|
حول "سفر
العودة... وبعد" لناصيف قزّي
الذاكرة
المكتوبة على مقام الذاتيّة
"يعاني بعض الشعوب تضخماً في الذاكرة وهذا سبب شيخوخته
(تودوروف). أما في لبنان فنعاني تضخماً في "الناسية" وهذا ما يؤخر
بلوغنا سن الرشد، ويجعل من مستقبلنا تكراراً حتمياً وغبياً لزلات
ماضينا. لذا ربما، كان سفر العودة!
فبينما تقرع أجراس العودة في الجبل وتستعد "الناسية"
لالتهام التهجير كما التهمت سواه من المآسي، يأتي "سفر العودة... وبعد"
للدكتور ناصيف قزي كجرعة مضاد للنسيان، كصرخة في وجه بنطيي هذا الوطن
أن: لا يكفي ان تغسلوا ايديكم من ماضيكم لتشفى جروحنا!
"سفر العودة" هذا ليس سيطرة ذاتية Autobiographie كما
يزعم، فَزَمنُه المفلوش من عصر يونان والانبياء حتى تسعينات القرن
الماضي، اثقل من ان يحمله عمر واحد وانا واحد. انه سيرة ذاتية، اي غير
موضوعية، لأنا شتيت تائه بين فرديته وتماهيه مع جماعته واختزاله للوطن.
سيرة مكتوبة على مقام الذاتية اذ انها لا تضبط الاحداث في برانيتها بل
تُلاحِفُ الحدث من حيث هو وجع. وكما تقرأ القيافة في آثار حوافر الخيل
على الرمل، أسفاراً صارت أبعد من ان تطال، ينكأ الكتاب بصمات الأيام في
الوجدان ليسترجع زمناً قُفِصَ في صنميّة ما ذهب ولن يعود.
ويبقى السؤال: من هي الذات الراوية نفسها في هذا السفر
الحائر بين ذكريات الكاتب الشخصية واحداث - مفاصل في تاريخ بلدته
الشوفية (الجية) وحلقات دامية في ذاكرة الوطن؟
والجواب: انها ثالوث أنا - الجية - الوطن في دِنْح
الذاكرة الحية، جديلة ثلاثية الخصل، واحدة، في دوائر متضامنة متداخلة.
هكذا، وعلى امتداد ستة وثلاثين نصاً، يحجُّ قزي في
دياميس ذاكرته والتاريخ، ويؤوب الى الحاضر محمّلاً بأكثر من "ليش"
وأكثر من... تهمة.
تدور معظم النصوص حول احداث الحرب اللبنانية منذ 23
نيسان 1969 "الذي استمرت بعده مسيرة التحرير فكان، ويا للأسف تدمير ولم
يكن تحرير" (ص64) مروراً بأحداث 1975 الدامية والاجتياح الاسرائيلي ،82
وصولاً الى حرب الجبل سنة 83 والتهجير سنة 85 فالعودة او شبه العودة مع
ما حملته من آمال مجهضة وخيبات.
يحاول قزي في هذه النصوص ان يقرأ التاريخ "من تحت" اذا
جاز التعبير، أي من منظار الفرد المقهور المتحوِّل رقماً باهتاً في
الحسابات الاستراتيجية ومزادات المصالح. فوفاءً لالياس الذي "ذهب ولم
يعد" (ص101)، ولشربل "ذلك المارد المولود في حضن الملائكة للحياة"
(ص138) الذي سقط في أتون حرب الجبل، وريمون الذي اغترب في وطنه ووجد في
اوستراليا، "المنفى المنسيّ على هامش الكون" (ص170) وطناً له، وصرّح
بوجع الفطام "أنا هنا الى الأبد" (ص167)، وفاء لهم اولئك الذين
استُعمِلوا حطباً للحرب واسقِطُوا في حسابات السلام، اولئك الذين لا
يتوقف عندهم قطار التاريخ الجدي الأنيق، وفاءً لنا، اذ لكل منا الياس
وشربل وريمون، وفاءً لجروحنا المتعفنة تحت عباءة السلام الأهلي وخبث
المصالحة، كان لا بد ان يقرأ احدهم في نيغاتيف الذاكرة الفردية ما
يحيله تاريخ الساسة على النسيان الجبري.
