أ. د. إبراهيم السعافين


الرواية والقصة الإماراتية
والتراث الشعبي.
أ.د. إبراهيم السعافين

 

ثمة اختلاف بين الدارسين حول مفهوم التراث الشعبي الذي يرى الدارسون أنّه يقابل "المأثورات الشعبية" أو "الفولكلور" ؛ إذ ورد في معجم الفولكلور الذي حرّره ليتش مجموعة من التعريفات المختلفة( 1) بأقلام علماء كبار في علم الفلكلور تناولت مفهومه وتوسّعت في تعريفه توسّعا كبيرا، فهو يشمل الموروث من الشعر والنثر والمعتقدات الشّعبية والخرافية والعادات وأشكال الأداء من رقص وألعاب، ويرى بعضهم في بيان مجاله: أنّ الفلكلور ليس العلم الذي يتناول الشّعب، ولكنه علم الشّعب التقليدي وشعر الشّعب.

ومن أمثلة موضوعات الفلكلور التنويمة التي تغنّى للطفل لكي ينام أو القصيدة المعدّة للغناء أو اللّغز أو التورية. ومن أمثلتها الأقوال المأثورة والأمثال والحكايات الخرافية والشعبية أو القصص الساذجة، وتذكّر ما كان يروى أوقات الجلوس حول المواقد في الشتاء، ومنها الرقص والغناء والاندماج في الألعاب القديمة وفيما يبعث على المرح، وفي الاحتفالات السنوية أو المعتادة. ومن أمثلة موضوعات الموروث الشعبي تعليم المرأة ابنتها الخياطة وعمل العقدة والحياكة والتطريز وصناعة الأغطية والغزل وتزيين الوشاح وصنع فطيرة وفق المواصفات القديمة. ومنها أيضا تدريب المزارع لابنه على طرائق معهودة منذ القديم في زراعة قطعة من الأرض، وعلى قراءة مواقع القمر والرياح والتنبؤ بالطقس وأوقات الحصاد. ومن هذه الأمثلة ما يقوم به الحرفيون في القرية من مثل النّجار والنّقاش والإسكافي وصانع البراميل والحدّاد، وبناة السفن الخشبية والقطارات وتدريب هؤلاء صبيانهم على استخدام الأدوات، كيف ينقر الصبي التجويف المستطيل في الخشب ويولج الإسفين أو الوتد في اللسان.

وقد لاحظ الدارسون العلاقة التبادلية بين الثقافة الشفوية والمكتوبة، فثمة تطوّر وتحول في الذوق والاتجاه، ولكن المهم هو ما يترسب في ذاكرة الأكثرية لا الأقليّة.

فالمجموعات المهمة من الأدب الشعبي هي نتاج تعاون عدد لا حصر له من المغنيين الشعبيين ورواة الحكايات، وجامعيها، والباحثين، والمعلمين الدينيين والفنانين المحترفين وشرّاح الفن.

وقد تشكل قدر لا يستهان به من التراث الشعبي في فترة خصبة من فترات الفولكلور من قدر كبير من الهذيان والأوهام المستقاة من الأساطير ومن حضور عجائب العالم الغيبي وحقبة "عبادة البطل". وقد لاحظ الدارسون تطور لغة الفولكلور نحو التماسك حين بدأت تقترب من لغة الكتابة ومن لغة الأدب، لتعي ذاتها وتشكل لها مستوى معينا.

وفي حين يرى بعض الدارسين أنّ المأثورات الشعبية هي من جمع علماء الفلكلور والأنثروبولوجيا لتراث من مناطق من العالم تغلب عليها الأمية والتوحش (عدم التحضر) ومن مناطق ريفيّة، فإنّ آخرين يرون أنّ تراث المتحضرين قد يغدو يوما من ضمن المأثورات الشعبية. ويحدّد الفريق الأول أمثلة الفولكلور: في العقائد والأعراف والخرافات والأمثال والألغاز والأغاني والقصص الأسطورية والحكايات والاحتفالات الطقسية والسحر وما يقوم به العرّافون وسوى ذلك من التجليات والممارسات التي تصدر عن الناس البدائيين أو غير المتعلمين أو الناس العاديين في المجتمع المتحضر. فالفولكلور يضرب بجذوره عميقاً، وآثاره حاضرة دائماً حتى بين الناس الذين بلغوا مكانة عالية من الثقافة.

ومن الدارسين من يرى أن مصطلح "فولكلور" يبدو ذا معنى أساسي حين يطبق على التجليات الأدبية غير المكتوبة لكل الناس، سواء أكانوا متعلمين أو غير ذلك.

فالقصص، بالتأكيد، سواء أكانت أساطير أو حكايات أسطورية أو حكايات شعبية أو أقاصيص ذات أهمية أساسية. إضافة إلى الألغاز والسخرية والأمثال والأغاني الشعبية والعقائد الشعبية والخرافات (الغيبيات) المختلفة وربما تؤخذ بعض الموتيفات الشعبية وتستخدم في الأدب الفردي باعتبارها توظيفا أو استغلالا في سياق آخر. ويشير الدارسون أن طبيعة تطور الفولكلور تمنع من وضع حدود صلبة أو حواف جاسية لهذا العلم.

وقد جعل فهم الفولكلور، على نحو معين، علماء الفولكلور يتفرغون لدراسة الأدب الشعبي مكتوباً أو غير مكتوب، ولا يكتفون بتحليل العقدة أو الحدث أو اكتشاف المكان الأصلي للحكايات، وقد انتهى بهم الأمر إلى اعتبار أن هذه الأشكال الأدبية تعد بصورة أساسية مفاهيم ومشكلات لأي أدب حي.

