البترول في السودان: مورد وطني أم "مؤتمر وطني"

 

مجدي الجزولي

 

ما كانت الأنظمة الحاكمة للسودان عبر تاريخنا ما بعد الاستعمار رغم ما أوتيت من جبروت الدولة ومؤسساتها وريعها بقادرة أن تستقل بنفسها عن تأثير وفاعلية قاعدة المجتمع وتياراته وقواه الحية، وذلك في المقام الأول لاعتماد بقاءها الاقتصادي على الإنتاج الاجتماعي في قطاعات الاقتصاد الوطني عامة وخاصة، نقدية ومعيشية. بخلاف هذا الشرط أتاح البترول، كسلعة ريعية تباع في السوق العالمي، لجهاز الدولة وفئات الحكم القابضة عليه، تحرراً شبه كامل من نفوذ القوى المدنية ومحاسبتها، فكأنما انحل قيد الدولة الذي يربطها والمجتمع.

(1)

تشبيه ما تقدم أن الحكم وهو جذع سلطة تتغذى جذوره من التربة الاجتماعية قد استعاض عن هذه التربة بآبار البترول وخطوط أنابيبه، وحقق بالتالي علوية على المحكومين وحراكهم لا مثيل لها في تاريخنا المعاصر. بهذا المنظور يمكن ربما ادراك علة رئيسة لسحب القضية الوطنية من طاولات الداخل وبسطها مبذولة لعلاقات القوى الدولية، إذ أن المجال الحيوي للنظام الحاكم لم يعد قوى اجتماعية تسانده في الوطن إنما السوق العالمي حيث تنعقد صفقات بتروله استخراجاً وبيعاً. كذلك ودرع البترول يحمي النظام، ويجذب إليه، تبدلت علاقات الصراع معه ليصبح السلاح حرباً وسلماً سيد الموقف، فليس سواه ما يهدد الاستثمارات البترولية، ويلفت النظر الدولي، ويحقق الاعتراف والقوام السياسي، ما دام النظام على موقفه الترفع عن كل مشروعية خلا المستقاة من ريع البترول. فتح البترول في اقتصادنا الوطني أن "تحرر" الاقتصاد، نعم، لكن من قاعدته الاجتماعية، ليصبح رهناً بسلعة مفردة محورية تحتكرها السلطة وتتحكم في مفاصل إنتاجها، ونقلها، ومنافذ بيعها، وإدارة عائدها؛ وذلك بالاعتماد على شبكة دولية من الاستثمارات متعددة الجنسيات، محصنة بالضرورة ضد النفوذ الوطني غير الذي يهدد أمنها وسلامة منشآتها ونشاطها. في هذا السياق يختلف البترول عن القطن أيما اختلاف، فالقطن وهو سلعة الصادر الرئيسية في السابق يستدعي قطاعات إنتاجية متعددة كثيفة العمالة زراعية وصناعية حتى يؤتي أكلاً في السوق العالمي. بينما البترول سلعة تستحق سعرها بمجرد استخراجها، وقبل ذلك في هيئة صفقات الامتيازات التي تعقدها الحكومة والشركات الدولية الراغبة في الاستثمار. بهذا المنظور ليس البترول مجرد سلعة أخرى تضاف إلى قائمة الصادرات السودانية بل هو معول سياسي من الدرجة الأول، يضاهي اليوم وحيداً أدوار الجيش والطوائف والحركة الجماهيرية في تشكيل المصير السوداني. من ثم، لا بد من تقييم أدق لتسربه وفيضه إلى مجريات الصراع السياسي في بلادنا حرباً وسلماً. كل ذلك والسؤال مطروح: بأي وجه كان البترول بهذه الصفة سبباً مضافاً إلى أسباب الأزمة الوطنية، وبأي وجه ساهم أو يمكن أن يساهم في تطويقها.

باعتماده شبه الكامل على البترول اندرج الاقتصاد السوداني تحت عنوان "اقتصاد المعادن" وهو "كل اقتصاد يشكل فيه إنتاج المعادن على الأقل 10% من الناتج القومي، وصادر المعادن على الأقل 40% من جملة الصادرات القومية (نانكاني، 1979). بحسب تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في مايو 2006م يشكل البترول 14.3% من الناتج القومي الاجمالي السوداني (2006م) وهي نسبة يقدر أن تزداد لتصبح في العام 2010م 17.5%، ويساوي ما يزيد على 80% من جملة الصادرات السودانية. بفضل الريع البترولي تحقق ازدياد مضطرد في الناتج القومي الاجمالي: من 13454 مليون دولار (2001م)، إلى 15109 مليون دولار (2002م)، 17680 مليون دولار (2003م)، ثم 21610 مليون دولار (2004م)، حتى 27699 مليون دولار في العام 2005م، بنسب نمو تبلغ 6.1%، 6.4%، 5.6%، 5.2% و8.0% على التوالي (صندوق النقد الدولي، تقرير السودان القطري، مايو 2006م). بالمقابل نجد أن دعم القطاعات الفقيرة لم يتجاوز في العام 2005م نسبة 2.8% من حصيلة الناتج القومي (المصدر السابق)، وذلك بإزاء حقيقة أن 93% من شعبنا واقع تحت خط الفقر بينما يستأثر 7% منه فقط بنسبة 70% من الثروة القومية (السوداني، 1 نوفمبر 2006م). تمام السخرية أن ديون السودان الخارجية قد بلغت في العام 2005م 27700 مليون دولار، أي 100% من الناتج القومي الاجمالي في ذات العام، وقد قفزت متعاظمة كما قفز ريع البترول: من 20900 مليون دولار (2001م)، إلى 23600 مليون دولار (2002م)، 25700 مليون دولار (2003م)، 26000 مليون دولار (2004م)، حتى بلغت في العام السابق 27700 مليون دولار (صندوق النقد). إذن لا شك أن السودان قد حقق بفضل البترول زيادة في ناتجه القومي بصورة اجمالية، لكنها زيادة تستأثر بها "برجوازية الدولة" بصفة احتكارية، ما يجعل البترول على المدى المتوسط والطويل "كُبَّة" سياسية اجتماعية إذا جاز التعبير، تبدو للغالبية كسلاح للفصل الطبقي أكثر منه باباً للرفاه الجماعي، وتزيد قدرة الدولة على الهندسة السياسية الاجتماعية القهرية.

تاريخ استغلال البترول السوداني

بطبيعة الحال مثل استخراج البترول السوداني جائزة كبرى تراود خيال الفئات الحاكمة في السودان منذ أول التكهن بوجوده منتصف القرن الماضي، لكن حالت عوامل شتى دون تحقيق هذه الرغبة، منها عوامل سياسية اقتصادية داخلية ومنها أولويات القوى الدولية والتكتلات الرأسمالية صاحبة التكنولوجيا اللازمة لاستغلال هذا المورد الاستراتيجي. بذات القدر طالما ترصد الغمار من السودانيين بشارة البترول بالنظر إلى نماذج الرفاه والاستهلاك الخليجي، وبإزاء تردي الأوضاع المعيشية الحضرية والريفية منذ أواخر السبعينات بدءاً بانهيار قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم، وتفاقم الأوضاع السياسية والبيئية حرباً ومجاعات، والهجرة الضاغطة من الريف إلى الحضر. لكن كان لكل طبقة هدفها، فبينما انتظرت برجوازية الحكم من البترول فتحاً ريعياً يحررها من العقال الجماهيري، مَنّت الفئات الشعبية نفسها بتعزيز ديموقراطيتها الاجتماعية من حيث فرص التعليم وخدمات الصحة، وزيادة الدخل الفعلي للفرد، وتحسن المستوى المعيشي للكافة، وذلك بالاعتماد على مصدر قومي جديد يتوزع ريعه على قطاعات الإنتاج الزراعية والصناعية وقطاع الخدمات الاجتماعية.

 كان تدشين التنقيب عن البترول في السودان أوائل الستينات إبان الدكتاتورية الأولى (1958 – 1964م) حيث قامت شركة أجيب (Agip) بأولى المحاولات في البحر الأحمر. في العام 1962م تم أنشاء شركة (Shell and BP) – السودان المحدودة، وذلك بموجب شراكة بين البترول البريطانية (BP) ورويال دتش/شل، حيث أوكل إليها تشغيل مصفاة بورت سودان التي دخلت حيز الخدمة في العام 1964م. بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا (1972م) انفتح المجال للاستثمارات البترولية في جنوب البلاد، وما تأخرت أكثر من عامين بعد التوقيع حيث تولت المهمة شركة شفرون (Chevron) عام 1974م وبدأت بالحفريات في مناطق البحر الأحمر، بانتيو، ملكال والمجلد. قامت شفرون خلال عشرين عاماً من النشاط في السودان باستثمار مليار دولار أميركي وفق تقديرات معتبرة، وأكملت حفر 52 بئر، منها 34 بئر جاهزة تقريباً التشغيل. كما توصلت عام 1976م إلى كشف مخزون للغاز الطبيعي في نواحي سواكن. في العام 1977م ابتدرت الديكتاتورية الثانية (1969 – 1985م) تطبيق سياسات "السوق الحر"، وتزامن هذا التوجه مع أولى الاكتشافات البترولية لشركة شيفرون في مناطق بانتيو وهجليج عام 1978م من جهة، ومن جهة أخرى مع تصاعد أسعار البترول وانحدار أسعار السلع الأولية في السوق العالمي. حصاد السودان من هذه المستجدات كان أزمة اقتصادية خانقة عصفت في المقام الأول بمستوى معيشة الطبقات الشعبية من حيث التضاعف الجنوني لأسعار السلع الاستهلاكية الأساسية والتآكل المستمر للقدرة الشرائية. رد الفعل المنقذ على أزمة التنمية السودانية لم يختلف كثيراً عما أسفرت عنه ذات الأزمة في بلدان افريقية ولاتين أميركية أخرى، فالبلاد أصبحت رهينة الاستدانة والقروض المشروطة في هيئة برامج "التكييف الهيكلي" لصندوق النقد الذي بدأ حينها أولى مفاوضاته مع الدولة السودانية في هذا الخصوص حتى أنجزت مطلوبه الأساسي، أي تخفيض قيمة العملة الوطنية. جزاءاً للدولة السودانية على سياسة "الباب المفتوح" صادق الكونغرس الأميركي في أكتوبر عام 1979م على دعم عسكري إضافي لحكومة النميري قيمته 1,7 مليون دولار إثر وعد من وزير الدفاع الأميركي في فبراير من ذات العام ببيع السودان طائرات مقاتلة ودبابات (سودان أب ديت، 2000). في العام 1980م بدأ النميري بإعادة تقسيم الجنوب وضمن ذلك فصل مناطق بانتيو عن الاقليم، كما أصدر أمراً ببناء مصفاة البترول المنتظرة في كوستي وليس بانتيو دون تفسير فني اقتصادي شاف ما أثار تململاً سياسياً عارماً في الجنوب كان مقدمة مضافة للخروج المسلح على الدولة عام 1983م بقيادة الجيش الشعبي والحركة الشعبية لتحرير السودان. في العام التالي أي 1981م، أعلنت شيفرون اكتشافها حوض هجليج المجاور لبانتيو بتقديرات مخزون تجاري من البترول في حدود 236 مليون برميل. من ثم قامت شيفرون وحكومة السودان بإنشاء "النيل الأبيض للبترول" مشاركة بين الطرفين، لكن دون تمثيل جنوبي في مجلس الإدارة. في سبتمبر 1982م تم تجميد خطة بناء مصفاة كوستي واستعيض عنها بمشروع أنبوب ناقل بطول 1420 كيلومتر من مناطق الإنتاج في بانتيو وهجليج إلى ساحل البحر الأحمر بين بورت سودان وسواكن. قدرت كلفة المشروع بمليار دولار أميركي، وأسند تنفيذه إلى شراكة ضمت حكومة السودان وشيفرون وشل وأبيكورب (الهيئة العربية للاستثمارات البترولية). في مارس 1984م شن الجيش الشعبي هجماته المشهورة على حقول البترول في الجنوب وقامت عناصره باختطاف ثلاثة موظفين بشركة شيفرون من قاعدة ربكونا وقتلهم، ما أجبر شركة شيفرون على وقف أعمالها في السودان والرحيل بعد عشرين عاماً من النشاط. ظلت حكومة السودان رغم ذلك متفائلة فعقدت صفقة في يوليو 1984م مع شركة "ترانزآفريكان لأنابيب البترول" الأميركية (Trans-African Pipeline Co.) لبناء خط أنابيب بطول 1760 كيلومتر عبر السودان إلى جمهورية افريقيا الوسطى ظل حبراً على ورق (المصدر السابق).

أطاحت الانتفاضة الشعبية في مارس/أبريل 1985م بديكتاتورية النميري ونتجت عن انتخابات 1986م حكومة مدنية برئاسة السيد/ الصادق المهدي. في نوفمبر 1986م قامت الحكومة بتعليق كل العقودات الخاصة ببناء خط الأنابيب. كما عادت شيفرون باحتراز وقدمت عام 1988م برنامجاً للاستكشاف والتنقيب مدته ست أعوام. يعود تاريخ الانتباهة الصينية للبترول السوداني إلى هذه الفترة، حيث قامت الصين في ذات العام بشراء قسط من امتياز شركة شيفرون. كذلك دشنت الصين شراكة مع حكومة السودان نمت لاحقاً وتطورت فحواها البترول مقابل السلاح، إذ أقدمت حكومة الصادق المهدي على عقد صفقة سلاح كبرى مع الصين، لكنها لم تجني منها فائدة، فقد سبقتها الجبهة الاسلامية بالاستيلاء على السلطة عبر انقلاب 30 يونيو 1989م. أما السلاح فقد وجد طريقه إلى الحكومة الجديدة بتمويل إيراني (المصدر السابق) وحياد صيني غير مكترث.

المصادر

(1) Nankani, Development Problems of Oil Exporting Countries, World Bank Staff Working Paper 354, Washington DC: World Bank, 1979.

(2) International Monetary Fund, Sudan, Staff Report for the 2006 Article IV Consultation and Staff- Monitored Programme, May 2006.

(3) تقرير عباس حسن أحمد، جريدة "السوداني"، 1 نوفمبر 2006م.

(4) Sudan Update, Raising the Stakes: Oil and Conflict in Sudan, 2000.   

