مؤسسة فريدريش ناومان الجامعة الأميركية في بيروت مؤسسة رينه معوض
دائرة العربية ولغات الشرق الأدنى

بالتعاون مع 
المعهد الألماني للأبحاث الشرقية

عصر النهضة: مقدمات ليبرالية للحداثة


12 و13 تشرين الثاني 1998 
الجامعة الأميركية في بيروت

محور: نشأة السوق. علاقات وعلامات

 

إعادة تشكيل الشبكات الإقتصادية والبشرية
شربل نحاس

 

شرفني منظمو هذه الحلقة الدراسية بدعوتي للمشاركة في أعمالها. هذه المداخلة حول "إعادة تشكيل الشبكات الإقتصادية والبشرية" أردتها جولة بالقلم حول موضوع النهضة في فسحات التاريخ المادي والفكري ومجالاته، ومن طبع السياحة التردد في المسار والإنعطاف والتوقف والعودة والإقتراب والإبتعاد. هكذا أردتها أو ربما هكذا كانت فارتضيتها. وطموحي أن تساهم في نقد بعض المفاهيم المتداولة وفي ربط بعضها الآخر وفي إغناء البحث بأسئلة إن لم يكن بأجوبة.

 

النهضة عصر أم موقع للصياغة وإعادة التشكيل وصدى


التغير مقلق وإن كابر البعض أو تجاهلوا. ويلجأ الناس لمواكبة ما يرون من عوارض التغير في حياتهم ومحيطهم، ولوصفها، إلى استعارة ما توفر لديهم من مخزون مفهومي، فيصورون التغير كأنه استعادة لوضع سابق كان قائما، أو يتصورونه كذلك، فيخلصون في معرض تغير الحاضر إلى إعادة صياغة الماضي. ولا تستقل المفاهيم الجديدة إلا بعد زمن وبعد بذل جهد نظري، فتعيد تشكيل منظومة المفاهيم السابقة برمتها وتعطي للمفردات معانيا لم تكن لها وتقسم ما كان موحدا فيها وتربط ما كان منفصلا منها.

وما أكثر التغيرات الي شهدتها بلادنا منذ ربع قرن، وما أكثر الإستعادات أيضا، وما أقل المفاهيم الجديدة، وما أعظم الحاجة إلى الجهد النظري الذي تساهم في إحيائه هذه الحلقة الدراسية المشكورة. أكاد أقول ما أعظم الحاجة إلى نهضة، لولا أن النهضة، هي أيضا، مفهوم مستعاد.

النهضة خطاب وحدث


ماذا تعني النهضة التي أتى لفظها في عنوان الحلقة مقرونا بكلمة عصر لإبراز الحيز الزمني فيها، وهو طاهر من أرجاس الإيديولوجية، ومنزها عن أي نعت جغرافي أو قومي عصبوي يتصل بتملك أو منازعة؟

إنها، دون شك، خطاب أو سلاسل من الخطابات. وإنها، دون شك، حدث، أو سلاسل من الأحداث، إنما خيط الخطاب وخيط الحدث يشتبكان معا في عقد واحدة، يرد أحدهما إلى الآخر ويرد عليه. وهي ترمز، من خلال استعارة تتصل بالحركة الجسدية، إلى حركية تاريخية، أو بشكل أدق إلى ادعاء خطابي بحركية تاريخية ومراهنة عليها.

من موقعنا اليوم، كيف نرى النهضة خطابا وحدثا ورهانا؟

النهضة خطاب ونتاج مثقفين


أين خطاب النهضة اليوم؟ في أي موقع وقفت النهضة وسقطت في ميسلون، وأين تقف في الكتب المدرسية، قديمها وجديدها، وفي الجدل عن التعليم الديني في المدارس، وأين محلها بين ازدواجية لغوية طائفية من هنا وبين قلعة للمسلمين هناك؟ هل يختصرها أدب مهجري غنائي ومقالة هنا عن اكتساب العلوم ومقالة هناك عن تحرر المرأة (إن تجرأ الأستاذ) وقصيدتان عن بزرجمهر والبسفور؟ حتى خطبها بات أكثرها ممنوعا والمباح منها مسلوخ. هل لأن ما تناولته من مواضيع لم يعد يعني عموم الناس أم لأنه على العكس يعنيهم؟ ولبنان الأزلي ألم يلد من ضمن اتفاقيات سايكس-بيكو المشؤومة؟ أطال الله ذكر العثمانيين، فهم وحدهم توافقنا على عداوتهم للنهضة إلى حد أنهم متى رحلوا، سكتت النهضة إلا في خوالج النفوس.

النهضة حدث ومحطة في الزمان والمكان


كان للنهضة مسرح متنقل بين مصر ولبنان، أو بيروت، لا هم، ما دام المجال يسقط بمفعول رجعي. والمصطلح أنها بدأت بانتصار جيوش بونابرط في مصر ولا بد أن نقر أنها انتهت بانتصار جيوش اللنبي وغورو. ذاك القرن ونيف كان دون شك أكثر مراحل تاريخ البلاد آلاما ودموية. فبحرب 1918 تحجرت النهضة مثلما تكرست الحدود. أليس لتزعزع لبنان منذ السبعينات صلة بالعودة إليها شعارا واستذكارا ومواضيع؟ وعندها أين تصبح النهاية وأين تصبح البداية؟

النهضة رهان تاريخي


نهض أي قام وارتفع، والنهضة تعبير مجالي وزمني لانتقال جسم بإرادته من حال إلى حال أفضل. لا تكون نهضة دون انحطاط، فصنعنا لها انحطاطا ما بعده انحطاط يترامى إلى سبعة قرون، ولولا مآثر هولاكو لكان امتد إلى عشرة حتى يلامس الخلفاء الأوائل، فضاع ابن خلدون وابن رشد وابن تيمية، ولم نعد نفهم شيئا. لكن النهضة، لتتحول من رهان إلى فعل، تستدعي أيضا إنجازات وعصرا ذهبيا يليها، أين هو؟ ما تبعها كان هجرة وتبددا (لكننا جعلنا من أمريكة جبران أندلسا معاصرا) وحروبا وهزائم. واليوم نعيش حروبا وهجرة وأدبا مهجريا متجددا وإنما بالفرنسية. فعجبا من نهاية تتكرر ولا تنتهي.

 

 

بصفاتها الثلاث، تُرجع النهضة اليوم صدى يتردد وتَرجع أياما تستعاد


النهضة بزمنيها وليدة صدمة وسعي لاستيعابها بالخطاب


انتهت النهضة الأولى عام 1918، وكانت النهاية غير مرتقبة، وهذا ما ننساه أو نرفضه، وانتهى معها عالم بكامله، بمقومات ماضيه وواقعه وآماله. وكانت النهضة فسحة بين صدمتي الغرب: بونابرط واللنبي. وإن كنا اليوم نعيش نهضة ثانية فهي بعد موشي دايان ولم تختم جرحها بعد حربا خليج واتفاقات أسلو. دخل الفرنسيون القاهرة والشام ودخلت إسرائيل بيروت، وعادت تركيا بعد طول غياب، وعاد الغرب عن إزدواجية القطبين، وضبط النفط، وحلت العولمة، فكيف نتعامل مع واقع لم نتصور إمكانية وقوعه. هل نقبل التغير ونقبل عليه فنتغير معه أو نبقى أنفسنا وننهض هذه المرة أيضا؟

الفارق في موقع الناظر ووجهة النظر، لكن الزمن يدور والمجال يتأبد فيغيب


لا يجب أن نترك سياق المقارنة يجرنا بشكلية ألفاظه وصوره إلى أبعد من مؤداه. فتلك النهضة كانت متفائلة، أو بتعبير أدق، واثقة ووضعية، ونهضة اليوم قلقة تخجل من نفسها. كانت تلك تميز بحدة بالغة، أو مبالغة، داخلا وخارجا، ذاتا وآخرا، وتنظر إلى الأمام من ضمن زمن بياني، وأما هذه، فتجهد سعيا عن الذات فترتد حينا إلى الأصول وحينا إلى المبادئ، وتتواضع فتكتفي بالمقدمات، وتتردد في النظر إلى الأمس والغد على السواء. 

ماذا نقرأ في النهضتين وعلى ضوء ماذا: ما حصل، وفيه نفي لموقع الذات ولمقولة نهوضها، أو ما لم يكن يجب أن يحصل، وأي علاقة تتولد إذاك بين الذات والتاريخ؟ هل نستعيد الزمن دورانا لنكسب ثبات الذات والمجالات التي تتحدد فيها؟

ترابط المنطق وإحكامه يهدد دوما بأسر الخطاب واستتباعه


إن التضحية بمنطق التغير، من غد وأمس وخيارات متعددة متشابكة، تسمح للذات بأن تحافظ على المعالم المجالية التي تحددها: فنحن وهم، شرق وغرب، أصالة وحداثة، إسلام وكفر (وقد بات الغرب كافرا أكثر منه مسيحيا، كافرا أو صليبيا، كما يتلذذ البعض بنعته أحيانا). وفي هذه الفسحات المألوفة يترابط المنطق بإحكام شديد، هيأت له الخطابات المتواترة عدة وافرة، فيسترسل الكلام ناسجا على النول، والنول يأسر الخطابات في نسيجه.

أمس نراه مألوفا كأنه اليوم، فتنعدم المسافات


إذا سرحنا النظر في ما توفر لنا من مواد من القرن التاسع عشر، وخاصة من نصفه الثاني بعدما تشبع بتلاوين النهضة واستقرت مفرداته وتعابيره، نرى أسماء ومواقع ومواضيع ولاعبين كثرا فنعجب لقربهم جميعا منا، من يومنا ومن غدنا، بينما المواد المتوفرة من الفترة السابقة تبدو بعيدة جدا عنا وغريبة، أو تاريخية، حتى أننا نرى الزمن زمنين فنسأل عن انعدام التواصل في المسافة الزمنية.

مسرح النهضة مألوف


الأسماء باتت كما نعرفها أسما صغيرا وأسم عائلة، وزالت الكنية والنسب، والعائلات نعرفها حلة ونسبا، والصور تشبه صور الجد في المنزل، والزي مألوف كما زي الأوروبيين في الأفلام والصور، والمهن معتادة. والمواقع نعرفها مدنا وقرى، عامرها وخرابها، ونعرف طائفة كل شخصية وكل عائلة وكل قرية وكل حي، فلا نفاجأ بمواقع هذا ومواقف ذاك، ونسمع الكلام المباح فنقرأ الكلام المكتوم.

مواضيع النهضة مألوفة


يدور كلام النهضة حول مواضيع مألوفة: فهي في نواحيها المادية زخرت بإخبار الهجرة، هجرة الفقراء والتجار ورجال القلم، وحكمت إقتصادها مشاكل المديونية الخارجية وإفلاسات الدول (السلطنة في 1875 ومصر في 1880) ومشاريع البنى التحتية والإلتزام الإجنبي (ولم يكن يسمى بعد ب.و.ت)، وأما في نواحيها الفكرية فضجت بالمواعظ والعبر وركزت على أولوية التربية وكانت تجل العلوم وتسعى إلى اكتسابها وكانت تعرف أن الحركات (ولم تكن تسمى حوادث أو أحداثا) هي حروب الآخرين على أرضنا وتدعو أن يعفو الله عما مضى. فما أقرب هذا الأمس من اليوم.

وأما الحبكة فلها ظاهر وباطن: شرق وغرب من جهة وطوائف من جهة أخرى. صحيح أن السلطنة مرجع للجميع، وأن المشاعر القطرية غير ظاهرة، لكن ذلك لا يلغي الصفة الغالبة.

حدث أقرب من حدوثه في الواقع وأبعد منه في الأصل، فيضيع الحدث والزمن


المفارقة التي تواجهنا في النظر إلى آثار بلادنا ومعالم نتاجها في القرنين الماضيين أننا من ناحية نرى الأحداث قريبة بسبب تشابه الخطاب الذي يواكبها بخطاب اليوم (وهذا يشير إلى إعاقة الخطاب الحديث) وإنما نراها بعيدة جدا لأننا نمانع في تقبل تغير المعاني وانقطاعها عما سبقها أو عما تلاها (كي لا ينعكس ارتباك المجال المفهومي ارتباكا في سكون الذوات الجماعية وشرعيتها الأزلية). ويستحيل الخطاب معيارا للمسافة بدل الزمن التاريخي، فيغرق الحدث والزمن في مجال الخطاب والذات.

 

ألغاز وألفاظ، سكونية وحركية، ضوء وعتم


ولكن ماذا لو رفضنا التفسيرات السهلة ونفضنا عن الألفاظ غبار ما تجمع عليها من معان لاحقة وما ترسب فيها من معان بائدة؟ أين سورية من بلاد الشام، وما اتساع الرقعة المسماة لبنان بين السابع عشر والتاسع عشر، وفي أية مرحلة سقطت من الكلام الدارج تسمية أولاد العرب ودخلت بينها كلمة عروبة؟ ومن هم المقاطعجية ومن هن عاملات الكرخانات؟

وماذا لو توقفنا عند المواقع التي لا ترد أسماؤها إلا في الحقبات المتأخرة، وهي اليوم مراكز تجمعات بشرية كبيرة، أكانت قرى ساحلية أو بقاعية أو بعض مراكز الأقضية، وماذا عن تلك القرى التي يحمل كثيرون في أسماء أسرهم نسبة إليها ونكتشف أنها على حدود المعمورة السورية، والأسماء غير العربية، ما قصتها، أين حركة البشر وراء سكون المواقع الظاهر، وما كانت قوة ضغط المجموعات البشرية على مناطقها وعلى بعضها بعضا، سلما أو صداما؟
كما النور الخافت، النور الباهر يعيق الرؤية، واستسهال القراءة التأبيدية حاجز أمام المعرفة.

تغيرات المنظر، المجال المادي


يجب أن نطالع ما كتب الرحالة الأوروبيون عن بلادنا طوال القرن الماضي، فتكبر المسافة التي تفصل تلك الأيام عن اليوم، وتتقلص المسافة بين نظرتهم الخارجية آنذاك إليها ونظرتنا. فالبيت القروي كان كوخا لا قرميدة حمراء تتوجه ولا حجر مقصب يزينه، وقصر بيت الدين لا زجاج على نوافذه، والمنزل خال من الأثاث لا يدخله الخشب إلا وقودا أو جسورا للسقف، والمسافات طويلة والطرق مختلفة، والعربات مجهولة، والأوبئة هم دائم والأساطير مستحكمة في العقول.

 

العلاقة بالتاريخ والمجال


ضرورتها وصعوبتها


لا معرفة حقيقية بظاهرة إجتماعية أو فكرية أو سياسية مؤرخة إلا من خلال الإحاطة بالمعطيات المادية والفكرية التي حكمت الحقبة التي تقع فيها، فهي وحدها التي كان لها فيها التأثير والفعل. والتاريخ كما الزمن، وإنما بعكس الخطاب والمجال، محكوم بالتواصل، لا يعرف قطعا ولا ولادة ولا التفافا ولا استعادة. لكن دون المقاربة التاريخية عقبات هائلة، تتولد أساسا من انفلاج المسافة الخطابية حيال محطات تاريخية معينة بين أزلية الأصول وتماهي الإسقاطات المتأخرة.

مصادر المعرفة وأزمنة الدراسة


يعود للمؤرخين الأوروبيين الفضل الأول في إعادة ربطنا بتاريخ بلادنا المادي، وقد انكبوا على دراسة الوثائق المحلية والدولية وتألب حولهم عدد من المؤرخين اللبنانيين الشباب وازدادت المعرفة بالقرنين الماضيين خلال ربع القرن الأخير، بموازاة الحرب الأهلية، من ضمن نهضة تاريخية حقيقية.

