"النهار"

الاربعاء 5 ايلول 2001

محاضرة عبد الحليم خدام نموذجاً:

نمطية الرد الشمولي في وجه أنصار المجتمع المدني

حمدان حمدان

طرحت جريدة "الحياة" في اعدادها الصادرة أيام الثامن والتاسع والعاشر من تموز الماضي، ثلاث حلقات تتصل بأحوال المجتمع المدني في سوريا، وقد صادف ان المحاضرة البارزة التي ألقاها الدكتور عبد الرزاق عيد، تحت عنوان "ثقافة الخوف"، كانت الاوسع انتشاراً، علماً بأن ثمة محاضرات لا تقل أهمية، كانت قد وجدت سجالها المشبع بالحميمية والجدية، سواءً في منتدى الاتاسي ورياض سيف بدمشق، ام غيرها من المنتديات التي تم وقفها الآن في معظم المدن السورية الاخرى، وحتى اشعار آخر.

لقد كان ظني وما زال، انني لست واحداً من المرشحين بجدارة، للدفاع عن طروحات المجتمع المدني، كما انني لا أرى دوراً لنفسي في كفاح إقامتها، من باب ان المجتمع المدني اصلاً غير متصالح مع توسّط ايديولوجي او "ممارساتي" مقرر قبله، على طريقة انشاء الاحزاب السياسية عبر برامج فكرية محددة سلفاً. بل لعلّ ما يسم المجتمعات المدنية عبر تواريخها الاوروبية، هي كونها وليدة الضرورة والتلقائية التطورية، واستجابة طوعية لحاجات اجتماعية وجماعية... انها ابنة الضرورة المتزامنة مع درجة تطور معينة، فضلاً عن علاقات المقابلة او المجابهة بين ثنائية مجتمع ودولة، وما بينهما من تداول او تناحر.

ورغم اهمية الحلقة الثانية التي جاءت في التاسع من تموز، وما تضمنته من تعقيبات متفاوتة على المحاضرة، استحساناً او تجريحاً ونقداً، وذلك بحسب درجة القرب او التقرّب من النظام السياسي... الا ان الحلقة الثالثة التي صادفت يوم العاشر من تموز، كانت هي الاهم بجميع المقاييس، لا بحكم كثافتها الكفرية او تفوقها التحليلي وزخمها الابداعي... بل لأن صاحبها هو الاستاذ عبد الحليم خدام نفسه. وهو اضافة الى كونه واحداً من ابرز قادة الحرس القديم في سوريا، فانه ما زال مواظباً على منصبه الحسّاس كنائب لرئيس الجمهورية، لما يزيد على ثلاثين عاماً، فضلاً عن كونه صاحب ملفات غاية في الخطورة، يومها، كملف التنظيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا، وملف لبنان برمته، وأحياناً اخرى في مناسبات حرجة، مكوكية الاتصال بين طهران ودمشق، ما نعرف وما نجهل، يوم شنّت بغداد الحرب ضد ايران او ضد الكويت على التعاقب...

ولعل اول ما ادهشني في عرض المحاضرة على صفحات "الحياة"، ذلك العنوان الصاخب، الذي اختارته اسرة تحرير الجريدة، لمحاضرة الاستاذ خدام في جامعة دمشق (في 18 شباط من العام الجاري)، حيث جاء مدوياً: "لن نسمح بـ(جزأرة) سوريا... والعودة الى عهد الانقلابات". وما هي علاقة "الجزأرة" بالانقلابات العسكرية؟!

وللحقيقة فقد بقيت لثوانٍ ثقيلة، احاول استطلاع مصدر (الجزأرة) هذه، وفيما اذا كان له علاقة مثلاً بالفعل جَزَر ويجزُر، ومنه فهو جزّار، وقد رجفت بادئ ذي بدء، من هذا البند الاتهامي المضاف، لأنصار المجتمع المدني في سوريا، خاصة أن معظم هؤلاء الانصار، لم تنقصه الادانة قبل المحاكمة بالطبع، وذلك بتهمة التعامل او التناول من جهات استخبارية عالمية!