(2)

البترول مقابل السلاح

وفي الذهن علاقات القوى الاقليمية والدولية على عهد الديموقراطية الثالثة يمكن التقرير أن اتصال حكومة الصادق المهدي بالصين بحثاً عن السلاح أواخر الثمانينات كان مجرد غزل خجول بالمقارنة مع العلاقة العضوية التي أصبحت هي عصب حياة نظام الجبهة الاسلامية وعضد بقائه في وجه معارضة داخلية وخارجية مسلحة وسلمية، وفي وجه حنق دولي مستحق حيث طلب النظام الوغى وأراد الكريهة غير آبه بمآلات ما يفعل. إذا كان من عبارة تجمل طبيعة هذه العلاقة المكينة بين الصين والنظام فهي :"البترول مقابل السلاح"، الصين توفر التكنولوجيا والتمويل اللازم لاستغلال البترول السوداني، وتستولي بحسب امتياز شركاتها على حصة غير معلنة، ثم الصين تشتري البترول السوداني، والسودان يشتري السلاح الصيني. على هذه الشاكلة تربح الصين مرة والثانية، ويخسر السودان مرات، موارده، وماله، وأرواح بناته وبنيه.

 دخل البترول قائمة الصادرات السودانية في سبتمبر من العام 1999م، حيث غادرت ميناء بورت سودان إلى الأسواق الآسيوية (سنغافورة) حمولة مقدراها 600 ألف برميل. منذها وصادر البترول السوداني هو درع النظام الواقي وكنزه الثمين الذي يبلغ حجمه المخزون بحسب تقديرات معتبره 1,6 مليار برميل. في العام المنصرم بلغ انتاج السودان من البترول 401,300 برميل في اليوم، يستهلك منه السوق المحلي 82,000 برميل في اليوم، ويتم تصدير ما مقداره 279,000 برميل في اليوم (السي آي إيه، نوفمبر 2006م). بينما تستهدف الجهات ذات الصلة زيادة الإنتاج إلى 600,000 برميل في اليوم. بهذا الحجم يشغل السودان الآن الموقع الثالث من حيث إنتاج البترول في افريقيا جنوب الصحراء حيث تفوق على كل من غينيا الاستوائية (330,000 برميل في اليوم) والكونغو برازفيل (244,000 برميل في اليوم) والغابون (237,000 برميل في اليوم)،  بينما تتقدمه أنغولا (1,4 مليون برميل في اليوم) ونيجيريا (2,2 مليون برميل في اليوم). أما في شمال افريقيا فيقترب حثيثاً من مصر التي يتراجع إنتاجها منذ أوائل التسعينات (579,000 برميل في اليوم)، وتسبقه ليبيا (1,8 مليون برميل في اليوم) والجزائر (2,1 مليون برميل في اليوم) (آفرول نيوز، 9 نوفمبر 2006م). لادراك التعويذة الصينية الساكنة في قلب السياسة السودانية الداخلية والخارجية لنا أن ننظر في قائمة دول الصادر السوداني: في العام 2004م بلغت جملة الصادرات السودانية 4,9 مليار دولار، وكما سبق، 80% منها أو يزيد بترول خام، تتوزع بين ثلاثة دول، الصين التي تستأثر بنسبة 64,3% من الصادر السوداني، واليابان (13,8%) والسعودية (3,7%). من الجهة الأخرى يستورد السودان سلعاً متباينة من قائمة طويلة تبدأ بالسعودية (11,7% من الواردات إلى السودان)، الصين (10,7%)، الإمارات (6,2%)، مصر (5,2%)، ألمانيا (4,9%)، الهند (4,6%)، استراليا (4,1%)، المملكة المتحدة (4%) (إدارة معلومات الطاقة التابعة للحكومة الأميركية، مارس 2006م). في العام 2005م كانت جملة الصادر السوداني إلى الصين 3,4 مليار دولار، بينما استورد السودان من الصين ما مقداره 1,3 مليار دولار، وتجاوزت استثمارات الصين في السودان سقف 7 مليار دولار (نشرة بزنس إن آفريكا، 2 نوفمبر 2006م).

للبترول بطبيعة الحال أثر بالغ في البناء الكلي للاقتصاد، حيث ارتفعت مساهمة القطاع الصناعي (البترول في المقام الأول) في الإنتاج القومي الكلي إلى نسبة 20,3%، وتراجعت مساهمة الزراعة إلى 38,7%، أما قطاع الخدمات فتضخم إلى نسبة 41%. قراءة هذه الأرقام بصورة سليمة يتطلب النظر في توزيع العمالة السودانية بين قطاعات الإنتاج. بحسب تقديرات أواخر التسعينات  تبلغ القوة العاملة في بلادنا 7,415 مليون، 80% منها ما يزال يكد في القطاع الزراعي، بينما تستوعب الصناعة 7% فقط، والخدمات 13% من القوة العاملة (السي آي إيه، مصدر سابق). إن هذه الأرقام تعني ضمن ما تعني أن البترول ضاعف أضعافاً حصيلة الخزينة العامة، هذا بديهي. لكن، ما يجود به من ريع لم يصب بالضرورة في فك جمود الاقتصاد الذي يلازمنا منذ الاستقلال، وبالتالي انقطعت بشارته عند حدود احصاءات الدخل القومي، فلا ظمآن سقى، ولا جائعاً أطعم، ولا عريان كسى، ولا مريضاً شفى، بدليل انحسار خيره عن مد قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي بالتمويل اللازم لتشغيلها، وتكدس ريعه في قطاع الخدمات فقير العمالة. لهذه الحقيقة وجه سياسي لا يمكن اغفاله، فقد ساعد الريع البترولي عبر رفده السخي لقطاع الخدمات في ترضية فئات واسعة من البرجوازية الصغيرة الحضرية والصاعدين إلى عالم الأعمال من أصحاب الولاء؛ لكنه أجج نقمة الحرمان الذي تعاني منه الطبقات الشعبية في المدن، وقطاعات الاقتصاد التقليدي في الريف. وذلك من باب تغذية النهم الاستهلاكي وتسكين طموحات النمط المعيشي للبرجوازية الصغيرة مائعة الفكر السياسي وضعيفة الالتزام الاجتماعي؛ ومن الناحية الأخرى تعميم أنماط من الاستهلاك لا تستطيع الفئات الشعبية مجاراتها وإنما تنال منها أجر المشاهدة، بالإضافة إلى الاهمال المتعمد لمصادر معيشتها من حيث انقطاع التمويل عن القطاعات المنتجة. ما سبق شاهد استقطاب طبقي لا شك فيه، وتناقض لا مراء معه، فصب البترول حيث رزق الأغلبية جدب وحيث فائض الأقلية رغد. وبمحاذاة هذا الجرف الهار تسير قافلة "المؤتمر الوطني" أهلها خليط لا تجمع بينهم سوى رابطة الانتهازية وما أضعفها، ما انعقدت إلا وانفرطت ولو بعد حين.

بدرس خبرة الحروب الأهلية في بلادنا، والتي تعتبر في مستوى من المستويات تجلياً فاضحاً للأزمة الاجتماعية الاقتصادية التي ازدادت تصدعاتها بالفساد البترولي، يكاد الاستقرار السياسي تحت هذه الشروط يكون مستحيلاً، بل هو بالفعل مستحيل، إلا إذا أبادت السلطة شعبها واختارت لها آخر. بهذا المنظور كان فتح البترول من جهة الفتك السياسي أن مكن السلطة من قوة مادية ترعب قبل أن تضرب، حيث استطاعت وفق معادلة البترول مقابل السلاح أن تعزز من قدرتها فض الاشتباك الاجتماعي الاقتصادي مع ما أصبح يعرف بالهامش، أي شعبها، بنحره قرباناً للأمن الوطني، فاستحال كل احتجاج إلى مؤامرة وكل طالب حق إلى متمرد. ما أفسد في الحساب النهائي على أهل القضية قضيتهم بصعود أنجم المحررين الكذبة من علياء طاولات التفاوض التي عندها تقزمت القضية الاجتماعية وذابت، لتحل محلها معادلات للقسمة والضرب. مزاد ينال فيه السائل مكتباً في القصر ومن ثم فرشاً، وإذا تزمت صندوقاً خيرياً ينتظر به كرم المانحين. أما إذا استأسد كقرينه بشوكة السلاح فقسط من ريع البترول لا يعلم له حساباً.

عملاً على استدامة النظام في السودان ما تعففت الصين يوماً عن بيع السلاح لحليفها البترولي، بغض النظر عن حظر دولي واجه السودان في هذا الصدد منذ أوائل التسعينات، وتجدد بقرارات مجلس الأمن الدولي حول الصراع في دارفور (آمنستي إنترناشيونال، 11 يونيو 2006م). مع العلم أن الصين من بين أبرز الدول المصدرة للسلاح في العالم التي تصر على عدم تقييد تجارتها بأي من الاتفاقيات الدولية في هذا الخصوص، وهي عضو دائم العضوية في مجلس الأمن وتشغل الموقع الثامن عالمياً من حيث حجم صادر الأسلحة التقليدية (أكثر من مليار دولار سنوياً). في العام 2002م بلغ صادر الصين من الأسلحة الخفيفة والصغيرة 100 مليون دولار، من بينها البندقية الأكثر انتشاراً في افريقيا (AK-47) والتي تعتبر المفضلة لدى الجنود من جميع الأطراف في حروب منطقة البحيرات: الكونغو، بوروندي، رواندا، ويوغندا. كذلك قامت الصين بين عامي 2002 و2003م بتصدير مسدسات فاقت قيمتها 10 مليون دولار، وذلك إلى دول  شتى، من ضمنها في القائمة الافريقية النيجر ويوغندا وبوركينا فاسو والسودان (آمنستي إنترناشيونال، يونيو 2006م). بحسب تقارير آمنستي إنترناشيونال باعت الصين للسودان خلال عهد التسعينات عدداً مقدراً من المروحيات العسكرية، كما أجرت عام 2001م إصلاحات على عدد من ماكينات المروحيات الصينية التي اشترتها بلدان من بينها الباكستان والسودان. بالإضافة إلى ذلك داومت الصين على بيع السودان شاحنات ناقلة للجنود شهدت على وجودها داخل الأراضي السودانية لجنة مراقبة تابعة للأمم المتحدة في أغسطس 2005م. بالطبع ليست الصين مصدر السلاح الوحيد في الصراعات السودانية، فمن ضمن دول أخرى اتخذت فرنسا وروسيا السودان سوقاً للأسلحة، لكن ترجح التحليلات أن الصين أصبحت مصدراً رئيسياً، إن لم يكن المصدر الأول للسلاح بالنسبة للسلطة في السودان، فهي "الجهة الأمثل لشراء الأسلحة البسيطة والرخيصة من شاكلة الكلاشنكوف، والآر بي جي، وقذائف المدفعية" (بي بي سي، 16 يونيو 2006م).            

المصادر

(1) CIA, World Fact Book (Sudan), last updated 2/11/2006.

(2) Energy Information Administration, Country Analysis Briefs (Sudan), last updated March 2006.

(3) Mohamed Hasni, China Sudan’s biggest investor, Business in Africa, 2/11/2006.

(4) Sudan now Africa’s third largest oil producer, Afrol News, 9/11/2006.

(5) Amnesty International, China: Secretive arms export stoking conflict and repression, Press release, 11 June 2006.

(6) Amnesty International, People’s Republic of China: Sustaining Conflict and Human Rights Abuses, Report, June 2006.

(7) Tom Luard, Buyers line up for China’s arms, BBC News, 16 June 2006.

(3)