 

وقائع التغير، ومداه


سيرة جبل لبنان


إنخرط جبل لبنان في الإقتصاد العالمي بمعزل عن انخراط بيروت فيه. وكان له أصلا تمايز معين عن معظم مناطق بلاد الشام لناحية اتساع الملكية الصغيرة فيه نسبيا وشبه غياب نظام التيمار ووليده نظام الملكانة. وكان معظم انتاجه الزراعي في بداية القرن التاسع عشر موجها لأغراض الإستهلاك الذاتي (حنطة فدقيق وخبز وبرغل، وزيتون فزيت وصابون، وعنب فزبيب وملبن ودبس وعرق وخل ورب، وقليل من لحم الضأن فقاورمة، وحليب ولبن وجبن وكشك، وحبوب وخضار)، والقرى تتبادل بين بعضها ومع عشائر الرعيان ما فاض عن هذه مقابل ما نقص تلك، إلى جانب حاجات محدودة من السلع وأدوات الإنتاج كان يؤمنها حرفيون أو تجار مستقرون في القصبات أو جوالون، ما زالت أسماء أسرهم تدل على مهنهم، من حداد وبيطار وحائك وسكاف ونجار، وكل قرية تضم عددا من المكارين. وكان بيع جزء يسير من الإنتاج الزراعي في القصبات وفي الأسواق الأسبوعية، إلى جانب شيء يسير من الإنتاج التجاري كالحرير والقطن يشتريه تجار المدن في المواسم، يؤمن المال لتغطية هذه المشتريات ولدفع الرسوم السلطانية. وشكلت الأرض الزراعية والمراعي أساس الثروة، لذا راحت الأسـر القروية، لا سيما المارونية، تتوسع جنوبا وشرقا بحثا عن أراض زراعية جديدة، ولعبت الأديرة دورا أساسيا مستقطبة هذا التوسع وموجهة له، وتعاون المقاطعجية الدروز مع هذا التوسع إيجابا، لا سيما بعد نكبة الحزب اليمني وهجرة أنصاره إلى جبل الدروز، وبعد انكسار الشيعة بعد مرحلة ظاهر العمر وناصيف النصار. ويشير توزع الأسر بين المناطق بوضوح كلي إلى هذا التوسع، وهو ليس بعيدا في الزمن إذ يعود في معظمه إلى القرن الثامن عشر وحتى بدايات القرن التاسع عشر، وهي مرحلة شهد فيها جبل لبنان إرتفاعا في عدد سكانه، خاصة الموارنة، ونهوضا إجتماعيا وبدايات لنهضة علمية أكيدة وإن متواضعة، دل عليها إنشاء المدارس والمطابع وتحسن الأداء اللغوي، فبرزت إلى جانب المقاطعجية والأديرة مجموعات المدبرين، وتشكل أسرهم حتى اليوم أقدم شرائح وجهاء الموارنة، إلى جانب بعض أسر المقاطعجية المارونية أو الدرزية أو المتنصرة.

وقد تحول جبل لبنان تدريجا إلى منطقة إنتاج وتصدير للحرير. فغطى شجر التوت ما يقارب نصف المساحة المزروعة فيه، وشكل الحرير ثلاثة أرباع إنتاجه وأمن أكثر من ثلث مداخيله. وإنما بنهاية القرن كانت تحويلات المهاجرين ومداخيل الإصطياف (ولم يكن يدعى سياحة بعد، وكان معظم الوافدين من مصر) تؤمن ثلثا ثانيا. وبينما كان الحرير اللبناني في منتصف القرن يصدر نصفه إلى مصر وخمسه إلى دمشق وخمسه إلى فرنسة، باتت فرنسة تستقطب أكثر من تسع أعشاره في نهاية القرن، وكان الإنتاج قد ازداد 270 ضعفا. وهكذا خلال نصف قرن طال جبل لبنان تحولان عميقان، حوله الأول إلى منطقة إنتاج مكثف شبيهة بدول شرق آسيا أو بمصر، شديدة الإرتباط بالسوق الأوروبية، بينما حوله الثاني إلى خزان هجرة، وقد تداخل التحولان طبعا، وإنما في النهاية طغى المنحى الثاني وما زال.

أوضاع المدن


وأما المدن، دمشق وطرابلس وصيدا (وهي مراكز الولايات، إلى جانب حلب، بينما كانت بيروت مجرد قرية كبيرة تابعة لصيدا)، فلم تتأثر بهذا التطور حتى نهاية الثلث الأول من القرن التاسع عشر. وكانت أوضاعها تتصل مباشرة بدورها كسوق للمناطق الزراعية المحيطة بها والواقعة ضمن نطاق سيطرتها وملكية وجهائها وبحياة الدولة العثمانية، من انتعاش أو تراجع لخطوط التجارة المتوسطية والداخلية، وتوسع أو تراجع مدى المعمورة حيال ضغط البدو، وتغلغل القناصل وتصادم الولاة، الأوفياء منهم للسلطان كالجزار، والمتمردين عليه كمحمد علي باشا، من ضمن أزمة عامة للدولة العثمانية. وتشير الدراسات بوضوح إلى التجدد المستمر لسكان المدن بنزوح من الأرياف للتعويض عن تفاوت نسب الوفيات وتعرض أهل المدن للأوبئة، مما يلغي أوهام أصول مدينية منفصلة عن الأصول الريفية.

وبدأ التشابك بين المسارين تدريجيا لما توافقت مصالح الدول الغربية على اختيار بيروت مرفأ أساسيا في بلاد الشام، لأسباب عديدة، منها طبيعي ومنها سياسي، بعد حملة إبراهيم باشا. وخلال عقدين من الزمن أنشئ الطريق المرصوف إلى دمشق (الكروسة)، وشيد المرفأ الحديث، وبنيت الجامعة الأمريكية، ونقلت الجامعة اليسوعية من جبل لبنان إلى بيروت لمواجهة خطرها. وتركز في بيروت عدد من تجار الحرير الفرنسيون ونسجوا إنطلاقا منها شبكة واسعة لشراء الشرانق ولإنتاج خيطان الحرير في قرى الجبل فتحولت تدريجيا أنماط الزراعة فيه لتتركز على تربية الدود، وأهملت زراعة الأراضي الفقيرة التي ما زالت آثار الجلال ظاهرة فيها بين العليق وتحت الأحراج، وأنشئت الكرخانات وتوسعت دائرة العلاقات النقدية على حساب الإقتصاد القروي القديم، ونمت شريحة الوسطاء المحليين الذين يسلفون الفلاحين ثمن البذور على حساب الموسم، مكونين قاعدة أولى لرأسمالية مالية في الجبل، وتغيرت بنية الملكية الزراعية فتقلصت ملكية المقاطعجية، دروزا ومسيحيين.

تحركات البشر


شهدت بيروت آثار خضتين كبيرتين، مستقلتي الأسباب في الظاهر، الصراع الدرزي الماروني في الجبل، المتمحور حول تبدد أسس العلاقات المقاطعجية القديمة والمتداخل مع الصراع الفرنسي البريطاني على الغـلبة السياسية والإقتصادية، والصراع الطائفي الذي خض دمشق على أثر الإصلاحات العثمانية التحديثية وبنتيجة تقهقر الحرف التقليدية أمام غزو البضائع الأوروبية.

وكان النصف الثاني من القرن حافلا بالحركات البشرية، نزوحا مفاجئا وانتقالا تدريجيا. فإلى جانب توافد أعداد من أبناء الولايات العثمانية التي كانت تخرج تباعا عن نطاق السلطنة باتجاه المشرق (مغاربة من الجزائر أو تونس أو بلقانيون كالبشناق والأرنؤوط وأهل كريت وأروام ومالطييون ويهود)، كان يحصل انتقال من مدن بلاد الشام ولا سيما دمشق إلى بيروت يقابله هجرة من جبل لبنان وبالأخص من قصباته ومن قراه الكبرى، التي كانت في السابق تدفع بفائض أبنائها نحو زراعة أراض في الداخل، باتجاه مصر من جهة وباتجاه أمريكة من جهة أخرى، مع تحويل قسري لأعداد منهم في محطة مرسيليا نحو مستعمرات فرنسة في إفريقية؛ وكان ترابط موجات الهجرة بأزمات تسويق الحرير اللبناني وثيقا ومباشرا. وساهمت الهجرة، من خلال إرسال المساعدات من المهاجرين ومن خلال عودة أعداد منهم، مساهمة أكيدة في ازدهار العمران في الريف بناء ووسائل نقل وزراعة وحرفا وفي رفع المستوى الإجتماعي لا سيما في مجال التعليم. وارتفعت أسعار الأراضي ومستويات الأجور فضيقت على أرباح تربية دود القز. وكان لنظام المتصرفية فضل في ترسيخ نوع جديد من علاقة الناس مع السلطة بحيث تكرس أن ولاية الحاكم تنتهي بانقضاء مدة محددة وأن آليات السلطة والإدارة المركزية والمحلية بدأت تترسخ في المجتمع وتترافق مع صعود فئات إجتماعية جديدة من خارج الأسر المقاطعجية. وكان للمؤسسات الدينية ولا سيما المارونية دور استقطابي أكيد ومتزايد لا سيما في مجالات التعليم وتوسع الملكية الزراعية والمرجعية المعنوية وما تستتبع من أسباب الإرتقاء الإجتماعي.

سيرة بيروت


وأما بيروت فشهدت تطورا مختلفا عما شهد جبل لبنان ومنفصلا عنه إلى حد بعيد، لأنه كان أكثر تركزا من الناحيتين الإجتماعية والمجالية ولأن السلطة والخارج كان لهما فيه دور أكبر وأكثر مباشرة. ويذكر الجميع دوما بدور الخارج من خلال عنوان الجامعتين الأمريكية واليسوعية، لكن ذلك التركيز يغفل مجالات عديدة أخرى منها إنشاء سكك الحديد وتحديث المرفأ وتأسيس الوكالات البحرية والتجارية والمؤسسات المصرفية والصحافية والطباعية وشركات التأمين وإقامة الفنادق والمستشفيات وفتح المحلات التجارية الفخمة. وهي كلها مؤسسات إستقطبت شبانا محليين تدربوا فيها واكتسبوا مهارات جديدة، وأصبحوا تدريجا مهيئين لممارستها على حسابهم، فشكلوا خميرة برجوازية مدينية بقيت سماتها العائلية ظاهرة حتى اليوم. ولم يكن من سبب ليأتي اختيار هؤلاء من أبناء الأسر المحلية، على قلتها في بيروت، التي كانت تتعاطى مهنا مشابهة ضمن المنظومة الإقتصادية العثمانية، لأن العمل المطلوب منهم كان أصلا عملا مساعدا للأجانب الذين أتوا متسلحين بنظمهم وشبكات علاقاتهم، وبالتالي لم يغر في الأصل أصحاب المهن المحليين. وكانت المعايير الغالبة في اختيارهم من لغة وحاجة وثقة يوحون بها للأجنبي متوفرة أكثر عند شبان متعلمين من أصول ريفية أو بشكل أخص عند شبان نازحين حديثا من مجتمعات مدينية؛ ومن هنا الغلبة العددية والنوعية لأبناء طوائف الروم الأرثوذكس والكاثوليك والأرمن وسائر الأقليات المسيحية الوافدين من الشام أو من حلب أو من اللاذقية أو من أنطاكية أو من الجزيرة، على المسلمين وعلى الموارنة أيضا في تكوين البرجوازية اللبنانية حتى أيامنا (ونلاحظ من هذه الزاوية تشابه تلك الفترة مع ظروف انخراط النخبة الفلسطينية المميز بعد نزوحهم في الشركات والمؤسسات الأنكلو-سكسونية في مختلف بلدان المشرق العربي)، وهنـا أيضا لعبت المؤسسات الطائفية دورا مكملا في تسهيل الإرتقاء الإجتماعي لعدد من إبناء طوائفها بسبب سياسة الدول الرامية إلى استقطاب هذه الطائفة أو تلك ودور القناصل في توجيه رعاياهم القادمين لتأسيس أعمالهم نحو مرجعيتها عند اختيار موظفين وتراجمة ووسطاء محليين.

كان للمبشرين الإنجيليين دورا مركزيا في تسريع تطور المجتمع وتستحق شخصية الدكتور فان دايك ودوره دراسة معمقة. وكان لهم دور أكيد في تعجيل ردة فعل اليسوعيين وسائر الإرساليات الكاثوليكية وحتى البطريركية المارونية في مجالات التعليم والطباعة والنشر والإنتاج اللغوي وغيرها، خاصة في بيروت، واستدعى نشاطهم تحسين أداء الإرساليات فاستقدم اليسوعيون بدلا عن الرهبانيات الإيطالية وغيرها تحسينا للأداء، وحلت اللغة الفرنسية محل الإيطالية كلغة أجنبية أولى.

وكان أيضا لمصر دور أكيد في دعم النهضة الأهلية التي شهدتها بيروت، ليس حصرا لأنها أمنت الملجأ للمهاجرين الشوام بمن ضموا من كتاب وصحافيين، وإنما أيضا لأنها وفرت للمؤسسات الصحافية وللمطابع جزءا عزيزا من رؤوس أموالها ومن أسواقها، لما كانت تشكله من عمق بشري ومن وزن إقتصادي ولكونها أصبحت بعد 1880 أقرب نقطة اتصال بالفرنسيين وخاصة بالإنكليز.

وما زلنا بحاجة لدراسات دقيقة وموثقة للآليات الإقتصادية التي رافقت وساندت مرحلة النهضة في بيروت في الثلثين الأخيرين للقرن الماضي. ويذكر سليمان البستاني في أحد مقالاته في نهاية الثمانينات أن بيروت تحولت خلال أربعين سنة من قرية متواضعة إلى مركز الخدمات الإقتصادية والمالية والمهنية لبلاد الشام. ونعرف من ناحية أخرى أن خليل الخوري أطلق اكتتابا لدى الجمهور وروج بالدعاية لاشتراكات قبل إطلاق مشروعه الصحافي.

أحد العوامل التي ساهمت دون شك في ليونة بيروت وسهولة تقبلها لدورها الجديد أن مجالها البشري الأصلي كان محدودا فلم يشكل موقع ممانعة تجاه التطور المتسارع وكانت إلى حد بعيد مدينة جديدة، معظم سكانها وافدون جدد إليها، متحررين من القيود والضغوط التقليدية. ففي 1882 كانت مدارسها تضم ثلاثة عشر ألف تلميذ مقابل سبعة آلاف في دمشق (التي تضم ضعف عدد سكانها) وألفين وخمسمئة في حلب (التي تضم عددا موازيا) وكانت الفتيات يشكلن أكثر من أربعين في المئة من التلاميذ بينما لا تزيد نسبتهن عن الربع في دمشق أو حلب.

بفضل تضافر مجموعة من الظروف الخارجية والداخلية إستثنائية، كانت "النهضة" في بيروت، ونشأت بيروت أصلا كتجسيد للنهضة التي حلت فيها، نتاجا إجتماعيا وليس نتاجا سلطويا مع ما عنى هذا الفارق من غنى ومن مخاطر في الآن ذاته.

طور الحكم العثماني: دور تحديثي مغيب وحداثة ضاع عنوانها


ما يغفله الكثيرون أيضا الدور التحديثي الكبير للدولة العثمانية في آخر أيامها تحت رعاية ولاة عميقي الإدراك وواسعي الصلاحيات وغربيي الثقافة تعاقبوا على ولاية بيروت المستحدثة وإنما الواسعة الأرجاء، إذ كانت تشمل معظم الساحل الشرقي للمتوسط، والبالغة الأهمية للدولة العثمانية بعد فقدانها مصر ومعظم بلاد البلقان. وبقي أثرهم ظاهرا في مجال العمران، من إزالة الأسوار وبناء السرايات والمستشفى العسكري ومدرسة الصنائع وإنشاء حديقة الصنائع وسوق الهال وميدان سباق الخيل وقصر الكازينو المقابل له وتخطيط الجادات حول ساحة النجمة.

لكن أثرهم كأن أهم وأبعد فعلا في مجالي الإدارة والسياسة. إنخرط أبناء الولاية ومعهم مثقفو جبل لبنان، إنما دون جمهوره، في حياة الدولة العثمانية السياسية، أحزابها ومجالسها وتياراتها الفكرية، من تحديثية ولا مركزية وإصلاحية إسلامية وقومية وأصولية، وبقي السواد الأعظم من الأهالي والنخب على اختلاف طوائفهم محافظين على ولائهم للدولة حتى آخر لحظة، وقد وفرت الأسر البيروتية والصيداوية والطرابلسية جزءا غير يسير من كوادر الإدارة المدنية والدينية للولاية، حتى طغت نزعة التتريك في سنواتها الأخيرة فغذت الشعور القومي العربي. واستمرت شريحة من التجار في جني الأموال من خطوط التجارة التقليدية المرتبطة بالتموين الداخلي للمدن أو للجيش: حنطة حوران ومواشي البادية وزيت الكورة والسمن الحموي وتمور العراق...