وقد حاول بعض الدارسين أن يفرق بين الحكاية الأسطورية والحكاية الشعبية من خلال توهين (تخفيف) الدلالة الدينية. ورأى بعض الدارسين أن مصطلح فولكلور كما يستخدم اليوم غامض. فالمستخدم يشير إلى كل الأشكال الأدبية غير المكتوبة للناس البدائيين والمتحضرين، وبذلك لا يضعون في مجاله حداً فاصلاً بين أدب البدائيين وأدب المتحضرين.

ويرى بعض الباحثين أنه "لم يعد مفهوم الفولكلور مقصوراً على الريف، ومحصوراً في القرى والنجوع، وصادراً عن الفلاحين وحدهم، وإنما أصبح مرتبطاً بحياة الناس في أي إطار ثقافي يصوغ سلوكهم وعلاقاتهم، وقد تحتاج الدراسة إلى البحث عن التيار الأصلي أو عن الرافد الحديث، ولكنها على كل حال تعنى بمواجهة الواقع مواجهة موضوعية في المدينة والقرية على السواء .."(2)، ويشير إلى تلاقي الثقافة الشعبية وإفادتها من الثقافة الرسمية. (3)

وقد لاحظ بعض الدارسين سمات وخصائص معينة منها البساطة والمتعة التي تسعد الصغار والكبار معاً. ولاحظ بعضهم وجود عنصر أنثوي بارز في الفلكلور فهو يمسّ المناطق الغريزية والحدسية في الإنسان ويتصل بالعنصر التصويري: وقد أطلق عليه حكايات العجائز" ، فالنساء غالباً كن حارسات ومحافظات على العقائد والطقوس والغيبيات والشعائر والعادات. وقد استخدمت الكلمة للدلالة على متن جسد المأثورات الشعبية وعلى العلم الذي يدرسها في آن معاً. وإذا كانت ثمة مدارس ثلاث لتفسير معنى الفولكلور : الهندية والأمريكية والأوروبية، وهي تختلف في موقفها من منهج الدراسة باعتبار الأولى والثانية تجعل مقتربها من اللغة والدراسة الإنسانية في الأولى ومن اللغة بشكل خاص في الثانية فإن المدرسة الأوروبية تدخل مدخلاً إنسانياً وحسب، فإنّ هذه الاختلافات لا تعنينا في هذا المقام.

وقد بيّن بعض العلماء أنّه لا يجوز المساواة بين الإنسان البدائي والإنسان الحديث المتوحش فالظروف مختلفة "ولا يجوز لنا أن نسوي بين الفلاح الحديث والإنسان المتوحش، ولو كان هذا الفلاح يعيش في أكثر أنحاء أوروبا تخلفاً، ذلك أنهما مختلفان، وبينهما مسافة واسعة، من مسافات التطور كان فيها هذا الفلاح يتعرض_ المرة بعض المرة_ لتأثير الحضارات الكبرى، وعوامل الحضارات الناشئة في المدن، وهذا كله، أثر في تكوينه الثقافي تأثيراً كبيراً" (4).

- 1-

وليس من شك في أنّ الحديث عن علاقة التراث الشعبي بالقصة والرواية حديث متعدد الجوانب، وقد جرت عادة الدارسين على بيان أثر العناصر البنائية القصصية والروائية والتراث الشعبي ، ولا سيّما الأدب الشعبي في القصة والرواية من مثل الحدث والحبكة والشخصية والزمان والمكان وأساليب السرد والحوار وما يتصل باللغة بصورة عامة. وربمّا يلاحظ المتتبع للدراسات الأكاديمية التي تناولت أثر الأدب الشعبي خاصة والتراث الشعبي عامة في الأدب القصصي والروائي العربي، اقتصارها على العناصر السالفة دون وقوف عند المفهوم المتسع للمأثورات الشعبية وتجلي عناصرها المختلفة في النص الأدبي.

ولعلّ هذه الدراسات تنطلق في غايتها الرئيسية من التركيز على الجانب الفني باعتباره الغاية الرئيسية لكثير من مناهج النقد الأدبي، والغاية النهائية لبعض هذه المناهج، دون وقوف عند "الرسالة" التي ربمّا ينقلها النص بصورة مباشرة أو غير مباشرة للمتلقي، ولعل نضج النصوص الإبداعية بسبب التراكم والخبرة والحرفية وتواصل جهد المبدع نفسه في إنتاج نصوص متتابعة في الجنس الأدبي المعين (يمكن أن نعد نجيب محفوظ مثالاً لهذه العناصر جميعا) ، هو الذي أدّى إلى التقاط العناصر الفنية في التراث الشعبي ومحاولة تأمّل دورها في بنية النّص الأدبي أو في تشكيل العناصر البنائية المختلفة.

