الجمهورية في مواجهة حكم رجال الدين

اريك رولو[1]

Eric ROULEAU

يونيو/حزيران 2001

 

لبست طهران في ذاك المساء حلة العيد. ازدحمت الشوارع بما لا يحصى من السيارات التي حشرت بالأهل والأولاد، إنما بشكل عام كانت تستقلها زمَر من المراهقين. وكانت أصوات صفارات الإنذار تختلط بالجلبة المتصاعدة من البحر البشري الذي تدفق الى الشارع وممرات المشاة. إلا ان المراكز التجارية في يوم العطلة هذا, إضافة الى المقاهي والمطاعم ومحال الوجبات الأميركية السريعة, كانت كلها مقفلة. وكانت الحشود الشعبية، وهي في معظمها من الشباب، تتقدم ببطء فيما تنعقد الحلقات هنا وهناك، وفي جو بادي الارتياح تدور الأحاديث بين الشبان والفتيات اللواتي كنّ بأعداد كبيرة، يرتدين فساتين ملونة طويلة الأكمام لا التشادور وفقا للشريعة الإسلامية المتشددة، وقد حسرن عن وجوههن المتبرجة أحيانا فيما عقدن الحجاب "الإسلامي" كيفما كان حول رؤوسهن وأبرزن بعض خصل الشعر المسرحة بكل عناية. وتشابكت بين بعض الأزواج الأكف أو الأيدي على شيء من الحياء، في  مشهد لم يكن مألوفا سابقا، إنما لم يعد يثير استغراب أحد في بلد استمرت عاداته في التطور بالقوة تحت الأنظار المستنكرة إنما الراضخة، لحراس الثورة الاسلامية المتزمتين [2].

وفجأة تحوّل العيد مواجهات عنيفة، إذ انقضت على الجماهير افواج من الباسيج، الميليشيات المدنية، بقمصانهم وسراويلهم السود بلون مناديلهم المعقودة على أعناقهم، بعضهم راجل والبعض الآخر على دراجات النارية الصغيرة، فهاجموا المتسكعين يضربونهم بالهراوات ويوقفون من يرفضون التفرق ليرموهم بعضهم فوق بعض في سيارات الشرطة.

ولدى سؤاله أجاب أحد عناصر الميليشيا صارخاً:" لقد جاء هؤلاء الداعرون الى هنا كي يتبادلوا الغرام!" ففي ذلك المساء كان الأيرانيون يحيون عاشوراء، ذكرى استشهاد الامام الحسين الذي قتله في القرن السابع مع مجموعة من محازبيه جيش الخليفة الذي اعتبره المتمردون مغتصبا السلطة. والامام الحسين الذي يحيطه مسلمو الطائفة الشيعية بالاجلال، هو رمز التضحية السامية في النضال ضد الاستبداد والظلم.  ويتميز يوم الحزن الوطني هذا بمشاهد جماعية من جلد الذات في الصباح، وبتطواف المؤمنين حملة الشموع في المساء. وهذا طبعا ما يجعل تصرف الشباب الإيراني في ذلك المساء منافيا لهذا التقليد المقدس. ويصيح أحدهم مشهِّدا أحد المارة من الأجانب: "نحن لا نقل إيمانا عن هؤلاء الوحوش! لكنهم يريدون ان يفرضوا علينا مبادئهم الدينية، وأن يصادروا أدنى الحريات التي يحق لنا التمتع بها! نعم لقد فهموا تماما أن أسلوبنا الاحتفالي بعاشوراء هو أيضا، وفي نوع خاص، تعبير عن معارضة الديكتاتورية!"