طور الإنتداب: دور بنائي مكتوم 


أتى الإنتداب الفرنسي غريبا عن الأجواء والتوجهات والنقاشات السياسية السائدة في المدن بينما التقى مع تطلعات النخب الجديدة في مجتمع جبل لبنان المقيم والنازح إلى بيروت وإلى مصر وإلى فرنسة طبعا. فانعكس ذلك بوضوح على تركيب الطاقم السياسي والإداري الجديد الذي أتى وريثا لنخب الجبل ومطعما بوجوه جديدة تربت على المؤسسات الأجنبية في بيروت ومصر وفرنسة ومقيما لتحالفات مع بقايا الإقطاع التقليدي في الأطراف المستلحقة، وغابت عنه الوجوه السياسية التي برزت ضمن أطر الدولة العثمانية، الموالي منها والمحدث والإصلاحي. ولم تتوسع دائرة هذه النخب إلا رويدا، من الحقبة الإستقلالية إلى الفترة الشهابية وإلى الحرب الأهلية.

ولكن، وبرغم ذلك، كان للإنتداب فضل أكيد في ترسيخ أطر دولة حديثة على الصعد الإدارية والقانونية والمادية والإقتصادية والسياسية. وما زال الكثير من إنجازاته قائما حتى اليوم، مع بعض التحسين هنا وكثير من التشويه هناك. وكان للإنتداب فضل أكيد إيضا في إرساء قواعد سلطة ودولة حديثة وإن شكل في أساسه انتقاصا من مشاعر السكان القومية وشابت أداءه رعونة جزء غير قليل من الطاقم الفرنسي المحلي. وأتت فترة الحرب العالمية الثانية، فازدادت بيروت والمنطقة بأسرها غنى، إن من خلال تجارها الذين حققوا أرباحا مضاعفة على مخزونهم من البضائع أو من خلال صناعييها الذين تحرروا لفترة طالت إلى ما بعد الحرب من منافسة البضائع الأوروبية، والفرنسية خصوصا، واستفادوا من الطلب المضاعف بحلول الجيوش الحليفة، أو حتى من خلال مزارعيها إذ انتعشت سوق القز والحرير لتلبية الطلب لصنع المظلات. وأتى إقفال مرفأ حيفا كنافذة للمنطقة بعد إعلان دولة إسرائيل لمصلحة بيروت، وكانت منافسته لمرفئها تشتد خلال الثلاثينات، واستفاد أيضا المستوردون ووكلاء الفبارك اللبنانيون من زوال منافسة أندادهم اليهود والفلسطينيين.

 

إعادة صياغة المجال


موقع بيروت قطبا ناظما للمشرق العربي ونهاية طموحها ولادة لبنان


خلال أقل من قرن كانت بيروت قد تبوأت موقعا ممتازا في لبنان وسورية وباتت القطب الرئيسي لمجالها الواسع (ما عدا حلب التي احتفظت طويلا بمجالها الخاص في شمال سورية وشمال شرقها، أقله حتى سلخ لواء اسكندرونة)، متقدمة على دمشق في الوظائف الأكثر حداثة والأسرع تطورا. وكانت علاقتها بمجالها تأخذ أشكالا تراتبية:

وتتدرج مراتب الإستقطاب حسب مواقع الوظائف ذات السمات المركزية: من سلطة سياسية (وكان مقر المفوض السامي الفعلي في بيروت) وسلطة عسكرية (وما زالت كنات الجيش الفرنسي المحيطة ببيروت شاهدة على ذلك التمركز، منها ما تحول ثكنات للجيش اللبناني ومنها ما تحول مدارس ومبان إدارية مختلفة) وقرار مالي (من خلال بنك الأصدار: مصرف سورية ولبنان، والمصارف الكبرى الأخرى) ومراكز تعليم وصحة (أنشئ أوتيل ديو عام 1922). ويسهل امتداد أثرها الإستقطابي شكل شبكات النقل وتمركز حلقاتها الأم من مرافئ (وكان مرفأ بيروت المرفأ الرئيسي إن لم يكن الأوحد) ومطارات (وكان مطار بئر حسن أكثر نشاطا من مطار المزة) وطرق (طريق الساحل المؤدي جنوبا إلى فلسطين ومصر وشمالا إلى طرابلس وتركيا وطريق بيروت دمشق) والسكك الحديد (وشبكتها مماثلة لشبكة الطرق مع تفرع رياق حمص حماه حلب، في حين فقد خط الحجاز من أهميته السابقة). وقد أدى هذا الواقع وانفتاح الحدود إلى تسهيل انتقال البشر عامة والنخب خاصة نحو المركز، أو على الأقل ارتباطهما به.

تشير وتائر نمو السكان بوضوح إلى أن بيروت كانت تتحول يوما بعد يوم إلى عاصمة بلاد الشام كلها. فخلال نصف قرن إرتفع عدد سكانها من عشرين ألفا إلى مئة وعشرين ألفا، في حين ازداد سكان دمشق من مئة ألف إلى مئة وثمانين وازداد سكان حلب من ثمانين ألفا إلى مئة وعشرين ألفا، بينما القدس لم تتعد بضع عشرة آلاف. ولا غرابة إن قلنا أنه لو استمرت الدولة العثمانية نصف قرن إضافيا (دون تقسيم الدول الناجم عن الإنتداب ودون الحركة الصهيونية) لكانت بيروت أصبحت القطب الرئيسي وتحولت كل من دمشق وحلب والقدس وطرابلس وحيفا إلى مراكز مكملة لها. وكان هذا المنحى ظاهرا منذ الثامن عشر حيث بدأ مركز ثقل بلاد الشام البشري والإقتصادي ينتقل تدريجا من الشمال الشرقي (حول حماه) إلى الجنوب الغربي (في جبل لبنان).

مجال بيروت الداخلي 


كانت مدينة بيروت بحد ذاتها مؤهلة للتوسع بحكم موقعها الطبيعي (مرفأها المحمي من النو واتساع الرمول جنوبها لاستيعاب المطار والثكن العسكرية ووفرة المياه وقرب مقالع الحجر الرملي) وبحكم تركيبها الإجتماعي المنفتح على الغرب وضعف ممانعة مجتمعها التقليدي الضيق من حرفيين وتجار الأسواق التقليدية. وفي مطلع العشرينات ركز الفرنسيون في بيروت وفي ضواحيها القريبة اللاجئين الأرمن النازحين من كيليكيا، بعدما تنازلت فرنسة عن وصايتها عليها، والنازحين السريان القادمين من منطقة أورفا. وأقاموا في وسط المدينة حيث كان الوالي قد أزال الأسواق القديمة معرضا لمنتوجات بلادهم، وشرعوا في تنفيذ مخطط الشوارع المنطلقة من ساحة النجمة. ومع حلول الثلاثينات بدأ وضع المخططات التوجيهية للمدينة ككل، وكانت بيروت ما زالت بعيدة عن ملء مساحة الساحل التي تشكل مداها الطبيعي، وكانت التجمعات المحيطة بها والمنتشرة على طول مناطق السقي (الشويفات، الحدث، الشياح، فرن الشباك، سن الفيل، الجديدة وأنطلياس) محافظة على طابعها شبه القروي، وإن بدأت النشاطات التجارية تتطور فيها مستفيدة من مرور طريقي صيدا وطرابلس، وانتشرت زراعة الحمضيات والخضار محل قصب السكر فزادت من قيمة الأراضي. وأنشئ التياترو الكبير ودور عديدة للسينما ونواد للعب الورق وازدهر سباق الخيل مستقطبا وجهاء المدينة وشيدت عدة فنادق، لا سيما السان جورج، وبدأت المسابح تنتشر على طول الساحل الرملي الجنوبي. وأما المناطق السكنية فكانت تتمدد تدريجا حول المدينة القديمة، بوتيرة سريعة على طول الشوارع الشعاعية التي سلكتها خطوط الترامواي، وبوتيرة أبطأ فيما بينها، تاركة المجال لتشييد دور للأغنياء محاطة بحدائق، ولإقامة منشآت تعليمية (جنينة اليسوعية وأوتيل ديو) أو صناعية (معمل السيوفي)، بينما بدأت المناطق المشجرة بالصنوبر تستقطب بعض الفيلات (آخر الخط في فرن الشباك وسن الفيل). ورصفت الشوارع الرئيسية بالبازلت المستقدم من حوران بالقطار.

محور طريق الشام النموذجي 


شكل محور طريق الشام شريان بيروت الحيوي وقد أحدث إنشاء طريق الكروسة وبشكل أخص سكة الحديد تغيرا عميقا على طول المحور، جعله يتمايز عن سائر مناطق لبنان وسورية، وبقي الفارق ظاهرا حتى الستينات. فكل محطة من محطات السكة ولدت مدينة: من عاليه التي سرعان ما أصبحت كبرى تجمعات الغرب، وأنشئت فيها الفنادق والمقاهي والفيلات وفروع صيفية لمحلات سوق الطويلة، إلى بحمدون التي ولدت لها قرية توأم، هي بحمدون المحطة راحت تضاهي عاليه، إلى عين صوفر التي كانت تستقطب أثرياء مصر من مصريين ولبنانيي الأصل وعددا من أثرياء دمشق، ويغلب على بنيانها طابع الفيلات والقصور حول فندقها الكبير، وشتورة المرتبطة بزحلة، وبلودان التي كانت تنافس صوفر، والزبداني الأقل تألقا. ومن خلال هذا الريف المدجن نشأت لدى البيروتيين صورة مستحدثة ومصطنعة للقرية سرعان ما انتشرت وتعممت حتى طغت في الوجدان العام على الريف التقليدي.

طبعا حافظت دمشق على موقعها المميز كمركز بلاد الشام، فبعد إلغاء الدويلات التي أنشأها الفرنسيون في جبل الدروز وفي جبل العلويين، استعادت دمشق دور العاصمة إلى جانب محافظتها على استقطابها لمحيطها الطبيعي المباشر وإن "مسلوخة" منه مناطق في البقاع ألحقت إداريا بلبنان الكبير ومناطق أخرى جنوب حوران حول الكرك وقعت تحت الإنتداب البريطاني ضمن إمارة شرق الأردن. وبالمقابل استمرت دمشق مستقطبة لمدينتي حمص وحماه بينما بقيت حلب محافظة على موقعها كقطب مواز وبقي التنافس بينهما قائما وذا ترجمة سياسية محسوسة حتى الستينات.

المراكز الثانوية محطات


وبفضل إحكام الجهاز الإداري (محاكم، مصارف، شرطة، الخ) الذي كان قد بدء به في أواخر أيام العثمانيين، راحت مراكز المحافظات والأقضية المختارة بحسب شبكة المواصلات الحديثة تحتل دورا وظيفيا وسيطا محددا، مما غير في مواقع القرى التقليدي، مفقدا بعضها دورها السابق ومداها الإستقطابي كمراكز حرفية أو إقطاعية أو تجارية أو زراعية لمصلحة المراكز الجديدة (جونية مقابل غزير والزوق مثلا أو البترون مقابل تنورين ودوما وغيرها وتراجعت بالتالي مواقع مدن أمثال مشغرة ومرجعيون وتراجعت الصلات التقليدية بين القرى الجردية في المتن وكسروان وجبيل والجبة مع البقاع). 
وبحكم استقطاب بيروت أصبحت زحلة، بالتزاوج مع شتورة،مركزا للبقاع، ولم تعد بعلبك نقطة الربط بين دمشق عبر وادي بردى وحمص عبر رأس بعلبك والقاع، وإن كانت سكة الحديد قد سلكت ممر سرغايا أو أن فلول الجيش العثماني المهزوم إنسحبت من دمشق سالكة هذا الطريق، بل أصبحت بعلبك جزيرة حائدة، يتساءل السواح لماذا اختيرت لإقامة المعابد فيها. واندثرت معالم طريق دمشق صيدا عبر مشغرة وجزين، وتكونت لدى الجنوبيين ذاكرة مستجدة حول ارتباط مناطقهم بالجليل، بينما قطب جبل عامل والجليل كان صيدا. وتكرست الطريق الساحلية شريانا حيويا فتكرس تقسيم الأقضية عرضيا مع مراكز على طوله. وتلاشت العلاقة بين حمص وطرابلس واستقلت حلب محتارة بين مرفأيها في اسكندرون واللاذقية، ولم يعد لها علاقة بطرابلس، فتراجعت حماه لمصلحة حمص التي ازداد دورها بإقامة المنشآت النفطية على طول أنبوب النفط العراقي.
وبالمقابل كان الجهاز الإداري في القطاعين العام والخاص كثير التنقل بين المناطق بسبب سهولة تأمين المسكن وندرة العاملين الأكفاء وضرورة تدرجهم في مراتب ومواقع مختلفة، وقد تغير هذا الواقع بدءا من الخمسينات، ولم يبق أثره محسوسا إلا في السلك العسكري.

أرياف قديمة وجديدة


وشهدت المناطق الريفية، خاصة في لبنان، تغيرات عميقة. فزالت الزراعات التقليدية الموجهة للإستهلاك المباشر بشكل شبه كامل، بينما حلت محلها تدريجيا زراعة الأشجار المثمرة بشتول مؤصلة مستوردة، وتلاشت تربية دود القز والنشاطات المتصلة بها، مما جعل حركة الهجرة تستمر، بعضها نحو بيروت والمدن، وأكثرها نحو الخارج. واتسعت دائرة التجارة في القرى ودخلت السيارات في الإستعمال وتحول بعض الشبان، من مكارين وغيرهم، في كل قرية، سائقي سيارات أجرة، يعملون على الخط، ناقلين أبناء القرى وأمتعتهم ومؤمّنين لهم حاجاتهم المختلفة في المدينة. وبدأت الكهرباء تنتشر تدريجا وأسست شركات محلية عدة لإنتاجها وتوزيعها، فغيرت أنماط الحياة، ودخل البراد والراديو المنازل. ومدت شبكات مياه الشفة في قرى الإصطياف وفي القرى الكبرى وحولها. وفي المقابل تم استصلاح مساحات واسعة من السهول الزراعية إن بتجفيفها كسهل اليمونة الصغير وسهل الغاب الواسع، ومناطق في البقاع الأوسط وعكار أو بجر المياه إليها كسهل صور من مياه رأس العين أو بحفر الآبار كما في الجزيرة. وتطور عدد من الأقطاب الصناعية منها منطقة شكا حول مصانع الترابة والبداوي وبانياس حيث مصبا نفط العراق مع مصفاة طرابلس، ومصانع التبغ في بكفيا، ولكن التركز الأساسي بقي في بيروت وضواحيها الشرقية وفي حلب حيث تطورت الصناعات النسيجية، لا سيما مع التوسع الكبير في زراعة القطن في شمال سورية. وقد أولى الإنتداب أهمية خاصة لعلاقاته مع العشائر البدوية، فتقرب من بعضها ومد زعمائها بالسلاح وشجع تثبيت بعضها الآخر.

قطبا البدو والساحل


تتبع تحركات البشر موجات زمنية طويلة. آخرها يمتد من أواسط القرن السابع عشر ألى بداية القرن العشرين. وقد تميزت هه الفترة الطويلة بتراجع المنطقة المعمورة في الشرق حول حلب والمعرة وفي حوران مولدة نزوحا مستمرا للسكان ومحولة الطرق التقليدية بين حماه وحمص نحو الغرب (أريحا وإدلب بدلا عن المعرة وسراقب)، وقد ترافق هذا الإتجاه مع تلاشي خط التجارة التقليدي بين حلب والفرات فالعراق، بينما حافظت دمشق على موقع مميز كمنطلق لطريق الحج برغم تعرض قوافل الحج طوال الفترة لهجمات متكررة. وتميزت الحقبة أيضا بقدرة ستقطاب مناطق الجبال الساحلية عموما، وجبل لبنان خصوصا. وما زالت حتى اليوم طبائع البداوة غالبة على كثير من الأرياف الشرقية وعلى نواح مختلفة من فلسطين (قبل الإستيطان الصهيوني طبعا) في حين تشير أصول الأسر في لبنان وفي المدن السورية إلى أصول السكان الداخلية. كأن قطبين أولهما بدوي دافع وثانيهما جبلي ساحلي جاذب تضافرا لتغيير معالم بلاد الشام البشرية، والظاهرتان عائدتان إلى حد بعيد لأزمة السلطة الداخلية في الدولة العثمانية، وهما سابقتان للتأثير الأوروبي.

