجتماعية" (10).
السيد فضل الله
و"حزب الله"
لقد تخرّج العديد من علماء الشيعة
من النجف الاشرف وعلى يد كبار المرجعيات الشيعية في العراق وايران.
وعاد كل منهم الى لبنان وهو متأثر بتيار اسلامي (شيعي) معين. "ففي حين
كان الإمام موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، أقرب الى مفهوم
التيار الاول اي "العمل في الاطار الاسلامي اللبناني وليس الأممي"
(12)، كان العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله اقرب الى التيار الثاني،
اي العمل في الاطار الاسلامي الأممي، بما يؤكد الحركية الاسلامية عبر
العمل الحزبي، متبنياً نظرية السيد محمد باقر الصدر حول "حزب الدعوة
الاسلامية"، مما هيأ لبروز "حزب الله" في لبنان، وجعل البعض يطلق على
السيد فضل الله صفة "مرشد حزب الله".
والحقيقة التي يمكن الباحثين
اكتشافها، هي ان العلاقة بين السيد محمد حسين فضل الله و"حزب الله"
يمكن تحديدها كما يأتي:
إن السيد محمد حسين فضل الله ليس
رئيس حزب (اي حزب)، ولا داعية لحزب، وهو خارج كل تنظيم حزبي بما في ذلك
"حزب الله" وحتى "حزب الدعوة الاسلامية". يقول السيد فضل الله: "إنني
ارفض بصوت عال كما رفضت قبل سنين ولا أزال ارفض ان يكون لي اي دور
تنظيمي في "حزب الله" سواء بصفة المرشدية الروحية بالمعنى التنظيمي او
الزعامة او غير ذلك من الامور" (13).
ويبرّر السيد فضل الله موقفه هذا
بخمسة امور: - هناك نقاط لقاء مع الحزب ولكن هناك نقاط
اختلاف.
- هو يرفض ان يكون جزءاً من اي
تنظيم سياسي ولن يكون كذلك؟ (14).
- هو يرفض ان يعمل في الدائرة
الضيقة، وانما يعمل في الجو الاسلامي العام الذي يتجاوز لبنان
(15).
- هو لا يقبل أن يُنسب الى حزب لا
يشارك في قراراته (16).
- إن لديه استقلالية تفكير وهي
مختلفة عن كثير من الاحزاب اللبنانية، بما فيها "حزب الله"
(17).
هذا لا يعني أنه ليس على علاقة بـ
"حزب الله"، والصحيح أن "حزب الله" هو على علاقة به. ويمكن تحديد جوهر
هذه العلاقة كما يأتي:
- إن السيد فضل الله هو علاّمة
مجتهد في الفكر الاسلامي المعاصر. ولقد أطلق افكاراً شكّلت تياراً
اسلامياً عريضاً أثّر على الكثيرين وتبنّاها البعض كلياً او جزئياً.
وما من شك في أن هذه الافكار تأثرت بنشأته في النجف الاشرف (وبالسيد
محمد باقر الصدر و"حزب الدعوة الاسلامية"). ولكنها تأثرت ايضاً بتجربته
اللبنانية حيث عاش ضمن الطائفة الشيعية، مقلع الحرمان والحركات
السياسية الثورية (الشيوعية والقومية والعروبية)، ووجد أن الرد على
الاحزاب (والايديولوجيا الحزبية) ينبغي أن يكون حزبياً ايديولوجياً،
وليس فقط طرحاً دينياً - روحانياً. لذا نزل الى ارض الواقع وخاض مع
الاحزاب العلمانية حرب الفكر الواقعي مما شكّل رأس الحربة في فاعلية
طرحه الفكري (18).
- في ضوء هذه الحقيقة يمكن فهم
السبب الذي دفع النويّات Noyaux الحزبية الشيعية الى تبني العديد من
آرائه ومواقفه، ومنها خلايا "حزب الله" الناشئة. ويقول السيد فضل الله
في ذلك: "إن حزب الله يمثّل خطّاً سليماً في المسار الاسلامي يلتقي
عادة بالخطوط العريضة للمبادئ التي أؤمن بها" (19). ويقول ايضاً:
"عندما انطلق من الاسلام، فإن الكثير من افكار حزب الله تمثّل افكاري
منذ 40 سنة. وربما التزموا بجزء من افكاري" (20).