وإذا كنا لا نتجافى عن هذا الجانب بطبيعة الحال، ولا نغفل دور العنصر الفني في الموروث الشعبي في قراءة النصوص القصصية والروائية الإماراتية فإننا بطبيعة الحال سنقف عند مفهوم الموروث الشعبي بمعناه العام ونرى حضوره في العمل الأدبي، وسنختار أيضا مفهوما فضفاضا عاما لمعنى الفولكلور لا يقف عند حد الحكايات الشعبية والخرافية والأساطير والمعتقدات والطقوس الشعبية القديمة، وإنمّا سنقف عند عناصر الموروث المتصلة منذ القديم حتى الحديث كما رأينا في بعض التعريفات التي أوردها علماء الفولكلور، هذه العادات الموروثة المتصلة التي تتعلق بحياة الناس من مثل النجار والإسكافي والفلاح الذي يعلم الولد والصانع أو الحرفي الذي يرشد صبيه والأم التي تعلم ابنتها طهي الأطباق التقليدية أو الحياكة، أو الأولاد الذين يتعلمون الألعاب التقليدية ويمارسونها، أو الناس الذين يتذكرون حكايات مضت أو الجدات اللواتي يقصصن على مسامع الأحفاد قصصا مضت أو حكايات شعبية أو معتقدات أثرت في الوجدان الشعبي.

ولا بد من الوقوف، إذن، عند البيئة المحلية، وما كان يميزها، والتطورات التي تنبه عليها الناس في مقابل الصورة القديمة التي كانت تسم البيئة، ما الأشياء والوسائل التي نجمت، وما القيّم التي تغيّرت في مقابل القيم التي كانت سائدة في التراث الشفوي أو المدوّن الذي تختزنه ذاكرة الأجيال أو ترويه مدوّناتهم. وربّما كان من المناسب أن نمثّل لأثر التراث الشعبي في القصة والرواية بأهم العناصر وهي:

البيئة المحلية (الصحراء، البحر، الأرض)، والحكايات الشعبية والخرافية، والأساطير، والحرف اليدوية والمهن وأدواتها، والألعاب والرقص والاحتفالات وأغاني الأطفال، والشعر والنثر والموسيقى والغناء.

والذي يدرس القصة والرواية في الإمارات يلحظ حضور البيئة فيها بوضوح، فللبحر والنفط حضور بارز في الرواية، كما لاحظ الدارسون. فالبحر والنفط يمثلان علاقة ضدّية: الماضي والحاضر. وقد لاحظ ثابت ملكاوي أن "بيئة البحر، بعلاقاتها الاجتماعية، أكثر حضوراً في القصة القصيرة، سواء بحضورها المباشر أو باستدعائها من الماضي كبيئة غير منظورة ولكنها تلح على الذاكرة حين تصطدم الشخصية بالبيئة النفطية الحاضرة"(5)، ولاحظ أحد الباحثين أن ثمة محورين هما: الأول، ويمثل الماضي ومنظومته (البحر/القرية/الحي القديم/البادية)، والمحور الثاني، ويمثل الحاضر ومنظومته (المنظومة السابقة في مقابل المدينة). وقد لاحظ الدارسون: " أن القصة القصيرة كانت شديدة الصلة بواقعها المحلي، مستلهماً البيئة بكل خصوصياتها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ومستخدمة كل عناصر مكوناتها من المكان إلى القيم والمفاهيم، والعادات والتقاليد، والأعراف والمعتقدات والمهن والحرف، إلى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الأفراد في الماضي والحاضر"(6).

-2-

وسنختار نموذجا للرواية الإماراتية يتمثل في رواية "ثنائية مجبل بن شهوان -الحب- الغضب"(7) للشاعر والكاتب الروائي والقصصي والمسرحي علي أبو الريش، وهي رواية ضخمة تقع في أربعمائة وثمان وسبعين صفحة، تمكننا من التّعرف على أثر التراث الشعبي بالمفهوم الواسع في الرواية، وتبيّن كيف يمكن أن تكون عناصر التراث الشعبي مكونات أساسية في مبنى الرواية حين يلتقي الواقعي بالمتخيل في انسجام وائتلاف.

تمثل "ثنائية مجبل بن شهوان" قصة شخصية تعيش في عالم كابوسي، يطحنها العجز وذكريات الاضطهاد، عالمها الضّيق أسرة صغيرة مكوّنة من الأب "شهوان" الذي كان يعمل بحاراً في مراكب مصبح بن غفلان الذي أثرى وأصبح ذا أسطول من المراكب يجوب بها البحار، وأمه "أمينة" ابنة الرجل الذي كان يعمل لديه "شهوان" صبياً، فقد رعاه الحاج صهيب بعد أن فقد والديه في سن مبكرة، وزوّجه ابنته وسط دهشة "شهوان" الذي لم يبدِ ابتهاجاً واضحاً، على الرغم من تواضع منزلته الاجتماعية، وولدت"أمينة" "مجبل" أو "قابض بن عفصان" بعد سبعة أشهر فقط من الزواج ممّا جعل الهواجس فيما بعد تعصف برأسه عن هوية أبيه، أهو شهوان أم شخص آخر. فالعادات والتقاليد تقضي بأن تحتفي العائلة بالابن البكر، ولكن على عكس المتوقع كان موقف "شهوان" وعاطفته، كان يعامل "مجبل" بقسوة بالغة، ويعامل أمه "أمينة" باحتقار في النهار وبرغبة في الليل في حين تبدي "أمينة" له من الاحترام والخنوع وتلبي حاجاته بضراعة وخشوع.. في حين كان شهوان يغدق عاطفته على "عفراء" ابنته التي تصغر "مجبل" . شهوان يحب البنت ويكره الولد.