 

خصوصية الفترة وعموميتها


خصوصيتها داخليا


لم تكن فترة النهضة عادية على الصعيد الداخلي للدولة العثمانية، فقد توافقت بدايتها أولا مع تأزم عام لنظام السلطة العثماني طال جسم الإنكشارية ونظام التيمار وشجع توارث الإقطاع مما أضعف القوى العسكرية في الخارج وفي الداخل وشجع غزوات البدو وجعل رقعة المعمورة تتراجع غربا وهدد طريق الحج وأدخل تغييرات على نظم الملكية العقارية وأنماط الإستثمار الزراعي، وتوافقت ثانيا مع نهاية مرحلة التوسع الإستيطاني الداخلي وبلوغها حد الكثافة القصوى المتاحة من ضمن الوسائل التقنية المتوفرة في المناطق الجبلية الغربية، ومنها جبل لبنان، التي استقطبت نزوحا بشريا من الداخل وتأثرت بناها الإجتماعية بنزعة الولاة والمقاطعجية المحليين للإستئثار بمواقع إقتطاعية ثابتة.

إذا قارنا توزع السكان في بلاد الشام منذ مئة وخمسين عاما واليوم، يتبين لنا (مع التذكير بعدم دقة الأرقام) أن عدد السكان (دون اليهود الإسرائيليين) تضاعف خمسة عشر مرة، بين مليون وثمانمئة ألف وسبعة وعشرين مليونا، بينما لم يرتفع عدد سكان المناطق الداخلة اليوم في نطاق لبنان إلا عشر مرات، من أربعمئة ألف إلى أربعة ملايين، فتراجعت نسبتهم من 22% إلى 15% تقريبا. لكنها بقيت أكثر مناطق بلاد الشام كثافة.

وطبعا لم تكن هذه التغيرات البشرية والإقتصادية محايدة لناحية الإنتماء الملي للمجموعات المتحركة توسعا أو انكماشا، فازداد الطابع المديني للمسيحيين بشكل ملحوظ.

وعموميتها عالميا


بالمقابل، كان العالم يعيش الثورة الصناعية والتوسع الإمبريالي، وبلادنا منه. فأوروبة تغرق العالم ببضائعها ولا سيما النسيج، وبواخرها تجوب البحار فتقلب المسافات وتلغي طرق التجارة الدولية، وقدرتها العسكرية تكتسح الساحات، ونمط إستهلاكها يتعمم على النخب، ووسطاء تجارتها يتحكمون بالتجارة، وذهب العالم وفضته ينصبان في خزائنها بينما ينضبان في أرجاء العالم مولدين أزمات حادة. 

كل هذا طال بلادنا طبعا خلال العصر المسمى عصر النهضة، لكنه لم يفعل فعله على جثة هامدة، بل دخل على كيان متحرك وفق آلياته الداخلية وفي لحظة تأزم هذه الآليات، ولم يكن التعامل الخطابي معه ونمط وعيه متولدين من دخول الغرب بل بقيا محكومين بخارطة المفاهيم الخاصة بالثقافة القديمة. هذا إطار النهضة ومن هنا التباسه عند الولادة وفي الذاكرة، وإنما بعد إتمام الإنقلاب. 

 

تعدد وجهات التعاطي بالمجال التاريخي وصخب الكلام
تفسيرات فائضة ولكن أين السؤال؟


أمام التغيرات الهائلة التي عصفت بالبلاد خلال القرنين الماضيين جهد الناس لفهمها وتفسيرها والتعاطي مع مجرياتها. وكانت المواقع والمواقف متعددة ومرتبكة ولم تزل.

سير عديدة ترسم المجال وتفعل فيه


لم تكن السلطة العثمانية غافلة عما يصيبها. لا بل أن وعيها يشبه النبوءات أحيانا، كقول علي باشا وزير الخارجية لسفيره في باريس عام 1862، معلقا على توحيد إيطالية على أسس قومية والصعوبات التي رافقته: "تصور ماذا يمكن أن يحل في تركية إذا أطلق العنان للطموحات القومية… سوف ينقضي قرن وتسيل أنهر من الدم قبل أن يتركز وضع له شيء من الثبات".

قامت الدولة العثمانية بمساع جدية لمواكبة التطورات، نذكر منها طبعا الخط الشريف في غولخانه والتنظيمات في أواسط القرن، ولكن من المفيد أن نتابع إعادة رسم الخارطة الإدارية لبلاد الشام. في الأصل قسم العثمانيون البلاد إلى ولايتي حلب ودمشق، وفي القرن السابع عشر أنشأوا بينهما ولاية طرابلس التي كانت تشمل حمص وحماة وتصل على الساحل إلى المعاملتين. في 1660 إقتطعت من ولاية دمشق ولاية صيدا الساحلية وإنما بقي ارتباطها بدمشق وثيقا، وفي أيام الجزار انتقل مركز ولاية صيدا منها إلى عكا. وفي عام 1867 ألحقت ولاية صيدا بدمشق مجددا من ضمن الإتجاه المركزي العام في السلطنة. وفي 1889 ألغيت نهائيا ولايتا صيدا وطرابلس وأنشئت ولاية بيروت التي غطت كامل المنطقة الساحلية (وفيها متصرفية جبل لبنان المحكومة وفق نظامها الخاص، وسنجق القدس).

تغير من الداخل أو من الخارج


كان الفكر السائد في الدولة العثمانية منذ مطلع التاسع عشر وانكسار الجيوش العثمانية في البلقان يدور حول ضرورة تحديث الداخل لمواجهة الخارج. وبدأ العمل في المجال العسكري أولا وتمدد إلى المجال الإداري. وقد سرع الصدام مع محمد علي هذا التوجه ولم يولده، لأن محمد علي كان أصلا من أبناء المدرسة العثمانية الجديدة.

وراحت سلسلتا التغييرات الداخلية والخارجية تتلاحق وتتسابق وتتلاقى وتتعارض. وأثرت إزدواجيتها عميقا في فكر النهضة وتساؤلاته. وكان لكل منهما دور غالب في هذه الأحداث أو تلك، وتمييز موقع الغلبة مهم على دقته، لأن الإلتباس راح متزايدا. وقراءة خطاب الوجهاء في مطلع القرن شيق في ازدواجيته، ما يحاكي الداخل منه وما يحاكي الغرب. وفي الحالتين كان المثقفون والسياسيون والوجهاء يتحركون في مقابل مرآة تعكس عنهم صورة مختلفة وموقعا مختلفا. وقد استعاروا من الغرب كامل ترسانة القوميات القديمة، من فينيقية وفرعونية، فتعاملوا معه على أساسها. بينما استعاروا من الداخل ترسانة العروبة. ونشأت عند تقاطع النظرتين والمرآتين فكرة سورية على يد الأب لامنس، فكان لها أثر عميق في إعادة رسم الخارطة الفكرية أولا والسياسية لاحقا. لكن الخطابات المختلفة تداخلت وانشبكت وهي لم تنتظم حتى اليوم.

تمفصل الداخل والخارج 


إن ارتبكت خارطة المفاهيم في مجالاتها المجردة، تبقى التيارات الشعبية خير دليل إلى تطور الوعي العام. هل كان الأمير بشير يتصرف كقائد إستقلالي لبناني كما ردد كثيرا أم كزعيم عثماني استغل تقلب موازين القوى من حوله حسب عادات السياسة العثمانية المحلية؟ والنهضويون المترددون على باريس وعند الإنكليز في مصر أكانوا عملاء أم إصلاحيين؟ أية مفاهيم كانت تحركهم وأية مفاهيم ربطت بتحركاتهم فئات من الشعب وأية فئات؟ أسئلة إضافية.

إنما الجامع أن أشكالا من القيادات بدأت تتأسس في تلك الحقبة ما زلنا نرى حتى اليوم فعلها وممارستها. منها صورة الملاك الريفي والوجيه التي أمنت لمجالسنا المنتخبة نوابا كثرا. ومنها صورة البطل الملتبس التي جسدها يوسف بك كرم. ولكن لعل أكثرها ثباتا وأبلغها دلالة صورة الزعيم المفصلي الذي تتركز زعامته في طائفة معينة أو في منطقة معينة من مناطق الطائفة ويبني موقعه على محاكاة هذه القاعدة وينطلق منها لمخاطبة الدولة والزعامات الأخرى فيأتي عمله تجاهها معتدلا ومسؤولا ومتوازنا، فيقبل جمهوراه بدوره المفصلي ويقران له بشرعيتين: شرعية التمثيل الطائفي من الداخل وشرعية المسؤولية السياسية من الخارج، ويقران له بإزدواجية موقعه. ومنها صورة المثقف المنعزل عن أية قاعدة شعبية والمتحالف مع مرجعيات (وفقا للتسمية الحديثة التي لا تخلو من البلاغة)، سواء محلية أو أجنبية.

لا يستطيع الناظر إلى محفوظات الدولة العثمانية والدول الغربية التي باتت تفتح تباعا للدارسين إلا أن يتوقف عند لعبة مستمرة ومعقدة بين ساسة تلك الدول وقناصلها وسفرائها من جهة وبين شخصيات ومثقفين وزعماء من بلادنا من جهة أخرى. وبقدر ما يرى تقابل منطقين مختلفين يحار في معرفة من كان يستدرج من إلى منطقه ومن يستقوي بمن لخدمة ما يتصوره مصالحه. وما أظن أن الأمور قد تغيرت كثيرا.

 

 

خارطة ومسارات


الأفكار الوطنيـة والقومية والدينية، مدلولها وتشكلها


تشـكلت الخارطة الفكرية والسياسية في لبنان (والمنطقة عموما) حول عدد محدود من المحاور والمراجع، تكونت بنهايات القرن الماضي، في مرحلة انهيار المنظومة الفكرية المرتكزة إلى الدولة الإسلامية بشكلها العثماني بمواجهة هجوم الغرب الإمبريالي المادي والسياسي والفكري، ومـا زالت قائمة حتى اليوم. ولعل تصادم الإمبريالية الغربية مع الحضـارات السابقة له كان الأشد في هذه المنطقة والأكثر تعقيدا بين مناطق الدنيا كلها، ما عدا روسيا الأرثوذكسية ربما. لأن هذه المنطقة هي في الـوقت ذاته شديدة القرب جغرافيا وفكريا من أوروبة وشديدة الممانعة لها، لأن تاريخها وتاريخ أوروبة متشابكان من الأصل ويحكمهما صراع متأصل، كانت الغلبة فيه سجالا بينهما حتى مطلع القرن الماضي. من هنا أخذ هذا التصادم شكل أزمة كيان وهوية، وما زال، إن عـلى المستوى التصادم الخارجي العام أو على مستوى تردداته الثانوية الداخلية. بينما مضمونه الأصلي يدور حول السلطة والدولة. ومن هذه الإزدواجية تأتي كثير من المفارقات والإلتباسات التي لا يعيشها الياباني الذي لم تتضعضع مراجعه الحضارية أمام الغرب لالتباس بينهما ولا البرازيلي الذي لا يستشعر فوارق حضارية معه، ولا الإفريقي الذي لم يجد أصلا في حضارته أدوات الممانعة الثقافية حياله، بينما تراها تتحكم بفكر الإنسان العربي وتصرفاته الإجتماعية والسـياسية تحكما يكاد يكون كليا، إن لدى المتفرنج أو لدى المتزمت أو لدى الموفق بينهما، والمواقف الثلاثة نتاج للإلتباس المعاصر، لا هي أصيلة ولا دخيلة.

 

ظواهر لها دلالاتها


تجدر الإشارة وإن عرضا إلى ظاهرتين إجتماعيتين للدلالة عن أزمة الهوية التي تشهدها منطقتنا:
يجتاح لبنان في كل موسم من مواسم بطولة العالم لكرة القدم جو هستيري، فيتحمس المواطنون لعدد من فرق البلدان وينشرون أعلامها ويعيشون انتصاراتها وهزائمها بحدة وشغف بالغين. والملفت أن توزع اللبنانيين على البلدان التي "يحمسـونها" لا يمكن تفسيره بسهولة، فما عدا قلة تفسر ولاءها أو معارضتها مواقف سياسية أو طائفيـة (مع أو ضد إيران أو أمريكة أو الفرق العربية أو فرنسة)، نرى أن ولاءات الأكثرية تتوزع على عدد محدود من البلدان التـي تجمعها خاصتان معينتان: أن تكون حظوظ نجاحها الكروي مرتفعة، ألا تكون مرتبطة باللبنانيين برابط معرفة لغوي أو سياسي. وأبرز الدول من هذا المنظار البرازيل وألمانية، وبدرجة أقـل إيطالية. والواضح أنه، بينما كلا هذين البلدين بعيد كل البعد عن اهتمامات اللبناني الثقافية أو السياسـية، تولد قوته الكروية، ولبنان ضعيف حتى في كرة القدم، عند اللبناني لذة في التماهي معه، وإنما بشكلين مختلفين: فصـورة الألماني تناقض صورة اللبناني عن نفسه تناقضا كليا، بينما صورة البرازيلي تشبهها مع مبالغة كاريكاتورية. الألماني أشقر وجسيم ومنظم وفعال ومقاتل،.... بينما البرازيلي أشد سمرة منه، وأشطر تصرفا، وأشد فردية، وأبعد تحررا في علاقته بجسده.... في الحالتين يتصرف اللبناني باتجاه التماهي بشعب وهمي يشكل بديلا عن ذاته الخيالية التي يحتقرها، أكان هذا الوهم مناقضا أو شبيها لها.

والظاهرة الثانية تتناول تشكل الطوائف. من ضمن قراءة الطوائف كشكل إستبقائي يمكن لمجموعة ثقافية سياسية أن تتوصل إلى إقامته بعد هزيمة تاريخية تعرضت لها، نود إضافة أن بين التشكلات الطائفية عددا يمتاز بكون فكره الديني والفلسفي إنتقائيا وتوفيقيا بين فكرين أو أكثر متصادمين في منطقة وزمن معينين، بدل كونه تأبيدا (الأقباط) أو إعادة صياغة (الشيعة) لفكر رئيسي تعرض لهزيمة سياسية. ومن الأمثلة على ذلك: الدروز (توفيقا بين الفلسفة اليونانية والإسلام) والسيخ (توفيقا بين الهندوسية والإسلام). ما يلفت النظر أن هذه الطوائف المنفتحة فكريا تكون شديدة الإنغلاق عصبيا وشديدة الإنضباط والبأس في الحرب.

ورش عمل وبحث وقول


ويوجب هذا الواقع دراسة المحطات التي مرت بها المؤسسات الإجتماعية والثقافية المختلفة، من طوائف وإدارة وجمعيات وجيش ومحاكم وصنائع وفنون ولغة، من الداخل، للتأقلم مع الوقائع الجديدة وكيفية إنتاجها للنخب.

كما يوجب تمييز الظاهر الكياني عن الباطن السياسي للمواقف والمفاصل لا لإغفال أحدهما وإنما لفهم مضمون علاقتهما. ولا عجب أن تكون الأشكال الطاغية تلك الأقرب منالا بين المعهود في الذاكرة الثقافية السابقة، من دينية وطائفية وإقليمية وعشائرية، بينما المضـامين الغالبة كانت تمليها، ما عدا التشوهات، ميادين الصراع السياسي، من صياغة الدولة والمقدرة الإقتصادية ومواقع الغلبة ضمن الدول وبينها.

من ضمن هذه التشكيلة غير المستقرة، تأتي قراءة جديدة لعناوين تبدو مستهلكة كالوطنية والقومية والديـن والعقل والشرق والغرب والأصالة والحداثة وإسرائيل.

 

مراجع وقراءات ومعاجم


الأكثرية ومراجعها: حداثة وأصالة وتأطير


قضت "الإصلاحات" العثمانية في منتصف التاسع عشر، بعد "إصلاحات" والـي مصر المتمرد، على منطق الدولة الإسلامية بشكلها العثماني. وقد انطلقت كلتا العمليتين من المجال العسكري أولا وتمددت تدريجا إلى باقي حقول الحياة العامة. وكانتا ناجمتين عن تكرار الهزائم أمام الـعسكر الأوروبي منذ منتصف القرن الثامن عشر (صلح كجك كينرجي في البلقان وإنزال بونابرط في مصر) وقد انطلقتا مفروضتين من السـلطة على المجتمع المدني إنقاذا للدولة، ووجدتـا دعمهما الأقوى لدى مجموعات داخل الدولة لا بل استقطبت أجانب توطنوا البلاد (أرمن ومسيحيون ويهود وإيطاليون وفرنسيون). وساهم ذلك مباشرة في توليد النزاعات الطائفية التي لم تنته حتى اليوم، ولم تتورع الدول الغربية عن تأجيج هذه النزاعات لمنع قيام قوة متجددة (أكانت عثمانية في الأول أو عربية فيما بعد) في مواجهتها ولتأمين لسـيطرتها، وأتت إسرائيل فاستمرت على النهج نفسه. ولما عمد السلطـان عبد الحميد إلى الإرتداد على الإصلاحات، كان الأوان قد فات، فما نجح إلا بتقريب أجل السلطنة، وبتعجيل تركز الفكر القومي التركي بصيغته المتغربة والعسكرية، فكانت الهزيمة في الحرب العالمية، غير أن مصطفى كمال استطاع استقطاب الشعور القومي التركي وتوجيهه صوب أوروبة، فتم التطهير العرقي (أرمن، يونان، عرب، أكراد) ونشأت الدولة التركية الحديثة بالقوة.