إمبريالية عدم الاكتراث

تفحص العلاقة بين الصين والسلطة في بلادنا يدفع بالباحث إلى النظر في مجمل التطور الذي طال العلاقات الصينية الافريقية منذ اكتشاف الصين لاقتصاد السوق مدخلاً للنفوذ الدولي، ومعبراً للمصالح الصينية في العالم الثالث، لا سيما تلك التي تتصل بالموارد الخام، وفي مقدمتها البترول. دفعت أشراط داخلية وخارجية بدول المركز الامبريالي التقليدية، غرب أوروبا والولايات المتحدة، إلى تبني هيكل الديموقراطية الليبرالية، على أقل تقدير، كمقياس لادراج دول في صف الأصدقاء وأخريات في صف الأعداء، وهي أشراط، على ضعف حجيتها في مقام السلطان الامبريالي، تعكس وجهاً من أوجه النضال الأممي من أجل الحريات وحقوق الإنسان. وذلك رغم أن المثال الديموقراطي يرتبط عملياً وتطبيقياً في الذهن السياسي الامبريالي بثوابت اقتصادية تتعارض موضوعياً مع أي محتوى ديموقراطي، أي اقتصاد "الليبرالية الجديدة". بخلاف هذه الانتباهة الغربية، الشعبية بالأساس، لموضوعة الحرية، اعتمدت الصين في علاقاتها الدولية محاكاة "دغيلة" لمناهج الامبريالية الباكرة في التعاطي مع دول الهامش الاقتصادي، بحيث لا تنظر أبعد من أرنبة مصالحها، وتتبع أسلوباً أريحياً في التعامل مع السلطات السياسية التي توافقها المصالح وتتعاون معها، بغض النظر عن نتائج مثل هذه التحالفات على مصالح الشعوب التي تثير ثرواتها شهوة التوسعية الصينية. ولعل افريقيا تقدم الأمثلة الأفضل في هذا المجال، فالصين هي الطرف الخفي في أكثر من صراع افريقي داخلي، وذلك بدعمها الاقتصادي المباشر لسلطات سياسية، تعتبر في أقل تقدير محل ارتياب، وذلك بلغة عفة التعابير، من بينها حكومات السودان وأنغولا وزيمبابوي. تجد الهرولة الصينية نحو افريقيا تفسيرها المباشر في احتياجات هذا الماموث السكاني والصناعي البترولية، حيث تجاوز استهلاك الصين للبترول عام 2003م معدل استهلاك اليابان، لتصبح الصين ثاني أكبر مستهلك للبترول في العالم، بعد الولايات المتحدة الأميركية. وذلك تبعاً لمعدلات نمو الاقتصاد الصيني خلال العقدين السابقين والتي بلغ متوسطها السنوي 9%. تحولت الصين منذ العام 1993م إلى مستورد للبترول، بعد أن كانت أكبر مصدر له في القارة الآسيوية. ويتوقع أن يتجاوز اعتماد الصين على البترول المستورد عتبة 45% من استهلاكها للطاقة بحلول العام 2045م. على أساس هذه الحقيقة أعلنت الحكومة الصينية عزمها تجميع احتياطي استراتيجي من البترول الخام خلال الخمسة أعوام القادمة حجمه 100 مليون برميل، يقيها شر الطوارئ. وقد أكدت هذا العام أنها بدأت بالفعل في ضخ مدخراتها البترولية في صهاريج ضخمة بالقرب من مصفاة (زينهاي) في اقليم (زيجيانغ)، وهي المصفاة الأكبر سعة في الصين (رويترز، 3/11/06م). بالنظر إلى الغليان السياسي والاجتماعي الذي يشهده الشرق الأوسط، والذي يهدد مصادر البترول ويزيد من سعره في السوق العالمي، خاصة بعد اعلان الولايات المتحدة الأميركية الحرب على الإرهاب عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لا يستغرب سعي الصين تأمين احتياجاتها من الطاقة بالمسارعة إلى استغلال، وكذلك احتكار مصادر البترول حديثة الاكتشاف في القارة الافريقية، ومن ثم تقليص اعتمادها على البترول العربي. حتى إذا تطلب ذلك تدخل الصين بصورة أو أخرى لضمان سلامة مواقع التنقيب والاستخراج عبر تعزيز القدرة العسكرية لطرف ضد آخر في بلدان أغلبها تفتك بها حروبات أهلية محورها الأساسي هذه المورد الملعون. في هذا السياق استثمرت الشركات الصينية ما مجموعه 175 مليون دولار في قطاعات البترول الافريقي خلال العام 2005م. في أوائل العام 2006م اشترت الصين 45% من حقل أكبو البحري النيجيري بقيمة مقدارها 2,7 مليار دولار، ثم انضمت إلى شريك محلي للاستثمار في حقل بحري أنغولي برأس مال قدره 725 مليون دولار (فوربس، 10/09/06م). الواقع اليوم أن ثلث واردات الصين البترولية (31%) مصدرها افريقيا، بينما انخفضت نسبة الشرق الأوسط إلى 48%. في الفترة من يناير إلى سبتمبر من العام الجاري كان حجم وارد البترول الافريقي إلى الصين كما يلي: ليبيا (3 مليون طن)، تشاد (0,5 مليون طن)، السودان (2 مليون طن)، نيجيريا (0,8 مليون طن)، غينيا الاستوائية (3,8 مليون طن)، الغابون (0,3 مليون طن)، الكونغو الديموقراطية (4,3 مليون طن)، وآنغولا (18,2 مليون طن)، هذه الأخيرة تفوقت حتى على المملكة العربية السعودية، حيث أصبحت المصدر الأول للبترول بالنسبة إلى الصين. قابلت الصين الكرم الافريقي بكرم مواز، ففي العام 2005م أصبحت الصين ثالث أكبر دولة مانحة للغذاء في العالم، هذا من ناحية، ومن الأخرى بلغ حجم الاستثمارات الصينية في القارة 6 مليار دولار، وذلك من خلال ما يربو على الثمانمائة مشروع. أما حجم التجارة الصينية مع افريقيا فقد ناهز العام الماضي مبلغ 40 مليار دولار، وهي تجارة يديرها مباشرة 80 ألف مغترب صيني في القارة يستأثرون بالوظائف التي تتيحها استثماراتهم، ويبيعون كل ما ينتجه المصنع الصيني الكوني، الأحذية والتلفزيونات والأسلحة. حركية الصين الفائقة في افريقيا يسندها احتياطي من العملة الصعبة يقارب واحد تريليون دولار، ما يسمح لها عملياً بتأمين ما ترغب من موارد افريقية، بترول أو حديد أو نحاس أو قطن، وذلك بأدني الأسعار. فالصين قد سبقت الأفارقة بالسبت وتنتظر الأحد، عبر الخمسين سنة الماضية قدمت الصين معونات اقتصادية لكل الدول الافريقية تقريباً (إلى 53 دولة)، كما قدمت 1,36 مليار دولار لواحد وثلاثين دولة عبارة عن اعفاءات ديون (نيو سترايتس تايمز، 4/11/06م). احتفاءاً برابطة الوفاء المتبادل بين الدولة الصينية والأنظمة الافريقية نظمت بكين في الفترة 3 – 5 نوفمبر الجاري لقاء قمة بين القيادة الصينية ورؤساء الدول والحكومات الافريقية حيث حجت قيادات خمسين دولة إلى العاصمة بكين. اللقاء الجامع (مجموع عدد عضوية الوفود 1700 فرد) انتهى إلى عقد صفقات بين 12 شركة صينية وعدد من الدول الافريقية قيمتها الكلية 1,9 مليار دولار، تشمل بناء طريق سريع في نيجيريا، وشبكة تلفونات ريفية في غانا، ومسبك للألمونيوم في مصر، ومشروع للنحاس في زامبيا. بدوره وعد الرئيس الصيني هو جينتاو حلفاؤه بقروض في حدود 5 مليار دولار، تقدمها الصين إلى السائلين بحلول العام 2009م، بالإضافة إلى مضاعفة حجم المعونات والمنح إلى القارة. كما أبدت القمة سرورها بتوسع التجارة الصينية الافريقية التي يتوقع أن تبلغ هذا العام 50 مليار دولار، مع تأكيد العزم المشترك أن تصل إلى 100 مليار دولار في العام 2010م، وذلك من خلال "شراكة استراتيجية" و"خطة عمل" دشنها المجتمعون في الحضرة الصينية (رويترز، 5/11/06م).

 

بالطبع، تُسوِّق الصين هيمنتها على التجارة والموارد الافريقية باعتبارها نمطاً "تقدمياً" من التعاون بين دول الجنوب، بل نمط مناهض للإمبريالية. وهي كلمة حق أريد بها أكثر من باطل. الصين التي هي في الوقت الحاضر ثاني أكبر مستهلك للبترول، ورابع أكبر اقتصاد في العالم، ليست في حساب الرأسمالية المعاصرة من دول الهامش الجنوبي، وإنما يتيح لها توسعها المستمر في تصدير رأس المال، وتصدير السلع الصناعية، والسيطرة على أسعار المواد الخام، واحكام احتكارها لمصادر هذه المواد علاقات قوة مع شركائها التجاريين من الافارقة تقارب النمط "الكولونيالي"، لكن منزوع "الرسالة الحضارية"؛ الصين تشتري الموارد الافريقية بأرخص الأثمان، وتغرق أسواق ذات البلدان بمنتوجات صينية رخيصة تهدد بالكلية أي إنتاج وطني، وهو تكرار بائس لما ظلت القارة تعانيه من استغلال عبر تاريخ الاستعمار والاستعمار الجديد، فكأنما استبدلت القارة سيداً بسيد آخر مع تغيير العنوان. فضل السيد الصيني على غيره أنه لا يتورع البتة في تجويد الفساد الإمبريالي، فإلى الصين تهوي أفئدة قادة افريقيا لجزرتين إثنين: المعونات والقروض التي تغطي بها أنظمة سقيمة عوراتها؛ والسلاح، الذي تضمن به بقائها على سدة الحكم. بحسب تقرير لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي باعت الصين لدول افريقية خلال الفترة من 1996 إلى 2003م كميات من السلاح التقليدي بلغت 10% من واردات افريقيا من السلاح، لتأتي الصين في المرتبة الثانية بعد روسيا كمصدر للسلاح في افريقيا. على سبيل المثال، اشترى السودان من الأفاضل الصينين طائرات مقاتلة بقيمة 100 مليون دولار، وكذلك أسلحة متعددة أخرى. وإلى الجارتين المتحاربتين اثيوبيا واريتريا باعت الصين أسلحة بقيمة 1 مليار دولار، ذلك قبل وخلال الحرب الحدودية بينهما 1998 – 2000م. أما زيمبابوي فقد اشترت من الصين في العام 2004م معدات عسكرية من بينها 12 طائرة مقاتلة بقيمة 200 مليون دولار (مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، 12/01/06م).      

 

المصادر

(1) Reuters, Delegates from 48 African countries are attending the 3-5 Nov China-Africa Ministerial Summit in Beijing, 3/11/2006.

(2) New Straits Times, Beijing courts a continent, 4/11/2006.

(3) Reuters, China Africa end summit with deals and aid pledge, 5/11/06.

(4) Esther Pan, China Africa and Oil, Council on Foreign Relations, 12/01/2006.

(5) Forbes, China’s Oil Safari, 10/09/2006.     

(4)

افريقيا صينية أم أميركية

إن الأهمية الاستراتيجية للبترول الافريقي في مجمل الصراع الكوني حول موارد الطاقة تظهر للعيان عند اعتبار جملة حقائق أساسية: أولها أن القارة تحتوي على 7% من احتياطيات البترول المثبتة في العالم، وتضخ 11% من الانتاج العالمي، هذا بحسب تقديرات العام 2000م. بالمقارنة، لا يتجاوز نصيب أميركا الشمالية من هذه الثروة 5%، غرب أوروبا لديها 2%، أما الشرق الأوسط فيستأثر بنصيب الأسد 67%. في العام 2000م بلغت نسبة افريقيا من حصيلة الواردات البترولية إلى الولايات المتحدة الأميركية 14%، وهي ذات نسبة المملكة العربية السعودية، وذات نسبة فنزويلا. آثرت الولايات المتحدة الاعتماد على نصف القارة الغربي للحصول على 50% من وارداتها النفطية، وهو اتجاه عززته توصيات تقرير "سياسة الطاقة القومية"، الصادر عن البيت الأبيض في مايو 2001م. في الذي يلي افريقيا ذكر التقرير أن غرب القارة يعتبر أحد أسرع مصادر النفط والغاز نمواً بالنسبة للسوق الأميركي، مثله وأميركا اللاتينية. كما ثمن التقرير دور الشركات الأميركية في بناء خط الأنابيب الرابط بين تشاد والكاميرون، حيث بلغ حجم استثماراتها ضمن كونسورتيوم دولي 3,5 مليار دولار، وهو أعظم مشروع بنية تحتية تشهده القارة على طول تاريخها. إلى ذلك يضاف دور الرأسمال الأميركي في بناء أنبوب الغاز الطبيعي الغرب افريقي والممتد عبر نيجيريا وبنين وتوغو وغانا براً وبحراً على طول ألف كيلومتر بتمويل من بنك التصدير والاستيراد الأميركي. على هذا الأساس جاءت توصيات التقرير إلى الرئيس الأميركي في خصوص افريقيا كالآتي: (1) إعادة تنشيط التجارة الأميركية الافريقية، والمنبر الاقتصادي المشترك، والعلاقات الوزارية بين القارة والولايات المتحدة بغرض توثيق الارتباطات ثنائية ومتعددة الأطراف حتى يمكن خلق بيئة ملائمة لاستقبال التجارة والاستثمارات الأميركية في مجال البترول والغاز، وعليه التنويع الجغرافي لمصادر الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة، مع التشديد على أولوية قضايا الأمن والشفافية وسرية العقود. (2) إعادة تشكيل لجنة الشراكة التجارية مع نيجيريا لتحسين المناخ بالنسبة للتجارة والاستثمارات الأميركية في مجال البترول والغاز، والدفع قدماً بمصالح البلدين في هذا المنحى. (3) العمل على ضمان استغلال منتجي البترول الأفارقة لثرواتهم  بصورة مسؤولة وشفافة، وبما يعزز استقرار وأمن البيئة الاستثمارية والتجارية (البيت الأبيض، 2001م).

من الجهة الأخرى تكاد القراءة الأميركية للنفوذ الصيني المتزايد في افريقيا تماثل أدبيات التكالب الإمبريالي على القارة في القرن التاسع عشر. على سبيل المثال، تنبه ورقة صادرة عن "مؤسسة كارنيغي"، وهي مركز دراسات صاحب سطوة وقول مسموع في دوائر اتخاذ القرار الأميركية، إلى خطورة الاستهتار بالمزاحمة الصينية في افريقيا مع توبيخ الإدارة الأميركية على غفلتها المتطاولة. النصيحة الأولى التي تخلص إليها الورقة أن على الإدارة الأميركية اعتبار المنافسة الصينية في افريقيا انذاراً لها وحافزاً أن تجهد في اقناع عوام الأفارقة وقادتهم بفلاح العمل المشترك مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، بدلاً عن الاعتماد على الصين. أوردت الورقة تفسيراً سياسياً اضافياً لسحر التنين مفاده أن الولايات المتحدة دفعت بافريقيا دفعاً إلى الحضن الصيني نتيجة اهمالها للأقطار الافريقية في منابر الأمم المتحدة. من جهتها لم تتأخر الصين عن دعم مقترحات توافق الآمال الافريقية في شأن اصلاح مجلس الأمن، ومهام حفظ السلام، وقضايا العفو عن الديون. وبالتالي تمكنت من تقديم نفسها كبطل العالم النامي الحريص على مصالحه بالمقارنة مع الولايات المتحدة التي لا تأبه كثيراً بطموحات الدول النامية. شددت الورقة كذلك على مفارقة الصين  للقيم الأميركية من شاكلة الديموقراطية والحكم الراشد، وبالتالي ضرورة دعم هذه القيم التي ما زالت تلقى قبولاً لدى شعوب افريقيا كوسيلة مساندة في درء التهديد الصيني الماثل للسلطان الأميركي والفرنسي في القارة (آيزنمان وكورلانتزيك، مايو 2006م). مما سبق يتضح أن الصين والولايات المتحدة تشتركان في هدف واحد هو حوجة الدولتين إلى تنويع المصادر الجغرافية لوارداتهما البترولية في سبيل تحرير نفسيهما من الاعتماد على مصادر الشرق الأوسط المضطرب. في ذات الوقت تنظر الدولتان إلى القارة باعتبارها سوقاً واعداً وأرضاً بكراً تنتظر حوافر المستثمرين وتعد بأرباح طائلة ومجال مفتوح طليق للخبال الرأسمالي. اختلاف رؤية الدولتين حول الوسائل الأنسب لاهتبال الفرصة الافريقية نابع من لوازم وكوابح سياسية وآيديوليوجية تفرق بينهما، وهي اختلافات في مستوى التكتيك أكثر منه في مستوى الاستراتيجية. على هذا الأساس تتوسل الدولتان حلف الطبقات الحاكمة في افريقيا، كل من باب. الصين لا يشغلها شرط سوى (الصداقة)، وهو مفهوم دلالته الأولى عدم الاعتراف بتايوان، والتضامن المعنوي مع الصين بإزاء الانتقادات الحادة التي تتلقاها من المجتمع الدولي والرأي العام العالمي في شأن سجل حقوق الإنسان، خاصة في أعقاب مجزرة ميدان تيانامين عام 1989م. بهذا القياس طالما رأت الصين في ظروف البلدان الافريقية الفوضوية، والمقصود الفساد وضعف السلطات القضائية والزعزعة السياسية والحروب، مشهيات وليس عقبات في سبيل مشروعها الافريقي. والعلة أن الصين تستثمر في هذه الأوضاع من حيث هي، باعتبار حوجة النظم الحاكمة في البلدان سيئة السمعة إلى السند الاقتصادي الصيني، وكذلك العسكري، وبالطبع السياسي، في مواجهة مجتمع دولي طرح وراء ظهره مفهوم السيادة القطرية التقليدي، والذي تعتبره الصين ركناً أساسياً من أركان سياستها الخارجية، بالنظر إلى هشاشة أوضاعها الداخلية. عليه، وبفضل الفراغ التنافسي الناجم عن طوق الحظر الذي فرضه المجتمع الدولي على أكثر من دولة افريقية، ومن بينها السودان وزيمبابوي، تعنيفاً لها على انتهاكات حقوق الانسان والخروج على "الشرعية الدولية" و"تهديد السلام العالمي"، أصبحت الصين اللاعب الوحيد في مسرح من الأقزام، فالصين لا تلزم نفسها سياسياً أو قانونياً بقرارات مجلس الأمن التي تراها تدخلاً في شؤون الغير قياساً على بيتها من الزجاج. فعالية هذه الدائرة الجهنمية لا تخطئها عين مراقب، حيث تحصد الصين ارباحاً طائلة من رحلة الخطر الافريقية تصل نسبة 25,3%، وهي تمثل هامش الربح الأعلى جنوب الكرة الأرضية (تول، أغسطس 2005م). من جهة أخرى، استفادت الصين كل استفادة من التورع الأوروبي الأميركي عن الاستثمارات المباشرة طويلة المدى على الأرض الافريقية خوفاً من الاضطرابات السياسية والأمنية، بحيث أصبحت المقاول الأول في افريقيا، فالصين تبني كل شئ في القارة، من قاعات المؤتمرات وفلل الرؤساء حتى مشاريع البنية التحتية الضخمة من سدود ومنشآت صناعية وتعدينية، بجانب الروتيني من مطارات وشبكات اتصالات وطرق، تلك التي تعتبرها الصين منحاً صغيرة لهذه الفئة الحاكمة أو تلك تشجيعاً لها على مزيد من (الصداقة).