ويطلق "مجبل" العنان للذاكرة منذ عملية "الختان" التي مورست ضده بقسوة بالغة من موسى "حسون" وبمباركة من "شهوان" إلى الشعور بالعجز أو ربما بعقدة "الإخصاء" في التحليل النفسي، إنّه يشعر بالعجز الجنسي، بعدم القدرة على الاتصال مع المرأة، مما يجعل المجال واسعا للكوابيس والأحلام المفزعة التي تجعل الحد فاصلا بين الواقعي والمتخيّل يتلاشى.. فهو يعتدي على فتاة ضريرة "تفاحة" ابنة "عبيد الأصمح" تبذل له نفسها ولكنه يغتصبها بشراسة، يكذّب الذين زعموا أنهم شهدوا الواقعة ومنهم العجوزة الشريرة القبيحة التي زعمت أنها رأت الواقعة رأي العين، في حين لم تنزعج أمه "أمينة" ولا والده "شهوان" وربما كان عدم الانزعاج يقيناً بأنه عاجز عنين لا يستطيع أن يفعل شيئاً.. صورة المرأة دائما في بؤرة وعيه، وهو موزع الهوى بين نساء كثيرات أولاهن: أمّه التي كان يغار عليها من والده، ويحبها حبا شديدا حتى إنّها ربما كانت تمثل تطبيقا لعقدة نفسية هي عقدة "أوديب"، الالتصاق بالأم التصاقا لا يمكنه من الاستقلال بنفسه، وحب امرأة أخرى والنجاح في معاشرتها جنسياً، وكراهية الأب كراهية شديدة لأنّه ينافسه في حب أمه، وتمني زواله أو موته.. هكذا كانت علاقته بنشوان وأمينة، علاقة غريبة عجيبة، تتناقض فيها الدوافع والعواطف، حتى تعبر عن ذاتها في طوفان من السباب والشتائم.. في مقابل إحساس بالعجز والقهر والظّلم..

وتلي حكاية أمه أمينة حكاية جارتهم "حصة" الفتاة التي كان يحبها خلسة وتخالسه النظر أيضاً، بينما تقف عفراء حاجزا دون اللقاء في مبتدأ الأمر، ثم يدهش فيما بعد، وحين تنضج لدى عفراء ملامح الأنوثة، عندما تشجعه عفراء على اللقاء. كانت لغته شواظا من الحنين إلى حصة ونزيفا من الجنس المكبوت، فاستخدم اللغة يفجر أقصى طاقاتها للتعبير عن هذا الشوق العارم للقاء، والحنين الجارف إلى الاندماج، وحين تحين اللحظة المناسبة وتبيح حصة نفسها له بحب وشوق، ينكص على عقبيه متذرعا بحجج كثيرة، ممّا يوحي بأن الإحساس بالعجز يحاصر جنبات نفسه، وحين يعزف عن حصة ويجفوها ويقول لها في موقف حاسم "أغربي عن وجهي" تتاح له الفرصة ليتعرّف على أخرى اسمها "حمامة" ، فرأى فيها بديلاً عن "حصة" التي أباحت له حبها ونفسها، بيد أنه سرعان ما جفاها بحجة أنها من النساء المبذولات؛ فهو لا يرغب في هؤلاء النسوة..

هل كان هذا الرفض المتواصل ستارا للعجز والخيبة؟! كل الدلائل تشير إلى ذلك.

وفي غمرة هذه الصلات المبتورة والعلاقات الشّوهاء، تبدو الصّور المشوهة الأخرى على الجانب الآخر، صورة الطغاة الظالمين المتجبرين الذين يقتلون الأبرياء:

النوخذا مصبح بن غفلان الذي كان يقتل الرجال المحتاجين، ويعاشر النّساء دون مبالاة، والبخيل غفلان المطلق الذي حرم نفسه متعة الحياة فمات مقترا دون زوجة أو عقب، إلى جانب "شهوان" الذي يفتخر بفحولته. وفي مقابل هؤلاء ظهرت صور الهامشيين وهم نماذج استطاع الكاتب أن يلتقطها ببراعة من "الذاكرة" أو من "الواقع" أو ربما من مزج الواقعي بالمتخيل، وأهم هذه النماذج "حمزة" المشعوذ و"عبد الرحمن السيلمة" الشاذ ظاهرياً الذي استطاع أن يؤدب مصبح بن غفلان ويعلمه درساً لا ينساه أبداً، كان حمزة والسيلمة رمزين للحرية ورفض الظلم حتى أصبحا يمثلان القوة السحرية الجبارة.

وإذا كان الفاصل بين الواقعي والغرائبي أو العجائبي ليس واضحاً دائماً فإن شخصيّات الرواية ولا سيما هاتين الشخصيتين تموت، ثم نراها حيّة تمارس سلطانها في الحياة وعلى الأحياء، فتقوم هاتان الشخصيّتان بأفعال عجيبة، وربما تمارس دوراً يكمل الدور الذي عجز عن تحقيقه " مجبل "، وربما تمثلان صوت "الوعي" لديه، يثبتانه على الطريق القويم ويأخذان بيده إلى ما ينبغي أن يفعله. حاول عن طريق السحر أن يظفر بالمرأة المحبّة، وصدّق أن الكهل الدجال المشعوذ يمكن أن يعيد إليه " أمينة " من مقبرة "الشريشة"، وكأنه يريد أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وظلّ " حمزة " يخرج إليه من بين القبور يصده عن أفعاله ويبين له ما يفعله هؤلاء المشعوذون. وظل يرفض الحب المكتمل ويعلل ذلك بأن النساء يفكرن في الجنس كما فعلت "حمامة":