وهذا الحدث كان استثنائيا، إذ كان قد قام نوع من ميثاق عدم اعتداء بين القوات النظامية والشباب، يمتنع بموجبه هؤلاء عن المعارضة الناشطة لنظام رجال الدين، فيتجنبون مثلا الاضرابات والتظاهرات، التي انتهت في السنوات الأخيرة الى حمامات من الدم، وفي المقابل يكف عناصر الميليشيا عن التدخل في شؤون المواطنين الخاصة. وهكذا انتشرت الصحون اللاقطة الممنوعة قانونيا في ارجاء البلاد، كما أن اشرطة تسجيل الأغاني أو الفيديو التي تحوي في معظمها أفلاما او تسجيلات غنائية غربية، المعتبرة هي أيضا مدنسة، باتت تباع في الشوارع العامة في ظل لامبالاة واضحة من عناصر الميليشيا، كما أن هؤلاء ما عادوا يتدخلون عندما يقيم الشبان في منازلهم سهرات راقصة صاخبة وحميمة، او عندما ينظمون حفلات من موسيقى الروك والبوب، حيث لا يندر شرب الكحول المهربة، وكل ذلك في أجواء مختلطة كليا بين الشبان والفتيات. ويحدث ذلك كله وكأنما المؤسسة المتزمتة قد تآلفت مع ثقافة مضادة لا يمكنها استئصالها من دون أن تضحي بالسلم الأهلي. وفي الواقع أن واحدا من اثنين من الأيرانيين هو دون الثامنة عشرة من العمر، واثنين من ثلاثة دون الخامسة والثلاثين، وغالبية الشباب، وخصوصا النساء، يشكلون القوة الانتخابية التي أمّنت فوز الاصلاحيين في مختلف العمليات الانتخابية.

وقد انسحب المحافظون من الجبهة الاجتماعية ليولوا الجانب السياسي كامل اهتمامهم متوجهين في نوع خاص ضد الصحافة المستقلة التي بدا دورها حاسما. فخلال فترة العفو التي أعقبت انتخاب الرئيس محمد خاتمي في أيار/مايو عام 1997، سمح مجددا بصدور مئات المنشورات الصحافية، اليومية أو المجلات السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، وفقا لمبدأ الحريات المنصوص عليه في الدستور، وهذا ما شجع الصحافيين الذين لم يتورعوا عن تحدي السلطة وعقائدها، وراحت المحرمات تسقط الواحدة تلو الأخرى، وأعضاء بارزون في صفوف رجال الدين إضافة الى بعض الفلاسفة يدافعون عن نظريات "تحريفية"، كتلك الداعية الى إسلام منفتح على مفاهيم حقوق الانسان والديموقراطية والعلمنة غير المعلنة.

أما إجراءات التخويف فلم تعطِ نتائج مهمة، فقد أغلقت بعض الصحف لكنها سرعان ما عادت الى الصدور بأسماء جديدة، وعندما أقال البرلمان الخاضع للمحافظين وزير الداخلية عبد الله نوري من منصبه، وهو تقدمي من كبار رجال الدين واحد أهم القادة الإصلاحيين، عين مكانه على الفور أحد المقربين من الرئيس. أما سلسلة الاغتيالات التي طاولت المعارضين في خريف العام 1998 فقد انتهت الى عكس النتائج المرجوة، إذ تمكن الرئيس خاتمي من فرض فتح تحقيق وتجريم مرتكبي الجرائم وكلهم من عناصر جهاز المخابرات، وقد حكم على ثلاثة منهم بالاعدام. وعلى أثر ذلك تمكن رئيس الدولة من إقصاء وزير الإعلام، أحد اتباع آية الله خامنئي "المرشد الأعلى" للثورة وخليفة الإمام الخميني، وعين مكانه أحد المعتدلين. ويعتبر هذا الحدث سابقة، إذ كان من المعهود في تاريخ الجمهورية الاسلامية عدم الاعتراف بالجرائم السياسية التي غالبا ما تعطى طابع الحادث أو الجريمة العادية، فلا يعاقَب عليها.

وقد استنتج المحافظون في المرحلة الأولى من الولاية الرئاسية أن محمد خاتمي يتقدم عليهم، وأن المجتمع المدني يرفض الإذعان رغم مضايقتهم وسائل الاعلام المعارضة. ومع إقتراب موعد الانتخابات التشريعية في شباط/فبراير عام 2000 كانت السلطة التيوقراطية تتفتت تدريجيا، وكان الاصلاحيون قد حققوا انتصارين باهرين في الانتخابات الرئاسية (أيار/مايو 1997) وفي الانتخابات البلدية (شباط/فبراير عام 2000) حاصدين في كل مرة حوالى 70 في المئة من الأصوات. ولم تثمر أيضا المحاولات التي قام بها المحافظون لتزوير الانتخابات النيابية، فأعطت الموجة الاصلاحية ثلثي المقاعد لأنصار التغيير مثيرة بوادر الذعر في معسكر المحافظين. وإذ أحسوا بالكارثة, عدّل المجلس المنتهية مدته، ما بين الدورتين، القانون المتعلق بالصحافة، مانعا بذلك الصحف الموقوفة من الصدور مجددا بأسماء مختلفة، وحارما جميع الصحافيين الموظفين فيها من العمل في صحف أخرى، وعندما أقرت الأغلبية الاصلاحية في ما بعد مشروع قانون يلغي التعديلات استخدم آية الله خامنئي حق الفيتو زاعما أن النص يخالف مبادئ الاسلام، وهكذا وجدت الغالبية الجديدة نفسها مقيدة.