ويمكن اختصار نوعية العلاقة
وطبيعتها بين السيد فضل الله و"حزب الله" بقوله: "إنني ارفض صفة مرشد
روحي لحزب الله على رغم الخط الذي يسير فيه حزب الله، وهو خط اسلامي
صحيح. فهناك فرق بين أن تدعّم خطاً وبين أن تكون جزءاً من التنظيم
السياسي. ولست جزءاً تنظيمياً في أية حالة سياسية لبنانية"
(21).
مرحلة تأكيد
الذات (1985 - 1988)
تميّزت المرحلة الاولى من نشوء
"حزب الله" بالعمل والحركة على خطين:
- خط البناء الفكري المتحرّك
كبديل من خط الجمود التاريخي، وهو خط تأثّر الى حد كبير في صوغه الفكري
بالوضعية اللبنانية في ثلاثة: التعامل مع الواقع والفاعلية
الايديولوجية وصوغ النظام الفكري الديني - السياسي على ضوء
الاسلام.
- خط المواجهة المباشرة مع القوى
الغربية والاسرائيلية بعمليات استشهادية، (مقر المارينز تشرين
الاول/1983 والقيادة الاسرائيلية في صور تشرين الثاني/1983).
وبعدما طرح الحزب نفسه في لبنان
كوجود قائم وفاعل، بدأت مرحلة الصراع من اجل تأكيد الذات. هذا يعني
سياسياً (وعملياً) الصراع لكي يأخذ الحزب دوره ومكانه على الخريطة
الشيعية خصوصاً وعلى الخريطة اللبنانية عموماً، وتالياً على الخريطة
الاقليمية - الدولية. وأن يأخذ "حزب الله" مكانه فهذا يعني أنه سيأخذ
من "حصص الآخرين وادوارهم" داخل الطائفة الشيعية وخارجها. في معنى آخر،
هذا يعني الاصطدام بقوى داخلية واقليمية عدة:
- بحركة "أمل"، باعتبارها المؤسسة
المهيمنة داخل الطائفة الشيعية وتعتبر نفسها المرجعية السياسية -
العسكرية الوحيدة فيها.
- بالاحزاب العقائدية
(العلمانية): الشيوعي والسوري القومي الاجتماعي.
- بقوى الجانب الآخر (المسيحي)
المصنّف في "خانة العملاء".
- بقوى الاحتلال الاسرائيلي و"جيش
لبنان الجنوبي".
- ... وحتى بالقوة السورية التي
تقوم بدور الحَكَم بين القوى اللبنانية.
إن مراجعة للاحداث التي شهدها
لبنان، وخصوصاً بين 1985 و1988 تؤكد هذه الحقيقة: |
إن السيطرة على الساحة الاسلامية
بعد الانسحاب الاسرائيلي التدريجي، وضعت "أمل" في صراع مع الفلسطينيين
(حرب المخيمات) ومع الحزب التقدمي الاشتراكي في بيروت الغربية. وفي
صراع محتمل مع "حزب الله" في المناطق الشيعية . ولأن حركة "أمل"
كانت قد دخلت في رعاية سورية في مفاوضات مع الحزب التقدمي الاشتراكي
و"القوات اللبنانية" اواخر العام 1985 لتوقيع اتفاق (عُرف في ما بعد
بالاتفاق الثلاثي ووقعته الفصائل الثلاثة في 28/12/1985)، فقد سارعت
ايران (وزير داخليتها السيد علي اكبر محتشمي) الى استدعاء ممثلين
عن حركة "أمل" و"حزب الله" الى طهران لهدفين، الاول "للتنديد بأي اتفاق
يعقد مع أية مجموعات غير اسلامية في لبنان" (22)، مما يعني ان ايران
غير راضية عن التوجه السوري بإشراك "القوات اللبنانية" المسيحية في هذا
الاتفاق، والثاني وهو الاهم، لوضع اتفاق بين "أمل" و"حزب الله" (عُرف
باتفاق طهران 1985) لتحديد أطر العلاقة بين الجانبين وحتى مراكز النفوذ
لكل منهما. ويبدو، استناداً الى نوعية التصريحات، ان البقاع جُعل منطقة
نفوذ لـ "حزب الله"، والجنوب منطقة نفوذ لـ"أمل"، وبيروت الغربية
والضاحية منطقة نفوذ مشتركة (23).