وللحظ الباسم، فقد اكتشفت بعد قراءة المحاضرة ملياً، ان الاستاذ خدام نفسه، مدين بما يمتلك من افكار، لا لمدرسة (الجزأرة) ذات القوام اللغوي الحداثي الاهيف، بل لمدرسة مصطلحات البعث قبل نيف ونصف قرن، فيما كان على العالم ان يتوقف اذعاناً لرغبات المأمول والمحمول، لا طبقاً لقوانين التطور التي نقلت الانسانية من عربة الجر الى غزو الفضاء.

ويستهل الاستاذ خدام، محاضرته امام الهيئة التدريسية في جامعة دمشق، بخطاب يقع استهلاله بين باب الانفتاح ومنّة التطوير، فيعتبر ان خطوات من هذا القبيل، كانت قد اتخذت بالفعل، وهذه الخطوات تتمثل باجازة افتتاح مكاتب خاصة لاحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية"، كذلك السماح باصدار صحافة خاصة بهذه الاحزاب، يمكن ان تيسر للناس (سبل الراحة ودعم سياسة الدولة، والكلام هنا للاستاذ خدام نفسه"، وكأن الجبهة مصدر راحة او ازعاج بالنسبة الى المواطن السوري.،

ثم يقطع الاستاذ خدام كلامه عن اجواء الجبهة، دون ان يجعل من جملته عن احزابها جملة مفيدة، بل ودون ان يمكننا من التساؤل، اذا كانت المسألة في جوهرها، تقع في منح ميزات اضافية لاحزاب الجبهة الوطنية؟! وماذا كان يضير الشعب او يفيده، عندما يكون لحزب جبهوي ما، سيارات شبح، او مركز اقامة علني، او جريدة تسبّح بأصحاب المنّة على البلاد والعباد، وهل كان ينقص الحادي، مقطعاً انشادياً، اطرائياً، ثنائىاً، لنظام الجبهة من اسراب الجبهة ذاتها؟!...

ويقفز الاستاذ خدام، فوق وعورة مقطع الجبهة هذا، تاركاً لغيره عقم النقاش في ما قدمته ثلاثون عاماً جبهوية، من نتائج تشكيلة سياسية، هي رجع صدى كما ارادها الحزب (قائد المجتمع والدولة) ان تكون، وهكذا يجد فرصته في الانتقال فجأة من موقع دفاع ضعيف (محور الجبهة الوطنية...) الى موقع هجومي تهديدي: "إذ ماذا كتبت اقلام المثقفين في سوريا، وماذا لم تكتب ولماذا؟!"، وعلى طريقة المسرح الشكسبيري، يصرخ نائب الرئيس متوتراً "نحن اذن... امام بيانات تصدر باسم المثقفين". وبالطبع فان هذا التوتر، مردّه، الى ان الاستاذ خدام، لم يسمع منذ ثورة آذار ،1963 غير صوت ذاته، حيث الآخر منعدم من لوحة الوجود السياسي، او كما هو مفترض ان تكون خانته بين الاصفار...

دعونا نتفق اولاً - يقول نائب الرئيس - ما هي الثقافة؟! وماذا يعني المثقف وما هو دوره...؟!

ولدى استعراض مفهوم الاستاذ خدام لكل هذا، تبين انه يأتي على الثقافة، لا طبقاً لحصيلة وعيه ومخزون ثقافته او منظومة ممارساته المكتسبة، بل طبقاً لنصوص مجلوبة من خطاب الاستاذ قسطنطين زريق، عندما كتب منذ زمن بعيد، كتاباً بعنوان "الوعي القومي". والمشكلة ان الاستاذ زريق في عمله الفكري اللاحق (ما العمل؟) يعترف بأن مجمل افكاره عن الامة (الوعي القومي العربي)، اصبحت بحاجة الى مراجعة قاسية، خاصة بعدما اكتسحت الاحداث الجسام، وجود الامة بذاته، فأصاب شعب فلسطين ما اصاب، واصاب العراق ما اصاب، وما ألمّ بمجموع الامة من عاديات النكبات، ونوازل الكوارث، من المشرق الى المغرب، فيما تواظب الامة على اثبات قدرتها الخارقة التي تحصنها ضد الوفاق والاتفاق، فاذا قيل ذنب النظام الرسمي لا ذنب الشعب، كان الرد الساطع في قوله تعالى: مثلما تكونوا يوّلى عليكم. ص.