أما السنة الرابعة والأخيرة من الولاية الرئاسية فقد تميزت، ابتداء من ربيع العام 2000، بحملة قمع لم يسبق لها مثيل منذ وفاة الإمام الخميني في العام 1989. فقد أعلن آية الله خامنئي بدون أي مواربة أن الاسلام يشرّع العنف بمجرد أن تنتهك مبادئه، وكان قد سبقه الى ذلك آية الله مصباح يزدي،  زعيم اليمين المتطرف، حين أعلن في عظاته أن اللجوء الى العنف "ملزِم" إذا لم يكن في الإمكان الدفاع عن الجمهورية الإسلامية بطريقة أخرى، "حتى وإن أدى ذلك الى مقتل آلاف الأشخاص"، مضيفا أن من واجب كل مسلم صالح أن يبادر شخصيا الى أن "يقتل فورا " أي كافر "يهين الإسلام او رسوله".

هذه الدعوة الى القتل استجابها طالب شاب، ما بين الدورتين الانتخابيتين، فأطلق النار من مسافة قريبة على مخطط الفوز الإصلاحي السيد سعيد حجاريان، مستشار الرئيس خاتمي وصديقه الشخصي، وأخيرا، فان هذا الزعيم الاصلاحي الذي أصيب في عموده الفقري فبات مقعدا في كرسي نقال ويتكلم بصعوبة، أثار وهو يبتسم "اهتمام"  المرشد، الذي استقبله في هذا الربيع، بعد سنة على محاولة الاغتيال، ليتمنى له الشفاء. وقد أوضح السيد سعيد حجاريان أنه رفض اللجوء الى القضاء بحسب القانون الاسلامي لأنه يعتبر أن المعتدي عليه لم يكن سوى أداة في يد "حصن الأشباح"، والمقصود بهذه العبارة التي أصبحت على كل لسان في أوساط المعارضين، الموقع الاسطوري حيث بعض الشخصيات المرموقة تدير في الخفاء حملة الرعب.

ويسير القمع على قدم وساق مع الارهاب، فإضافة الى إغلاق حوالى ثلاثين صحيفة نهائيا، عمّت موجة من الاعتقالات التي طاولت مختلف فئات المجتمع المدني، من صحافيين الى محامين وجامعيين وقادة طالبين وناشرين ورجال دين وسياسيين. وإذ يتهمون بحسب الحالات, بنشاطات أو بكتابات أو آراء تعتبر متمردة، فان بعضهم يحكم بالسجن لمدد طويلة إثر محاكمات علنية أو مغلقة، ويسجن البعض في أماكن يجهلها أهلهم ومحاموهم، وجميعهم يخضعون، معصوبي الأعين، لعمليات استجواب طويلة وعنيفة ويجبرون على الأعتذار علنا "مقرين" بذنبهم أمام كاميرات التلفزة.

لكن أيا منهم لم يرضخ للابتزاز، بل بالعكس فقد أكدوا جميعهم اقتناعاتهم وحقهم في التعبير عن آرائهم. هذا هو موقف حجة الاسلام يوسفي اشكفاري، الفقيه الشهير ومؤلف دائرة المعارف الرائعة حول المذهب الشيعي وقد اتهم بالكفر لأنه قال، مما قاله، بفصل الدين عن الدولة وبأن الإسلام لم يفرض الحجاب على المرأة (حكم عليه بالاعدام في محاكمة مغلقة). وموقف ماشاءالله شمس الواعظين، الشاب النشيط الذي رئس تحرير سلسلة من الصحف التي عطلت، وبرر قراره بنشر مقال يدعو فيه باسم الاسلام الى الغاء عقوبة الإعدام (وهو ينفذ الآن عقوبة بالسجن لمدة ثلاثين شهراً في انتظار أن يمثل أمام المحاكمة في "جرائم" أخرى). وكذلك السيد أكبر خانجي، الأكثر شعبية بين الصحافيين الاصلاحيين وهو مسلم تقي اشتهر باستنكاره " الفاشية الإسلامية" وبكتابه الأخير المرمز "اصحاب النفوذ" عن آيات الله، وقد كشف أسماءهم خلال محاكمته،  متهما إياهم بانهم وجهوا مئات الاغتيالات في السنين العشر الأخيرة (ما كلفه عشر سنين سجنا)، وأخيرا موقف السيد عزت الله صحابي، وهو رجل سبعيني مصاب بأمراض قلبية خطيرة، كان عضوا في مجلس الثورة الذي أسسه الإمام الخميني في العام 1979، وقد رأى في كتاباته أن الثورة قد انحرفت على أيدي أنصار الإسلام التوتاليتاري.