 

الصديق عند الضيق

بأي قياس كان، سياسي أو اقتصادي أو عسكري، يعتبر الحلف السوداني الصيني المثال الأشد وقعاً لما سبق شرحه حول حلقة الارتباط الصيني الافريقي والنفعية المتبادلة بين الاستبداد الغني وقرينه الفقير. فكأنما نتمثل مرة أخرى النقد الصائب لعلاقات الاستعمار الجديد: نظم فاقدة المشروعية الشعبية في أقطار العالم الثالث تتكئ على عصا غليظة من القوة القاهرة والثروة المستمدة من الاستغلال الفاسد والطفيلي لموارد شعوبها الطبيعية عن طريق شراكة رأسمالية مع مركز قوي. في هذه الحالة طبقة حاكمة منقسمة على نفسها تواجه سخطاً مستحقاً داخلياً وخارجياً، لكنها تجد حماية فعالة من قطب دولي يضاعف قدرتها مواجهة التهديد الداخلي عن طريق الدعم العسكري والمالي، ويخفف عنها الضغط الخارجي عن طريق الدعم السياسي والدبلوماسي كلما اشتدت عليها (حَارَّة).

 

الواقع أن تصدير البترول السوداني الذي ابتدأ بصورة فعالة عام 1999م، عامين فقط بعد ادراج السودان ضمن قائمة الدول المتهمة بدعم الارهاب الدولي، ما كان ممكناً لولا الاستثمار الصيني، حيث حازت الشركة الوطنية الصينية للبترول (CNPC) المملوكة للدولة النصيب الأوفر (40%) في كونسورتيوم دولي ضم شركات ماليزية وكندية "النيل العظيم" (GNPOC) عُهد إليه استخراج البترول السوداني. مع العلم أن نتيجة ادراج السودان في قائمة الارهاب كان فرض الولايات المتحدة لحزمة من العقوبات على السودان شملت حرمان الشركات الأميركية من النشاط في السودان. نظام الخرطوم وجد في البترول طوق نجاة عضد من قدرته على المساومة والمراوغة في جبهة داخلية عدائية عسكرياً وسياسياً وجماهيرياً. عليه، التهم الانفاق العسكري 60% على الأقل من ريع البترول، وبذلك استطاعت الخرطوم احكام سيطرتها على مناطق الانتاج ومواصلة حربها ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان. الحرب التي امتدت خارج الاقليم الجنوبي إلى مناطق جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة، وهضاب شرق السودان. احكام السيطرة على مناطق البترول كان يعني للخرطوم تفريغ مساحات شاسعة من سكانها، ما كان ضحيته مئات الآلاف من المواطنين الذين أبعدوا عن أوطانهم أو قضوا في سبيل البقاء. أثارت هجمات النظام الحاكم على السكان العزل ثائرة منظمات حقوقية وانسانية على مستوى العالم، وكانت نتيجة الضغط الدولي المتصل أن أجبرت الشركات الغربية على الانسحاب من قطاع البترول السوداني، وإخلاء الساحة تماماً للصاعدين الجدد، صينين وهنود وماليزيين. هؤلاء استعصموا بمواقعهم على خارطة الاستثمار النفطي في السودان وزادوا بتعزيزها نظراً لخلو المجال من المنافسين. 

 

محل الصراع العسكري بين الحركة الشعبية وحكومة الخرطوم أصبحت دارفور مسرحاً لصراع لا يقل عنه دموية بين الخرطوم وحركات دارفور المسلحة. هذا بعد أن توطدت أقدام التنين الصيني في الأرض السودانية، وأخرجت له من خيرها ما أخرجت. في الثلاثين من يوليو 2004 أصدر مجلس الأمن الدولي أول قراراته (رقم 1556) حول الحرب الدائرة في دارفور. أوجب القرار على النظام في الخرطوم نزع سلاح مليشيا (الجنجويد) وتحقيق العدالة في الاقليم، مع الاشارة إلى احتمال أن يتخذ المجلس اجراءات عقابية ضد السودان حال عجز عن تنفيذ ما يليه. أجاز المجلس هذا القرار باجماع أعضائه، مع امتناع الصين والباكستان عن التصويت. عندما بدا واضحاً أن النظام لا يعتزم الانصياع للشريعة الدولية أعقب المجلس قراره الأول بآخر في سبتمبر من نفس العام (رقم 1564) أعاد فيه مطالبه السابقة. على خلفية التهاب الصراع في الاقليم بعث المجلس بلجنة تحقيق إلى دارفور مهمتها تحديد ما إذا كانت الجرائم المرتكبة في الاقليم ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الانسانية، بخاصة ما إذا كانت تحقق أركان جريمة (الإبادة الجماعية). تهديد المجلس للنظام في الخرطوم جاء منزوع النصال، حيث كانت نتيجة الضغط الصيني تعديل المسودة الأولى للقرار والتي اشتملت على وعيد بـ(اتخاذ) اجراءات عقابية ملموسة إلى (النظر) في احتمال اتخاذ هكذا اجراءات. امتنعت الصين هذه المرة أيضاً عن التصويت، وكذلك فعلت روسيا والجزائر والباكستان. فضل المجلس، تجنباً للحرج، أن يأتي قراره التالي حول المسألة، بتاريخ 19 نوفمبر 2004م (1574)، خالياً من إي اشارة مباشرة إلى العقوبات، حيث اكتفى بصياغة مبهمة حول احتمال أن يواجه النظام عواقب غير محددة. تقييم ما سبق أن الصين شكلت حائط الصد الأساسي ضد أي قرار دولي يمكن أن يؤذي النظام السوداني، أي استثماراتها في البلاد. حيث أرسلت بامتناعها عن التصويت إشارة واضحة إلى بقية أعضاء مجلس الأمن مفادها أنها على استعداد لاستخدام حق النقض (الفيتو) حال أصر المجتمع الدولي على معاقبة نظام الخرطوم. والسبب بين، فالصين لا شأن لها بشؤون السودان (الداخلية) إلا إذا أصابت هذه الشؤون مصالحها بضرر: أكبر استثمارات الشركة الصينية الوطنية للبترول (CNPC) موقعها السودان، حيث تجاوزت مبلغ 3 مليار دولار. استثمارات تضمن لها حالياً نسبة 7% من وارداتها البترولية مع زيادة منتظرة. سبب مضاف لأهمية النظام بالنسبة لبكين هو تراجع الشركات الصينية أمام المنافسة الغربية في في كازاخستان والشرق الأوسط، حيث حلت محلها شركات غربية متعددة الجنسيات (وكالة أبحاث الدفاع السويدية، 2004). كذلك منيت الصين بهزيمة أخرى في سيبيريا، إذ تفوقت عليها اليابان في تهافت كوني على النفط الروسي (واشنطن بوست، 28/06/04م). مصيبة الصين الأخرى أن الاحتلال الأميركي للعراق يهدد لا شك امتيازات التنقيب والاستخراج التي حصلت عليها من حليفها السجين صدام حسين. بذات القدر تنذر الأزمة النووية الإيرانية بمخاطر قد تطيح بخطط الصين استثمار المليارات في قطاع البترول الإيراني (بي بي سي، 01/11/04م).       

 

المصادر

(1)  National Energy Policy, Report of the National Energy Policy Development Group, The White House, May 2001.

(2)  Joshua Eisenman & Joshua Kurlantzick, China’s Africa Strategy, Current History, May 2006.    

(3)  Denis M. Tull, Die Afrikapolitik der Volksrepublik China, Stiftung Wissenschaft und Politik, Deutsches Institut fuer Internationale Politik und Sicherheit, Berlin, August 2005.

(4)  Ingolf Kiesow, China’s Quest for Energy: Impact upon Foreign and Security Policy, Swedish Defence Research Agency, Stockholm, 2004.

(5)  The Undeclared Oil War, Washington Post, 28/06/2004.

(6)  China to Develop Iran Oil Field, BBC Online, 01/11/2004.

(5)

المورد الناضب

من البديهي أن صناعة البترول تحتاج قدرات تكنولوجية ورأسمالية تفوق استطاعة الهامش الاقتصادي الكوني، والسودان جزء منه، لذا كان من المنطقي أن تعرض الدولة السودانية متاعها على السوق الرأسمالي العالمي لتجد من يعينها على استثماره، أو بالأصح يتولى استثماره. في هذه العلاقة واضح من هو الطرف الأقوى، فرغم أن المورد مكنون في الأرض السودانية إلا أنه دون التكنولوجيا المناسبة والرأسمال الكافي يظل زيتاً تحت تراب، لا يغني حامله شيئاً. من ناحية أخرى يظل التساؤل مطروحاً، أنه ما من شركة ذات اعتبار في السوق العالمي من حيث الدربة والخبرة والدراية كان لها ضلع في استثمار البترول السوداني سوى شركة شيفرون الأميركية، أما اللواتي ورثن جهدها فأقزام مهما تقافزن. سوى أن دخول التنين الصيني إلى المشهد أضفى على القضية حساسية جديدة، جيوسياسية بالأساس، فبذلك أصبحت بلادنا مسرحاً لصراع خفي حيناً، ومعلن حيناً آخر، بين الصين من جهة، والرأسمالية الغربية من الجهة المقابلة. بجانب قضيتي تايوان والتجارة الدولية صار البترول في مقدمة عناصر الصراع الصيني الأميركي. ولا يجوز أن نغتر، أو يغتر النظام الحاكم، بفوز أحد الطرفين على قرينه في هذه المرحلة الأولية، وعلى المسرح السوداني، إذ ما زالت الصناعة البترولية في بلادنا في طفولتها الغريرة.

 