إزاء إصرار "أمل" على المشاركة في
الاتفاق الثلاثي، دعت ايران (شباط 1986) "حزب الله" و"أمل الاسلامية"
والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين للاجتماع
بالرئيس الايراني علي خامنئي الذي "شدّد على ضرورة اقامة حكومة اسلامية
في السلطة اللبنانية، فكيف اذا كانت هذه الشرعية ممثلة بكتائبي (الرئيس
امين الجميل). في المقابل، أعلن السيد نبيه بري "معارضته لاقامة
جمهورية اسلامية في لبنان" (24).
خلال العام 1986 دخل "حزب الله"
صراعاً مكشوفاً للسيطرة على الطائفة الشيعية: قتال مع الحزب الشيوعي في
بيروت والجنوب (شباط 1986)، قتال مع الحزب السوري القومي الاجتماعي في
مشغرة (حزيران 1986)، وبداية الاشتباكات مع "أمل" في الشياح (ايلول
1986).
في بداية العام ،1987 رفض "حزب
الله" الخطة الامنية لبيروت الغربية وتحدّى السلطة باعتقال 14 عسكرياً
لبنانياً (شباط 1987)، وتبع ذلك صدام مع الجيش السوري (حادث ثكنة فتح
الله - البسطة، حيث سقط نحو 20 قتيلاً من "حزب الله). وكان المغزى
السياسي للحادث (في المفهوم السوري) هو أن "حزب الله" يستطيع ان يتحدى
جميع المؤسسات في لبنان، ولكن ليس الجيش السوري في لبنان! ورغبة في
تطويق الحادث زار علي اكبر محتشمي سوريا واجتمع بالرئيس الاسد. ثم
استقبل الرئيس السوري وفداً من "حزب الله" (25)، وسوّيت الامور باعتبار
الحادث عرضياً وان الرئيس السوري "أبدى حبّه للحزب ورغبته في مساعدته
في كفاحه ضد اسرائيل" (26).
العام 1988 كان عام الحسم بالنسبة
لـ "حزب الله" داخل الطائفة الشيعية وفي مواجهة "أمل":
معارك في جبل عامل (النبطية
وجوارها) بين "أمل" و"حزب الله" (آذار 1988).
معارك وتمدّد للحزب في الضاحية
الجنوبية (أيار 1988). ولاحتواء هذا التمدّد شيعياً، اصدر المجلس
الاسلامي الشيعي الاعلى بياناً الى جانب "أمل" ينتقد "المخطط لخلق وضع
يتجاوز "أمل" ووضع المسلمين الشيعة العام في لبنان". ولاحتوائه
عسكرياً، أعلنت سوريا تمديد الخطة الامنية الى الضاحية الجنوبية، وقال
العقيد غازي كنعان جملته الشهيرة: "إما أن يُفتح لنا باب الضاحية وإما
ان نقتحمه" (27). ثم سوّيت الامور موقتاً، بعد زيارة قام بها علي أكبر
ولايتي وزير خارجية ايران لدمشق، حاملاً رسالة من الرئيس خامنئي الى
الرئيس الاسد، وزيارة وفد من "حزب الله" للرئيس السوري في
اللاذقية.
في المقابل، سعى "حزب الله" الى
تدعيم موقفه لدى السلطات الايرانية ولدى الإمام الخميني بالذات، فزاره
وفد من الحزب (تموز 1988) "وحض الإمام الخميني، المسلمين على مساندة
"حزب الله" في لبنان باعتبارهم الابناء الحقيقيين للبنان
الاسلامي".
المعارك الكبرى، او ما يمكن وصفه
بمعارك الممرات الاستراتيجية (جغرافياً وسياسياً وعسكرياً) بين "أمل"
و"حزب الله" في اقليم التفاح (الجنوب) اواخر عام 1988 واوائل 1989)،
وبالتحديد على محور جباع - جرجوع - جبل صافي، وهو قتال تحدّد نتائجه
سيطرة أحد الجانبين ليس فقط على الطائفة الشيعية بل على الجنوب ايضاً.