ان الاستاذ خدام، يجهل والاصح انه يتجاهل، ما اصاب كبار الكتاب العرب من وهن مشوب باليأس مع كل دواعي الردّة عن المذهب... وهنا، لست ادري، ما الذي يجعل الحاكم يرى العالم وردياً من حوله، فيكتفي من تجربة حكمه (السرمدية)، بأنها يمكن ان تكون في جانب منها، محلّ صواب، وفي جانب آخر، محل خطأ، ليس اكثر...

يقول الاستاذ خدام: "إذا كنا نستخدم المنهج العلمي في التحليل، فانه يجب ان نقول بأن هذه التجربة اصابت في كذا وكذا، واخطأت في كذا وكذا".... ويقيناً فان التهوين هنا، قائم بشكل متعمد، بين احتمال الخطأ وامكان تصويبه واسترسال الخطأ واستحالة الاشارة اليه لا تصويبه، اذ ان التحكم بالتعديل غالباً ما يكون من طريق الصحافة الحرة في اجواء الديموقراطية الحقة، والا فمن هو القادر على اتهام القيادة بوقوعها في الخطأ، علماً بأن هذه كبيرة الكبائر التي لا تسامح فيها؟!.

من جهة أخرى، فان النظام الذي عمّر ما يزيد على ثلاثين عاماً، لا يمكن ان يوصف كوليد جديد، بأنه ابن تجربة الصواب والخطأ، خاصة وان الاستاذ خدام، كان قد ملأ صفحات المرحلة، بانجازات لا قبل لأي قطر بتحقيقها... وكأن دول العالم الاخرى لا عمل لها سوى النظر وسامتها في مرآة نفسها، وان نظاماً يتجاوز في ديمومته كل العهد الراشدي، او ثلث الاموي، او نصف زمان الاسرة الخديوية من محمد علي باشا الى سقوط الملك فاروق في تموز من العام ،1952 لا شغل له سوى ان يحكم بالحكمة، وانه لا شأن له بأدران الدنيا وما تتطلب من بنى تحتية، هي في النهاية علامة ازدهار الامة او تخلفها.

في المقابل، فانه لا سعي لاحد، في ان يتوجه للسيد نائب رئيس الجمهورية بالسؤال عن وجهة التطور خلال تلك العقود الثلاثة، الى أين؟ اذ اين ذهب الاعتدال المألوف في الحياة الاجتماعية السورية؟ الى اين وصلت نسبة التضخم الآكلة لزيادة الراتب والراتب بحاله؟ ما هي متوسطات الدخول الاسروية الحقيقية في سوريا؟ (جريدة "تشرين" في عدد من اعدادها الصادرة في ايلول 2000 تقول: دولار واحد للاسرة السورية في اليوم!...) ومع انتشار سُعار الفساد الجامح، فان مكاناً للمراهنة على تجربة الخطأ والصواب لا يوجد، فالنظام السياسي الفاعل من جهته له فلسفته في النظر الى القانون والدولة، مفهومها ودورها واملاكها والنظام العام... وكل ما هو ضروري ومنبثق عن التطورات التاريخية الانسانية والاجتماعية، اذ تحظى هذه المؤسسات "التي هي في الاساس واجبة الاحترام بأكثر ما تكون من اهل الحكم نفسه"، تحظى بكل ازدراء خفيّ ممكن.