تعتمد صيغة النصوص لعبة تداول الاقلام بين الذاكرة
العاطفية التي تحاول اجترار الحدث كما حصل وكما عاناه الوعي قبل ان
يعقلنه مرور الزمن. والعقل المنظِّر المنكبّ على طين الذاكرة الطري
يقولبه بحثاً عن معنى وعن أمل. الاولى تفتِّق صرّة الماضي، تفلفشها،
وتبعث نوارسها وخفافيشها من الرماد، والثاني ينقب بين اطلال العمر
الماضي، "يقف امام التاريخ حائراً، يحوم فوق مفاصله، ويستقرئه بدقة
وشغف كبيرين [...] لعل في اسفاره يقيناً" (ص10).
ففي نص "طفولة وبندقية" مثلاً، يعير الكاتب قلمه للطفل
الذي كانه والذي يتهجّأ فهماً كاريكاتورياً - مضحكاً مبكياً - لأحداث
:1958 فهو لا يعرف "من هم الثوار وماذا يريدون" وهمه الوحيد ان يعلِّق
بندقية والده على كتفه اليمنى "ويلتوي بها نحو اليسار كي لا تلامس
الارض" ويستغرب ان يكون انفجار قنبلة عند البيادر في جدرا، اودت بحياة
شفيقة" ثورة!! هنا يستعيد الكاتب قلمه ليسائل عن مفهوم الثورة وعن مدى
ملاءمته "لمهزلة 1958" تلك التي صوّرت وكأنها وعي المقموعين المفاجئ
وانتفاضتهم على الظلم والامبريالية، ويختم "فلنسأل التاريخ ونعتبر...
ثم نعتذر" (ص45).
هذا التأرجح بين السرد والتنظير، الى غزارة الرموز
والثوريات، يقترب بالنصوص من نوع المَثَل في "سفر العودة" لا يتوّج
بعبرة او حكمة كما هي حال امثال لافونتين وابن المقفّع، ولا يبقى
معلقاً في كتمانه واكتفائه بما يوحيه دون التصريح به كما في امثال
جبران، انه مثل اكثر تواضعاً يكتفي بأن يتساءل، "يرتبك في الاجابة"
(ص10)، ويكتفي بأن يسترجع حقه - وحقنا - في السؤال نحن الذين تحشى
اذهاننا بيقينيات مشبوهة وتتلى على مسامعنا مزامير الوفاق والنفاق
ويرمى بوجعنا وذاكرتنا عظاماً لكلاب النسيان... رغماً عنا. يستردُّ
بقراءته للحرب الحق في المساءلة والحق في الاتهام.
أنا اتهم! تلك هي اللازمة الخبيئة في خلفية النص. تلك
هي الغاية الاولى من هذا الاستفزاز السادومازوشي لشياطين الذاكرة.
اتهم، "حراس الثورة" الفلسطينية، تلك التي التبست عليها
الجغرافية فاضاعت طريق فلسطين وجعلتها تمر على جثث الأبرياء في الدامور
والجيّة والعيشية وسواها... فيما العدو يعبّد طرقات القدس.
اتهم الغلاة من "حرّاس الوطن" الذين ما ميّزوا بين تجار
القضية الفلسطينية وابريائها فقتلوا "المتسوّلين وباعة اليانصيب،
فامتلأت اقبية [صبرا وشاتيلا] بالجثث".
اتهم "نواطير الجبل" الذين "حوّلوا الجبل الابيض مسرحاً
رومانياً ملطخاً بدم الأبرياء" (ص138) والذين ردّوا على مقتل كمال
جنبلاط بقتله مرة اخرى عندما اغتالوا ميثاق الجبل.
اتهم "اولئك الذين باعوه بثلاثين من الفضة"، الذين
اداروا لعبة الدم في الجبل حيث كانوا "يحركون المتاريس والسلاح واصابع
اليدين" ويعقّمون كل محاولات التهدئة (ص138).
اتهم اصنام السياسة اللبنانية التي استفاقت من سباتها
العميق لتضرب هيكل بعبدا "الذي غرق بالجموعة المهللة، تلك التي خرجت من
كهوف الحرب الى النور، والتي حملت مع المشاعل والرايات كما القرابين،
كل ما ادخرته من مال ومصاغ وبنين يوم كانت الحرية في عرس" (ص187).
يتابع رحلته الاتهامية في الذاكرة، يستعيد جولاته في
اوستراليا (الكوكب الثامن) والولايات المتحدة (ساحة النبي، الحرية صنم)
وفرنسا (شرائع وأمم)... ويتهم.
يتهم غرباً ينتج قيماً "باب ثالث" لشعوب العالم الثالث،
ويفضح نفسه على لسان الساخر الفرنسي Aguigui: "الناس متساوون لكن بعضهم
اكثر تساوياً من بعضهم الآخر" (ص1974)، هكذا يموت الاطفال في لبنان على
الطرقات فيما تهرع سيارات الاسعاف في باريس لنجدة كلب صدمته سيارة
مسرعة.