ولقد وقّع الجانبان في أثر ذلك (كانون الاول 1989) "إتفاق دمشق" في
رعاية سورية (الوزير الشرع) وايرانية (الوزير ولايتي)، وجاء الاتفاق
لصالح حركة "أمل" في كثير من بنوده، ولا سيما البند الرابع الذي أعاد
تأكيد اتفاق طهران 1985 بنصه، على "اعتبار حركة أمل مسؤولة عن أمن
الجنوب"، وما لم تستطع "أمل" تحقيقه عسكرياً حقّقته سياسياً. ثم جرى
تأكيد اتفاق دمشق في بيان طهران في حضور الحزب والحركة وجمهرة من
القادة المسلمين اللبنانيين (تموز 1989) (29).
مرحلة
التحوّلات السياسية والعسكرية (1988 - 1996)
بدءاً من العام 1988 وحتى الآن،
يشهد "حزب الله"، ككل حزب ناشئ، تحوّلاً من الرومنسية الايديولوجية في
اتجاه المزيد من الواقعية. وهذا التطور جاء نتيجة لعوامل عدة: عدم قدرة
الحزب على الحسم مع "أمل"، وخصوصاً في الجنوب، الموقف السوري الداعم لـ
"أمل" من دون ان يكون على عداء مع "حزب الله". صعوبة انسحاب ايران
(وتيار محتشمي بالذات) من اتفاق طهران 1985 الذي وُضع في رعاية محتشمي
نفسه بين "أمل" و"حزب الله"، وقَسَم مناطق النفوذ بينهما على الخريطة
الشيعية. انتهاء حرب الخليج بما لا يخدم الاندفاع الايراني، بل بما
يخدم القدرة العراقية. وفاة الإمام الخميني القائد التاريخي للثورة
الايرانية. وقد استخلفه آية الله السيد علي خامنئي فأقسم "حزب الله"
بالولاء له قائداً للمسلمين في مهرجان البَيعة والولاء في بعلبك
(30/6/1989)، وصول حجة الاسلام هاشمي رفسنجاني (التيار البراغماتي) الى
السلطة في ايران على حساب تيار محتشمي (التيار الايديولوجي)، دخول
الحالة اللبنانية مرحلة جديدة في اطار الاتفاق الدولي من خلال اتفاق
الطائف. انهيار الاتحاد السوفياتي وتداعياته على الوضعين الدولي
والاقليمي في ظل وحدانية الاستقطاب الاميركي و"فرض" مفاوضات السلام بين
العرب واسرائيل، وتهيّب الانظمة إظهار صفحة العداء المكشوف لاميركا
خصوصاً بعد تجربة العراق.
هذه العوامل انعكست على "حزب
الله" بما يمكن اختصاره بثلاثة: هيكلية جديدة، قيادة جديدة وتعاط
جديد.
من حيث الهيكلية الجديدة لـ "حزب
الله" التي تبلورت بدءاً من العام ،1988 اصبح للحزب خطة عضوية
Organigramme، بمعنى الصورة التي ترسم تنظيم المؤسسة، مبيّنة مختلف
اعضاء المؤسسة (الحزب) وطبيعة العلاقات في ما بينهم. وقد تمحور هذا
التنظيم حول اربع هيئات في الحزب: مجلس الشورى، المكتب السياسي، المجلس
التنفيذي، مسؤولو المناطق. الاول للقرار، الثاني للدرس والحوار، الثالث
للتنفيذ، والرابع لتأمين العلاقة مع القاعدة.
قبل أيار ،1991 كانت قيادة الحزب
لأمينه العام الشيخ صبحي الطفيلي، وكان ينتخبه مجلس الشورى (9 اعضاء)
أميناً عاماً لسنة واحدة في ايلول من كل عام. خلال العام 1990 (ايلول)
لم تحصل الانتخابات، وانما جرت في أيار 1991 حيث اختير السيد عباس
الموسوي، أميناً عاماً للحزب واستحدث منصب أمين عام مساعد (السيد حسن
نصرالله)، وجُعلت مدة ولاية الأمين العام سنتين بدلاً من سنة واحدة،
وخُفّض عدد اعضاء مجلس الشورى من تسعة الى ستة (30).
رأى البعض في هذا الاختيار "معاني
سياسية وتوجهات جديدة للحزب" (31). بمعنى الاقتراب من تيار رفسنجاني
على حساب تيار محتشمي. وبعد اغتيال السيد عباس الموسوي على يد اسرائيل
في الجنوب (16/2/1992)، اختير السيد حسن نصرالله لمنصب الامانة
العامة.