فأهل النظام، هم اول من يخترق القانون ولا يحترمه، ومع ان العداء للدولة عادة عربية، او هي عادة جميع شعوب القبائل! الا ان البعث مع كل هذه السنوات، لم يعمل على تعديل النظرة الى الدولة وقوانينها ولزومها ودورها... وبالعكس تماماً، فان ازدراء - القوانين والانظمة - غالباً ما يصدر عن اصحاب النفوذ في الحزب او الدولة او الاجهزة وسواها. وهكذا فان التطاول على هيبة الدولة واملاكها ودورها وانظمتها، لا يقود بالضرورة الى المحاكمة او المحاسبة او المساءلة، وهي حال دائمة، طالما ان المخالفين من ابطال الثورة او من انصارها (وذويهم) دون استثناء.

هذا ويعترف الاستاذ خدام مشكوراً، حسب نص المحاضرة ان ثمة اخطاء يكتنفها الخلل، واوجه الفساد قائمة في اجهزة الدولة، ويضيف، ان هذا الاعتراف تحديداً، نتيجة من نتائج اعمال الفكر الموضوعي، واستخدام المنهج العقلي - العلمي في التحليل... علماً بأن جائحة الفساد في سوريا، وسواها في الوطن العربي، دون تخصيص، باتت نمط حياة لاهل الخطوة من اصحاب القرار، على مختلف مستوياتهم، من الدوائر الدنيا الى العليا. فالفساد من اجل الاعتراف به، لا يحتاج الى سلوك منهج فكري بذاته، اذ بالفكر الطوباوي او العدمي او حتى الهمايوني، (بالاعتذار من الصدر الاعظم)... نستطيع الامساك بالفساد واهله دون مظنة ظالمة.

والفساد هنا بحاجة الى اعتراف اخلاقي، دون مكابرة او محاجة، خاصة وان عدم الاعتراف به او تهوينه، ببسط ذرائع عالمية لنموه وانتشاره... لن يفسد المناهج العلمية العقلية في التحليل (او التركيب) بل يفسد العقل نفسه دون منازع. ومن هنا فان القول بعرضية الفساد بجعله وليد الصدفة او الظرفية، هو خطأ متعمد بحد ذاته، ذلك انه ناتج نمطية الشمولية في الحكم. وما لم يتم اعتماد دواء الديموقراطية، هكذا مثلما هي في العالم المتقدم (دون ذرائع عن الخصوصية والاستثناء!...) فان انتاج المشكلات الوبيلة واعادة انتاجها، من المحسوبيات الحزبية، والامنية، والمناطقية، الى الفقر الخطير والمدقع، ثم الى ما يقابله من ثراء فلكي وفاحش، فالى فرص العمل المعدومة نسبياً، الى الطوارئ الى العرفي... وما له لزوم للصراع مع اسرائىل!... وهذه المشكلات وسواها، ستظل عرضة للتكرار، طالما ان مصدر صناعتها (غياب الديموقراطية او اعدامها)، ما زال قائماً يسعى في كل آن وأوان، ولا سبيل الى درء مولوداته...

وفي مقطع جديد منقطع عما قبله، يستنكر الاستاذ خدام، قيام ديموقراطية اواسط الخمسينات في سوريا، فيقول: "معظمكم قد لا يعرف شيئاً عن تلك المرحلة، اذ لم تكن في عهد الخمسينات ديموقراطية بالمقاييس اياها، كان 17 نائباً فقط لحزب "البعث" عام ،1954 بينما كانت اكثرية النواب من الحزب الوطني وحزب الشعب وكتلة المستقلين والعشائر... وجميع هذه القوى الثلاث كانت مرتبطة بالعراق، وتريد الاتحاد مع العراق، مع ذلك، فقد فاز خط البعث، علماً بأنه كان اقلية في المؤسسة الديموقراطية لمجلس الشعب، حيث كان التضارب بين تطلعات الناس وعواطفها وبين القوى النيابية التي جاءت بحكم: اما المال او الاقطاع او العشائرية او الطائفية"... (انتهى النص المقتطف من المحاضرة بتمامه).