حالت أسباب كثيرة دون الإحاطة بالعناصر المكونة للمنظومة الفكرية السائدة لدىالأكثرية المسلمة السنية للعرب ودون معرفة شروط تكونها في مطلع العصر الحديث. لا شك أن من الأسباب ندرة الأبحاث وتبعثر الوثائق. لكنها ليست مقنعة لوحدها. ويصبح بالتالي واجبا تفسير القصور عن التفسير كشكل من تجليات المسألة. ولسنا ندعي رفع التحدي وأنما المساهمة بطرح بعض الأسئلة والإشارة إلى بعض الدروب.

نلاحظ أولا أن تناول المسألة الفكرية من الداخل (والتي تجوز تسميتها مسألة الحداثة والأصالة باستعارة عنوانين بارزين تحكما متلازمين بمعظم نتاجها) كان متركزا في مصر، من الطهطاوي إلى محمد عبده إلى طه حسين إلي علي عبد الرازق إلى سيد قطب، بينما بقيت مساهمات المشرقيين من لبنان وفلسطين وسورية والعراق نادرة أو مغمورة. والملاحظة الثانية أن محاور المسألة تبدلت بشكل أساسي بعد سقوط الدولة العثمانية بقليل وبعد تلاشي مسألة الخلافة، وأن طبيعة الطرح تبدلت وغزارة البحث شحت.

إن صحت هاتان الملاحظتان فإنهما تشيران بدرجة مقبولة من الوضوح إلى أثر مباشر لدائرة السلطة في طرح المسألة. فمصر كانت تحظى بحيز من الإستقلال السياسي وإنما كانت عمليا خارج الدولة العثمانية، والبحث بالمسألة تبدل بسقوط الدولة العثمانية المزري وغير المتوقع والمزدوج، على يد الحلفاء وعلى يد القوميين الأتراك، جارفة معها تيارات فكرية واسعة من إصلاحية ولامركزية وغيرها مع من كان يحمل ألويتها من نخب وقيادات. 

لم يكن الشرق العربي المسلم مهيأ لتقبل دخول الغرب عقر دياره في موقع السلطة المباشرة، ليس لأن الغرب كان غريبا عنه، بل بالعكس لقدر ما كان قريبا منه، كجار لدود دائم وداهم، يفصل بينهما حاجز الدولة العثمانية، وفجأة انهار الجدار وأصبح الخارج داخلا، ففرض التعامل المباشر نفسه من دون وجود أطر وقيادات له، فأتى سياسيا دفاعيا واندرج تحت عناوين جديدة مستعارة ولم ينطلق، حتى هكذا، إلا بعد انقضاء سنوات كانت ضرورية للإستفاقة من صدمة الحدث، وعلى دوي الحرب العالمية الثانية وأمام زلزال قيام إسرائيل، ومن أعلامها رشيد علي الكيلاني وعبد الناصر وحزب البعث، وعنوانها العريض القومية العربية.
غطى الفكر العربي الذي حمله جيل كامل على التاريخ الفكري السابق بتلويناته الدينية والعثمانية والقطرية وعمل على نكران آثارها. وأتت هزيمة 1967 ضربة موجعة له، فعاد الصراع بين الحداثة والأصولية ليتجدد، محكوما بالضرورات الموضوعية من جهة وبالتصلبات المبدئية المسترجعة من جهة أخرى، مقدما مثلا حيا عن نظرية توينبي الشهيرة حول ازدواجية المواقف في الحضارات المهزومة بين الزيلوت والفرّيسيين.

أمام هذه الصورة المرتبكة، تأخذ دراسة أوضاع الفئات الهامشية في المجتمعات العربية أهمية خاصة تفوق بكثير حجم هذه الفئات. ذلك أن الفكر الناظم لهذه الفئات ليس إلا جزءا عضويا من منظومة المجتمع الفكرية الكلية ولا تتصور هذه الفئات نفسها إلا في مرآة المجتمع بكليته، وبالتالي في مرآة غالبية المجتمع. فإذا تعذر على المجتمع بكليته عكس صورته لنفسه يصبح لزاما البحث عنها من خلال آثارها في الإنعكاسات الجزئية، على نسق علماء الآثار أو كمن يحاول استعادة النص الأصلي المفقود أو الصامت من ترجمات عديدة متوفرة أو من تعليقات عليه وتأويلات له وأصداء.

ولا عجب والحالة هذه أن تكون الأقليات ونخبها وأفرادها قد دفعت للعب أدوار فكرية وسياسية واجتماعية تفوق بكثير حجمها، مع الإشارة إلى ما عرضتها إليه أدوارها الطليعية من مخاطر جمّة ومآس، وما زالت. ولسنا نقصد بنعت الطليعية أي معنى تفضيلي، بل نقصد المعنى الأصلي حصرا، أي أن النزعات الفكرية والسياسية والإجتماعية لدى الأقليات سبقت النزعات نفسها لدى الغالبية زمنا وذهبت أبعد منها جنوحا وتعبيرا، سواء بدرت عنها من موقع التقرب من الغالبية والمغالاة على نزواتها أو من موقع التخوف منها والمغالاة في التمايز عنها. ويصح قولنا في وجهتي الأصولية والحداثة، أو بكلام أبلغ في وجهتي مهادنة المجتمع أو مراعاة الغرب الطاغي والغالب.

وبشكل أخص، وتأكيدا لمقولة وظيفة الأقلية المجهرية لفهم المجتمع بكليته، يكتسب أهمية بالغة ومضاعفة أولئك الأشخاص الذين تتحدد مواقعهم كأقلية ضمن الأقلية. ونذكر منهم أحمد فارس الشدياق والبروتستانت الأوائل وعدد غير قليل من المحدثين.


الأقليات وسياقاتها الكلاسيكية


لم تنهج الأقليات النهج ذاته حيال تغير نمط الدولة. وكان اختلاف سياقاتها نتيجة لاختلاف أوضاعها الداخلية ولاختلاف أوضاع محيط كل منها، وأيضا لاختلاف العدة الفكرية أو التراث الفكري المتوفر لديها.
حيال تخلخل الدولة الإسلامية، تقدمت الأقليات كطوائف بمطالب ثلاثة: المساواة والإستقلال والمحافظة على هيكليتها الطائفية. والمطالب متناقضة فيما بينها. وقد أتت سياقات كل من الأقليات متلونة بتلاوين مختلفة بحسب تراتبية هذه المطالب. 

طائفتان اتجهتا نحو إقامة كيانات قومية ونحو الإنسلاخ عن الكيان الإجتماعي والثقافي الأغلبي، واحدة بنجاح وإن نسبي (اليونان) وثانية بفشل شبه كامل (الأرمن). وكلتا الطائفتين كانتا تحتلان مواقع مميزة ضمن الـدولة العثمانية وتحتفظان بكامل عناصر تمايزهما الإجتماعي والديني واللغوي عن المحيط. طائفتان أخريان (الموارنة والدروز) سلكتا، مجتمعتين في الغالب ومتناحرتين أحيانا، طريقا مختلفا إذ سعتا إلى تكوين قطب مهيمن ضمن منطقة تواجدهما، وتوسيعه مجالا وتحالفا، تحضيرا لإنشاء كيان سياسي، عنينا لبنان، وإنما دون الخروج من دائرة المجتمع الثقافية والفكرية. طائفتان أخريان (العلويون والشيعة) بقيتا حتى الخمسينات من هذا القرن في مواقع هامشية ضمن التركيبة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية المحيطة. لكن دخولهما المتأخر في مؤسسات دولتي سورية ولبنان، بزخم ديمغـرافي لم تضعفه الهجرات ولا الإنخراط في الحياة الإقتصادية الرأسماليـة، سرعان ما أوصلهما إلى مراكز أساسية في القرار ضمن كيـانات لم يساهموا في إنشائها إنما تبنوها بشكل كلي وانتموا إليها بشدة. ويتميز الأرثوذكس العرب (وهم بقايا السلطة البيزنطية القديمة) بتـوزع جغرافي ومهني واجتماعي يشبه توزع السنة. وبعد تمكن سلطاتهم الطائفية من الحد من آثار انشقـاق الروم الكـاثوليك في بداية الثامن عشر ومن التبشير البروتستنتي، تحت تأثير الغرب، وبالنظر لمحدوديـة التأثيـر الروسـي ضمن صفـوفهم، اتسـم سلوكهم السياسي والإجتماعي بدرجة عـالية من الإنفتاح، وبدرجة متدنية من العصبية الطائفية والتأزم الذاتوي، فشكلوا نواة معظم الأحزاب والتنظيمات السياسية الوطنية والقومية واليسارية منذ مطلع الـقرن العشرين، أكان في سورية أم في لبنان أم في فلسـطين. ويجمع التيارات المختلفة التي انتسبوا إليها سعيها لتكوين رابطة سياسية غير دينية بين أبناء شعوبهم. وتتميز طائفتا الأقباط والسريان بوضع وسلوك مختلفين عما عرفته الطوائف التي سبق تناولها. وهما وريثتا المنظومتين الإجتماعيتين الأساسـيتين في كل من مصر وسورية، المعارضتين للدولة البيزنطية واللتين استتب الفتح العربي الإسـلامي بفضل عدائهما لها، وقد بقيتا تضمان السواد الأعظم من السكان حتى نهاية الألف الأول ولم يكن لأي منهما إمتداد أو بعد خارجي. ولكنهما، بعكس الأرمن، لم تقويا أبدا، لا تحت الحكم البيزنطي ولا تحت الحكم الإسلامي على التشكل كسلطة سياسية. وكان انشقاق الموارنة عن السريان وتركزهم في بقعة محددة وارتباطهم بالغرب وروما، إبان الحملات الصليبية أو بعيدها، دليلا على اعتماد مسار تاريخي مختلف في مرحلة مفصلية بدا فيها انسداد أفق الطائفة السريانية. ومنذ ذلك التاريخ والطائفة السريانية تتلاشى تدريجا، وهي منعزلة عن تطور المجتمع العام من ناحية وغير متركزة في معقل دفاعي استبقائي جغرافي أو مؤسساتي محدد من ناحية أخرى. وأما الأقباط فمسارهم يشبه مسار السريان مع فارق أن مصر لم تشهد نفس حدة الخضات التي عرفتها سورية وأن الوزن البشري القبطي ما زال ذات شأن حتى اليوم.

من المسارات المختلفة التي استعرضنا بسرعة، يبرز تفاوت قدرات الطوائف على التكيـف مع تحديات مرحلة انهيار الدولة الإسلامية، واختلاف بناها البشرية والمؤسساتية، وتعاطيها الدفاعي أو الإستبقائي مع المحيط، وتعرضها في الحالتين إلى الإضمحلال. ويتحكم القلق حيال هذا المصير بتصرفات أبناء الطوائف، بينما يقوى أو يخف تقبلها للشعارات والطـروحات العامة بالقدر الذي تتلاقى أو تتعارض مع صيغ السـلطة التي تتلاءم مع معطيات وآفاق مساراتها الذاتية. الإسـتقلالية والحرية للموارنة والدروز، قوة الدولة والمساواة للشيعة والعلويين، العلمنة والإنفتاح الفكري للروم الأرثوذكس...

 

وحدانية مجال التعاطي بالتاريخ والسعي لنفي وقوعه
محطة تأمل ووجهة بحث


وقفة قلم أم نبضة ألم


تربينا على أن تاريخنا تعاقب لمراحل طويلة من الإنحطاط تفصلها ومضات عز، وافتكرنا أن ذاك التاريخ انتهى ودخلنا عالم الحداثة والتقدم وفاخرنا بلبناننا الحلو، منارة الشرق وحصن الديمقراطية فيه. لكن صفعات الواقع سرعان ما أيقظتنا، وكانت الصحوات أليمة، من هزيمة 1967، إلى السعور الطائفي، إلى الحرب الأهلية التي لا تنتهي، إلى الإرتهانات المتتالية، إلى الأبطال المزيفين، إلى التراجعات والمساومات المخزية. وبدأنا نفهم معنى الهزيمة والإنحطاط وكنا لا نفهمهما ونحسبهما من نتاج زمن مر وانتهى.

لماذا نقرأ في الكتب مشاريع الإسرائيليين القديمة فنخالها نبوءات ونقرأ مشاريع العرب القديمة فنراها أوهاما؟ لماذا نحتاج إلى أعين الغرب وأقلامه لنرى ماضينا وحاضرنا والمستقبل؟ ونسعى لتفسير الهزائم، فإذا بنا، إذا أجدنا، نبررها، وهي تتكرر. ويضيق سقف طموحنا حتى تصبح كل خسارة محدودة أو مؤجلة نصرا. فندخل في خصام مع النفس وخصام مع العقل، وهو خصام مرير. فنقف لنسأل: ماذا لو كانت الوقائع صادقة والكلمات تكذب؟ ماذا لو كان الإنحطاط هو القاعدة والنهضة استثناء؟ فلا يعود الإنحطاط إذاك انحطاطا بل يصبح نمطا للمجتمع والتاريخ والإنسان، وتصبح النهضة إذاك سرابا أو ذكرى ملازمين للنمط العام وشكلا خاصا مكملا لآليته. 

لعل المسألة إن طرحت هكذا تصبح أكثر قابلية للتناول ولعل الكلمة إن أطلقت من هذا الموقع لا تعود ترتد إلى نفسها وتنقلب تعويذة بل تخرج من ذاتها فتؤدي معنى وتبلغ غاية تكون في الوقت ذاته غاية عامة وغاية خاصة.

لأن المسألة في الوقت ذاته عامة وخاصة. ليست عامة فقط وإلا كان اهتدى مصلح من المصلحين أو نظام من الأنظمة ممن تعاقبوا على قيادة الأمة إلى سبيل تغيير فيها، وجلهم قد عاين ظواهر أزمتها، وكان الشعب والنخب أيدوه وساندوه. وليست المسألة خاصة فقط وإلا كان نهض من بين عشرات الملايين ألوف بل ملايين وغيروا في الأمور تغييرا.

ولما كنا نمانع، بعكس الكثيرين من أبناء أمتنا، في اعتبار العرق فاسدا، ليس فقط كموقف عز وفخر ورفضا لإهانة ترتد علينا، فكثيرون قد برعوا في إيجاد الفارق الجوهري الدقيق الذي يميز بينهم، قطرا أو طائفة أو قرية أو عائلة أو فردا، وبين سائر الأمة فينزع عنهم وصمة العار، وتفننوا في إبراز ذاك الفارق السحري المخلص. وإنما نمانع لأننا نشاهد من أبناء هذا العرق من أنجز صنائع كبيرة خارج بلاده ونشاهد منهم أيضا من أنجز صنائع كبيرة في مواقع مختلفة من المجتمع، لا بل نشاهد غلوا عند بعض أبناء هذه الأمة في إرادة التضحية والشجاعة الفردية.