اما في خصوص التعاطي الجديد
للحزب، فنشير بخطوط عامة الى سبعة موضوعات:
الاول، تسجيل موقف "مبدئي" في
معارضة اتفاق الطائف "في الشكل والطريقة وكونه أعاد إحياء نظام الحصص
الطائفية" (32).
الثاني، اتخاذ موقف "مبدئي" برفض
مفاوضات السلام اللبنانية - الاسرائيلية، لاختلال ميزان القوى بين
الجانبين.
الثالث، المساهمة في حلحلة مشكلة
الرهائن الغربيين في لبنان.
الرابع، المشاركة في الانتخابات
النيابية اللبنانية صيف 1992 ومن ثم ،1996 وهو موقف جديد من النظام
اللبناني، حيث حصل الحزب على كتلة برلمانية تراوح بين ستة وثمانية
مقاعد نيابية، وعلى نسبة لافتة من اصوات المقترعين، مع توجه الى "تغيير
النظام من داخل النظام"، على اساس "اعتماد الارادة الشعبية في اختيار
النظام الملائم والبديل" (33).
الخامس، الموقف من المقاومة ضد
اسرائيل. وهو موقف ظل على راديكاليته. فالمقاومة، اذ تجعل من إنهاء
الوجود الاسرائيلي هدفاً نهائياً، فهي تهدف مرحلياً الى أمرين: "خلق
حالة نهوض شعبي بواسطة الفعل المقاوم وفتح حرب استنزاف مع العدو" (34).
لكن الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله حدّد الابعاد التي يمكن أن
يصل اليها ضرب العدوّ داخل حدوده، معتبراً "ان الضوابط والواقع السياسي
لا يحتمل اطلاق عدد من الصواريخ على مستعمرات العدو داخل الاراضي
الفلسطينية المحتلة، لكن الواقع الميداني يفرض احياناً اللجوء الى مثل
هذا الاسلوب" (35). من هنا سياسة "توازن الرعب" في ضرب الاهداف المدنية
بعد "تفاهم تموز" 1993 في حال قيام اسرائيل بضرب أهداف مدنية في
الجنوب.
السادس، الموقف من حكومة السيد
رفيق الحريري الذي تميّز بالمعارضة وليس بالرفض. استراتيجياً، يصعب على
حزب يعمل على تعميم الحالة الاسلامية في آفاقها الشيعية على الوضع
اللبناني، ان يرتاح لوجود زعامة سنية ذات صدقية (معنوية ومادية -
داخلية وخارجية) في السلطة، فكيف اذا كانت هذه الزعامة ذات علاقة خاصة
بالمملكة العربية السعودية. لهذا، ستتركز حملة الحزب على اربعة محاور،
مثيرة للجدل (هي بمثابة قنابل موقوتة يمكن تفجيرها في وجه حكومة
الحريري في اي وقت):
- المقاومة في الجنوب (خلوّ
البيان الوزاري من اشارة اليها)، الشركة العقارية والحقوق المكتسبة في
بيروت ومدخل الضاحية، تنظيم الضاحية الجنوبية (هدم المنازل، التغيير
الديموغرافي، التقديمات)، الاصرار على الغاء الطائفية السياسية كهدف
مرحلي مثير للجدل والإحراج.
السابع، واخيراً، التعاطي بانفتاح
مع المسيحيين، بزيارات قام بها مسؤولون من "حزب الله" للسفير البابوي
وللبطريركية المارونية. ويرى المحلّلون في هذا التعاطي الجديد محاولة
لتأكيد الثنائية الشيعية - المارونية في السيبة اللبنانية والتحوّط
لضربة يمكن أن توجه للحزب في ظل نتائج مفاوضات السلام، وبعد تكرار
التصريحات الاميركية بضرورة "تجريد حزب الله من سلاحه"، وخصوصاً في
الضاحية الجنوبية وصولاً الى الجنوب (مسألة دخول الجيش الى الضاحية
الجنوبية). كما يهدف هذا التعاطي الى إزالة مخاوف وهواجس مسيحية بتأكيد
العيش المشترك، والى تصليب الموقف المسيحي ضد اسرائيل والتأثير على
موقف الفاتيكان لعدم اقامة علاقات ديبلوماسية مع الدولة
العبرية.