وهنا نجد من واجبنا الاعتراض ضد الفقرة المدونة اعلاه من وجهين: الاول منطقي والآخر وقائعي - تاريخي. اذ ان العيش في المرحلة التاريخية، ليس ضرورياً لمعرفة وقائعها تماماً، والا فانه لا يجوز الكتابة عن بابل دون العيش مع البابليين، كذلك هي الحال فيما يخص اكتشاف مضمون حجر الرشيد في مصر... والحاصل فان مرحلة اواسط الخمسينات في سوريا، يمكن ان يعرفها مَنْ عاصرها او لم يعاصرها، اذ هي مهمة المعنيين بدراسة التاريخ. وللتصحيح فان البعث كان الكتلة الثالثة في مجلس النواب آنذاك، بعد كتلتي الوطني أولاً، وحزب الشعب ثانياً. اما بخصوص ارتباط القوى الثلاث بالعراق، فوقائع تحتاج الى الدقة، اذ لم يكن على ارتباط وثيق بالعراق (ونظامه) بقصد الوحدة القومية. الا حزب الشعب بأكثريته الحلبية (وقد تكون التجارية تحديداً)، اما الكتلة الوطنية (بزعامة المرحوم الرئيس شكري القوتلي)، فكان هواها مع مصر والسعودية تماماً، كذلك يمكن الحديث عن كتلة المستقلين بزعامة المرحوم خالد العظم، حيث هي اقرب الى الاتحاد السوفياتي عالمياً (كان العظم يسمى تجاوزاً بالمليونير الاحمر)، واما العشائر فكانت تقف على الارجح من احد الحزبين الكبيرين (الوطني او الشعب آنذاك) دون انحياز دائم...

وهنا نأتي الى التصحيح الواجب الآخر. ففوز خطّ البعث لم يكن غصباً عن الديموقراطية في مجلس النواب السوري يومذاك، فاذا كان المقصود من عبارة: فوز خط البعث، هو اقامة الوحدة القومية بين مصر وسوريا، فان الوحيدين اللذين عارضا مقترح الوحدة من النواب، هما الخالدان: خالد العظم وخالد بكداش، الاول بسبب خشيته على مصير الديموقراطية في سوريا، والثاني بسبب تمسكه بخط موسكو الستاليني من مسألة القوميات، حيث كانت تحظى بعداوة شيوعية مردها ان منشأ القوميات في اوروبا اساساً، كان على يد الطبقة الرأسمالية الصاعدة، وعدا ذلك فان جميع النواب السوريين - من غير البعثيين كانوا وقعّوا على وثيقة الوحدة مع مصر، وابى بعضهم الا ان يمهرها بدمائه. فلماذا نبخس الناس مواقفهم الرجولية والصادقة؟!

بقي ان نستأذن الاستاذ خدام، في التعرّض للنمطية المكرورة، لا في خطابه السياسي والفكري فحسب، بل وخطابات جميع الذين تصدوا لاهل المجتمع المدني سياسياً او فكرياً وفلسفياً وعقائدياً... اما التنميط المشترك - ويبدو انه صادر عن رأس موجّه واحد - فيقول:

- ان جماعات المجتمع المدني تطالب بالغاء قانون احكام الطوارئ والاحكام العرفية، وينسون عن جهل او تجاهل حقيقة استمرار صراعنا مع اسرائيل.

- ان جماعات المجتمع المدني بشعاراتهم هذه، يريدون تفكيك الوحدة الوطنية، ودفع سوريا في اتجاه مصائر الجزائر والصومال ويوغوسلافيا.

- ان انصار المجتمع المدني وهم يطرحون نسف ما هو قائم، لا يمتلكون البديل لاقامته محل ما هو قائم منذ عقود...

