بيان الثقافة

الأحد 21 جمادي الآخرة 1422هـ 9 سبتمبر 2001 -العدد 87                 

النقد النسوي ظاهرة ترد على اهمال ابداعات الروائيات العربيات

القاهرة ـ أحمد عيد


ثمة أسئلة كثيرة لاتزال بحاجة إلى إجابات واضحة فيما يخص إبداع المرأة العربية، من بينها: ما الذي تجتره المرأة العربية في كتاباتها ؟ وهل يمكن تحديد آلية واحدة يخضع لها إبداعها؟ ما الهواجس التي تشغلها فتخرجها معبرة عن ألمها ومواجعها الخاصة في الحياة؟ وإلى أي مدى تباينت هذه المواجع فجعلت من خطاب المرأة العربية سجلا لواقعها المعيشي في المجتمع؟

الناقدة المصرية د. عفاف عبد المعطي الاستاذ بأداب القاهرة حاولت الإجابة على هذه الأسئلة في كتابها الأخير والمهم . المرأة العربية.. رؤى سوسيولوجية الصادر عن المركز المصري للدراسات والبحوث الإعلامية، رصدت فيه واقع المرأة المتشظي داخل المجتمع بين الرجاء في حياة أفضل والبأس من الإصلاح من خلال قلم مجموعة من الكاتبات العربيات قدمن نصوصا ذات قدرات إبداعية خاصة إستطعن بها أن يقدمن صورة حقيقية لكثير من الإجحاف الذي تعانيه المرأة في مجتمعها.

وهنا يصبح النقد النسائي هو من المرأة الكاتبة إلى المرأة المبدعة تصويرا لحقيقة تواجد المرأة في المجتمع العربي.

في البداية تقدم الباحثة مدخلا نظريا حول مصطلح النقد النسوي، ومن ثم فصل القول بينه وبين مصطلح النقد النسائي، خاصة وأن الفرق بينهما لايزال حتى الآن مثار نقد كبير لما بينهما من تعارض.

تقول الباحثة ان مصطلح النقد النسوي (تحليل النصوص الأدبية من وجهة نظر المرأة) ينطلق من الدفاع عن قضية المرأة وحقوقها، لذلك ينظر إلى النصوص التي تكتبها من هذه الزاوية . وقد نشأ هذا الصنف من النقد الأدبي في منتصف القرن العشرين بأمريكا في نطاق الحركة النسوية المطالبة بالمساواة، وعرف رواجا كبيرا في كندا، ثم تحول إلى فرنسا في مطلع السبعينيات، فضبطت دوافعه وغاياته ومناهجه، وظهرت دراسات عديدة تطبقه.

وترى الباحثة أن الدافع وراء ظهور هذا النوع من النقد هو الإهمال العام لإبداع المرأة على اختلاف مشاربه، بل اعتباره أدبا غير متميز. لذلك جاء مصطلح النقد النسوي كي يرفع من منزلة المرأه الكاتبة في المجتمع، خاصة وأن النزعة إلى مثل هذه الوجهة في إبداع المرأة قد تبلورت منذ جهود مفكرين كثيرين أمثال رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين في مصر والطاهر حداد في تونس.

على أن التنظير لهذا الصنف من النقد قد ألح على الغايات الاجتماعية والحضارية أكثر من الحاحه على الغاية الأدبية والنقدية فهو يربطه بالحركة النسوية في مجموعها ويعتبره نضالا طويل المدى، يدين التصورات الثقافية للجنس في مجال يقال له (الأدب) وهو يشير إلى ضرورة رفع المظلمة عن الأدب النسائي.

وتعتبر عفاف عبد المعطي أن الغاية من النقد النسوي ليست أن نفتح للنساء حقلا مخصوصا من الدراسات، تسيطرن فيه دون معارضة أي كان،وتهتممن فيه خاصة بنصوص أهملها الرجال، وتتكلمن حسب شفرات خاصة بهن، ولكن أوسع هدف وأخطر للنقد النسوي، وليس فقط إعادة الاعتبار للإبداع النسائي ورفع المظلمة التي سببتها له قرون من التاريخ، فهذا عمل لابد من إنجازه، بل الغاية من النقد النسوي هي إبراز أسطورة الأنوثة وإدارتها في ضمير الجماعة الأدبية، وبذلك أضيفت غاية مهمة إلى غاية النضال النسوي تتمثل في البحث عن خصوصية الأدب النسائي وعلامات الأنوثة فيه لتميزها عن علامات الذكورة التي تعتبر علامات محايدة، خاصة وأن هناك أوجاعا خاصة بوضع المرأة في المجتمع، المرأة الكاتبة فقط هي التي تستطيع التعبير عنها طبقا لما يمكن أن يحدث من تماه خاص بينهما.

أما مصطلح النقد الأدبي النسائي فتراه الباحثة مصطلحا محيرا، فإذا ترجم بالنقد النسائي فماذا عساك تعني؟ هل النقد الأدبي الذي تكتبه النساء؟ أم النقد الأدبي الذي تكتبه المرأة؟ أم نقد الأدب من وجهة نظر المذهب الذي يدعو إلى تحرير المرأة؟

كلها أسئلة تدعو لاعمال العقل قبل الخوض في ممارسة النقد الأدبي النسائي الذي حددت هذه الدراسة لنفسها منه طرفا مهما ظنت أنه يخدم الجانب التطبيقي، وهو المتمثل في إلقاء الضوء على صورة المرأة في المجتمع من خلال قلم مجموعة من الكاتبات العربيات.