مرحلة الانتصار
والتحرير (1998 - 2000)
تُوّجت بانسحاب اسرائيل من جنوب
لبنان (أيار 2000) وانتهاء الحقبة الكيسنجرية في لبنان (وهي مرحلة في
حاجة الى دراسة خاصة بها).
مصادر
القوة
اذا كان لنا أن نحدّد في اختصار
العناوين العامة لمصادر القوة لدى "حزب الله" والتي جعلته يفرض نفسه
قوة محسوبة ومرهوبة لبنانياً واقليمياً ودولياً، لوضعناها تحت العناوين
الآتية:
- الايمان الديني المرتبط
بالدينامية الشيعية التاريخية على اعتبار أن الشيعة هم حركة الاحتجاج
الدائمة في الاسلام.
- طرح الهوية الاسلامية كبديل من
الهويات الاشتراكية والقومية والليبيرالية التي فقدت صدقيتها خلال
تجارب نصف قرن (من هذه الزاوية انفتاحه على الحركات الاصولية السنية في
لبنان والعالم العربي).
- اعتماد الروح الجهادي
الاستشهادي كأسلوب وحيد لتصحيح الخلل في موازين القوى مع الاعداء
(اسرائيل والاستكبار العالمي).
- مقاومة اسرائيل كحق مشروع وواجب
في مرحلة تاريخية يصل فيها الخط البياني الانحداري للمواقف العربية الى
الحضيض: تصليب مقاومتها وتطويرها وتصعيدها في الجنوب بتطوير آلته
العسكرية وكفاءته القتالية.
- الدعم الايراني، الديني،
السياسي، العسكري، المالي والمعنوي، لايجاد موطئ قدم على حدود اسرائيل
والمشرق بعد موطئ القدم على حدود أمن النفط في الخليج.
- التغطية السورية على اعتبار
الحزب ورقة سياسية رابحة في مواجهة القوى الداخلية (اللبنانية)
والاقليمية (اسرائيل) والدولية (الولايات المتحدة).
- النشاط الثقافي - التربوي -
الاجتماعي (مدارس، مستشفيات، مستوصفات، مساعدات، مشاريع) يقوم بها
الحزب داخل الطائفة الشيعية اللبنانية التي تشهد تطوراً ديموغرافياً في
نسبة عالية، وتحيا في وضع الحرمان والثورة.
التحديات
من بين التحديات التي يواجهها
"حزب الله"، في المستقبلين القريب والبعيد، نشير الى ستة:
- التحدي الاول هو تحدّ فلسفي
وخلاصته ان كل حركة فلسفية ربطت مجتمعها الكامل (صورة حياتها السعيدة)
بنموذج تاريخي ماض واجهت حكماً مشكلة تطوّر الحياة نفسها، بحيث يرى
المرء نفسه مشدوداً بين اتجاهين: اتجاه يعايشه ومع ذلك يرفضه، واتجاه
يتصوّره ومع ذلك يتمنّاه. هذا يطرح بشكل جدي الموقف من الحضارة الغربية
والذي اختصره ارنولد توينبي بموقفين: إما الموقف الزيلوتي الذي يرفض كل
هذه الحضارة: قيماً ونظماً ونمط حياة، وإما الموقف الهيرودي الذي
يستوعبها بالسيطرة على سرّها، ومن ثمة يتخطاها (النموذج
الياباني).
- التحدي الثاني فكري. ذلك أن
القانون الموحى به هو القانون الأكمل في حين أن القانون الوضعي هو
قانون يحتمل الخطأ والنقص كونه صادراً عن البشر. وانطلاقاً من المنطق
نفسه فإن اي فرد او اي حزب هو بشر او مجموعة بشر وتالياً قهو قد يخطئ
في فهم النص الموحى به او تفسيره او تطبيقه. فهو اذاً لا يحتكر دائماً
الحقيقة.
- التحدي الثالث استراتيجي
ومؤداه: كيف يمكن حزباً، اي حزب، تمتزج في الحقيقة الاساسية التي يؤمن
بها كأساس لعقيدته، الابعاد الميتافيزيقية والمجتمعية، كيف يمكنه (وهل
يمكنه) ان يوفّق بين مفهومي الدوغما والتسوية في عمله السياسي، ذلك أن
كلاً من هذين المفهومين سيؤثّر حكماً إما على حريته وإما على
وحدته.