يتهم احبار الأمم المتحدة المختبئين في ظل الحرية -
الصنم حيث يُصدِرون "للمستضعفين قرارات فتبقى حبراً على ورق" (ص199).
ومن اوستراليا، "الكوكب الثامن" حيث ابناء "الشاطئ
المسحور" (الجيّة) ينتظرون من بعيد ربط حبال السرة بينهم وبين الوطن،
يتهم كل من مَنَعَنا من "أن نكون ما رغبنا دوماً في أن نكونه: مواطنين
فنحن رعايا بل رهائن للقبائل والاشباح وللمحنطين القادمين من ازمنة
غابرة في جمهورية مزعومة" (ص168 - 169).
وقبل ان أسأل: أين يقف من يتهم الجميع؟ أي شعار ينقل
حين يذرع حقول الذاكرة المفخخة؟ ومن يقيه صواعق التكفير والتخوين ما لم
يحمل شمسية هذا او ذلك من الاحزاب؟
يجيبني كاتب السّفر "اقترعت للحفاظ على الحياة
والأحياء" (ص138) ضد الذين يمتطون القضايا الى الكراسي ويلعبون بمصائر
الأبرياء في بورصة المصالح، اقف في لا انحياز البريء، في لا انحياز
الضحية.
اضف الى ذلك نصوصاً دُوْزِنَتْ أصلاً على مقام الذاتية
البحتة كـ"رحلة قصيرة" حيث يروي الكاتب زبدة "رحلته القصيرة" مع والده
ويستعيد اولى تجارب العشق - المسكوت عنه في باقي الكتاب (لا تعليق) -
و"الرواية" حيث يصف طفولته مسحورةً بحكايات "بو ملحم"... وغيرها.
وفي ما خلا هذين النصين تتخذ خصوصية الذكريات في سفر
العودة منحىً مختلفاً فلا تقفص النص في كونه تعبيراً عن تجربة فردية قد
لا تهم سوى قلة قليلة من الناس، بل هي تتمسك بلحميّة الخاص وحرارته
تغوص فيه حتى أعماقه حتى نُسغِه الجوفي حيث يتلاقى الخاص بالخاص في
عمومية الانساني. وهي بالتالي لا تقفز فوق الحواجز والفوارق التي
تفصل بين الأنا والأنا الآخر، بل تحفر حتى البئر الواحدة تلك التي تجعل
التذاوت والتعاطف ممكنين، وتعطي لأدب الذاكرة، من حيث هو توريط للقراء
بماض ليس لهم، سببه التخفيفي الوحيد.
وأمانة للتاريخ وللأجيال التي قد تقرأ - ويا ليتها تقرأ
- كانت حواشي الكتاب المكتظة بالتواريخ والاسماء والمراجع، والتي
ارادها الكاتب لازمة موضوعية لارتجالاته الرمزية على مقام الحدث. ضوابط
تاريخية تؤكّد ان ما حصل قد حصل فعلا وليس يوتوبيا سوداء افرزها خيال
مازوشي.
فنص "التنين" مثلاً يروي الاجتياح الاسرائيلي لبيروت
عام 82 لكن فيه من ميثولوجيا فينيقيا وملاحم الاغريق ورموز الكتاب
المقدّس ما يشرئب به فوق افقية السرد وجبن "الموضوعية"، لذا كانت
الحاجة الى حواش هي كمراسي تربط اجنحة النص بارض الواقع.
وجاءت الحواشي في معظمها مفصلة الى حد الاطناب كأنها
تتوجه الى قارئ سقط فجأة من كوكب بعيد ويحتاج الى من يحدد له ألف باء
التاريخ والسياسة اللبنانيين، او كأنها قراءة موازية للمتن لا هوامش
لها.
اما الصور فهي تارة موثقة وطوراً متروكة لتأويل القارئ
لكنها كلها غير واضحة الحدود كأنها آثار قديمة في جسد الذاكرة، بصمات
غير واثقة لا تزال متنازعة بين الاقرار والنسيان.