وحتى أواخر أيار/مايو من هذا العام كان مصيره مجهولا هو وأمثاله، وهم حوالى ستين مسؤولا سياسيا أوقفوا في الربيع الحالي وينتمون الى حركة "رجال الدين الوطنيين". واذ كانوا منذ زمن طويل اخصام النظام التيوقراطي، ومع أن السلطة سمحت لهم بالعمل، فقد اتهموا بالتآمر لاطاحة النظام، وهي تهمة قد يواجهون فيها عقوبة الاعدام. وهناك حزبان كانا مستهدفين هما حركة المسلمين المناضلين ذات النزعة الاشتراكية الديموقراطية بزعامة الدكتور حبيب الله بايمان المعتقل، والحركة من أجل الحرية، بزعامة الدكتور إبرهيم يزدي، الوزير في حكومة الجمهورية الأولى، وهو يعالج في الولايات المتحدة من مرض السرطان وقد أعلن أنه سيمثل أمام المحكمة ما إن ينتهي من علاجه.

وتنظم عملية القمع  "السلطة القضائية" البالغة النفوذ والتي تعمل باستقلالية شبه تامة  والمرتبطة حصرا ب "المرشد الأعلى"،  وفي تصرفها أجهزة استخبارات وبوليس خاصة بها، وأماكن اعتقال سرية، ويضطلع عملاؤها،  بالتناوب أو بالتزامن، بوظائف وكيل النيابة العامة والمدعي العام والقاضي. وهي تدير شبكة من المحاكم المسماة ثورية ودينية وصحافية وللحقوق العامة. والمتهمون لا يحاكمون وجاهيا، وفي هذه الحالات يتولى مدعٍ عام أو قاضٍ إبلاغهم بالحكم الصادر ضدهم في سجونهم.

وعندما اتهم رئيس السلطة القضائية آية الله هاشمي شهروردي بأنه يخرق الدستور والقوانين المرعية الإجراء، وخصوصا من جانب الغالبية البرلمانية، ردّ على ذلك بأن رجال الدين وحدهم هم المخّولون تأويل النصوص الدينية. وهكذا كان مرجعه أعوانه وهم في معظمهم من رجال الدين المنتمين إلى مدرسة حقاني الفقهية، وهذه المؤسسة المتميزة في ما مضى في ظل إدارة آيات الله المتنورين نسبيا، تحولت في السنوات الأخيرة بؤرة تخريج الظلاميين من اليمين المتطرف، وقد نعتهم أحد كبار رجال الدين في حضورنا بأنهم "طالبان" إيران. ويمتد نفوذهم الى مجمل أجهزة الدولة، ومن ضمنها ديوان "المرشد الأعلى"، وحتى الى داخل الامبراطورية الاعلامية "كايهان" التي يديرها السيد حسين شريعتمداري أحد العاملين السابقين في جهاز الاستخبارات. أما رئيسهم فهو آية الله مصباح يزدي، المنظّر لاستخدام العنف والاغتيالات السياسية، والذي يدرّس تحديدا في مدرسة حقاني في مدينة قم المقدسة.