إن تنامي الحوجات البترولية الصينية لا بد مثير تخوف السلطات الأميركية من حقيقة موضوعية مفادها أن الاحتياطي البترولي الموجود حالياً، متفرق في أنحاء هذا الكوكب، لا يكفي نهم الثلاثمائة مليون أميركي الذين يبزون النفط بزاً، وفي ذات الوقت عدد 1,3 مليار صيني أصابهم للتو ادمانه (إريكا داونز، 04/09/06م). هذا بالاشارة إلى كم من الدراسات العلمية التي تحذر من اقتراب (قمة) الانتاج البترولي، وهو تصور أرساه هوبرت (1967م): "بما أن النفط والغاز موردين ناضبين فالمنطق أن تاريخ استغلال هذين النوعين من الوقود منقسم إلى فترات بداية، ثم ازدياد، ثم انحسار، ثم في المنتهى انعدام. في هذا التسلسل، ليست فترة البداية ولا فترة النهاية ذات أهمية قصوى، وإنما الفترة الانتقالية بين التزايد والانحسار". وصل الانتاج البترولي الأميركي قمته في العام 1970م، ليتضاءل منذها، وهي الحقيقة التي ضمنت نجاح الحظر البترولي العربي عام 1973م، وبالتالي أفضت إلى تحول جذري في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. احد التقديرات الرصينة المعاصرة لتاريخ قمة الانتاج البترولي الكوني، والذي بعده يتناقص الانتاج انحداراً، يغلب العام 2007م موعداً لقمة (هوبرت) هذه. حيث يتوقع أن يصل حينها انتاج البترول على مستوى العالم إلى حد أقصى قدره 30,6 مليار برميل في العام، ثم يبدأ في التناقص حتى معدل 24,6 مليار برميل سنوياً عام 2020م، ليصل عام 2040م إلى معدل 11,5 مليار برميل في السنة، ما يساوي انحدار كلي بنسبة 62% خلال 33 عام فقط (دنكان و ينغكويست، 1999م). من جهة أخرى ترجح التقديرات أن يتزايد الطلب العالمي على البترول بنسبة 50% بحلول العام 2025م. كذلك هناك حقائق موضوعية تعزز صدقية مثل هكذا توقعات، ومنها اعلان منظمة أوبك أن احتياطيها من البترول لن يستطيع مجاراة الطلب العالمي خلال العشرة إلى الخمسة عشر أعوام القادمة، بالاستناد إلى تناقص انتاج 38 من أصل 48 دولة من الدول الأكبر انتاجاً للبترول في العالم (ضمن هيرش، 2005م). هذا القلق الأميركي لا بد انعكس ذعراً صينياً من احتمال أن تغلق الولايات المتحدة الأميركية بعزم جبروتها دن البترول الناضب عن كأس الصين التي بلغ استهلاكها للبترول معدل 7 مليون برميل يومياً، ما يساوي ثلث الاستهلاك الأميركي، تستورد منه 3,3 مليون برميل في اليوم، أي ربع معدل الاستيراد الأميركي. وهي معدلات تزداد باضطراد، حيث تقدر وكالة الطاقة الدولية أن يبلغ استهلاك الصين للبترول معدل 9,1 مليون برميل في اليوم، ومعدل الاستيراد 5,3 مليون برميل في اليوم، ذلك بحلول العام 2011م (داونز، مصدر سابق). في شأن حيوية شريان البترول المستورد بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، تجدر الإشارة إلى أن معدل الاستهلاك الأميركي الحالي يبلغ 20 مليون برميل في اليوم، ما يساوي 7,2 مليار برميل في العام، حيث تستورد الولايات المتحدة حالياً 11,6 مليون برميل في اليوم، أي 59% من احتياجاتها البترولية، ذلك بالمقارنة مع 23% في العام 1970م، إذ تعاظم اعتماد الولايات المتحدة على البترول المستورد بالترافق مع ارتفاع تكاليف انتاجها المحلي. أما أبواب الاستهلاك الأميركي فأولها وقود العربات (45%)، ثم الديزل (19%)، ثم الغاز المسال (10%)، ووقود الطائرات (8%)، بجانب استخدامات أخرى (18%). تقدر دراسات معتبرة أن تتزايد هذه المعدلات ليصل الاستهلاك الأميركي للبترول في العام 2025م معدل 30 مليون برميل في اليوم، نتيجة لاتساع النشاط الاقتصادي وارتفاع الطلب على وقود النقل، ما سيدفع معدل الاستيراد الأميركي للبترول إلى مستوى 20 مليون برميل يومياً، أي 68% من احتياجات الولايات المتحدة البترولية. من جهة أخرى تشير البحوث إلى أن زيادة 1% في سعر البترول العالمي تؤثر سلباً على الناتج القومي الاجمالي الأميركي بمقدار 0,05% في المتوسط (باري و دارمستادتر، 2003م). إن مراجعة هذا السيناريو تشي باستقطاب واقع لا محالة بين مستهلكين اثنين عظيمين لهما من القوة العسكرية ما يهدد بقاء البشرية بأكملها، هذا على المدي القصير، ومن الطاقة الصناعية ما يدفع الكوكب بعجلة قصوى نحو هاوية بيئية لا قرار لها. فكأنما نواجه حرباً باردة جديدة بين فيلين، لكن هذه المرة عرياً من الآيديولوجيا إلا ما كان تعبيراً عن اسلوبين متمايزين شكلياً وليس نوعياً في الاستغلال الامبريالي. وكما هو متوقع ساحة المعركة ليست (الهوملاند) الأميركية ولا المحمية الصينية، وإنما جغرافية العالم البترولية. تكشفت ارهاصات من الاستفزاز المتبادل في سعي الصين شراء امتيازات للتنقيب في كندا، والتي تعتبر المصدر الأول للبترول بالنسبة للولايات المتحدة. في أوائل العام 2005م تقدمت شركة (سينوبيك) للبترول المملوكة للدولة الصينية بعرض للحصول على امتياز تنقيب يشمل احتياطيات جزر (آلبرتا) الكندية، بينما تتجه شركة (انبردج) الكندية نحو التعاقد على بناء أنبوب ناقل للنفط يصل بين جزر (ألبرتا) وشاطئ (كولومبيا البريطانية)، بحيث يمكن تصدير البترول إلى الصين عبر سفن ناقلة. إذا وصلت إحدى هاتين الصفقتين إلى منتهاها فإن الولايات المتحدة مهددة بفقدان ثلث ما اعتادت استيراده من كندا لصالح الصين (لوفت، 18/01/05م). الأنبوب الناقل تقدر تكلفته الكلية بمبلغ 2 مليار دولار، وسعته بحجم 400 ألف برميل في اليوم، 80% منها سيذهب إلى الصين والمتبقي لصالح مصافي البترول في كاليفورنيا (نيويورك تايمز، 23/12/04م). هذا مع العلم أن كندا ظلت وفية لعهد بينها والولايات المتحدة منذ السبعينات ألا تحيد عن توفير النفط الخام للأخيرة باعتبار المصالح المشتركة للبلدين، ما ضمن علاقة صافية بين الجارتين في مجال الأمن النفطي طوال هذه السنين. اليد الصينية الطائلة امتدت إيضاً إلى داخل عرين الرأسمالية الأميركية حيث عرضت الشركة الوطنية الصينية للبترول البحري (CNOOC) في العام 2005م مبلغ 18,5 مليار دولار لشراء (يونوكال) وهي تاسع أكبر شركة أميركية منتجة للبترول، وتنشط بالأساس في آسيا (بي بي سي، 23/06/05م).

 

بقياس أشد تعسفاً يشير محللون بارزون في دوائر الأمن القومي الأميركي إلى تشابه وضع اليابان الإمبريالية ما قبل الحرب العالمية الثانية مع وضع الصين الحاضر، بجمع الحوجة المتنامية لتأمين مصادر الطاقة في وجه التنافس الدولي عليها. ما دفع اليابان إلى اتباع سياسة توسعية حينها استهدفت القارة الآسيوية، ويدفع الصين حاضراً إلى البحث عن موطئ قدم لها في الشرق الأوسط، وبالتالي تهديد المصالح الأميركية جدياً (لوس آنجلز تايمز، 02/02/04م). بقراءة أكثر واقعية يستبعد انتشاب حرب كونية جديدة موضوعها بصورة أو أخرى النفط، وإن ارتدى وجه محاربة الارهاب، ونشر (الديموقراطية) إلا ربما عبر وكلاء أو أقمار في هذا الاقليم البترولي أو ذاك. لكن الثابت أن التناقض الجوهري بين الصين والولايات المتحدة لم يأخذ بعد شكل الصراع المباشر على براميل البترول، لكن البترول عنصر مركزي في قضايا معتبرة تتعارض فيها مصالح البلدين، كل ناظر لقرينه بعين الشك والتحفز، ومثال ذلك ايران، والسودان: الأولى صاحبة ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، وبلادنا ثالث أكبر مورد للبترول الخام بالنسبة للصين. في كل كانت العرقلة الصينية من داخل مجلس الأمن عاملاً أساسياً في لجم الاعتراض الدولي على المشروع النووي في حالة ايران، وعلى جرائم دارفور في حالة السودان. وفي كل كانت الولايات المتحدة محركاً رئيسياً لعجلة الشريعة الدولية.     

 

المصادر

(1) Erica S. Downs, How Oil Fuels Sino-U.S. Fires, Brookings Institution; Business Week, 04/09/2006.

(2) M. K. Hubbert, Degree of Advancement of Petroleum Exploration in the United States, American Association of Petroleum Geologists Bulletin, Vol. 51, No. 11, 1967. 

(3) Richard S. Duncan & Walter Youngquist, Encircling the Peak of World Oil Production, Natural Resources Research, Vol. 8, No. 3, 1999.

(4) Robert L. Hirsch, The Inevitable Peaking of World Oil Production, The Atlantic Council of the United States Bulletin, Vol. XVI, No. 3, October 2005.

(5) Ian W.H. Parry & Joel Darmstadter, The Costs of US Oil Dependency, Discussion Paper 03-59, Resources for the Future, Washington D.C., December 2003.

(6) Gal Luft, In Search of Crude Oil China Goes to the Americas, Institute for the Analysis of Global Security, Energy Security, 18/01/2005.

(7) Simon Romero, China Emerging As U.S. Rival for Canada’s Oil, New York Times, 23/12/2005.

(8) China Oil Firm in Unocal Bid War, BBC News, 23/06/2005.

(9) Gal Luft, US China are on Collision Course over Oil, Los Angeles Times, 02/02/2004.    

(6)

تهافت الشركات

سبقت الاشارة إلى سالف استغلال البترول السوداني على يد الرأسمال الأميركي ممثلاً في شركة شفرون، والتي وضع خروج الجيش الشعبي لتحرير السودان على نظام جعفر نميري حداً لنشاطها في السودان، ثم عادت للمبادرة بعد الانتفاضة الشعبية أبريل 1985م، إلا أن استمرار دورات القتال بين الجيش الشعبي والجيش الحكومي حال دون اتصال ما انقطع، بالاضافة إلى عين الريبة التي لازمت علاقة الحكم الديموقراطي بحلفاء جعفر نميري وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية. على كل وضع انقلاب الجبهة الاسلامية في يونيو 1989م نهاية لآمال شفرون في استثمار آمن، حيث اشتد لهيب الحرب في أقاليم البترول السودانية حتى فاق كل سابقة، بما هو ركيزة الصراع المحورية. هذا بالاضافة إلى صبغة الاسلاموية المتمردة التي تبختر بها النظام أول عهده فصد عن نفسه أصدقاء محتملين من بينهم مصر والولايات المتحدة، والإثنان يشتركان في الحنق على ديموقراطية السودان، بعد أن أطاحت بحليفهما المؤتمن. في العام 1990م أكملت شفرون رحلة صيدها في السودان بالتخلي عن امتيازاتها في أبو جابرة وشارف، ذلك بعد أن بلغت جملة استثماراتها مليار دولار أميركي تشهد عليها 87 بئر خلفتها للوارثين، 31 منها في دارفور وجنوب كردفان (المركز العربي لأبحاث البترول، 1993م: ص 396). استثار النظام غضب بلدان الخليج العربي بموقفه الداعم لصدام حسين خلال حربه ضد الكويت 1990م فحجبت عنه صادر البترول، لكن ثمار ذلك كانت صداقة سريعة الذوبان مع ايران، صادفت هوى عند المعجبين بثورة الخميني من الاسلاميين السودانيين، وهم تيار مؤثر في الجبهة الاسلامية الحاكمة. الصين بدورها كانت على أتم الجاهزية لتشغل الموقع الذي أخلاه الاتحاد السوفييتي، بسقوطه المدوي، في الحلبة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بالذات وقد دشنت الولايات المتحدة تحت قيادة بوش الأب مشروعها لنظام عالمي جديد لا مكان فيه سوى لقطب واحد، فكأنما ورثت الصين حلفاء السوفييت السابقين في المنطقة بوضع اليد، لكن دون ضجيج آيديولوجي، وإنما بدبلوماسية مداهنة. بذا وجد الخارجون على النظام العالمي يد الصين ممتدة، كما اليها سعوا. من ذلك صفقة السلاح البالغ حجمها 300 مليون دولار التي تمت في مارس 1991م بين قيادة الجيش السوداني والصين بتمويل ايراني. الايرانيون بدورهم مدوا النظام في ديسمبر 1991م بقرض قدره 17 مليون دولار ووعدوا بآخر قدره 150 مليون دولار كان الشاه قد خص به جعفر نميري (سودان أبديت، 2000م).

 

بدأت في ذات الفترة محاولات النظام انعاش اهتمام الرأسمال الدولي بما تحت سيطرته من موارد بترولية فعقد في يناير 1992م أولى الصفقات للاستكشاف البترولي مع شركة (لندين) التي أوكل لها القيام بمسوح جيوفيزيائية في منطقة الامتياز الواقعة بين طوكر وحلايب براً وبحراً والممتدة لمساحة 38,400 كيلومتر مربع. بدرجة أعلى اشتد ضغط الحكومة على شفرون إما أن تستأنف الانتاج في مناطق امتيازها جنوب السودان، أو أن تبيع وتغادر كلية، حتى أذعنت شفرون وباعت منتصف 1992م استثمارها البالغ مليار دولار لشركة كونكورب إنترناشيونال المملوكة لرجل الأعمال السوداني محمد جار النبي بمبلغ زهيد قدره 25 مليون دولار (تقرير الشرق الأوسط الاقتصادي، 22/06/92م). وسيط الصفقة كان مايك فريني، مدير شركة (Chemex) ومقرها (بيكرسفيلد) في (كاليفورنيا): الشركة الممثلة لكونكورب إنترناشيونال في الولايات المتحدة الأميركية. تأسست كونكورب في العام 1976م ولها نشاطات في السودان والولايات المتحدة ويوغندا وتشاد والامارات العربية والمملكة السعودية والهند، حيث راكمت خبرة خمسة عشر عاماً في بناء المدراس في السعودية، بالاضافة إلى انشاء الطرق والجسور! على رأس الشركة محمد عبد الله جار النبي: أحد أبكار الحركة الاسلامية ومرشح الجبهة القومية الاسلامية في انتخابات 1986م، والرجل المقرب من عراب النظام حينها د. حسن الترابي. تقف خلف الشركة رأسمالية الجبهة ممثلة في شيخ عبد الباسط وعثمان خالد مضوي والطيب النص. كما أن لذات المجموعة عين داخل شفرون نفسها، حيث غادر مديرها العام في السودان عبد اللطيف وداعة الله موقعه بعد خروج الشركة من البلاد ليشغل منصب الرجل الثاني في كونكورب إنترناشيونال (التحالف من أجل العدالة الدولية، فبراير 2006م: ص 9). لا بد من التساؤل عن العوامل التي دفعت بشيفرون إلى التخلي عن مليارها نظير ملايين قليلة، بل التخلي عن كشوفات بترولية واعدة لصالح شركة صغيرة من صلب النخبة الحاكمة لا تعدو أن تكون مجرد حلقة (سمسرة) في سلسلة صفقات ستحيل البترول السوداني إلى قادر آخر منافس لشفرون بعد استقطاع عمولة الطريق. لعلها عوامل متداخلة: اشتعال حرب تهدد مناطق البترول؛ تدهور علاقات الشركة مع حكومة السودان؛ الضغط السياسي من الحكومة الأميركية؛ واعتبارات الشركة الخاصة. العوامل الثلاثة الأولى بينة الفاعلية، أما بخصوص الأخير، فقد قدرت الشركة حينها الاحتياطي البترولي المتوفر في حقلي هجليج والوحدة بحجم 236 مليون برميل فقط، ما كان دافعاً للزهد فيه بحسبان انخفاض أسعار البترول في السوق العالمي وارتفاع تكلفة نقل الانتاج السوداني. من جهة أخرى بدت للشركة فرص أخرى أوفر ربحاً في مناطق انتاج جديدة مثل كازخستان. كما قلل من صدمة الانسحاب بالدرجة الأولى حقيقة أن شيفرون كانت تتمتع باعفاء ضريبي على أعمالها في السودان من جانب الحكومة الأميركية مقداره 550 مليون دولار (باتيي، 2006م: ص 16).