"المرأة المحبة لا تبحث أول ما تبحث عن الأعضاء التناسلية، المرأة المحبة تكفيها نظرة، أو ابتسامة من محبها، فتذوب كحبة السكر في الماء، بينما حمامة، صدقت أنها نسر فانهالت على جسدي بعنف الكواسر، صارت تلعق عرقي، بشهية مفتوحة، ولسان ظامئ …. " (ص. 443)

إنه يحن إلى تفاحة، ولكن الأقوال التي ترد على لسان تفاحة تؤكد أن من اغتصبها يتميز بفحولة عجيبة لا يمتلكها "قابض"، فتعود عقدة الإخصاء تطل من جديد في الرواية، فلا يكون أمامه إلاّ الالتجاء إلى الأرض يستعيض بها عن الأم والحبيبة والزوجة، يمارس فيها كل هذه الأدوار فيحس بمتعة عجيبة. فهل العودة إلى الأرض هو الحل الذي اختاره "قابض" ليحل مشكلته، وهل حل يتمثل في الهرب من الحياة، ولعله حل يتمثل في عشق الأرض الذي ربما يأتي نقيضاً لعقدة "الإخصاء":

"… أيتها الحبيبة، تعالي، لأضمّك إلى صدري، تعالي، لأغرس هذا الجسد في قاع رغبتك، ها نحن صنوان، والآخرون إلى الجحيم ..

يأخذ قابض نفساً عميقاً، ثم ينظر إلى جوف الحفرة، يتلمظ مبتسماً، يدخل قدميه، ثم ينزل، ثم يردم التراب على جسده، يتسمر قابض، يأخذ نفساً، يشهق، يسمع صدى شهيقه، الأرض تبادله الشهيق، تشهق، تشهق، يشهقان معاً، العرق يتصبب في جسديهما، وحرارة تنبعث من باطن الأرض." (ص. 473)

وإذا كان من الصعوبة اختزال وجهة النظر في الرواية إلى فكرة كلية أو مجموعة من الأفكار لأن الرواية بناء لغوي، تمارس فيه اللغة دورها في استحضار تاريخها وذاكرتها، فكل لفظة لها تاريخها ومخزونها الحضاري، فإننا سنحاول الوقوف عند العناصر التي التقطتها الرواية من الموروث الشعبي لتساعد في إقامة هذا البناء الذي أفاد من مؤثرات مختلفة: الواقعي والغرائبي والعجائبي والشعبي إلى جانب المؤثرات الأجنبية من مثل التحليل النفسي الفرويدي والرواية الحديثة كما تتجلّى أحياناً في "القضية" لكافكا، وفي "الواقعية السحرية" التي طوّرها "ماركيز".

_ 3 _

ولعّل من أبرز ما نلاحظه من عناصر تتصل بالموروث الشعبي ما يتصل بالبيئة والمكان، فالبيئة المحلية ظاهرة في هذه الرواية، فالروائي يختار فترة زمنية معينة هي بالتأكيد فترة ما قبل النفط وتمتد على استحياء إلى فترة "الرخاء"، فالبيئة المحلية حاضرة، بيئة الصحّراء والرمل والبحر والزراعة والقرية، بيئة العرائش والبيوت الطينية الضيقة الصّغيرة، بيئة النخيل والغاف والأسماك، بيئة الغوص والمحار والقواقع واللؤلؤ، بيئة البحارة والقوارب والنواخذة والعلاقات الاجتماعية البسيطة والمعقدة. حتى اللغة المجازية تفزع إلى البيئة لتفيد من التصوير:

"يمضي الزّمن، يزحف على صدر مجبل،كما تفعل شباك الصيد، عندما تجر خلفها الرمل ومخلفات المحار والأسماك الميتة، ثم يتوقف مجبل، ينظر إلى الشاطئ بعينين غاضبتين؛ يصرخ: أيها الشاطئ الأصم، كل شيء هنا أصم، وأخرس، يمارس فجاجة التماثيل والأوثان." (ص. 15 – 16)

ومن مثل: "ورسخت البذرة في صحراء صدورنا" (ص. 24)، و"تشير بالبنان إلى جارية كي تأتي طائعة، تلثم شعر ساقيك، ثم تصب حليب النوق المحلّى بالعسل على بشرتك.."(ص. 32). ويتحدث عن الغترة (الكوفية) والأزقة والدكان الصغير والرحلات والمراكب وعالم البحر وتجارة البهارات والهيل والزعفران:

"حكى أبي ذات يوم عن مصبح، وعن رحلة من رحلاته الميمونة إلى شرق إفريقيا.. يقول أبي، كنا مع مصبح في قارب واحد، خرجنا من رأس الخيمة، متجهين إلى ممباسا، وقد غصّ القارب بالحمولات والركاب والبحارة، وفي الطريق، قريبا من سواحل شرق إفريقيا، تعطل القارب.." (ص. 92).

و يتحدث عن أثر البيئة في الناس، "هذا الحّر اللاهب الذي لا يطاق" (ص. 104) ويفيد منها في التعبير المجازي أيضا إذ يقول في حصة: "هي كالصحراء، أسير على رملها، بقدمين حافيتين، فتحرقني الرمال الملتهبة، فأهرب، إلى أقرب ظل شجرة …" (ص. 109).