وتبقى المسألة في الوقت ذاته عامة وخاصة. وهي عامة لأن المجتمع يتضافر بكل قواه ومفاهيمه ومؤسساته لتطويق بوادر التغيير، حتى يجعلها تبدو في أعين روادها محالا أو تجنيا أو فداء، ويكررون أن الناس لا تعي مصالحها سواء كان الناس جماهير أو طبقات أو برجوازية أو قيادات، وكأنما الوعي فعل ذاتي وإرادي خارج عن انتظام المصالح في الأطر والمفاهيم التي لا تأخذ معنى إلا من موقعها ضمنها، ممارسة ووعيا منعقدين معا. وهي عامة لأن أشكال السلوك والمفاهيم في المجتمع متجانسة ومتناسقة إلى حد لا يجوز معه الشك بفعل قوانين ناظمة لها. ونقول متجانسة ومتناسقة وليس موحدة لأن افتراض التوحيد ساذج أصلا، يغفل أبسط مستلزمات التنوع في المجتمع وينفي الصراعات المتعددة التي تتقاطع فيه. لكن الفوارق كلها تندرج ضمن بنية واحدة وتنسج على نول واحد. ولا تحول المغالاة في التعبير عن بعض هذه الفروقات (لا سيما المظاهر الدينية واللغوية) دون تمكن الفئات المختلفة من فهمها تماما كما يقصد منها، أي تعبيرات ذاتوية، والتعامل معها على هذا الأساس، إن بردّ الرسالة، فيقولون هذا تشنج، أو بالتغاضي شكلا عن شكلها، فيقولون هذا تعايش. وما أعظم الجهود التي يبذلها أبناء بلادنا لإبراز الفروقات الصغيرة بين كل اثنين منهم، وبحدة تزداد كلما كانت المسافة بينهما ضيقة، لكسر أي إطار جامع. وما أبلغ قدرة أبناء أمتنا على تحديد مواقع محاوريهم والتعامل معهم على أساسها دلالة على وحدة المنظومة الإجتماعية التي ينتمون إليها ويتحركون ضمنها. وما أصعب على أبناء أمتنا تقدير موقع ذاك الغرب القريب البعيد المعسكر في فلسطين وسط الديار.

وكما تنتظم أوجه الحياة المختلفة ضمن هرم إستقرائي يردها إلى بنية واحدة تحكمها، كذلك تتضافر عناصر الضبط الإجتماعي كلها من عائلية ومادية وخلقية وطائفية ومهنية لتشكل هرما ضاغطا على الفرد في ذاتيته انضباطا أو قلقا. ويتناظر الهرمان المتقابلان في المرآة التي تتكون بها الذوات الفردية، كشيء محدد إجتماعيا وذي موقع. ومن هنا لا يبقى من معنى أو من مدلول واضح للتساؤل إن كانت الأزمة أزمة مجتمع أو أزمة أفراد. ورأينا أن هذه القراءة قد توفر مدخلا نافعا لفهم الذوات الجماعية من عائلية وقبلية طائفية وغيرها.

 

السلطة، معان ومفردات، غائبها وحاضرها


من المفارقات المفيدة وذات الدلالة أن الكلمات التي تشير إلى السلطة الشرعية في معظم اللغات الأوروبية (Etat, State, Stato,...) مشتقة من كلمة لاتينية ترجع إلى مصدر(sto) الذي يعني الوقوف والثبات (مع التذكير بأن الرومان كانوا يستخدمون كلمة Imperium وتعني الأمر للإشارة إلى السلطة ويقولون Imperium populi romani أي حكم الشعب الروماني للإشارة إلى دولتهم بالتخصيص أو Status rei publicae أي نظام الشأن العام أو شأن الشعب للإشارة إلى نظام الدولة بشكل عام)، بينما كلمة دولة العربية من الثلاثي دال وتشير إلى معنى التغير والتحول والزوال. 

ومن ناحية أخرى تعود المفردات التي تشير إلى السياسة في معظم اللغات الأوروبية إلى كلمة Polis اليونانية وهي تشير إلى المدينة أو إلى كلمة Publicus اللاتينية وهي تشير إلى الشأن العام وهي مشتقة من Populus أي الشعب؛ وأما في اللغة العربية فكلمة "سياسة" من الثلاثي ساس تشير إلى الترويض والتدبير والإدارة وتغيّب فيها الصفة الإجرائية للسياسة صفة مضمون العمل السياسي وشأنه، بينما تشير كلمة "عام" إلى الشمول والشيوع ويندرج معناها من موقع تقريري ونسبي لا يتصل بمضمون أو جوهر يميزانها عن مدلول كلمة "خاص"، ولذا يلتبس فيها معنيا الكلمتين الأوروبيتين Général (وهي في معناها الأصلي تصف ما اتصل من الصفات بأصل أو عرق وكانت بالتالي مشتركة بين كل المتحدرين من الأصل أو العرق) و Public (وتصف ما يتصل من حيث الجوهر بالشعب وليس بالأفراد). فهل يكون كل ذلك مجرد صدف إضافية؟

إنطلاقا من اللغة، وأي منطلق خارجها، وهي الإشارة للمعنى والمدخل إليه، ترتد الأنظار إلى الزمن والتاريخ.

 

الزمن: تواصل وتراكـم أو انتقاء واستقطاب


كل من أراد أن يرى يرى بوضوح وقح كم يختلف التعاطي مع الزمن بين البلدان والثقافات. هل يتصور أحد أن دولة غربية كانت لتقدم على جرف الوسط التاريخي لعاصمتها؟ أو هل يتصور أحد أن الشوارع والأبنية العامة تغير أسماؤها مع تداول كل عهد للسلطة وسط مساومات على مدينة رياضية هنا وتمثال وساحة هناك وجسر ونفق هنالك؟ وكيف بالتالي يحصل تراكم المعالم والمراجع وماذا يبقى من تواصل التاريخ؟

وكما نتعامل مع الزمن الحاضر نتعامل مع الزمن الماضي، فتاريخنا مجموعة من المحطات الإنتقائية، يتصارع هذا وذاك على إبراز بعضها وطمس بعضها، فإذا تراضوا كان التاريخ هو أيضا يؤمن مستلزمات التوازن الوطني. فتاريخنا شعوب تظهر وتختفي وأديان تنبت فجأة فيبدأ التاريخ معها كل مرة وقافلة من الرجال العظام بقي كل منهم يحسن في أوضاع البشرية حتى وصلت إلى ما نعرف منها. وإن صدقنا ما تعلمنا من تاريخ مصر أو بلاد الشام يتراءى لنا أن الشعب القاطن فيها قد تم استبداله بالكامل تقريبا مرتين أو ثلاث أو أربع أو أكثر، ونلاحظ أن اسبانية حافظت من معالم الحقبة الإسلامية من تاريخها على أكثر مما حافظت عليه بلادنا برغم انكسار الحكم الإسلامي فيها منذ ستة قرون ونيف.

وفي الحياة السياسية يتكيف القادة مع الظروف، فيسوسون مواقفهم بحسب المعطيات، وكلهم دوما دعاة صلاح وإصلاح، بمن فيهم، لا بل على رأسهم، من هم في مواقع السلطة، تحت شعار أن الرجوع عن الخطأ فضيلة وما ينفكون يجمعون الفضائل.
لا سؤال ممكنا فلا جواب طبعا. ولا أحد يفهم أو يربط أمرا بسبب. ولما ننظر حولنا نشعر بعبء إرث رازح فنصاب بكره للواقع ونروح نعبد التراث والأصالة، أو نرفض الإرث والعبء فنصاب بكره لأنفسنا ونروح نعبد الحداثة.


قيمة مفصل الحاضر ومعرفته 


وكما نتعامل مع الزمن العام نتعامل مع الزمن الخاص، فنسحق الحيز المعاش بين أصل العائلة، وكل العائلات كريمة الحسب والنسب، وبين مستقبل المحروسين، الذكور طبعا ورثاء العائلة المذكورة، الزاهر والواعد، والذي تهون على مذبحه التضحيات وتحلل من أجل قدسيته المحرمات. ويبقى الواقع المعاش ساقطا أو معلقا في الهوة بين وهمين يلازمانه ويتقدمان بتقدمه فيستهلكانه. وتغدو سمته الغالبة الترقب وانتظار مهدويات عامة أو خاصة يدفعها أمامه كما العامل يدفع عجلته فلا يرى من الدنيا غير توازنها القلق على دولابها الصغير. ولا عجب من هذا المنظار التوهمي أن يفقد المعاش معناه، وألا يفرز الإنخراط المهني والإجتماعي انتظاما سياسيا.

 

قياس المسافات الزمنية


باستمرار تدمير المعالم واستمرار تدعيم المفاهيم، يصبح أقدم ما يحيط بنا منظومة أفكارنا. ويلتبس علينا قياس المسافات الزمنية، فنعتبر ما تبقى من الأبنية أقدم مما هي (فنتصور أن بيت الدين قصر عربي) ونعتبر ما نتداوله من الأفكار أحدث مما هي (فنتصور الإصلاح السياسي نهجا عصريا). وتتحكم هذه المفارقة بعلاقتنا بتاريخنا الحديث أشد تحكم.

إن صح أن لكلمة حضارات معنى محددا فإن معرفة المفاصل الزمنية والجغرافية بينها بالغة الأهمية لأنها تسمح بمعرفة آليات تطور الحضارات وتغيرها. وتدل الدراسة المتأنية أن الفترات الزمنية التي بدأت تتطور فيها آليات أدت إلى تغيرات حضارية أقدم من الفترات التي ظهرت فيها نتائج التغير إلى حيز العلن في مجالات العمران أو السلطة أو الفن أو الفكر أو الدين، وتبرز أن الإنجازات الكبيرة والرجال العظام لم يولدوا من العدم ولم يكتسحوا فراغا غير مهيأ بطاقات غامضة أو سحرية توفرت لهم، إنما كرسوا تيارات كانت فاعلة قبلهم في المجتمعات لفترات طويلة أو عبروا عنها، فكانوا خاتمين لها أكثر منهم مطلقين.


الغرب لا كغير ومرآة بل ككيان إجتماعي

تطور الغرب الكاسح


وهكذا لم تكن النهضة الأيطالية من القرن الرابع عشر إلى القرن السادس عشر بعثا (Renaissance) للحضارة القديمة بعد موات العصور الوسطى، بل زخرت العصور المسماة وسطى بتطورات إجتماعية داخلية عميقة تسارعت تجلياتها بأشكال جديدة بدءا من زمان ومن مكان معينين.
فمن حدود العام ألف بعد الميلاد بدأت مجموعة المؤشرات تدل على تغير عميق في أوروبة الغربية، منها التزايد السكاني والنشاط العمراني والتوسع البحري في المتوسط وبحر الشمال والتفوق العسكري في اسبانية وجزر المتوسط وشرق أوروبة وفي الحروب "الصليبية". وبرغم تراجعات أهمها في القرن الرابع عشر مع تفشي وباء الطاعون وفي القرن الخامس عشر أمام التقدم العثماني في شرق أوروبة وفي المتوسط، لم تتوقف هذه الآلية عن مراكمة طاقات إقتصادية وفكرية وعسكرية جعلتها في نهاية القرن الماضي تسيطر بشكل مباشر أو غير مباشر على كامل الكرة الأرضية ما عدا اليابان والحبشة، وما زالت سيطرتها قائمة، لا بل تعمقت.

والملفت للنظر أن تمدد رقعة هذه السيطرة جعلها تصطدم بكافة مجتمعات العالم وحضاراته، فأدت إلى نتيجتين: المجتمعات الضعيفة أزيلت معنويا وحتى ماديا وبشريا وحلت محلها مستعمرات إستيطانية أوروبية الطابع سرعان ما استقلت عن المجتمعات الأم وطورت قدراتها وفق النمط ذاته فدخلت بتنافس حاد معها، وهذا ما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا، وأما المجتمعات الأقوى فتم إخضاعها ككل للنمط الغالب وإنما دون نقل العدوى إليها وتوليد بؤر توسع جديدة منافسة، وهذا ما حصل في البلدان العربية والهند والصين. وحلت بين المنزلتين بلدان كانت حضاراتها متوسطة المناعة فلم تزل وإنما دخل العنصر الأوروبي إلى داخلها فولد مزيجا بين النمطين، وهذا ما حل في معظم أمريكة اللاتينية وروسية. وخرق هذه السياقات العامة إستثناء واحد بالغ الأهمية هو اليابان.

ومن هنا نعود مرة أخرى إلى نهضتنا العربية في القرن الماضي لنسأل مجددا عن معناها وأسبابها وتجلياتها وإرثها وآفاقـها.

 

لزوم التــاريخ والإستثناء الأوروبي


إن صحت مقولة أن للحضارات بنى متناسقة من المفاهيم والأنظمة وأنها تستمر بحكم قدرة هذه البنى على تجديد نفسها والتكيف من ضمن منطقها لاستيعاب المتغيرات، وإن صح ما أوردنا أن المنظومة الفكرية المتحكمة بمجتمعاتنا ضاربة في القدم ومتقاربة مع ما يماثلها في معظم المجتمعات، ما عدا الأوروبية منها، يصبح من الأهمية بمكان جلاء أسباب الإستثناء الأوروبي ومعرفة الظروف الخاصة التي أدت إلى حصوله واستمراره.

خلال قرنين أو ثلاثة سبقت النهضة الغربية، إنقلبت الصورة القديمة، فلم يعد شمال غرب أوروبة جزءا من بقايا الدولة الرومانية محاصرا وهامشيا ومعزولا عن خطوط التبادل الدولي بل تحول إلى طاقة توسعية، تضغط على كافة الجبهات المحيطة بها، وإلى مساحة سلطوية وثقافية متجانسة ومترابطة حول نظم حضارية جديدة طورها بذاته من خلال إعادة صياغة لموروثات متعددة، تحت ضغط ضرورات القلة والحاجة وبممارسة منتظمة للعنف الفكري والمادي في الداخل والخارج.

 

الكم البشري وتبدل دلالته


لا ننسى أنه، قبل الإكتشافات الطبية الحديثة، كان عدد السكان مرتبطا بالأوضاع الإقتصادية إرتباطا مباشرا، فوفرة الغذاء أو ندرته ودرجة التعرض للأوبئة كانا يشكلان العنصرين الأساسيين لتزايد عدد السكان أو تناقصه. وتدل الدراسات التاريخية في مختلف المناطق الأوروبية على تزايد عدد السكان المطرد حتى بداية القرن العشرين مما أمن الدفق البشري اللازم للإستيطان والإستعمار والحروب. وفي المقابل، وعلى رغم قلة الوثائق والدراسات، يبدو أن عدد السكان في الشرق العربي واليوناني راوح مكانه لا بل تراجع في حقبات عديدة، مما أفسح المجال للغزوات الخارجية. وقد بقيت آثار المدن والقرى طويلا في بلاد الشام وفي العراق، العائدة إلى أيام الرومان وإلى العصر العربي الأول، شاهدة على تراجع العمران رقعة وكثافة.

وأما تطور عدد السكان الحديث، فقد نحا نحوا معاكسا، وصار التزايد السكاني مرتبطا بالفقر، وطال البلدان العربية بدءا من مطلع القرن كما طال بلدان العالم الثالث الأخرى، وبوتائر لم تكن معهودة، وبات يشكل عبءا عليها في محاولاتها للتنمية الإقتصادية. وكان سببه انخفاض نسبة الوفيات بشكل عام ووفيات الأطفال بشكل خاص، بينما بقيت نسبة الولادات مرتفعة كما كانت في المجتمع التقليدي لارتباط كثرة الأولاد، والذكور منهم خاصة، في ذهن الأهل، بالجاه والعزة وباعتبارهم يشكلون ضمانة لهم في شيخوختهم.

وقد عرف لبنان منحيي التطور السكاني: فبين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر كان التزايد السكاني فيه، وفي عدد محدود من مناطق الدولة العثمانية، عنصر قوة ذاتيا، وانعكس تطورا إجتماعيا ساهم في الضغط على الأطر الإجتماعية والسياسية التقليدية وفي بلورة أشكال انتظام جديدة وأدى إلى توسيع الرقعة المزروعة والعمران، وكان مستندا في آليته إلى توسع قاعدة الإقتصاد وإلى تحسن شروط الحياة، إنما بعد ذلك، راح التزايد السكاني يخضع للقوانين الطبيعية والطبية الخارجة عن التطور الإجتماعي لا بل الضاغطة عليه، وتحول لبنان إلى خزان للهجرة، يصدر فائض أبنائه ليؤمن عيش من غامر وبقي منهم.

ليست المسألة السكانية مجرد مسألة رعاية إجتماعية وخدمات وتوعية، فهي مسألة سياسية بامتياز لأنها تتصل بعلاقة الإنسان بالنظام الإجتماعي الذي لا يولد ويعيش ويتعلم ويعمل ويشيخ ويموت إلا من ضمن أطره ومفاهيمه، وبموقع الإنسان من المجتمع. وقد شكل الأولاد والنساء في المجتمع التقليدي ولآلاف السنين معيار الثروة وأداة إنتاجها وتداولها وما زال السلوك الإجتماعي إلى أيامنا محكوما بالنظم الفكرية المتولدة عن هذا الواقع. وتشير مسائل التجنيس والتوطين والتوازن والمغتربين ومكاتب الهجرة وغيرها بوضوح كامل إلى قصور المجتمع اللبناني والدولة اللبنانية الفاضح في التعامل مع موضوع السكان إذ لا يرون ولا يصورون منه إلا ميزان حجم الطوائف النسبي. ويغفلون بإجماع ملفت التطرق إلى ما يتحمله المجتمع من أعباء لتربية وتعليم الشباب الذين يهاجرون لمقارنتها بما يرسلون لاحقا إلى ذويهم واستخلاص سياسات تعليمية وتشغيلية وإسكانية منطقية وشجاعة، فكيف تؤتمن دولة على شعب تخاف منه فلا ترعاه ولا حتى تحصيه، بل تتباهى بتصديره.