هكذا أحكمت الطبقة الحاكمة من رأسماليي الجبهة وسياسييها قبضتها على مورد المستقبل في السودان ودون أي تكلفة تذكر، بل بربح وفير في هيئة عمولة صفقة سلسة توفرت لها عوامل النجاح بفرض الحرب في جنوب السودان، والعداء بين الحكومة الأميركية وحكومة السودان، واملاءات سوق البترول الدولي. بذا بدأ عصر جديد في الاقتصاد السياسي السوداني، لا مقابل له في الحقيقة في تاريخ بلادنا، خلا ارهاصات أولية، وثق لها أستاذنا كمال الجزولي بعبارة لاذعة الصدق تصح أن تكون منشأ بحث طويل، حيث يقول أن تاريخ السودان المعاصر ما هو إلا مرحلتين: ما قبل انشاء بنك فيصل الاسلامي، وما بعده!    

بطبيعة الحال ما كانت كونكورب إنترناشيونال مؤهلة تكنولوجياً أو مالياً لتقوم بعبء الاستثمار المكلف في أقاليم البترول السودانية، خاصة وما زالت مسألة نقل الخام عالقة تنتظر بناء أنبوب يصل مناطق الانتاج بمنفذ التصدير على البحر الأحمر. كونكورب كانت يد الطبقة الحاكمة للاستيلاء على امتيازات انتاج البترول السوداني، ومن ثم طرحها مرة أخرى في السوق العالمي وفقاً لشروط جديدة توافق أهدافها الكلية، إذ لم تتجاوز مساهمة الشركة الفعلية انتاج اثنين ألف برميل في اليوم من مصفاة صغيرة في حقل أبوجابرة بغرض الدعاية السياسية حتى يتسنى اقناع الرأي العام بفتوحات النظام الاقتصادية. في أكتوبر 1992م باعت كونكورب امتيازات شفرون السابقة لقزم بترولي آخر: شركة ستيت بتروليوم (State Petroleum) الكندية التي يرأسها الباكستاني لفتور خان، والتي يعتبر مصدر تمويلها الأصلي شركة تراياد للاستثمار (Triad Investment) المملوكة للموغول السعودي عدنان خاشقجي، رفيق نميري الأول، حيث يملك زايد جان خياني أحد العاملين في تراياد نصيباً عظيماً من أسهم ستيت بتروليوم. كانت آراكيس للطاقة (Arakis Energy) الكندية قد تقدمت قبلها بأشهر، في يونيو 1992م، بعرض لشراء ستيت بتروليوم، مع اعلان عزمها الاستثمار في قطاع البترول السوداني. كما سعت للحصول على ختم البنك الدولي عبر طلب قرض من (وكالة الضمان الاستثماري متعدد الأطراف) مقداره 50 مليون دولار، وبداية تفاوض سرعان ما انقطع مع (هيئة التمويل الدولية). أعلنت آراكيس أنها بصدد الحصول على دفعة أولى مقدارها 25 مليون دولار من جملة تمويل مقداره 250 مليون دولار تعهدت به شركة خاشقجي (تراياد) ومقرها لندن، ذلك عبر الوسيط صاحب الأسهم في ستيت بتروليوم زايد جان خياني (التحالف، مصدر سابق: ص 15). بنهاية العام كانت كل من ستيت بتروليوم وآراكيس للطاقة تسيطران على قطاع البترول السوداني، من ثم أكملت آراكيس مشروعها شراء ستيت بتروليوم، ونالت بالتالي كامل حقوق التنقيب في هجليج والوحدة في مايو 1994م. عهد آراكيس الملكي انتهى بعد عامين فقط من هذا التاريخ، حيث باعت الشركة في العام 1996م 75% من أسهمها للكونسورتيوم المكون من الشركة الصينية الوطنية للبترول (CNPC)، وشركة البترول الماليزية (Petronas)، وشركة (Sudapet) السودانية. ثم ما لبثت أن تنازلت عام 1998م عن المتبقي لها من الأسهم والامتيازات والأصول في صفقة استيعاب ودية لشركة كندية أخرى مقرها كالغاري: تاليسمان للطاقة (Talisman Energy)، وريثة البترول البريطانية – كندا (British Petroleum Canada). بحسب الصفقة، نال أصحاب الأسهم في آراكيس سهماً واحداً من أسهم تاليسمان نظير كل عشرة أسهم في آراكيس، ما مجموعه حينها 296 مليون دولار (التحالف، مصدر سابق: ص 19). علة ذلك الرئيسة أن آراكيس فشلت في اصطياد التمويل اللازم لعملياتها رغم سيل من المحاولات القانونية وغير القانونية، حيث كانت استثماراتها في السودان صرحاً من الطموحات أكثر من كونها قدرات ملموسة. كانت تقديرات آراكيس أنها تحتاج في الحد الأدني 750 مليون دولار أميركي لمواصلة الانتاج في السودان. وبالتالي لزم أن تبحث الشركة الصغيرة عن تمويل بنكي، ما وجدت إليه سبيلاً، إذ صدت البنوك الدولية عن هكذا مخاطرة بسبب ما يدور من صراع عسكري حول مناطق البترول، وعموم الوضع السياسي والاقتصادي في السودان. كانت أكثر الفرص معقولية  تعهد "المجموعة العربية الدولية" (Arab Group Int.) التي يرأسها الأمير سلطان بن سعود عام 1995م، ذلك الذي هلك بانسحاب آراكيس نتيجة اهمال المجموعة تسديد دفعة التمويل الابتدائية ومقدارها 50 مليون دولار. والعلة أن وزير النفط السعودي هشام ناظر فقد منصبه في أغسطس 1995م جراء تغيير وزاري، حيث كان الرجل مسانداً نافذاً للمجموعة العربية ولصفقتها مع آراكيس (فانكوفر صن، 03/08/95م). تعرضت آراكيس لاحقاً للملاحقة القضائية من قبل مساهميها نتيجة عجز الشركة عن كشف تفاصيل الصفقة مع المجموعة العربية. كما طالت الملاحقة مدير الشركة تيري الكساندر بتهمة بيع الأسهم بالباطن. أخيراً تم طرد الشركة من بورصة فانكوفر بأمر (مفوضية برتش كولومبيا الأمنية)، التي أوقعت على مديرها تيري الكساندر غرامة مالية قدرها 1,2 مليون دولار. ثم جاءت الضربة القاضية بتجميد نشاط الشركة في بورصة ناسداك (باتيي، مصدر سابق: ص 18). كان مدير آراكيس قد جعل من النشاط المشبوه وسيلة للحصول على التمويل الذي رفضت البنوك توفيره، حيث عمد إلى الاتجار بأسهم الشركة خارج البورصة، وأسس شركات وهمية في أكثر من محمية ضريبية، منها جرسي وجزر فرجين البريطانية وليشتنشتاين وجزر الباهاماس وجزر الجانيل. وبذا تمكن من بيع 23 مليون سهم من أسهم آراكيس لشركات واقعة سراً تحت سيطرته، وصنع وهماً من الاقبال على آراكيس، ما زاد من قيمة أسهمها في السوق الدولي، رغم أنه ما من فلس واحد دخل حصيلة الشركة، بل كانت جميع قفزات أسهمها مضاربات محضة. مثلاً، في فبراير 1995م كانت قيمة سهم آراكيس في السوق الكندية لا تتجاوز 4,75 دولار كندي، ارتفعت إلى 33 دولار كندي في يوليو 1995م بعد اعلان صفقة (المجموعة العربية)، لتبلغ قيمة الشركة الكلية 1,8 مليار دولار كندي (التحالف، مصدر سابق: ص 16 – 17). على الأرض لم يتجاوز الانتاج عام 1998م، أي وقت انتقل الأمر برمته إلى عهدة الصين، سقف 3200 برميل في اليوم، هذا بازاء زعم آراكيس أنها استثمرت ما يفوق 125 مليون دولار في مناطق امتيازها. إذن، نال الجميع حظاً من خير موردنا الوطني، مضاربين، ورأسماليين وهميين، وعملاء شركات، وبالطبع نخبة مفتاحية، تسقط كل صفقة في حضنها نصيباً. فمن نصير الإمبريالية والاستعمار يا ترى، ومن يتلاعب بمقدرات الوطن، ومن لا يعرف من (الثوابت) سوى مصلحته المباشرة والآنية؟ عافاك الله تأمل! 

المصادر

(1) Sudan Update, Raising the Stakes: Oil and Conflict in Sudan, 2000.

(2) Arab Petroleum Research Centre, Arab Oil & Gas Directory, Paris, 1993.   

(3) Chevron Sells Oil Interests in Sudan to Local Firm, Middle East Economic Survey, 22/06/1992.

(4) Coalition for International Justice, Soil and Oil: Dirty Business in Sudan, Washington DC, February 2006.

(5) Luke A. Patey, A Complex Reality: The Strategic Behaviour of Multinational Oil Corporations and the New Wars in Sudan, Danish Institute for International Studies, Copenhagen, 2006.  

(6) David Baines, Arakis Energy’s Shares Tumble on Enormous Volume, Vancouver Sun, 03/08/1995.

 

(7)

"تاليسمان" في الميدان

لا تثريب على حكم يضع جل اللوم الناقم في تعضيد حكم الطغاة الاسلاميين وتمكينهم بوسيلة الحرب أو السلم على الصين، لكن الصين ليست الوحيدة التي يوجهها الشره الرأسمالي، فقد كان دورها توفير البترول، وقود آلة الجبهة، أما الآلة نفسها وأجزاءها وصيانتها فهي مهام اضطلعت بها أطراف متعددة تشمل شركات وهيئات استثمارية من  كندا، والمملكة المتحدة، وهولندا، وألمانيا، والنمسا، والسويد، وروسيا، وبولندا، والهند، وماليزيا. بالطبع لم يقتصر التعاون على تكنولوجيا البترول فقط، إنما أمدت روسيا مثلاً السودان بطائرات ومروحيات مقاتلة، ووفرت بولندا دبابات حديثة، كما أستطاعت حكومة الخرطوم اقامة صناعة عسكرية محلية بعون روسي (لويس، 2004م: ص 7 - 8). من ثم ليس الأمر جماع مصالح صينية – (جبهجية) فقط، إنما بنظرة أوسع تقاطع شبكي لاملاءات السوق العالمي، واستمرار دموي لاندراج السودان كتابع طرفي في هيكل الرأسمالية الدولية: برجوازية طرفية تقوم بدور المستبد الداخلي، والوكيل المحلي لطبقة سوبر- رأسمالية متعولمة.

بهذا المدخل يمكن عقل دور الشركات الغربية في بناء القدرات البترولية والعسكرية للنظام الحاكم، لكن الحادث أن هذا الدور لم يستمر سوى لفترة قصيرة، وذلك في المقام الأول لاتساع الاحتجاج الدولي الشعبي، الغربي بالأساس، على هذا الدور وتعاظمه، بخاصة من جهة منظمات حقوق الانسان، ما أجبر أكثر من شركة غربية على الانسحاب من أقاليم البترول السودانية، رغم أنها ما قضت منها وطراً. في ما يخص الرأسمالية الصينية، كان هذا الوضع مدعاة حبور ونشوة، إذ بذلك انفردت في مجال ابتعد عنه المنافسون، وأصبحت لها اليد العليا في منطقة بكر.

ربما كانت قصة (تاليسمان) في السودان الأكثر دلالة على فعالية التضامن الدولي المناهض لحروب السودان النفطية، وفضل إمبريالية (متقدمة) على أخرى (متخلفة)! فالأولى متاحة على الأقل لرأي عام في بلدانها الأم يمكن استمالته لجهة الانتصار لقضية عادلة، أما الثانية فطابعها الصمم والبكم والعمى. لعل مقولة (تروتسكي) الحكيمة حول الاتباع تضيف لهذه الاشارة قدراً من التماسك، حيث يقول: "عند اتباعها الأشكال الجديدة الملحقة لا تأخذ المجتمعات المتأخرة بالبدايات ولا بمراحل التطور، وإنما تلتقط النتيجة النهائية ليس إلا. وفي الواقع تذهب أبعد من ذلك، فالمجتمعات المتأخرة لا تحاكي المنتج كما هو موجود في بلاد المصدر، إنما تحقق الفكرة المثالية للمنتج. وهي على ذلك قادرة بفعل أنها في موقع المتبع المقلد. هذا يفسر لماذا تبدو الأشكال الجديدة في المجتمعات المتأخرة متقنة أكثر مما هي عليه في المجتمعات المتقدمة، فالعلة أن المجتمعات المتقدمة تقترب من المثال ولا تحققه، حيث تتوسله شيئاً فشيئاً عبر عملية التطور المضنية وبتجاذب الاحتمالات التاريخية." إذا استبدلنا منتج (تروتسكي) بالسنن الإمبريالية تتبدى لنا شراسة الإمبريالية الصينية المستترة وفعاليتها التي تماثل بل تتفوق على إمبريالية القرن التاسع عشر البريطانية فتلك شابها قصور تاريخي اسمه الآيديولوجيا وطلبت لنفسها تبريرات مكلفة وغير اقتصادية البتة ثقافية المنشأ من نوع "عبء الرجل الأبيض" نشر الحضارة في العالم، أما الصينيون فدأبهم مراكمة الأرباح، أي جوهر المسعى الإمبريالي، ولا حضارة ولا رسالة ولا يحزنون. لذا ربما وافقت الصين هوى الاسلاميين أكثر من غيرها، فقد تركت لهم الرسالة، واكتفت بالحصيلة، دون انشغال بحضور ثقافي أو ما شابه، فمنتهى التبرير الذي تنشغل به الصين دعاية اعلامية من قبيل التعاون بين أقطار العالم الثالث، وحتى هذا الشعار يبدو أقنومة من عصر انقضى.