"أرى حجم الزقاق في ضيقه وكآبته، كما هو صدر حصة"(ص. 109)، ونتعرّف على المكان نفسه في "منطقة المعيريض" و"المطاف " و"رأس الخيمة " و"الشريشة " ومنطقة "الحديبة"، ونتعرّف على الطعام في البيئة "يعد وليمة دسمة، من الأرز والسمك المشوي، والتمر" (ص. 122)

ويبين العلاقة مع البلاد الأخرى من مثل حكاية خلفان المطلق وكيف جمع المال من الكويت ثم عاد: "كان يعمل في دكان أحد التجار في الكويت، و قد أمضى فترة شبابه هناك، عمل بائعاً للمسامير، وأدوات صناعة السفن، وكان هذا الدكان يشكل بالنسبة له، المسكن والموطن الذي يقضي فيه يومه الكامل، وكان التاجر صاحب المحل، قاسياً معه، فجّاً، لا يتورع عن ضربه، ولطمه، ونشأ خلفان المطلق هكذا إلى أن عاد إلى الوطن محملا بهموم الاضطهاد، والرغبة الكامنة، في ملء الجيب بالدراهم، وكان دائما يردد عبارة " اللي ما عنده فلس، ما يسوى فلس …" (ص. 138_139)

وتتبدى البيئة في لغة التحليل:

"ستأتيني امرأة بدوية، تحمل على رأسها حزمة حطب، وتتأبط بقجة تلف فيها قوت العيال"(ص. 146) و"امرأة تهش على الغنمات" (ص. 172). ومن مثل قوله لحصة:

"فأنا محتدم الآن كالنار، هائج كالبحر، متحرك كالرمل، شامخ كالجبل، سامق كالنخل، .. " (ص. 221)

وتلتقي صورة البيئة في تصوير المهنة والمهني والعلاقات الغرامية والجنسية من مثل ما نرى في تصوير المزارع "البيدار" سلوم العور (الأعور) الذي يحدّث فتاته برقة متناهية بعد أن استدرجها إلى حوض النخيل، ثم حين يقضي وطره منها ينتهرها ويسبها سبّا قبيحا فقد:

"قضى حياته في سقي الزرع، وتشذيب النخل، وتهذيب القنوات" (ص. 243)

سلوم الذي يعود إلى "نخلة قريبة، يخلع إزاره ويعلقه إلى حبل قريب، ثم يصرخ بصوت وئيد: أغربي عن وجهي .. أغربي الله يلعنك ويلعن الذي أنجبك، امرأة وضيعة، بينما سارت فاطمة، مخفضة رأسها، تجر أذيال هزيمة، وانكسار أنثوي.." (ص. 244)

وتستعين الرواية بجماليات المكان التي تمتح من البيئة:

"عند منعطف الطريق المؤدي إلى بيت السركال، المواجه للشارع البحري، كانت هناك، خيمة شامخة، محاطة بفناء من السعف" (ص. 292) ومن مثل: "عندما تريد أن تجلب حطب الوقود من "السيح" (ص. 311) والحديث عن تزاوج البهائم وعاداتها (ص. 311) ومن مثل التالي: "والرجل الكهل، يتلقف الخروف، يربطه بجانب وتد ملصق بظهر الخيمة." (ص. 314) ويتحدث "قابض" طويلاً عن ذكرياته مع عفراء حين ركبا الحمار ليجلبا الماء في منطقة المعيريض، وقدما وصفاً مسهباً عن هذه الذكرى وعن تفصيلات المكان. (ص. 335) ويتلذذ بذكرى المكان "الحديبة" و"طريق بوشج" (ص. 336) والحديث عن الشاطىء:

"الممتد لساناً بحرياً، لصق خاصرة قرية "المعيريض" فلا يرى "غير المحار، والقباقب الميتة، كم من العمر، والبحر يهمس في أذني وأنا لا أصيخ السمع، وأسير جافلاً قانطاً، عيني تلاحق الروائح النتنة، وأذني تستمع إلى أنين المجذومين.." (ص. 341) والحديث عن شجر النخيل في "شمل" بتفصيل. (ص. 344) وعن المزارع أيضاً (ص. 345)، ويشترك المكان أيضاً في بيان التحولات: "الآن عندما أنظر إلى قاربه الضخم، وهو مسجى على الشاطىء، أحفر في الذاكرة، وأجلب الألم والحزن" (ص. 392):

"في هذا المكان، على مرتفع يطل على مدينة رأس الخيمة، وقرية المعيريض، هناك، غابة القرم، المنتشرة، على شكل لسان، حول تجويف بحري، امتد من بحر الخليج.. يقف قابض، يضم قبضته على حفنة من رمل، يصرخ، مثل هذا الرمل الأحمر، يتلون قلبي، يضخ مداده، يغسل القيعان، والأفلاج والوديان ووجوه الناس" (ص. 404، 405)، ويظلّ يتلذذ بذكر المكان في نزوع إلى الماضي وانسلاخ في آن معا. وتظل لوحات المكان تتشكل من البيئة الصحراء والبحر والأرض والطيّور والنسور والأماكن والقرى والحيوانات الضالة الأزقة والدكاكين والبيت القديم والأبواب الخشبية والعروة الصدئة والمزلاق الحديدي المقفل وملابس خلفان المطلق الرثة.