ودون توسع، فاننا نستطيع الدفع بما يأتي:

أولاً: ان اول قانون بأحكام الطوارئ صدر في سوريا عقب الاستقلال الوطني، وطرد الانتداب الفرنسي، كان صدر في الشهر السادس من العام 1949 على يد الزعيم حسني الزعيم، واما بمناسبة اقتران الطوارئ بالصراع مع اسرائىل، فنود تأكيد، ان اسباب صدور هذا القانون بالتوقيت نفسه، كان تحديداً، توقيع الهدنة الاولى، بين سوريا واسرائىل، وهو ما اقدم عليه الزعيم تخوفاً من هيجانات شعبية او عصيانات مدنية وعسكرية. واما الملاحظة التاريخية الاخرى التي قد ترد هنا، فتكمن في التساؤل فعلاً، أليست اسرائيل نفسها في حالة صراع مع كل العرب، أليس وضعها الداخلي اوحى - بحكم وجود ملايين معادين من الفلسطينيين - من الوضع الداخلي لاي قطر عربي؟ فلماذا لا تستخدم اسرائيل الطوارئ ضد سكانها من اليهود وغير اليهود؟!

ارجو الا يطول المقام مع فكرة الصراع مع اسرائىل كلازمة مكرورة من اجل ادامة سياسات احكام الطوارئ السرمدية!

ثانياً: لا نعلم تماماً لماذا الربط والتشبيه بقضايا اقليمية لا تشابه بينها ولا ترابط، مثل ما حصل في الجزائر او ما حصل في الصومال او يوغوسلافيا... علماً بأن لكل نائبة من هذه النوائب، دواعيها المحلية وظروفها الداخلية والخارجية، وخصائص شعبها وموزاييكه وطباعه... إذ هل سوريا نسخة اقليمية عن الجزائر في شيء او كل شيء؟

هل ما جرى في الجزائر ويجري، هو حرب اهلية فعلاً كما هي مقاييسها المحددة والتاريخية والاجتماعية، مع تلك التي تطبع النزاع الاهلي بطابعها... ام ان المسألة هي اختطاف للشرعية في وضح النهار؟! ومع اننا لا نجنح لتأييد عنف الجزائر حتى مع فرضية اختطاف النتائج الانتخابية زوراً وبهتاناً، الا انه لا يسعنا الا ان نعيد السؤال: هل طبيعة الشعب الجزائري مثل طبيعة الشعب السوري وتاريخه ومزاجه بل ووعيه؟! فاذا كان الصراع الدموي الداخلي في الجزائر قد ادى حتى الآن، الى سقوط ما يقارب ربع مليون، بين قتيل وجريح ومعوّق ومهاجر... فكم هو عدد ضحايا الانقلابات العسكرية - التي طبّقت شهرتها الآفاق - بين العام 1949 والعام 1952؟!

ثمة مصادر متتبعة لتاريخ سوريا الحديث، تقول وهي غير ساخرة بالطبع، ان عدد ضحايا الانقلابات (من الزعيم الى الشيشكلي مروراً بالحناوي)، لا يتجاوز عشرة اشخاص، حتى بمن فيهم شهداء العقيدة من امثال المرحوم انطون سعاده ورفاقه في الحزب السوري القومي الاجتماعي...

اما موضوع المقارنة مع الصومال او يوغوسلافيا، فهو ابعد بكثير من مثال الجزائر، اذ يكفي القول بان واحدة في افريقيا والاخرى في اوروبا والشبيه في آسيا! ولنا ان نسأل مع ذلك، اذ مَنْ هو الذي يلوذ بالمجتمع المدني في سوريا، وآثر الانتساب الى قبائل الزعيم عيديد او الى قبائل خصومه؟ علماً بأن صراعات الصومال كلها، صراعات قبائل ومصالح قبائل، وراءها ما وراءها من القوى العالمية الضالعة في مستقبل القرن الافريقي وما حوله من ممرات بحار وكنوز ثروات!

ثم مَنْ هو البوسني ومن هو الصربي، او الكرواتي او الالباني... على جداول وثيقة الـ99 او جداول وثيقة الالف اللاحقة، مع مسعى التوافقية بعدها، واخيراً اين هي جغرافيا البلقان (في وضعها الاوروبي الحاد سلباً ام ايجاباً...) من جغرافيا سوريا وهي في قلب مواطن اهلها وذويها؟!