ورثت (تاليسمان إنرجي) تركة الفرع الكندي لـ(بريتيش بتروليوم) (BP Canada)، ذلك الذي أنشئ في أوائل خمسينات القرن الماضي. في العام 1992م باعت (بريتيش بتروليوم) حصتها البالغة 57% في فرعها الكندي للجمهور، من ثم تغير إسم الشركة في 31 ديسمبر 1992م إلى (تاليسمان إنرجي). منذ انشائها ابتدرت (تاليسمان) حملة للتوسع عبر شراء شركات وامتيازات بترولية، ما نجم عنه اكتسابها لأصول في مناطق متفرقة من العالم منها بحر الشمال والجزائر وإندونيسيا، فقد تمكنت من شراء شركات (إنكور) 1993م، و(بو فالي إنرجي) 1994م، و(قول بتروليوم) 1996م، و(بمبينا ريسورسز) 1997م، و(آراكيس إنرجي) 1998م، و(ريغل إنرجي) 1999م، و(فيستا مدستريم سولوشنز) 2004م، و(بالادين رسورسز) 2005م. في الوقت الحاضر تنشط (تاليسمان) في أكثر من 16 دولة حول العالم، ولها مشاريع تنقيب واستكشاف وانتاج في أميركا الشمالية، وبحر الشمال، وجنوب شرق آسيا، وأستراليا، وشمال افريقيا، وترينيداد وتوباغو، كما تشارك في أعمال في آلاسكا، وكولومبيا، والغابون، والبيرو، وقطر، ورومانيا. الشركة مسجلة في كل من بورصة نيويورك، وتورونتو (موقع الشركة على الإنترنت، 18/12/06م).

الذي حدث أن تاليسمان بشرائها آراكيس إنرجي في العام 1998م أصبحت شريكاًَ في الكونسورتيوم الدولي المعني باستثمار البترول السوداني، وذلك بحسب الحصص التالية: الشركة الوطنية الصينية (40%)، شركة البترول الوطنية الماليزية – بتروناس (30%)، تاليسمان إنرجي (25%)، وسودابت (5%) (النفط والغاز، 11/11/00م). رغم أن غزوة تاليسمان السودان لم تستمر وقتاً طويلاً يشفي تعطشها للأرباح، إلا أنها لم تغادر السودان خاسرة، بل بالعكس جنت أرباحاً طائلة، حيث ارتفعت عائدات استثمارات الشركة في السودان من 184 مليون دولار كندي في العام 2000م إلى 310 مليون دولار كندي في العام 2002م، ما يساوي 22% من دخل الشركة الكلي (باتيي، 2006: ص 20). تحصلت تاليسمان عام 1998م على نصيب آراكيس إنرجي بسعر 180 مليون دولار، وغادرت السودان بعد بيع نصيبها إلى (ONGC Videsh Ltd. فرع للشركة الوطنية الهندية للبترول، في عملية اكتملت في مارس 2003م، بمبلغ 758 مليون دولار (آيرين، 30/10/02م). مساهمة تاليسمان الرئيسة كانت المشاركة الفاعلة تمويلاً وتنفيذاً في بناء خط الأنابيب الواصل بين مناطق الانتاج في هجليج والوحدة وبين ميناء التصدير على البحر الأحمر بطول 1600 كيلومتر. بالفعل ارتفع الانتاج بمساعدة تاليسمان في هذه الفترة من لا شئ يذكر إلى 250 ألف برميل في اليوم، ذلك بعد أن تمكنت القوات الحكومية بعون لوجستي من الشركة، بالذات توفير مدارج أرضية للقاذفات والمقاتلات الحكومية، من اخلاء أرض البترول من سكانها إما بالقتل أو التشريد. أما السلطة فقد حققت عبر هذا الدرب الدموي منعة لم تكن لتحلم بها أضغاثاً إذ ارتفع دخلها السنوي من البترول إلى مبلغ 1 مليار دولار (لويس، مصدر سابق: ص 24). الفضل من ناحية أخرى يعود إلى ارتفاع أسعار البترول في أواخر العام 1999م الذي تزامن مع أول ضخات الصادر السوداني، وبذا تبادلت السفن الحاملة للبترول والأخرى الحاملة للسلاح المواقع على الميناء، الأولى ذاهبة والثانية قادمة (فان فاكتور، 2003، مسودة: ص 2).

المعارضة الشعبية الكندية والأميركية لاستثمارات تاليسمان في السودان، والمستندة إلى تقارير متتابعة لانتهاكات حقوق الانسان في مناطق التنقيب صادرة عن مؤسسات مثل آمنستي إنترناشيونال (1996م، 1997م) وهيومان رايتس ووتش (1993م، 1994م، 1996م)، بالاضافة إلى تقرير "هاركر" الصادر عن لجنة تحقيق مفوضة من وزير الخارجية الكندي (2000م)، كانت هي المعول الأساس الذي أدى إلى تقويض أعمال تاليسمان في السودان. أو كما عبر عن ذلك مدير الشركة جيم بوكيي غداة بيع نصيب تاليسمان بقوله: "تناقصت قيمة أسهم تاليسمان في الاعتبار العام جراء المخاطر السياسية الناجمة عن استثمارات الشركة في السودان، ولقد عبر لي أصحاب الأسهم عن ضجرهم من ضرورة متابعة وتحليل الأحداث ذات الصلة بالسودان" (ضمن كوبرين، 2004: ص 426). بمجرد شراء تاليسمان لآراكيس إنترناشيونال ابتدرت منظمات مدنية وحقوقية في الولايات المتحدة وكندا حملة منسقة لتبصير الرأي العام بصلات النفط والدم في الحرب الأهلية جنوب السودان، مستهدفة بالخاصة صانعي القرار والمشرعين، وفي المقام الأول أصحاب الأسهم، وهم في الغالب ليسوا أشخاصاً طبيعيين وإنما صناديق معاشات استثمارية، وبالتالي أكثر عرضة لنفوذ الرأي العام. وذلك بغرض دفع الأطراف المعنية للعدول عن الاستثمار في السودان إما اختياراً أو جبراً عبر دعاوى قضائية. استجابة لحملة الضغط المضطردة انسلت عدة جهات من شراكة تاليسمان في الفترة 1999 – 2000م، من بينها صندوق معاشات المعلمين بتكساس، صندوق معاشات الموظفين بنيوجرسي، وصندوق معاشات مدينة نيويورك (ضمن المصدر السابق: ص 440). في كندا انسحب بنك مواطني فانكوفر من تاليسمان، وكذلك جامعة تورونتو، وجامعة يورك، واتحاد المعلمين بمدينة انتاريو (باتيي، 2006م: ص 22). في نوفمبر 2001م تقدم محامي عن الكنيسة المشيخانية في السودان وآخرين بدعوى قضائية ضد تاليسمان إنرجي أمام محكمة جنوب نيويورك. تم تعديل الدعوى في فبراير 2002م لتتضمن حكومة السودان. كان الاتهام الموجه إلى تاليسمان هو انتهاك حقوق الانسان بالنسبة للمسيحيين والأقليات غير المسلمة في جنوب السودان عبر قياد حملة تطهير عرقي من أجل اخلاء الأرض قصد التنقيب عن البترول، وذلك تحت قانون "مطالبات الضرر الأجنبية" (Alien Tort Claims Act) الذي يسمح للأجانب بالتقاضي أمام المحاكم الأميركية في حالة الأفعال المرتكبة في بلدان أخرى تنتهك قانون الشعوب. رغم محاولات تاليسمان الدفع باتجاه رفض الدعوى على أساس اجرائي إلا أن قاضي فدرالي في محكمة مانهاتان حكم في مارس 2003م بقبول الدعوى متغاضياً عن حجة مساسها بالعلاقات الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، وذلك بالاشارة إلى اعلان الولايات المتحدة السودان دولة داعمة للارهاب، وتوقيع الرئيس بوش على قانون سلام السودان للعام 2002م (كوبرين، 2004م: ص 449 – 451). في سياق المطالبة قدم الإدعاء وثائق تثبت تورط تاليسمان بصورة أو أخرى في عمليات عسكرية استهدفت المدنيين من بينها مذكرة داخلية يعود تاريخها إلى أبريل 1999م تقول أن مدير الأمن في الكونسورتيوم كان عضواً في مجلس حكومي عالي المستوى مختص بقيادة العمليات العسكرية المتعلقة بالدفاع عن مناطق البترول، من بين أعضائه وزير الدفاع، مع التأكيد على الصلة الوثيقة التي جمعت مدير الأمن بالكونسورنيوم مع بقية أعضاء المجلس، وإطلاعه على كافة أعماله. كذلك تقدم الإدعاء بوثيقة من العام 2000م يذكر فيها المستشار الأمني لشركة تاليسمان مارك ريدنغ أن القوات السودانية شنت هجمات جوية انطلاقاً من مهابط الكونسورتيوم لمدة ستة أشهر في العام 1999م دون أن تعبر الشركة عن أي اعتراض، من ضمن ذلك هجمات قامت بها طائرات نقل مزودة بالقنابل. يتوقع، بحسب تقارير صحفية، أن تكون القضية جاهزة للفصل النهائي في يناير هذا العام 2007م (أوتاوا سيتزن، 22/10/2005م). هذا مع التنويه إلى أن مبلغ المطالبة قيد النظر مليار دولار أميركي.

"لندين" السويدية

في فبراير 1997م حصلت لندين بتروليوم السويدية على حقوق التنقيب والانتاج في مربع (5A) بولاية الوحدة، وذلك ضمن كونسورتيوم شاركت فيه بنسبة 40% ضم (OMV) النمساوية، وبتروناس الماليزية، وسودابت، حيث تكفلت لندين بمهمة التشغيل وتكاليف مشاركة سودابت صاحبة الـ(5%). بالمقارنة مع تاليسمان غادرت لندين مربع (5A) في يونيو 2003م بعد بيع حصتها لبتروناس الماليزية بمبلغ 142,5 مليون دولار أميركي، لكن سيرتها لم تثر ذات القدر من الاحتجاج الدولي، ربما لأنها، على الأقل، أبدت حساسية أعظم تجاه تعقيدات الاستثمار في أرض البترول المتنازع عليها، ومن ذلك أنها فوضت فريقاً بحثياً لانجاز تقييم سياسي اقتصادي للمنطقة في العام 1999م اعتمدت عليه كخطة عمل، كما استثمرت أكثر من 1,7 مليون يورو في برامج لتنمية المجتمع المحلي (باتروخ، 2003: ص 5). بالنظر إلى نشاط الشركة في منطقة حرب تعرضت لندين لضغط متعاظم من منظمات حقوقية أوروبية، وكذلك من الحكومة السويدية حيث صرحت وزيرة الخارجية السويدية حينها آنا ليند قائلة: "إن نشاطات لندين في السودان تعتبر سلبية بالنسبة للسويد" (باتيي، 2006: ص 28). في المحصلة أجبرت لندين على بيع حصتها في مربع (5A) انقاذا لسمعتها من اتهامات التورط في انتهاكات بالغة لحقوق الانسان، لكنها حافظت على وجود أقل في مربع (5B).                  

 

المصادر

(1) Scott Lewis, Rejuvenating or Restraining Civil War: The Role of External Actors in the War Economies of Sudan, Bonn International Centre for Conversion, Bonn, 2004.

(2) Website: www.talisman-energy.com, 18/12/2006.

(3) Sheppard & Manhas, Sudan Experience Offers Corporate-Responsibility Lessons, Opportunities, Oil & Gas Journal, PennWell Corporation, 11/11/2000.  

(4) Luke A. Patey, A Complex Reality: The Strategic Behaviour of Multinational Oil Corporations and the New Wars in Sudan, Danish Institute for International Studies, Copenhagen, 2006.  

(5) IRIN, Sudan: Talisman Sells Controversial Oil Stake, 30/10/2002.

(6) Samuel A. Van Vactor, Held Hostage: Arms and Infrastructure, Oil Development in Sudan and Chad (draft), Economic Insights Inc., May 2003.

(7) Stephen J. Kobrin, Oil and Politics: Talisman Energy and Sudan, International Law and Politics, Vol. 36, New York University, 2004.   

(8) Kelly Patterson, The Ottawa Citizen, 22/10/2005.

(9) Christine Batruch, Oil and Conflict: Lundin Petroleum’s Experience in Sudan, in Bailes and Frommelt (eds), Business and Security: Public-Private Sector Relationships in a New Security Environment, Stockholm International Peace Reseach Institute, Oxford University Press, (forthcoming 2004). 

 

(8)

ثمن البترول

يمكن الجزم دون تردد أن الثمن المباشر للبترول السوداني كان هلاك مجتمعات بأسرها مواطنها مناطق الانتاج، حيث عمدت الدولة بعون الشركات المنتجة، وباستغلال البنى التحتية التي توفرت بفضل صناعة البترول من طرق وكباري ومهابط طائرات، إلى تفريغ هذه المناطق من السكان، وذلك إما قتلاً أو تهجيراً بوسيلة الارهاب وبقوة السلاح. وقد خضعت جملة انتهاكات حقوق الانسان المرتبطة بصناعة البترول السودانية إلى رقابة موثقة من قبل عدة منظمات حقوقية معتبرة، منها آمنستي إنترناشيونال، وهيومان رايتس ووتش.

قام (التحالف الأوروبي من أجل البترول في السودان) بدراستين تفصيليتين في مناطق الانتاج، وذلك بالاستناد إلى هذه التقارير، وكذلك بالرجوع إلى حصيلة تقارير أخرى منها تقرير لجنة (هاركر) الكندية، ومحصلة عدد من البحوث والمسوحات الميدانية. صدرت الأولى عام 2001م تحت عنوان (تقرير عن تحقيق حول النزوح والصراع والتنقيب البترولي في غرب أعالي النيل، السودان)؛ والثانية عام 2006م تحت عنوان (التنقيب البترولي في شمال أعالي النيل، السودان). تركز دراسة غرب أعالي النيل على مناطق امتياز كونسورتيوم (GNPOC) المكون حينها من الشركة الصينية الوطنية للبترول (CNPC)، وبتروناس الماليزية، وتاليسمان الكندية، وسودابت. السمة الرئيسية لسياسة الحكومة تجاه القاطنين في مناطق الامتياز كانت التهجير قسراً، حيث وثقت الدراسة لزيادة في هجمات الطائرات المروحية المقاتلة على سكنى المدنيين، والقصد (تنظيف) مناطق الانتاج من الوجود البشري وتأمينها من أي هجوم محتمل. هذا مع العلم أن المنطقة كانت مسرحاً للنزاع بين فصيلي الجيش الشعبي خلال التسعينات، حيث مكن انحياز رياك مشار إلى السلطة في الخرطوم والتعاون العسكري الوثيق بين فصيل مشار وبين القوات الحكومية من فرض سيطرة الدولة المركزية على الكثير من المناطق الريفية، وبالتالي اكمال بناء خط أنابيب البترول. لكن عادت الهجمات الحكومية على المدنيين بصورة أشرس في العام 2000م، تاريخ انهيار اتفاقية الخرطوم للسلام، واتخذت طابعاً منهجياً: تقوم الطائرات المروحية المقاتلة بالقصف، ويعقب ذلك هجوم بري من قبل القوات الحكومية تعاونها المليشيات المتحالفة معها. رد الفعل كان استعار أكثر دموية للقتال بين الجيش الشعبي والجيش الحكومي تحمل عواقبه المدنيين حيث اعتادت القوات من الجانبين حرق ونهب القرى في المنطقة بقصد تصفية عدو لم يعد له وجه، وذلك جراء قتال مليشيات محلية إلى جانب الحكومة. في هذه الدورة الجهنمية لعبت الشركات المنتجة دوراً رئيسياً، وكانت طرفاً شريكاً في الصراع، وذلك بطرح منشآتها لاستعمال القوات الحكومية المقاتلة وحلفائها من المليشيات. في لحظة اشتعالها الأقصى كانت الحرب تجمع الأطراف التالية: الجيش الحكومي؛ مليشيات البقارة في المنطقة الواقعة شمال بحر العرب (كول بي) وبحر الغزال (نام)؛ مليشيا باولينو ماتيب المساندة للحكومة من مواقعها في ميوم؛ قوات بيتر بار جيك التي لم تربطها علاقة رسمية مع الخرطوم، لكن كانت تتلقى العون العسكري؛ قوات بيتر قاديت المساندة للجيش الشعبي؛ الجيش الشعبي المرتكز في محلية روينق، ووحدات متحركة بقيادة بيور آجانق قامت بالهجوم على هجليج في 5 أغسطس 2001م.