ومن ملامح البيئة والتراث الشعبي: الألعاب الشعبية من مثل لعبة "العظيم": "وعند مقربة من المسجد القديم، المحاذي لبيت شهوان، يهتز قلب قابض، بجانب هذا الجدار من المسجد، كان الأخوة يتجمعون، بعد صلاة العشاء، يتفقون على لعب "العظيم" ثم ينقسمون إلى فريقين". (ص. 454)

وتحفل الرواية بالعادات والتقاليد والشعائر والطقوس، فالحديث عن الختان وعادات الناس والمرأة "شيء من الشعوذة، والمروق" (ص. 24)، وحضور المسبحة في الشعائر وفي الرمز اللغوي، وعلاقة الطاعة من النساء تجاه الرجال (ص. 32) والحناء في أكف النساء (ص. 32) والقيام بالطقوس الشعبية:

"لو كان بمقدورها، لصنعت لأبي تمثالاً في وسط فناء المنزل، وأعدّت له القرابين، وصلّت أمام نصبه ليل نهار، ونثرت "الزبيب" وبخرت المكان باللبان، لو كان بمقدورها أن تفعل ذلك، لما ترددت، وهي المسكونة بهذا الهم، لا يخرج أبي من البيت في الصباح أو المساء، إلا وشملته بالبسملة أو الحمدلة، والدعاء له بطول العمر" (ص. 39)

وثمة حديث عن الفحولة والرجولة: "الرجل الذي لا تنجب أنثاه ذكراً، ناقص أو مشوّه في ذكورته" (ص. 46) والحديث عن ليلة الزواج وتجميل الداية للعروس، وتقاليد وتراث هذه الليلة (ص. 79) والحديث عن حفلات الزار والرقص ودق الطبل (ص. 82) والداية وصنيعها بالأم والوليد (ص. 85)، والحديث عن أدوات المحو وشرب الماء بعد أن تغطس الأم خاتمها الذهبي في أعماقه، أو شرب ماء "الغسول" وهو الماء الذي تغسل الزائرات أيديهن فيه، بعد تناول طعام الزيارة" (ص. 100) حتى يذهب الحسد، والاحتفاء بالمطر (ص. 174) واستخدام التعاويذ وقراءة القرآن على المريض (ص. 190،267،317)، وعدم بوح الحبيبة لحبيبها بكلمة أحبك "خشية أن تخدش لثام الحشمة" (ص. 194) ولا بد أن تخرج المرأة من البيت حتى لمعالجة ابنها المريض حتى تأخذ الإذن من زوجها (ص. 200) والحديث عن الاتهامات والشتائم في مجتمع محافظ نتائج العلاقة المشبوهة بين الرجل والمرأة (ص. 241) والحديث عن أفضلية الذكر على الأنثى (ص. 254) والحديث عن البخور الطيّب الذي يطرد الشياطين والأرواح الشريرة (ص. 346) والشراب الذي يستأصل شأفتها (ص. 347).

وتبدو الخرافة والشعوذة والسّحر من الملامح البارزة في الرواية، وهي توظّف أحيانا بصورة مختلفة فقد يقوم السّاحر بدور مضاد، وقد يؤدي المشعوذ دوره التقليدي السلبي، من مثل ما نرى لدى عبد الرحمن المسيلمة في مقابل الرجل الكهل الذي استنزف "قابض" ليجعل المرأة تحبّه.

فمن نماذج السحرة عبد الرحمن السيلمة الذي يحيل أوراق كراسات التلاميذ إلى أوراق نقدية، ويحيل حصانين إلى خاروفين أسودين صغيرين، والسيلمة الذي يقود "المروحية" دون أن يعرف الطيران، وهو لا يبتغي من وراء عمله المال، إذكان يمثل نموذجاً للمغايرة والتغيير. وثمة نموذج آخر هو "حمزة البلوشي"، وهو رجل خارق اشتعلت النار في بيت مهجور كان يسكنه وظن الناس أنّه مات حرقا: "حمزة مات … احترق، وهكذا أجمع الكل على أن الرجل تحول إلى كتلة من فحم .. بعد مضي أسبوع على هذه الحادثة، شوهد حمزة، يتمشى على شاطئ البحر، مما أصاب الجيران بالدهشة، أهذا حمزة، كيف خرج حيا من الحريق الهائل الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة في المنزل.. من أين جاء هذا الرجل المعجزة.." (ص. 63)

ونرى حمزة، بعد ذلك يظهر، وينصح، ويخبر، لحمزة جناحان، يظهر في هيئة طائر:

"وقد أقسم أحد الجيران أنّه شاهد حمزة عند الفجر، يعود إلى البيت، كهيئة طائر، فظل الجار يراقبه، فرآه يغادر البيت، بعد نصف الليل، ثم يعود عند الفجر، وكان عند عودته، يظل محلقاً في الفضاء، يحوم حول بيته، عدة مرات، ثم يحطّ على الأرض، وقد فرد جناحين كبيرين، مصدراً صوتاً مدوياً، كصوت ماكينة قارب كبير.." (ص. 89)

وقد تكرّر ظهوره، فحمزة السّاحر يظهر على شكل طائر ضخم في المقبرة يضحك ضحكة مدوية ينخلع لها القلب (ص. 111)، وكانت الأسطورة تتجسد في حلم كابوسي يعجّ بالعجيب والغريب والمدهش والخارق (ص. 175)، ونقرأ عن شعوذات الداية، وعن وعي الوليد (ص. 190) وثمة حكايات غريبة من مثل الأم التي فقدت ابنها غرقا في البحر فظلت تقيم علاقة دائمة مع البحر: "اعتقدت أنّه لا يزال حيّا، وهو مأسور لدى البحر.. بعد مضي زمن، لجأت المرأة، إلى رجل يمارس السحر، وطلبت منه أن يدلّها على ابنها .." (ص. 238).