وبالرغم من كل شيء فان "اصحاب النفوذ" لا يخيفون أحدا، فبالتأكيد أن المناضلين السياسيين السريين الى حد ما, يتخذون احتياطات استثنائية للتحدث مع الصحافي الزائر، فيتحاشون ضرب المواعيد في الأماكن العامة، ويقفلون هواتفهم الخليوية ويشترطون قبل إجراء الحديث عدم ذكر الأسماء، لكنهم قد يتخلون عن هذه الاجراءات أحيانا، فالصحافيون الذين يعملون  في الصحف المستقلة، وعددها سبع اضافة الى مختلف المنشورات الاصلاحية التي أفلتت من المجزرة الصحافية، لا يتورعون عن انتقاد النظام انما في الحقيقة بأساليب أقل عدائية من ذي قبل. والمسؤولون السياسيون،  حتى الذين افرج عنهم موقتا، يتحدثون برصانة لافتة. فالتصريحات التهديدية الصادرة عن كبار شخصيات الحكم غالبا ما تواجه بالسخرية أو بالهدوء الواضح، وتعود ثقة الاصلاحيين هذه في جزء كبير منها الى اقتناعهم بأن عنف السلطة سيضعف الثقة بالنظام أكثر وسيبوء بالفشل.

لكنهم في المقابل يقلقون من تأثير القمع على الناخبين، على اعتبار أنه سيؤكد عجز الرئيس خاتمي عن حماية اتباعه، وسيزيد من حجم المقاطعين في الانتخابات الرئاسية المرتقبة في الثامن من حزيران/يونيو. فقد انتقدت كبرى المنظمات الطالبية، وتضم 500000 عضو، عدم اكتراث رئيس الدولة وردد أحيانا بعض المتظاهرين في الحرم الجامعي شعارات تطالبه بالاستقالة.

 

 

لقد طفح الكيل لأسباب كثيرة، فنسبة البطالة لم تتراجع في ولاية الرئيس خاتمي الأولى، وهي 20 في المئة بحسب بعض التقديرات المستقلة، تماما مثل نسبة التضخم (17 في المئة). أما خريجو المعاهد الكبرى فيرضخون للامر الواقع ويشغلون مراتب ثانوية ويحلمون بالهجرة، فبحسب الاحصاءات الرسمية غادر البلاد نهائيا في العام الماضي أكثر من 200000 شخص من مختلف الطبقات لينضموا الى الثلاثة ملايين مهاجر. أما الدوائر الصحية فدقت ناقوس الخطر لافتة الى أن الامراض النفسية، مثل الانهيارات العصبية وانفصام الشخصية، تصيب شرائح واسعة من الشباب، الذين فرض عليهم أن يعيشوا حياة مزدوجة، واحدة علنية خاضعة لتوجيهات الاسلام الصارمة، والأخرى سرية وفقا لثقافة معاكسة يمارسونها في مساكنهم.

وما يثير قلق علماء الاجتماع هو تزايد استهلاك المخدرات،  وخصوصا الهيرويين، التي تستورد من أفغانستان بأسعار رخيصة ( واجماليا أحصي وجود مليوني مدمن في ايران)، أما المسؤولون السياسيون،  من اليمين واليسار،  فيأسفون لعملية الاستقطاب الخطيرة الجارية، فمن جهة هناك شباب محبط من عجز الاصلاحيين يدعو الى سياسة ارادوية تهدف الى تغيير النظام جذريا، ومن جهة اخرى هناك شباب لا يهتم بالسياسة، قليلا ما يقرأ ولا يهتم الا ببرامج المنوعات التي تبثها محطات التلفزيون الدولية، ويسمع حصرا الاذاعات الاجنبية ( بي بي سي وصوت أميركا وإذاعة اسرائيل)، وكردة فعل على الدعاية الرسمية، يبدي اعجابا مبهما بالولايات المتحدة إذ يرى فيها موطن الحريات والثقافة والغنى، ومظهرا لامبالاة حيال الدعوات لمقاتلة الصهيونية التي يطلقها المسؤولون.

أما النساء اللواتي يشكلن مع الشباب رأس الحربة في الحركة الاصلاحية، فيواصلن من جهتهن معركة لا هوادة فيها [3] . وهن يلاحظن ببعض المرارة ان البرلمان الذي انتخب في العام الماضي يضم عددا أقل من النساء بالنسبة الى البرلمان السابق (احدى عشرة من أصل 290 نائبا مقابل أربع عشرة في المجلس السابق ذي الطابع المحافظ)، وان الاحزاب والمنظمات التقدمية يسيطر عليها الذكور، وأن بعض الزعماء والبرلمانيين الاصلاحيين يعاملونهن بتعجرف. وهذا ما تستنكره مسؤولتان نسائيتان هما المناضلة الاسلامية محبوبه عباس غوليزاده، والعلمانية الواثقة سارفانيز فافا (تستنكر هذه التسمية لأسباب بديهية) فتقولان: " إن البعض منهم ينصحوننا بالاعتدال في مطالبنا وبالتروي حتى اقامة الديموقراطية" وتضيف هذه الأخيرة " إن هؤلاء المتعصبين لذكوريتهم ينسون اننا انتخبناهم من أجل تحرير المجتمع أولاً"