- التحدي الرابع هو تحدّ وجودي
يتمثّل في مدى قدرة "حزب الله" على تأكيد استقلاليته وانطلاقته في
مواجهة اي احتمال لتغيّرات قد تطرأ داخل السلطة الايرانية لاسباب قد
تكون فكرية او اقتصادية او براغماتية او تنافسية. إن احتفاظ الحزب بحد
معين من الخصوصية الذاتية أمر جوهري في تأكيد الصدقية.
- التحدي الخامس هو تحدّ سياسي
وفيه: الى اي مدى سيتمكّن "حزب الله" من السير في مشروعه السياسي بمعزل
عن العلاقات الايرانية - السورية وبعيداً عن العلاقات السورية -
الاميركية، وخارج احتمال الوصول الى حل سلمي للصراع العربي -
الاسرائيلي عبر المفاوضات الجارية بين الجانبين؟ وماذا يكون مصيره في
حال توقيع السلام بين اسرائيل وسوريا ولبنان؟!
- واخيراً، لا آخراً، فالتحدي
السادس هو تحدّ لبناني واقعي ومختصره: هل يعتقد "حزب الله" أنه قادر
لوحده، ومهما كانت طاقاته وقدراته السياسية والعسكرية (والديموغرافية)
ان يفرض بقواه الذاتية حالاً خاصة على الوضعية اللبنانية كلها، وهو ما
لم تستطعه الدول الكبرى؟ في معنى آخر، هل يمكن الحزب (وحتى الطائفة) ان
يسيطر على بقية الطوائف من خلال عزف منفرد، ام عليه ان يتفاهم ويتعاون
مع بقية القوى لتشكيل "السيبة" المطلوبة كقاعدة للحياة المشتركة في
لبنان، حيث يفترض استبدال العزف المنفرد بـ "الاوركسترا
السمفونية"؟!
خلاصة
تشكّل هذه الدراسة مدخلاً اساسياً
لفهم "حزب الله". فهي تعرض لظروف نشأة الحزب ومراحل نشوئه وتطوّره
ومصادر قوته والتحديات التي تواجهه. فـ "حزب الله" هو تجسيد دينامي
لحركة الاصولية الاسلامية بآفاقها الشيعية التي تعلن أنها تعمل على
تحقيق ثلاثة اهداف رئيسية: الدفاع عن الأمة مادياً ومعنوياً، ضمان حرية
الدعوة بإزالة كل قوة طاغية تمنع وصولها الى الناس، واقرار سلطان الله
في الارض ومقاتلة المعتدين على هذا السلطان" (36). وانه من السابق
لأوانه الحكم على هذه التجربة السياسية، سواء في افاقها الاسلامية أم
في آفاقها اللبنانية. إن ثماني عشرة سنة من نشوء الحزب ليست كافية
لبلورة مساره وتوجهاته النهائية واساليبه في العمل السياسي والعسكري.
وها هو اليوم يخوض تجربة قاسية مع اسرائيل تضع لبنان، وربما المنطقة،
على المحك، وقد نجح في ذلك اذ حقق التحرير الكامل.
إن المرحلة الاولى من نشوء
الحركات السياسية في المجتمعات البشرية عادة ما تتميز بـ "المبدئية
الرومنسية". ولكن التجارب التي تمر بها هذه الحركات سرعان ما تشدّ بها
نحو المزيد من الواقعية التاريخية. وفي تقديرنا، المستند الى تجارب
بقية الحركات السياسية في لبنان، ان مسار "حزب الله" (في قوته وفاعليته
على كل المستويات) سيتحدّد في نهاية المطاف، في ضوء قدرته على الاحتفاظ
بحدّ أدنى من الاستقلالية، وهو امر غير سهل، وسلاح ذو حدين. إن من
الصعب، بل من المستحيل، على أي ايديولوجيا ان تنافس الايديولوجيا
الاسلامية في الدول الاسلامية. وإن من السهل ربما الوصول الى السلطة
باسم الاسلام. ولكن من الصعب تصوّر ما الذي يحدث بعد ذلك في عالم بات
الاقتصاد والانفو - ميديا فيه يحدّدان مصير الانظمة والشعوب
والأمم.