والسّحرة، بخلاف السيلمة والبلوشي، شخصيّات سلبية مشعوذة محتالة تفشل دائما في تحقيق ما تدعيه، على نحو ما نرى أيضاً في شخصية الرجل الكهل العراف المشعوذ الذي يفشل بعد مماطلات كثيرة في تحقيق حلم "قابض" في إعادة "أمينة" إليه أو في كشف الحجاب، بعد أن بصّره حمزة بعبث محاولاته مع الدجال المشعوذ. وقد قدم الراوي صورة من لغة السحر والشعوذة من مثل الآتي:

"يا معشر الجن الصالحين، يا شقبيش، يا حرفيش، هذا قابض بن أمينة، يطلب العون من سيّد الآفاق، ردوا إليه قلبه، وافتحوا دربه، وكونوا له خير الأحبة، لقد سكن الفم فؤاده، وفارق رأسه رقاده، وملأ دمعه الوسادة، علته عاصية، دخلته قاسية، فالنفس ملتاعة، والروح مقبوضة.. تغهج، عصص، باراخ، جدى، مطى، كلمة حق" (ص. 304 ، 305) ويكشف حمزة لعبة الحرز (ص. 377).

ونلاحظ أيضا ذكر أشباح شعبية من مثل "أم الدويس، وحمار القابلة" (ص. 88)

وبوسعنا أن نلاحظ إفادة الرواية من الأقوال والأمثال والعبارات التي تشيع بين الناس سواء أكان كلاماً فصيحاً أو عامياً، أصبح جزءا من لغة الناس وتعبيراتهم المجازية في التشبيهات والاستعارات والتورية والسخرية والكناية، فضلاً عن استلهام اللغة للبيئة والعادات والطقوس، فمن التعبيرات الشائعة :"فال الله ولا فالك" ومن مثل "الذي يسرق بصلة، لن يتوانى عن سرقة مزرعة" أو "فالذي يغمى عليه من ذبح دجاجة، هل يمكنه أن يذبح إنسان" (ص. 59) أو في أسلوب التهديد: "لو ما صرت عاقلاً يا قابض، سأنادي لك حمزة، ليخطفك معه، إلى حيث الجبل" (ص. 88) أو "وأنا أعجن طحين الذاكرة" (ص. 97) أو "ومات الزرع والضرع" (ص. 119) أو "اللي ما عنده فلس، ما يسوى فلس" (ص. 139) أو "هل يمكن أن أصلح ما أفسده الدهر" (ص. 157) أو يكنيها، بأمون الخبلة، وأحيانا الهبلة" (ص. 193) أو "دعيه الآن ينام، والصباح رباح.." (ص. 200) أو استخدام اللمز في الأسماء من مثل البيدار "سلوم العور أو الأعور" أو الكناية "لا تؤدبهم إلاّ العيون الحمراء" (ص. 259) أو قول شائع "أبشر يا بني، الأمور تسير على ما يرام" (ص. 315) أو "حبل الكذب قصير" (ص. 332) أو التشبيه "..تقصد المرأة الكلبة.. أي التي تهز ذيلها وترخي رأسها" (ص. 416) "أو هكذا يفعل النعام" (ص. 475).

ولعلّ لغة الفظاظة واللغة الجنسية المكشوفة مما يبين أثر التراث الشعبي في الرواية من مثل ما نرى (ص. 477) أو (ص87) وغيرها.

ويبدو تأثر الرواية بالقرآن تأثراً واضحاً سواء أكان بالاقتباس أو استخدام اللغة القرآنية بصور مختلفة أو الإشارة إلى القصص والحوادث التي وردت في القرآن الكريم.

وأفادت الرواية أيضاً من "سيمائية" الأسماء ودلالتها التراثية والشعبية من مثل "عبيد الأصمخ" أو "عبد الرحمن السيلمة" أو "سليم العور". من جانب النماذج الشعبية التي تجسّدت في "حمزة" و"السيلمة" و"مصبح بن غفلان" و"الرجل الكهل" و"شهوان" و"خلفان المطلق" و"العجائز" وغيرها.

المرجع: مخطوط استلمناه من المؤلف.


  1. Standard dictionary of Folklore Mythology & Legend . Edited by Maria Leach , Funk & Wagnalls , New York 1972 , Folklore pp: 398-403
  2. عبد الحميد يونس ، دفاع عن الفولكلور ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1973م ص 14
  3. المرجع السابق ص 14.
  4. الكزاندر هجرتي كراب ، علم الفولكلور ، ترجمة رشدي صالح ، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر القاهرة ، 1967م ، ص22.
  5. ثابت ملكاوي ، الرواية والقصة القصيرة في الإمارات ، المجمع الثقافي –أبو ظبي- دت ص150-151
  6. ضياء الصديقي ، البيئة المحلية في القصة القصيرة في الإمارات ، من أبحاث الملتقى الثاني للكتابات القصصية والروائية في دولة الإمارات العربية المتحدة ، الجزء الأول ، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات- الشارقة-1992 ص165-187 وص207
  7. علي أبو الريش، ثنائية مجبل بن شهوان، مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر والتوزيع _أبو ظبي _ 1997م.


الصفحة السابقة إلى بوّابة المرايا