 

السلطان وفقدان الطبقة الحاكمة وبرابرة الخارج والداخل


ماذا في المقابل؟ ما كانت أهم خطوط التطور في بلادنا، أي جنوب المتوسط وشرقه بينما كان شمال غرب أوروبة يسلك مساره الخاص؟

ثلاثة كتل حضارية احتلت الساحة خلال الألف الأول للميلاد، وكل منها تبنت دينا عالميا وأسست سلطانا عالميا وضمت شعوبا متعددة ومتنوعة، أمبراطورية الروم المسيحيين وأمبراطورية الفرس الزردشتيين وخلافة العرب المسلمين. بقي الأولان في صراع شبه دائم بينهما، وكلاهما يستتبع جزءا من العرب، حتى أواسط القرن السابع حين تشكل العرب حول الدعوة الإسلامية وتكتلوا وانقضوا على الإمبراطوريتين القديمتين المنهكتين، فاجتاحوا كامل بلاد الفرس واحتلوا من بلاد الروم أوسعها وأغناها، فما افلت منهم إلا الأجزاء اليونانية العرق، وطرقوا أبواب العاصمة.

أتت ردة الفعل على الغزو العربي مختلفة في الشكل بين البلاد التي تم فتحها على الفرس وتلك التي تم فتحها على الروم.

فبعد أن فقد الفرس مرجعية سلطتهم المركزية بانهيارها الكامل والمفاجئ وأصبحت بلادهم بكاملها ضمن سلطان العرب المسلمين، سارع زعماؤهم المحليون إلى اعتناق الدين الجديد، وحافظوا بذلك على مواقعهم الإقتصادية والإجتماعية، ودخلوا الدواوين وأجهزة السلطة بكثافة، وتألبوا تحت شعارات الشعوبية مطالبين بمساواتهم بالزعماء العرب، إلى أن انتقلت إليهم الغلبة مع البرامكة ثم البويهيين، إثر قيام الدولة العباسية ونقل العاصمة إلى بغداد، في موقع قريب من المدائن-قطسيفون عاصمتهم التاريخية، فحققوا ثأرهم من الداخل مقابل دفعهم ثمن التنازل عن دينهم.

وأما من الجهة الأخرى، فالفتح لم يكن ممكنا، أو على الأقل قابلا للثبات، لولا موقف غالبية الأهالي من السريان والأقباط الشديد العداء للروم، على الصعد اللغوية والإقتصادية والدينية، وتكاد الحدود التي ثبتت عندها دولتا العرب والروم تتطابق تماما مع حدود اللغة والعرق اليونانيين ومناطق الغلبة الأرثوذكسية. ولكن تمكن المرجعية الأمبراطورية من تخطي قطوع الموجات الأولى للفتح، وإن بصعوبة، وعدم وجود قيادات مقتدرة لدى السريان والأقباط بعد رحيل الأرستقراطية إلى الأمبراطورية، أديا إلى وضع مغاير للذي ساد بلاد فارس، فبقي المسلمون أقلية لمدة طويلة بينما ازدهرت اللغة السريانية، دون انخراط ملحوظ لناطقيها في أجهزة السلطة، وانتهى الأمر بالنسبة لغالبية الأهالي بأن استبدلوا سلطة الروم الخارجية والأقرب إليهم دينيا وإنما الأبعد عنهم لغويا وثقافيا، بسلطة العرب الأبعد دينيا وإنما الأقرب لغويا وثقافيا، وما أقرب وأبعد إلا تعبيران نسبيان طبعا.

لكن ردّات الفعل على الفتح العربي كانت في العمق متشابهة بين البلاد التي تم فتحها على الفرس وتلك التي تم فتحها على الروم. فبقيت غالبية الشعوب خاضعة للنمط السلطوي ذاته، ولنظم الإقتطاع ذاتها، مع فارق أن المتسلطين الفرس المدنيين والدينيين، من دهاقنة وبرامكة (وهم كهنة بوذيون من بلخ في الشرق)، حافظوا على مواقعهم في السلطة مقابل اعتناقهم الإسلام هم وشعبهم، بينما حافظ السريان والأقباط على دينهم فأدوا الجزية إنما لم يبرز من بينهم طبقة سياسية، فرضخوا سياسيا للعرب.

وبحلول الألف الأول للميلاد، كانت دولة الروم، بعدما أعادت تنظيم الملكية العقارية وقواعد الجباية والتجنيد فيها خلال القرنين الثامن والتاسع، قد استعادت أرمينيا ومعظم سورية، وكان الفرس، وقد أصبحوا مسلمين مع غلبة للشيعة بينهم، قد استعادوا سلطتهم على بلاد فارس والعراق، وما بقي للعرب إلا بعض الإمارات المبعثرة وأبرزها إمارة الحمدانيين الشيعة في حلب. وكانت مصر وشمال إفريقية منضوية تحت لواء الدولة الفاطمية التي راحت تبث دعاتها في بلاد الشام، وكأن المشهد خلف الستار الديني عاد في حينه شبيها بما كان عليه قبل ثلاث مئة سنة.

وهنا مفصل جديد: خلال قرن من الزمن، قدمت من بوادي آسيا الوسطى قبائل من الأتراك وراحت مختلف الدول القائمة تستأجر قواها لتجنيدها، وسرعان ما استقرت القبائل التركية على تخوم دولة الروم بعدما عبرت شمال بلاد فارس. وفي عام 1070 إنهزم جيش الروم أمامهم وأسر الأمبراطور ديوجين، وانهزمت بيزنطية عن سورية، فكان ذلك الحدث من الأسباب المباشرة لأولى الحملات "الصليبية". وما نظر الروم إلى "الصليبيين" إلا كمرتزقة برابرة حاولوا استخدامهم لاستعادة ما فقدوه أمام الأتراك الوافدين. ومنذ ذلك المفصل إختفى العرب عن واجهة التاريخ وبدأت دولة الروم تتقهقر تدريجا بين فكي كماشة الفرنجة والترك، وانحسرت بلاد الفرس فتم تتريك أجزاء واسعة من شرقها وشمالها ولم تستعد كيانها القومي إلا في زمن متأخر مع الصفويين وتحت لواء التشيع واللغة البهلوية المنبعثة، مما أخسرها أفغانستان. وتحولت هضاب الأناضول إلى أراض تركية تجوبها قبائل الغزّ والتركمان والسلاجقة والدنشمندية والعثمانيين، واندثرت حواضر السريان في شمال الجزيرة، وهدم المغول، وهم أقارب الأتراك، بغداد قبل أن يهزمهم مماليك مصر، وهم أيضا مرتزقة أتراك وشركس، فراح العراق يتحول إلى منطقة حدودية تغلب عليها البداوة، وتكرس المذهب السني دينا رسميا في الدول التركية، وبات لقب "سلطان" يشير بوضوح كلي إلى صاحب السلطة، وأتى زحف أتراك تيمورلنك على مدن خراسان وزعزع دولة الأتراك العثمانيين لفترة، بعد مقتل السلطان بايزيد، وبلغ دمشق بينما كان ابن خلدون فيها، واندثرت الشيعة وانكفأ المسيحيون وبدأ الشرق يأخذ شكلا جديدا: شكل الدولة السنية التركية، التي هلل لها الكثيرون لأنها، وإن قمعت تنوع البلاد واحتكرت السلطة السياسية لمصلحتها، قد أنقذت الإسلام كمنظومة فكرية من التفكك وربما من الإنهيار، فكانت المقايضة بين الدين والسلطة هنا أيضا أساسا لحقبة ثابتة جديدة استمرت حتى مطلع القرن العشرين.

وهكذا يمكن للمحلل أن يعتبر أن العصر القديم انتهى في الشرق بعد أربعة أو خمسة قرون من انتهائه في الغرب. وقد تفيد مقارنة المسارين اللذين تبعهما كل من جزئي العالم بعد طي صفحة الأمبراطورية الرومانية وورثتها نهائيا. ما يلفت النظر أن الدولة العثمانية، بحكم موقعها الوسطي في العالم القديم، تمكنت من تأمين موارد ضخمة من التجارة والغزوات أغنتها لمدة طويلة دامت حتى بداية القرن الثامن عشر عن ضرورة التوسع في الزراعة والصناعة؛ وكذلك دولة المماليك، بتحكمها بموارد إفريقية والبحر الأحمر من الذهب والعبيد والمنتوجات الهندية الواردة إلى البحر المتوسط. وترجم هذا الواقع بنزوع الدولتين إلى تأسيس نواة قوتهما الحربية الكاسحة على عسكر أجنبي مسبي (نظام الدفشرمي) أو مشترى (المماليك). وفي هذا فوارق أساسية عن المسار الأوروبي الذي لم تتوفر له الحلول السهلة ذاتها، فاضطر للعمل على تطوير نفسه من الداخل، وبالوسائل الصعبة.

وهكذا نرى أن تاريخ الشرق يمكن قراءته كسلسلة مفاضلات ومقايضات مأساوية وإنما ناجحة، أقدم عليها المجتمع بين ثقافته وسلطته، تارة مع برابرة من الداخل أمنوا له تماسكه إلى حين تفكك عصبيتهم وذوبانهم بين نخبه، وطورا مع برابرة من الخارج البعيد، تبين في النهاية أنهم أجدر بتولي المهمة القمعية والدفاعية لانفصالهم عن بنيته. فإن صح أن نمط انتظام المجتمع قائم على غربة السلطة عن المجتمع وممانعته لها مع حاجته إليها، يصبح طبيعيا أن يتولى السلطة على المجتمع غرباء عنه.

ومن هنا يصبح ذاك النمط الثابت لتشكل السلطة في المجتمع الخيط الذي يجب أن نهتدي به لزوما لفهم بنية المجتمع الثابتة بدل البحث عنها في الصور المبعثرة والمقطعة التي تعكسها مرايا الثقافات المتكسرة وأوهام الفرادات المتوالدة من مفاضلات ومقايضات متراكمة ومؤلفة.

 

النمط الريعي آلية داخلية


المنطلق: نظرة من بَعد وليس نظرة من بُعد


حبذا لو كانت حقبات التاريخ وأصناف الحضارات قابلة للترتيب وفق خط تطور وارتقاء، لكنا اكتشفناه وتبعناه. ولكن أسفا أم فرحا، ليس الأمر كذلك. فحركية التاريخ لا يحكمها تقدم ولا تخلف بل تحكمها ثوابت بنيوية وسقوف لا تتخلخل بالنوايا بل بفعل تصارع قوى وهزائم وعبر مراحل تكثف وبمواجهة تحديات قاسية.

وليس صحيحا أن اكتمال البنيان الحضاري وتناسقه في مجالات المجتمع والإقتصاد والثقافة والدين يهيئ لمواجهة التحديات. لا بل بالعكس فالإكتمال والتناسق يجعلان الحضارة أحكم انغلاقا وأشد تأطيرا وأكثر استيعابا للتحديات وأدهى إجهاضا لبوادر التغيير. وهل أفضل من مثل الحضارات المصرية أو الهندية أو الصينية القديمة اللتي استوعبت غزاة وديانات ولغات وبقيت شعوبها محنطة في منظومات فكرية بالغة الإحكام والحكمة والغنى بينما فقدت قدرتها على إفراز قيادات تبقي قراراتها ضمنها خلال آلاف من السنين، فبين آخر فرعون مصري وجمال عبد الناصر أكثر من ألفي سنة، وبين سلالة الشندراغبطة والمهتما غندي ألف وخمس مئة سنة، وبين سلالة التشان والصنغ وصن يت سن ثمان مئة سنة. أليس من خيار إلا الإستبقاء أبدا؟

ولولا الإستثناء الأوروبي وعنفه الضاغط لما كان محل لعبد الناصر ولا لغندي ولا لصن يت سن. فالضد يستثير ضده أكثر مما المثل يولد مثله، وغالبا ما يكون الضد أقرب إلى ضده مما يرى هذا أو يظن ذاك.

ولا يمكن وصف المتغير إلا بعد حدوثه، لأن تحققه وحده يولد المفاهيم المحيطة به. بينما ما يبدو بسيطا ومسلما ينقلب، بنتيجة التغير، مركبا لمفاهيم أحدث وأبسط فيغدو وقتها موضوعا للسؤال والكلام. ولا يحلل إلا ما تفكك ولا يبنى إلا على النقد والأنقاض، ولا معرفة تكتسب إلا بخرق أعراف، وكسر أصنام.

 

تعريف الريع والنمط الريعي


الريع اقتطاع من فائض قيمة قيد التكون أو قابل للتكون مقابل رضى المقتطع بعدم إعاقة أحد شروط تكون فائض القيمة. ولا يتمكن من فرض الريع إلا من حاز، في أعين المقتطع منهم، موقعا يسمح له بالتحكم بشرط أو أكثر من شروط تكون فائض القيمة. والريع نوعان: مطلق ونسبي، يحدد مستوى الريع المطلق درجة تقبل المقتطع منهم له وتمكنهم من تحمله، بينما يأتي الريع النسبي مضافا إلى الأول في حال وبقدر ما يوفر مقتطع معين تسهيلات أكبر أو يرفع عقبات أكبر مما تحدده معايير الريع المطلق المرجعية.

ولا يقتصر الإقتطاع من فائض القيمة على القيم الداخلة ضمن حيز التبادل السلعي والنقدي بل يتعداه إلى مختلف الحاجات والمنافع الإجتماعية والرمزية ما دام المستفيد منها مستعدا لأداء "الحق الريعي" للحصول على حاجته أو منفعته؛ وليس ضروريا أن يتم تسديد الريع نقدا أو بشكل مستقل كما قد توحي كلمة إقتطاع، فتسديده قد يأخذ أيضا شكل خدمات مادية أو سياسية، كما قد يتداخل مع تبادل سلعي عادي فيعدل شروطه ويزيد كلفته.

 

الريع والسلطة


دلت دراسة وثائق الحضارات القديمة في العراق ومصر وبلاد الشام وأساطيرها، بعد التمكن من فك رموزها ولغاتها، إلى العلاقة الوثيقة بين نشوء أنظمة السلطة فيها وانتقالها من طور التكتلات العائلية والقبلية إلى طور المدينة والدولة وبين تشكل نمط إجتماعي قائم على الريع الطوعي المؤدى للآلهة والكهنة وللملك-الكاهن. وتعود أساطير تلك الشعوب وطقوسها وقناعات أبنائها الدينية في أجزاء أساسية منها وبشكل واضح إلى حدث تشكل السلطة وشروط استمراره، وما زال الكثير من هذه المفاهيم القديمة حاضرا في أذهان معاصرينا وفاعلا في تصرفاتهم، وإن مانعوا في الإعتراف بها. ومنها المقاربات السحرية للواقع ومفاهيم النجس والطهارة والحرام ومواضيع الأضاحي والنذور والوقف وغيرها.

فالعلاقات الريعية هي ذاتها الشكل البدائي والأول للعلاقة السلطوية كعلاقة كلية يتشابك فيها السلطان والدين، كحيزين غير منفصلين. وهي مستمرة، إن متحكمة بالمجتمع، وهي الحالة الغالبة، أو مستبقاة في أجزاء منه ومطوقة، وهو الإستثناء. 

 

أمثلة وشواهد


أكثر أشكال الريع شيوعا الريع العقاري، لأن الزراعة كانت حتى زمن قريب مصدر الثروة الرئيسي، والريع هو ما يتقاضاه "مالك" الأرض لقاء رضاه بأن يعمل عليها مستثمرون آخرون ويوظفوا رأسمالهم وعملهم لزراعتها أو البناء عليها أو غيره. ويتشكل سعر الأرض من استحضار ريوعها المرتقبة، وهو بالتالي مرتبط عضويا لناحية الريع المطلق بنوعية النشاطات الإنتاجية التي يمكن إقامتها عليها، من زراعة أو صناعة أو سياحة أو تجارة وقابلية المجتمع ببناه القانونية والسياسية والإقتصاد بحسب قطاعاته ووتائر نموه ووفرة المال فيه للإقتطاع الريعي ، وهو كذلك مرتبط لناحية الريع النسبي بجدوى النشاطات الإنتاجية التي يمكن إقامتها عليها، إن لخصب الأرض أو لموقعها أو لتصنيفها وعامل الإستثمار المسموح به عليها أو لأي سبب آخر.