ويبقى في محاضرة الاستاذ خدام، ما يستأهل الدهشة حين يسأل مستنكراً: اين هو البديل اذا اردتم نسف كل شيء؟ ونتساءل بدورنا مع الاعتذار، اذ هل يجهل الاستاذ خدام حقاً، ان المجتمع المدني في سوريا لا يبتغي نسف كل شيء... والا اين هو دليله؟ ام انها ذريعة اقرب ما تكون الى ذريعة: لقد عكّرت عليّ الماء... اما بخصوص البديل الذي قد يشبه حكومة الظل في بريطانيا، فاننا نذكر مدرسة النمطية الجماعية، باننا في سوريا ولسنا بريطانيا، فاذا انكر احدهم علينا قولنا، فليتفضّل كي يقول لنا، اين كان البديل ليلة الثامن من آذار؟ او في ليالي ما بعدها؟!...

في النهاية، فانه لا بد من تلخيص ما ذهبنا اليه منذ البداية، فمحاضرة الاستاذ خدام، ليست راهنة كي يتم التعقيب عليها او اثارة مضمونها من جديد، بل هي قديمة نسبياً (شباط الماضي) الا انها مع ذلك، تشكل النص الاقرب الى الاكتمال، لجهة الفكر الشمولي، الدافع لطروحات المجتمع المدني، لا في سوريا فحسب، بل في اقطار الارهاصات الفكرية النهضوية والديموقراطية في الوطن العربي بارجائه، ومن هنا فان النمطية الطاردة لاشباح هذا الفكر عموماً، يمكن ان تتجلّى في الادانات المزعومة الآتية:

- المجتمع المدني يعرض الوحدة الوطنية لمخاطر التفكيك.

- انه يتجاهل الكفاح (المشرّف) ضد اسرائىل.

- لا يمتلك البديل الجاهز من ادارة الحكم في المستقبل.

- يعرّض استقرار الوطن لعواقب وخيمة.

- يتجاهل الكتلة التاريخية (الجماهيرية) لغرامشي!

- يتجاهل القعد الاجتماعي لجان جاك روسو!...

- يتجاهل ماركس وتوكفيل وعزمي بشارة في طروحاتهم عن المجتمع المدني!...

- يتجاهل التدرجية في الاصلاح الاقتصادي (اولاً) ثم الاصلاح الآخر المنشود!

- يتجاهل الواقع القائم لجهة رومانسية المأمول الطوباوي.

- شواهده العالمية والعربية ما حصل في: بولندا، افغانستان، الجزائر، الصومال، لبنان، البلقان. بل وكل ما هو دموي تطاحني، وابادي (ألم يكن مثال الاستاذ خدام بان الحرية المطلقة، هي ان يقتل زيد عمرا!...) وهناك شواهد اخرى كالماسونية والروتارية وسعد الدين ابرهيم وما على المسؤول او المفكر او الصحافي... المغترف من بحر سلطانه هنا، سوى ان يتزود من معين هذه اللوجستية النمطية - الشمولية، ويذهب بعدها الى ساحات القتال ضد انصار المجتمع المدني في كل مكان.

(دمشق)


الصفحة الأولى|محليات سياسية|اقتصاد-مال-أعمال|العرب والعالم| قضايا النهار|القضاء والقدر| ندوة|مقالات|المقسم 19| تحقيق| مناطق| بيئة وتراث| مفكرة|أدب-فكر-فن|مدنيات-تربويات|وفيات| رياضة| حول العلم والعالم|مساعدة|

النهار الرياضي| نهار الشباب| نهار الانترنت| الدليل| الملحق الثقافي| سلامتك| الاغتراب اللبناني| عالمنا الآخر| النهار 2000| الصفحة الرئيسية


PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help

Copyright © 2001 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.