في شمال أعالي النيل كانت مناطق امتياز كونسورتيوم بترودار هي الأرض المستهدفة وقد وثقت دراسة التحالف الأوروبي لأنماط التهجير والتخريب المنهجي في مناطق حوض ملوط والمابان. تخلص الدراسة إلى أن التهجير طال على الأقل 15 ألف نسمة من السكان، وأدى ضمن ما أدى إلى مقتل المئات. بالاضافة إلى المخاطر المرتبطة باحتمال تلويث مياه النيل، وغيرها من الاعتبارات البيئية، وبطبيعة الحال الأضرار التي لحقت بالاقتصاد المحلي للسكان، تشي تغييرات ديموغرافية محدثة بصراع قادم طرفاه العائدين إلى مناطقهم من السكان الأصليين ومجموعات الرعاة والمزارعين الفلاتة التي استوطنت شمال بالويك. في شمال أعالي النيل كانت القرى الواقعة شمال شرق خور عدار هي الهدف الأول لسياسة (التفريغ)، حيث كانت المنطقة جبهة مواجهة بين الجيش الشعبي والجيش الحكومي، وبالتالي تعرضت القرى هذه لهجمات مقننة من جانب القوات الحكومية والمليشيات المساندة لها باتباع ذات المنهج المجرب في غيرها: هجمات جوية بالطائرات المروحية المقاتلة يعقبها اجتياح بري. معظم الفارين من جحيم هذه القرى البترولية اتجهوا إلى محيط المراكز الحضرية وشبه الحضرية في الرنك، وملوط، ومابان، وبالويك، وكذلك إلى مناطق الحركة الشعبية على طول النيل الأبيض جنوب خور عدار. بعض العائدين إلى مناطقهم الأصلية وجدوا أن قراهم لم تعد موجودة، أو أن الشركات قامت بالاستيلاء على الأراضي الصالحة للبناء، مثال ذلك قرية (كوتولوك) التي كانت بالمقاييس المحلية مركزاً سكنياً كبيراً وأصبحت الآن موقعاً لقاعدة البترول الرئيسة حوالي 15 كيلومتر من بالويك على الطريق إلى ملوط. أما السكن الجديد الذي توفر لأهل البلد (المنبوذين) فمثاله قرية (بني) أو (بالويك الجديدة) الواقعة على بعد خمسة كيلومترات من (بالويك) الأصلية: في العام 2005م تم تخصيص هذه المنطقة لسكن 4 إلى 5 ألف من نازحي الحرب، وهي تقع في منخفض رملي معرض دوماً للفيضان، وتنقصها مياه الشرب. المنطقة كلها غاية في الفقر، يعيش 90% أو أكثر من السكان على أقل من دولار في اليوم. المسوحات الغذائية التي أجريت في المنطقة توصلت إلى أن نسبة سوء التغذية العامة بين السكان 20,5% (مايو 2002م)؛ و28,1% (أبريل 2005م).

من جهة المخاطر البيئية فالتهديد الأعظم أن يتسرب البترول، أو الأسوأ تنفجر أنابيبه، ما سيؤدي إلى تلوث جميع حوض ملوط وبالتالي النهر أعظمه. كذلك يتهدد التلوث سدود (مشار) التي تعتبر من بين أهم المواقع المائية على الكوكب. هذا بجانب مسائل معالجة المياه الملوثة مهولة الكميات التي يُقذف بها مختلطة بالبترول في البيئة المحيطة، وأيضاً اختيار المواد الكيميائية المستخدمة، وفسح المحيط الشجري والحيواني للقطع والصيد الجائر. هنا تجب الاشارة إلى أن بترودار فوضت جامعة الخرطوم للقيام بمسح وتقييم بيئي في المنطقة، لكن التقرير النهائي لم يطرح للرأي العام. البنيات التحتية لصناعة البترول كان لها كذلك أثر بالغ الضرر على البيئة الطبيعية ودورة الاقتصاد والمعيشة، حيث تتسبب الطرق الجديدة وخطوط الأنابيب في حجز المياه وتغيير مجراها، ما يقود إلى الفيضان في بعض المناطق، والجفاف في أخرى، حتى أن المياه غمرت أجزاء من الرنك في العام 2005م، كما أضر الفيضان غير الطبيعي للمياه بالأراضي الزراعية الواقعة بين القيقر والرنك.

قسمة الثروة، لصالح من؟

إن محنة أهل مناطق البترول، على مركزيتها في شأن العلاقة بين الشمال والجنوب، بل بالأصح، بين الدولة السودانية ومواطنها، لم تكن من ضمن ما اهتمت به بروتوكولات نيفاشا، والتي تجاوزت هذه المظالم وما يتصل بها بجمل انشائية توصي باتباع الرشد وانتهاج الحق، لكنها لا تضع أي أساس يعتد به لتحقيق العدالة أولاً، وثانياً  لتصويب علاقة المستبد التي تربط ما بين السلطة الرأسمالية، شمالية أو جنوبية سيان، وبين مواطن أعزل قدره أن الأرض التي كانت له سكن ومرعى تدس في باطنها خيرات تتخطفها الأمم وتقاد اليها الجيوش. البروتوكول الخاص بقسمة الثروة يحدد نسبة 2% على الأقل من العائد تخصص للاقليم أو الولاية التي يتم فيها استخراج البترول، أما المتبقي فيتم اقتسامه بين الشمال والجنوب مناصفة، مع تقدير سعر سنوي لصادر البترول يتفق عليه بين الطرفين بالاحتكام إلى الظروف الاقتصادية، بينما يُحتفظ بالريع الاضافي الناجم عن زيادة هذا السعر في صندوق مخصص لهذا الغرض، وذلك دون تحديد كيفية تحديد هذا السعر، أو أوجه صرف المبالغ المدخرة. كذلك تنشأ مفوضية خاصة للبترول، أعضاؤها رئيس الجمهورية، ورئيس حكومة جنوب السودان، أربعة من الحكومة المركزية، وأربعة من حكومة جنوب السودان، وثلاثة أعضاء من مناطق الانتاج. مهمة الفوضية الأساسية فحص عقودات البترول الموجودة والتفاوض بشأن أي عقود جديدة. للثلاثة من مناطق الانتاج مجتمعين حق نقض قرارات المفوضية، لكن نقضهم عرضة للاجهاض من قبل مجلس الولايات، وذلك بغالبية ثلثي الأصوات، وإذا تعذر القرار تطرح المسألة على حكم ملزم يختاره المجلس. لكن لا يحدد البروتوكول طريقة لتعيين الأشخاص الممثلين لمناطق الانتاج، كما لا يعرف بوضوح المقصود بمناطق أو ولايات الانتاج.    

الأراضي السودانية الشركاتية

في الوقت الحالي تبدو أقاليم البترول السودانية كما يلي (الهيئة السودانية للبترول)، مقسمة بين عدد من الشركات المنتظمة في تحالفات مالية وادارية:

المربعات/ الكونسورتيوم

الشركات والنسب

تاريخ الامتياز

1 و 2 و 4

(GNPOC)

(CNPC) الصينية 40%

بتروناس الماليزية 30%

(ONGC) الهندية 25%

سودابت 5%

1996م

3 و7

(Petrodar)

(CNPC) الصينية 41%

بتروناس الماليزية 40%

سينوبيك 6%

الثاني الاماراتية 5%

 

1996م

5 A

(WNPOC)

بتروناس الماليزية 68,875%

(ONGC) الهندية 24,125%

سودابيت 7%

1996م

5 B

(WNPOC)

بتروناس الماليزية 41%

لندين السويدية 24,5%

(ONGC) الهندية 23,5%

سودابيت 11%

-

6

(CNPCIS)

(CNPC) الصينية 95%

سودابيت 5%

1995م، عدل 2002م

8

(WNPOC)

بتروناس الماليزية 77%

سودابيت 15%

هاي تك السودانية 8%

2003م

9

(Sudapak)

ظافر الباكستانية 85%

سودابيت 15%

2003م

 

C

(APCO)

كليفدن السويسرية 37%

هاي تك السودانية 28%

سودابيت 17%

ولاية الخرطوم 10%

هجليج السودانية 8%

2003م

 

هناك حاجة لمزيد من التفصيل حول مربع (C) الذي منح للكومسورتيوم المنشأ عام 2003م باسم (APCO). فالمربع يمتد من جنوب دارفور إلى شمال وغرب بحر الغزال. أما الكونسورتيوم فجل الشركاء فيه على علاقة وثيقة بشخصيات متنفذة في الدولة السودانية. رئيس (APCO) هو صلاح وهبي، أحد رجالات البترول السودانيين، الذي عمل سابقاً مع شيفرون في السودان، وكذلك كمهندس في الولايات المتحدة الأميركية، كما عمل لدى الحكومة السودانية مسؤولاً عن عمليات الاستكشاف في هجليج، وكنائب لرئيس كونسورتيوم بترودار. وهو أيضاً رئيس (هاي تك بتروليوم)، وهي شركة متفرعة عن (مجموعة هاي تك) التي أنشأتها الحكومة السودانية في العام 1992م وجرت خصخصتها بعد ذلك بعام واحد. (هاي تك) هذه ذات أذرع في مجالات عديدة، تشمل العمليات المصرفية وقطاع الاتصالات. كما هو ملاحظ من الجدول تشارك ولاية الخرطوم بنسبة 10% في الكونسورتيوم، ويجلس والي الخرطوم عبد الحليم اسماعيل المتعافي في مجلس الإدارة، والعلة خبرته السابقة في الاقليم كوالي، مع التبرير أن الولاية عازمة على جني الأرباح من استثمارها عن طريق بيع حصتها في مرحلة لاحقة. الشريك الأجنبي هو كليفدن السويسرية، التي قام مالكها الأميركي من أصل تركي فريدهلم ارونات بالتخلي عن جنسيته الأميركية واتخاذ جنسية بريطانية، مدة قصيرة قبل عقد الصفقة في الخرطوم في أكتوبر 2003م، ما قاد إلى طرح المسألة في البرلمان البريطاني (نيو زيورخر تسايتونغ، 13/08/05م). والقصد أن يتفادي القوانين الأميركية التي تمنع على مواطنيها التعامل التجاري مع الحكومة السودانية. في ذات السياق طرحت وزارة الطاقة مربعي (12 A) و(12 B) الممتدان عبر معظم شمال وغرب دارفور للعطاء، كما تأكد أن شركة هندية خاصة (Reliance Energy) قد نالت امتياز مربع 12A (التحالف من أجل العدالة الدولية، فبراير 2006م: ص 38 – 41).    

 خلاصة

إن طاقة البترول للتفجر في وجه شعبنا لا شك فيها، والدليل الدرب الدموي الذي انتهجته الصناعة البترولية لترسيخ أقدامها محطمة مجتمعات ومناطق بأسرها، ومخلفة دماراً متعدد الأوجه، بشري، وبيئي، وديموغرافي. من جهة أخرى جلي أن البترول قد فتح فصلاً مستحدثاً في اقتصاد بلادنا السياسي، فيه من الصراع العسكري أكثر من الصراع السلمي، كما أصبح منبعاً لاثراء طبقة عليا حاكمة يصعب تمييز أقطابها السياسيين من أقطابها الاقتصاديين وتحقق الصفة الكومبرادورية بامتياز فهي لا تنتج فعلاً، ولا تضخ رؤوس أموالها في قطاعات الانتاج، وإنما تغتني عبر المضاربة بالموارد الوطنية في السوق العالمية جاذبة إلى الأرض السودانية لاعبين جدد كل حين، تشترك معهم في المصالح وفي المناهج، هم وطنها الحقيقي وليس السودان. القضية مطروحة على هذه الشاكلة تلزم القوى الوطنية السودانية بالنظر كرة وكرتين وثلاث إلى مسألة البترول، أولاً بتقصي العوالم السفلى لهذا القطاع، وتبيان الحادث فيه من استغلال جشع لموارد هي ملك لشعبنا، ومن ثم استكشاف درب وطني يجعل من البترول مصدراً لرفاه أهل السودان وليس نكبة عليهم، ومن ذلك ادراج مظالم الأقاليم البترولية وأهاليها ضمن ما يتطلب شفاء العدالة الانتقالية إذا قدر لنا أن نرى لها وجها.  

 

المصادر

(1) European Coalition on Oil in Sudan: Report of an Investigation into Oil Development, Conflict and Displacement in Western Upper Nile, Sudan, October 2001.

(2) European Coalition on Oil in Sudan: Oil Development in Northern Upper Nile Sudan, May 2006.

(3) Website of the Sudanese Petroleum Corporation.

(4) Neue Zuercher Zeitung: Ein Genfer Firma auf Erdoelsuche in Darfur, 13/08/2005.

(5) Coalition for International Justice: Soil and Oil: Dirty Business in Sudan, Washington, February 2006.

 

نوفمبر 06 – يناير 2007م