وينطبق التثمين الريعي على المناجم، ويشهد تقلب أسعار النفط خلال السنوات الثلاثين الأخيرة بوضوح كلي على أن الريع المطلق يعبر مباشرة عن تقلب ميزان القوى بين المقتطعين (منظمة الدول المصدرة للنفط) والمقتطع منهم (الدول المستهلكة)، بينما تعبر فروقات أسعار أصنافه عن عناصر الريع النسبي المختلفة من فروقات في نوعيته وأكلاف استخراجه ونقله.

والشكل الثالث المعتاد تاريخيا للريوع، غير تملك الأرض والمناجم، هو تملك السلطة بذاتها. والريع السلطوي هو الشكل الأصيل لكن ترسخ نمط الإنتاج الرأسمالي فرض تراجعه وتأطيره ضمن منظومة مفاهيمه القانونية ونزع عنه تبريراته الدينية والأسطورية فصار يبدو أكثر فجاجة من الأشكال الأخرى المبنية على مفهوم الملكية أو المغلفة بها. إنما السلطة في الحضارات القديمة تأسست عليه، ومن أهرام مصر إلى قصور بني عثمان، بقي الإقتطاع الريعي فاعلا فعله على أجيال متعاقبة من البشر، من أبناء هذا الشرق نفسه، فترسخ في الأذهان أن الإقتطاع الريعي والسعي للتهرب منه سنة الحياة المحتومة، وأن السلطة قدر جائر، وأن الملك العادل يكاد يكون نبيا، وسقف طموح اللبنانيين رئيس جمهورية عادل ونظيف الكف.

 

شروط نشوء الريع


تنمو الأشكال الريعية على أطراف الإنتاج، أي من خلال تحكم فئات معينة ببعض من شروط الإنتاج التي لا يمكن لنمط الإنتاج إنتاجها بنفسه من ضمن قوانين عمله وإنما يكون بحاجة إليها.

الريع بطبيعته علاقة طفيلية، ولا يصح بالتالي الكلام عن نمط إنتاج ريعي، حرصا على الدقة في التعبير، ومن الأفضل القول بنمط علاقات ريعية أو نمط سلطة ريعي. والإقتطاع الريعي يواجه ممانعة تلقائية من الفئات المنضوية ضمن الإنتاج، وكلما اشتدت قوة هذه الفئات أو كلما وجدت نفسها في مرحلة صراع تناحري، تضيق هذه القوى الحيز المتاح للريوع.

ويجب من ناحية أخرى، وأيضا من باب الحرص على الدقة في التعبير، إقامة تمييز بين نمط العلاقات الريعية والنهب والبلص، لأن الإقتطاع الريعي يتم من ضمن الإنتظام الإجتماعي بينما النهب خارج عنه أو معتبر بحكم الخارج. فالإقتطاع الريعي يتم برضى المقتطع منهم، أو أقله بالرضى عن مبدأه إن لم يكن عن حجمه أو شكله أو هوية المستفيدين منه. ويدور معظم التاريخ السياسي للأنظمة الريعية حول تعديل أحجام الريع أو أشكاله أو هوية المستفيدين منه، بينما يطمس واقع حياة الشعوب ويخفيه، وتاريخ الدول، لا بل لفظة الدولة بذاتها، في شرقنا، خير دليل على هذا المضمون للتاريخ وعلى ذاك المخفي والمطموس منه.

 

علاقة النمط الريعي بمستوى الإنتاج والإنتاجية


يترجم النمط الريعي في المجال الإقتصادي ارتفاعا وظيفيا في الأكلاف الفعلية، فهو يؤتي مفاعيله أصلا من خلال رفع الأكلاف. وبينما يتطور النمط الرأسمالي من خلال إدارة تناقض منطقي السعي الدائم لرفع معدلات الربح على رأسمال متزايد حجما وإنتاجا والحاجة في المقابل لسوق استهلاكية مليئة لتصريف ذاك الإنتاج وتحقيق الربح، يتأبد النمط الريعي من خلال استبقاء توازن بين منطقي إقتطاع يسعى لتوسيع حصته وقاعدة إنتاجية تبقى حيوية بالنسبة إليه تحاول الإستمرار تحت ضغط أكلاف الإقتطاع لكن طموحها المتاح والأقرب يصبح احتلال موقع إقتطاعي لها بدورها، أكثر منه توسيع إنتاجها. لذا تتوافق الأنماط الريعية مع مستويات محدودة من القدرات الإنتاجية وتساهم بدورها في الحد من تطور مستويات الإنتاج.

يقوم النمط الرأسمالي على تراكم رأس المال ويتحرك ويتطور من ضمن تناقض دائم له شكلان مختلفان من حيث الجوهر وإنما متداخلان من حيث التطبيق: شكل عام يطال النظام ككل بكافة رساميله وشكل خاص يترجم تنافسا حادا بين شرائح رأس المال، وسببه عدم تكافؤ الطاقة الإنتاجية المتزايدة مع قدرة تصريف يحدها استئثار رأس المال بالقسط الأوفر من القيمة المضافة، وتترجم أزمات دورية في الأسعار والبطالة والإفلاسات ونزعة دائمة للتوسع السوقي والتقني والعسكري وتطويرا للآليات العسكرية التي تستوعب فوائض رأس المال وتنمية لدور الدولة لتأمين غايتين أساسيتين: من جهة ضبط التناقضات الأساسية للتراكم الرأسمالي وإدارة الأزمات من خلال السياسات النقدية وآليات إعادة التوزيع، ومن جهة أخرى ليتولى رأس المال العام الذي يرضى بمعدلات ربحية متدنية أو حتى سلبية القطاعات الإقتصادية الأقل ربحية (كالتعليم والبنى التحتية والبحث العلمي المجرد) تاركا لشرائح رأس المال المهيمنة القطاعات الإقتصادية الأعلى ربحية.

بخلاف النمط الرأسمالي، لا يسمح النمط الريعي بتراكم رأسالمال الإنتاجي بسبب آلية الإقتطاع ولزومية الإنفاق الإستعراضي والتوزيعي، وهو يتوازن ويستمر من ضمن تناقض دائم له شكلان مختلفان من حيث الجوهر وإنما متداخلان من حيث التطبيق: شكل عام يطال النظام ككل بكافة حلقاته ومواقعه وشكل خاص يترجم تناحرا حادا بين العصبيات الريعية، وسببه عدم تكافؤ الحاجة الإقتطاعية الإستهلاكية المتزايدة مع قدرة إنتاج يحدها الإقتطاع الريعي مستئثارا بالقسط الأوفر من الثروة المتوفرة، وتترجم أزمات دورية في السلطة السياسية وفي الولاء والتوحيد والتوازن والتداول ونزعة دائمة للتورم الإنفاقي والتوظيفي والتلزيمي وتطويرا للأجهزة العسكرية والقمعية التي تستوعب أقساطا متزايدة من الثروة وتقوية لدور الدولة لتأمين غايتين أساسيتين: من جهة توفير إطار لتوازن حصص العصبيات المهيمنة من ضمن تراتبية الغلبة بينها وإدارة الأزمات من خلال استيعاب ما أمكن من المعارضين وتصفية مواقع من لزم من المغالين من باب فداء الكل بالجزء وإعادة ضخ ثرواتهم ومواقعهم في قنوات التوزيع، ومن جهة أخرى إدارة العلاقات الخارجية بحسب ما تسمح به موازين القوى درءا للمخاطر عن السلطة الداخلية ودعما لها أو توسعا للسيطرة على موارد خارجية.

ومن هنا يأتي أن غلبة النمط الريعي تترافق مع فهم مختلف للسلطة وللشأن العام وتفترض توفر مستويات محدودة من الثروة، بين أرض وسقف، فإن تدنت الثروة المتوفرة دون الحد الأدنى تحللت السلطة ونزع المجتمع نحو التفتت، وإن فاقت الحد الأعلى قويت النزعات الإنتاجية والإنفاقية وتهدد النمط الريعي نفسه إما بالإنقلاب أو بالتورم في مجالات الترف أو الحروب.

تتصل هذه المقاربة بمسائل تاريخية عديدة، منها النظرة الخلدونية والنهضة الأوروبية والدولة الرومانية في عصر انحطاطها والدولة البيزنطية، والدولة الإسلامية والسلطنة العثمانية، عدا طبعا عن التاريخ العربي المعاصر.

 

منظومة المفاهيم الإجتماعية المتصلة بالنمط الريعي


خلافا للنمط الرأسمالي، الذي يقوم على تملك خاص لوسائل الإنتاج وفصلها عن العمل وتوسيع دائرة التبادل السلعي-النقدي، وخلافا للنمط البدائي أيضا، الذي يقوم على عدم فصل العمل عن وسائل الإنتاج وعدم تحويل العمل إلى سلعة (والتحديد بالنفي إلزامي ومقصود لأن فصل المفاهيم عملية تاريخية بذاتها)، يقوم النمط الريعي على احتلال خاص للمواقع الإقتطاعية. وبحكم نمط العلاقات الريعية، يغدو المقام أو الموقع أولى من الوظيفة الإقتصادية أو الإجتماعية لأن الموقع هو الوظيفة تحديدا، والمقصود بالموقع مدلوله العام، فالمنطق نفسه ينطبق على المواقع الشخصية تجاه السلطة وعلى المواقع التجارية في دائرة التوريد والتوزيع وعلى المواقع الطبيعية والعقارية. ويكتسب الإستهلاك الإستعراضي دورا خاصا وأساسيا في هذا المجال، فهو الذي يثبت احتلال الفرد الموقع السلطوي المؤسس للإقتطاع الريعي في أعين المجموعة، وهو الذي يسمح بإعادة توزيع جزء من الثروة المقتطعة تأمينا لاستمرار تقبل شرعيتها وإثباتا لقوة المستفيد الريعي وشرعيته أي غناه بالتحديد (وتكرارا ما أبلغ الكلمات، فالغنى هو استغناء عن الثروة بتدميرها استهلاكها أمام فاقديها واستغناء عن ضرورة العمل والربح والجهد). ويصبح الكرم الذي نصوره فضيلة تكريسا لدور إقتصادي وظيفي يناقض في جوهره منطق الإقتصاد والتراكم (ومن أبخل، على ما يقال، من الأسكتلنديين، ومن كان أفعل منهم في تكوين أسس التراكم الرأسمالي في بريطانية؟).

ويكتسب النجاح بدوره معنى خاصا، فهو ليس مجرد طموح مشروع كما توحي الكلمة بل يغدو ضرورة بقاء لأن الموقع الريعي يفرض النجاح في نظر المجموعة شرطا مسبقا له. لذا يصعب على المقتطع الريعي التعامل مع موقعه الإجتماعي والإقتصادي من خارج الصورة التي تردها له مرآة المجموعة، فترى كثرة من اللبنانيين يفضلون الهجرة وممارسة أعمال يديوية بسيطة في المهاجر على ممارسة نفس الأعمال في لبنان حيث هم تجار أو موظفون أو أصحاب مهن حرة، وترى لدى كثير منهم ممانعة ذهنية حيال قراءة واقع أمرهم لمواجهته، أكان في المجال السياسي أو في المجال المهني والمالي.

من ضمن هذه الصورة لا يبقى أي معنى لمفهومي العام والخاص المزدوجين، شأنا أو ملكا أو حياة. لأنهما يتأسسان من ضمن تقبل بنية حقوقية واحدة متواصلة تحدد موقعي الفرد (المواطن) والسلطة (الدولة) معا. ويحل محلهما مفهوما الجماعة والسلطة اللذان يتأسسان على فرضية اختلاف في الأصل بين بنيتي المجموعة المركبة (الطائفة أو العشيرة أو القرية أو الحي) التي يتحدد موقع الفرد من خلالها والسلطة الخارجية التي يتم التعامل معها من منطلق بنية المجموعة. هذه الغربة عن السلطة، الموروثة من آلاف متعاقبة من السنين، والمتجلية في السلوك السياسي للنخب والقيادات، هي الوجه الآخر الملازم لضياع الشعور بالحيز العام الظاهر في السلوك الإجتماعي للعموم.

 

شروط استمرار النمط الريعي


مشكلة النمط الريعي، متى آلت إليه الغلبة في مجتمع ما، أنه يواجه صعوبة محددة في إعادة إنتاج شروط عمله من خلال تأمين استمرار قاعدة من الثروة لا يقوم ولا يستمر إلا من خلال استنزافها وإضعافها. وهو لأجل ذلك لا يستمر إلا من خلال حركية دوله وانقلابها.

قد فند إبن خلدون ظاهرة الدورية في السلطة وآلية العصبية. وما زالت ظاهرة التداول العنيف على مواقع السلطة الإقتطاعية من ضمن النمط الريعي قائمة بوضوح حتى أيامنا. لكن قراءة متأنية للتاريخ تشير إلى أن إمساك الأنماط الريعية بالسلطة يرتبط على العموم بتوفر مصادر ثروة خارجية محصورة وكبيرة قياسا على مصادر الثروة المتوفرة داخليا، أكانت هذه المصادر مرتبطة بخط تجاري عالمي (تحكم دول الشرق القديمة والوسيطة بتجارة المتوسط وأوروبة مع الشرق الأقصى أو تحكم دول شمال إفريقية ومصر بتجارة ذهب السودان نحو المتوسط أو تجارة استيراد المشرق خلال بيروت) أو بحركية نهب خارجي حربي (توسع الأمبراطورية الرومانية أو الفتوحات العربية أو التوسع العثماني أو نهب إسبانية معادن أمريكة) أو بحركة استهلاك لمخزون من الثروة أو لموقع متميز يتحكم بأحد شلروط إنتاجها (جزر أمريكة الوسطى وسكر القصب أو نفط الدول العربية الخليجية وسلطنة بروني أو الأمبراطوريات الإفريقية وتصدير العبيد). وتلعب مصادر الثروة الخارجية هذه دورا أساسيا في حل تناقض النمط الريعي.

 

معنى آخر للنهضة


حاولنا بالخطاب أن نخرج من مجال الخطاب إلى مجال التاريخ. لكن مجال الخطاب ليس كالمجال المادي، فهو لا يعرف خارجا أو داخلا أو حدودا ولا يعترف بها. وكل خطاب أسير للخطابات كلها. إن صح أن منظومة ثقافية معينة تتحدد ببنية العلاقات بين مجالات مختلفة تحكم مستويات الذات الفردية والجماعية وتوفر الأطر المفهومية والمرجعية للسلوك، فيبدو أن مقارنة الثقافة الغربية بثقافتنا تشير إلى أولوية المجال المادي، بما هو مجال العمل والقياس، في الأولى، وإلى أولوية المجال الخطابي، بما هو مجال التعامل والإحاطة والإستيعاب، في الثانية. ونورد على سبيل الإشارة أنه، لما قدم مهندس ألماني لمساحة الأراضي في أيام القائمقاميتين، إعترض الأهالي فاعتمدت الأعراف في تكوين سجلات الطابو.

لا خروج من الخطاب بالخطاب وحده. ثمة ضرورة لبناء علاقة مختلفة مع الواقع التاريخي ومع الذات، لا إراديا بل دفعا للهزائم والإحباطات، ولا من العدم بل إطلاقا لعوامل باتت داخلية وإنما معاقة. ليبرالية ربما، لكن المفاهيم الفاعلة لا تتكون إسقاطا ولا تصاغ خطابيا، بل تنتج بالعلاقة مع ممارسات مختلفة للسلطة وتجاهها. ولا تتغير أشكال التعامل مع السلطة وبها ما دامت الصيغ القائمة توفر فائضا من البدائل السهلة والمتجددة للأفراد والجماعات، مع ما لديهم من براعة في التكيف ليست في المحصلة إلا إجهاضا للتحديات وللتناقضات الواعدة.

وفر عصر النهضة مقدمات دون شك ووفر شروطا لتراكمات مادية وفكرية عديدة، وإن غير كافية أو مغلوبة. كلها تكون الإرث والذخيرة، فعلا، لا أسطوريا كما يدعي ويصور مروجو نظريات التعددية من ناحية ومروجو الأصوليات المختلفة من الناحية ذاتها. وتأتي تحديدا عملية بناء علاقة مختلفة بالتاريخ وبمجال العمل المادي في مرتبة متقدمة بين مهام الورشة الكبيرة.