ومع ذلك فان محدثتينا تقران بأن نواب الأكثرية،  وبدفع من الحركات النسائية، قد أقروا مجموعة من القوانين الساعية الى الغاء التمييز في مجالات الزواج والطلاق والميراث، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك لأن مجلس الحرس الثوري، الجهاز المكلف التحقق من صلاحية اي تشريع "إسلاميا"، قد استخدم ضدها حق الفيتو. وقد اجمعتا على أن " هدفنا الأكثر الحاحاً هو رفع سن الزواج لدى الفتيات الى 15 سنة، وقد حددته الشريعة بـ 8 سنوات و9 أشهر، وهو إجراء نعتبره نوعا من تشريع لمجامعة الأطفال".

أما خلافهما الوحيد فيقع حول الشريعة، فالاسلامية تعتبر أن عليها التكيف مع متطلبات الحداثة لأن " الله ورسوله يؤيدان المساواة بين الجنسين"، اما الأخرى فتؤيد تشريعات قائمة على "العقل" انما "ملائمة للقيم الروحية".

وفي أي حال فان المناضلتين تقدران الرئيس خاتمي الذي، بحسب ما أكدتا، يعمل جادا من أجل إعلاء شأن المرأة، فمن انجازاته في هذا المجال أنه عين امرأة في منصب نائب رئيس الجمهورية، واستحدث في كل وزارة دائرة مكلفة السهر على شؤون النساء، ومول بسخاء عشرات المنظمات النسائية غير الحكومية مستعينا في الوقت نفسه ببعضهن لوضع الخطة الخمسية.

ففي طهران لا ينظر الى النتائج التي تحققت في الولاية الأولى للرئيس خاتمي على أنها سلبية كما يمكن أن يظن للوهلة الأولى، خصوصا اذا اخذت في الاعتبار العوامل التي تعيق الاصلاحيين، من ثنائية الدستور الذي يشمل في آن واحد إجراءات ديموقراطية ودينية، مع ترجيح كفة الجانب الثاني في حكم الدولة، الى نقاط الضعف في حركة تجديدية تضم 18 حزبا ومنظمة عاجزة عن انتاج خطة وقيادة مشتركتين، الى رئيس إكتفى بأن يكون ناطقا باسم الحركة وليس قائدا لها. فالسيد محمد خاتمي هو في نوع خاص مثقف انساني، مولع بالفلسفة والأخلاقيات، ولا طموح شخصيا له، وقد دفعته الظروف الى واجهة سياسية متميزة بالتعقيد والغموض، بما في ذلك من خطر على حياته. وربما أن آية الله خامنئي، الذي أغاظته "الاوهام الناشئة في الخارج"، لم يكن على خطأ عندما صرح اخيرا أن ايران ليست الاتحاد السوفياتي وأن السيد خاتمي ليس السيد غورباتشيوف فيها. وهذا ما يقتنع به الزعماء المحافظون "العقلانيون" كما يوصفون في ايران، فهم يعتبرون ان السيد محمد خاتمي، صاحب الشرعية الشعبية التي لا يمكن اطاحتها، سيكون أقل عدائية إذا اعيد انتخابه بغالبية ضئيلة نسبياً.

ولأن الاصلاحيين يخشون ارتفاع نسبة المقاطعين في انتخابات 8 حزيران/يونيو، وخصوصا في غياب مرشح محافظ ذي صدقية، فانهم حاولوا تجييش الشعب بإضفاء بعد آخر على المعركة، فهم يكررون ان الأمر لا يتعلق بانتخابات رئاسية وحسب، بل هو "استفتاء"، وهم بوضوح يريدون من وراء ذلك القول أن الخيار هو بشكل أساسي بين الديموقراطية والتيوقراطية، وهذا في حد ذاته يشكل برنامج عمل لولاية السيد محمد خاتمي الثانية.


[1] صحافي

[2] “En Iran, islam contre islam”, Le Monde diplomatique, juin 1999

[3] Azadeh Kian, “Des femmes iraniennes contre le clergé”, Le Monde diplomatique novembre 1996