ولا يصعب على القارئ تبيُّن اثر الفلسفة في السفر، سواء
كان ذلك في المصطلحات او الموضوعات، وهي تتجلى في شكل اساسي، عدا
الاشارات المتعددة الى كبار مفكري النهضة، من خلال الاسئلة الكينونية
التي يخرج بها الكاتب من كل جولة في الذاكرة: ما الزمن؟ ما الله؟ ما
الحياة؟ ما المعنى؟
اسئلة حُكِم على عقل الكاتب، "المتفلسف البسيط" كما يصف
نفسه، ان يمضغها ولو مُرة، ولو تأكد مع كانط ان لا مجال لفكّ طلاسمها
طالما فرس الفاهمة مشدودة الى رسن الزمكان.
اسئلة ناخعة، جامحة، لا تلبث ان تؤوب في النص الختامي
الى حظيرة الايمان: الايمان بالحياة وهي اعلى واسمى من كل القضايا
واشباه القضايا، والايمان بالله ذلك المتعالي على كل الحروب المنذورة
على اسمه والجرائم المهداة اليه.
يقول المثل الفرنسي "الصياد الذي لحق بطريدتين في الوقت
عينه لا يلتقط أياً منها". فكيف الحال وسفر العودة يلهث وراء طرائد
واهداف عديدة: هدف سياسي وآخر شخصي وآخر ادبي؟
وفي حين وفّق قزي الى حدّ بعيد في الأولين، لا اجد
مفراً من ابداء بعض الملاحظات انصافاً للأدب!
حبّذا لو انتظمت هذه الذكريات في رواية موحدة الاجزاء
مكنّت الكاتب من دمج التأريخ والترميز دونما اساءة الى هذا او ذاك.
حبذا او اوفيت الذاكرة حقها في التأمل، فمن الغريب ان
تبدو في سفر العودة وكأنها البداهة نفسها، فيما الاشكالية كل الاشكالية
في ترسيم الحدود بينها وبين الواهمة والحنين وفي ضبط علاقتها بالزمن
وخواف الزمن. استنطق اغوسطينوس ذاكرته فاذا هي تزمكن الكون وتخرج
الوجود من قمقم اللحظة الحاضرة. وساءل برغسون الذاكرة فاذا هي صنو
الوعي نافراً فوق سبات المادة. وبين زمن ضائع وزمن مستردّ برّأ بروست
ذاكرته من خيانتها وصار اجترار الماضي بنكهته الاصلية ممكناً. أما في
سفر العودة، ذلك المعمد "فصلاً من ذاكرة"، فالذاكرة هي المنسيّ
الأكبر!!
حبذا لو تحرر هذا القلم المهووس برموز الميثولوجيا
والانبياء من نير التأريخ واجتنب الافراط في تفصيل الحدث. أكاد اقول
تمزيقه، بغية استخلاص العبر العقلانية من خاوس الاحداث والغرائز.
زد على ذلك نزعة الى الاستطراد تجنح بالنص بعيداً عن
خطّه الدرامي الاساسي لتغرقه في سيل من المشاهد والتأملات، وخاصة في
نصوص الكتاب الاخيرة مثل "شرائع وأمم" الذي يقترب من التجريب المسرحي
لقوة مشهديته ولكنه، ويا للأسف، يفتقر الى التماسك.
وبعد، هل اخطأ قزي اهدافه؟
فلنقل انه حاول موسقة "آخه"، تلك التي اطلقها خاماً في
"سفر التهجير" (بيروت، 1987) حاول ان يجبل جروحه بشهد الرمز والصورة
والصيغة الروائية، لكن الآخ في طبيعتها نشاز. حاول "ان يسترجع حقه في
الصراخ" كما يقول في سفر العودة، وليس من طبيعة الصراخ ان يكون
سمفونياً.
واذا كانت للتأريخ والجماليا معايير مختلفة تجعل من
جمعهما مشروعاً متفجراً قد ينسف الاثنين معاً، فان قزي قد وفق، رغم ذلك
كله، في انتاج تأريخ على مقام الأنا لحقبة غير قصيرة من عمره وعمر
الجية وعمر الوطن وابتكار ابجدية رمزية متكاملة للحرب. حربنا التي
يرويها البنطيون بأيد نظيفة والموثقون اشباه المؤرخين باقلام انيقة.
كتبها قزي في صدق مربك حتى السادية.
يقول جاك دريدا: "للضحية وحدها يحق الغفران وشرط
الغفران الذاكرة لا النسيان". فلنخرج من حذر اللاذاكرة وزيف التناسي،
وليفتح الوطن المسوق الى الذبح فاه، ويكتب تاريخه بأقلام قزي وامثاله،
لعلّ في كيّ الذاكرة الحقة والغفران الحق دواءً لجروح لم يشفها بنج
"عفى الله عما مضى".
بسكال لحود
|