1- حسين الموسوي: الكفاح العربي،
عدد ،487 تاريخ 9/12/.1984
2- تفريقاً له عن "حزب الله" في
بلدان اخرى.
3- تفسير البيضاوي.
4- سميح عاطف الزين: تفسير مفردات
الفاظ القرآن الكريم، دار الكتاب، بيروت، .1984
5- محمد اسماعيل ابرهيم: معجم
الالفاظ والاعلام القرآنية، دار الفكر العربي، القاهرة، .1968
6- محمد فريد وجدي: المصحف
المفسّر، مؤسسة الشعب، القاهرة، بدون تاريخ.
7- سميح عاطف الزين، مرجع سبق
ذكره.
8- الطاهر أحمد الزاوي: مختار
القاموس، مطبعة الحلبي، القاهرة، .1964
9- محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم
المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، دار المعرفة، .1987
10- ناصيف نصار: الفلسفة في معركة
الايديولوجيا، دار الطليعة، بيروت .1980
11- وهم في ذلك أشبه بالمطارنة
والبطاركة الموارنة الذين تخرجوا من مدرسة روما المارونية وشكّلوا
تيارات مختلفة داخل الطائفة المارونية.
12- حسن صبرا، عن الصحوة
الاسلامية في لبنان، في كتاب: الحركات الاسلامية المعاصرة في الوطن
العربي، مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت ،1989 صفحة .172
13- مقابلة مع الشراع، عدد
،324 تاريخ 6/6/.1988
14- المرجع نفسه.
15- مقابلة مع الشراع، عدد ،324
تاريخ 6/6/.1988
16- مقابلة مع مجلة
ماغازين، نشرتها لوريان - لوجور، تاريخ 3/6/.1988
17- المرجع نفسه.
18- من مؤلفات السيد محمد حسين
فضل الله:
- قضايانا على ضوء الاسلام،
دار الزهراء (6 طبعات)، .1985
- الاسلام ومنطق القوة، المؤسسة
الجامعية (3 طبعات)، .1985
- خطوات على طريق الاسلام، دار
التعارف (5 طبعات) .1986
- مع الحكمة في خط الاسلام، مؤسسة
الوفاء (طبعة اولى)، .1985
- الحركة الاسلامية: هموم وقضايا،
دار الملاك (طبعة اولى)، .1990
19- لوريان - لوجور، مرجع سبق
ذكره.
20- "الديار"، 29/5/.1988
21- المرجع نفسه.
22- تصريح محتشمي ورد في
"النهار"، 12/12/.1985
23- نفى "حزب الله" وجود مثل هذا
الاتفاق الذي بقي سرياً. ولكن "أمل" (بلسان داود داود) أشارت اليه في
اكثر من مناسبة وأكد وجوده آية الله جنتي رئيس الوفد الايراني للمصالحة
في لبنان (29/4/1988).
24- من تصريح لصحيفة "لا سويس"
الصادرة في جنيف 21/8/.1987
25- ضمّ الوفد قادة "حزب الله":
الشيخ صبحي الطفيلي، ابرهيم الأمين، حسين الموسوي والحاج حسين
الخليل.
26- وكالة الجمهورية الاسلامية
للأنباء، 9/3/.1987
27- الصحف اللبنانية بتاريخ
20/5/.1988
28- "السفير"، 31/1/.1989
29- "الديار"، 25/7/.1989
30- يتألف مجلس الشورى الذي هو
أعلى سلطة في الحزب من: الأمين العام، الأمين العام المساعد، رئيس
المجلس التنفيذي، رئيس المكتب السياسي والناطق الرسمي باسم الحزب،
وعضوين منتخَبَين.
31- الشراع، عدد ،477 تاريخ
27/5/.1991
32- محمد فنيش (نائب من حزب
الله)، الحياة، 18/4/.1992
33- المرجع نفسه.
34- حسن نصرالله، "السفير"،
14/11/.1992
35- حسن نصرالله، "السفير"،
14/11/.1992
36- أحمد الموصللي: الاصولية
الاسلامية والنظام العالمي، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث
والتوثيق، بيروت ،1992 ص .58 |