المرأة إن حكت

تقول عفاف عبد المعطي انه من الصعب تحديد آلية واحدة يخضع لها إبداع المرأة، لأن خصوصية كتابة المرأة لا ترجع لأسباب بيولوجية فحسب وإنما نتيجة حساسية الموقع الذي تحتله، فضلا عن نظرتها المغايرة في المجتمع الحديث.

وتعتقد أن مشكلة الكينونة الاجتماعية هي الهاجس الأساسي الذي يمكن أن تعانيه المرأة في ظل مجتمعها الذي يفرض على المرأة وضعا خاصا في الحياة، وهي لهذا تحاول بطرق شتى أن تعبر عما يعتريها من مشكلات خاصة - إجتماعية - في صورة طرح قضية عبر الكتابة، ومن خلال هذه القضية التي تطرحها ويشعر القارئ بها، يكون هناك أمل لديها في التغيير إلى وضع أفضل، مشيرة إلى أن واقعنا العربي فيه الكثير فيما يخص المرأة في المجتمع ومكانتها، ومن ثم دورها بإيجابياته وسلبياته خاصة إذا ارتبط هذا الدور بمدى فاعليتها في المجتمع سواء الصغير داخل المنزل أو الكبير خارجه. ولكي يتضح تأثير ذلك الدور ينبغي النظر إلى المرأة باعتبارها شريكا في المجتمع، فاعلا لا مفعولا.

أيضا يمثل إبداع المرأة ـ إذا كان راصدا لما في المجتمع ـ بيانا تنويريا ـ معبرا عن الواقع من جهة، ورؤية الكتابة الخاصة لما يحدث من جهة أخرى، ومن هنا ،يمكن أن يسري في النسيج الثقافي شيئا فشيئا، فيحدث تغييرا في العقليات والتوجهات، وذلك تواصلا مع صرخة المرأة المطالبة بحريتها منذ خمسينيات القرن الماضي، ثم سرت حتى الثمانينيات فيما بينها في السرعة إلى أن وصلت إلى درجة رؤية تعبر عن خصوصية النظرة النسائية، وتمثل مختلف العلاقات داخل المجتمع.

الراوي الذاتي

في الفصل الأول تتناول عفاف عبد المعطي ثلاث روايات مهمة لكل من حنان الشيخ وسلوى بكر وأحلام مستغانمي، والثلاث روايات هي (حكاية زهرة) و(ليل ونهار) و(ذاكرة الجسد).

وتحت عنوان (الراوي الذاتي).. المروى وجماليات التلقي تقول الباحثة أن صوت الراوي يمثل معضلة كبرى في النص الروائي، خاصة صوت الراوي الذاتي، حيث يتخذ منه الكاتب أداة ليحكي حكايته هو (في بعض الاحيان) وفي الأغلب ما يكون الصوت الذي يتخفى خلفه الكاتب كي يقدم صورة أوتوبرجرافية من حياته.

ومن جانب آخر يجنح الكاتب بالراوي الذاتي لحكي وقائع حقيقية دالة عليه، هذا في حال محاولة الكشف عن بعض جوانب حياته. أما إذا كان النص يؤخذ بمعزل عن كاتبه، فإن صوت الراوي الذاتي هو البطل داخل الحكاية الذي يحكي مجريات حياته، ومن ثم فإن النص يقدم من وجهة نظر أحادية يجعل متلقيه يركن إلى حكي الراوي فقط،دون الإطلاع على وجهة نظر أخرى داخل المروي.

الراوي الذاتي هو راو (بطل) ممثل داخل القص، شخصية رئيسية داخل محتوى القصة، كما أن تيار القص يظهر من خلال وعي الراوي الذي يسقط على الأحداث لغة استئثارية ذاتية خالية من أية نزعة للحيادية التي قد يتمثلها الراوي الموضوعي، إضافة إلى أن هناك تطابقا خاصا بين الراوي والمروي، نظرا لأنه مرويه هو.

في رواية (حكاية زهرة) للكاتبة اللبنانية حنان الشيخ تتجلى حكاية الرواية عندما تحكي تجربتها المعيشة الخاصة، حيث مطلع الرواية دال على أنها تجربة شخصية خاصة، ويكشف مروي زهرة عن العلاقة السرية التي تجمع بين أمها وذلك الرجل المجهول الذي اكتفت زهرة فقط بالإشارة إليه، وذكر تفاصيل معاملة الأم لها فالرواية (الفتاة زهرة) تأخذ طرف الحكي في مقابل مراحل عدة من عمرها، فهي الشاهدة على خيانة الأم للأب منذ مرحلة الطفولة، وهي الشاهده- أيضا- على التفرقة في المعاملة التي يعقدها أبوها وأمها بينها، وأخيها أحمد الذي يمثل لها عبر الحكي عقدة ثانية بعد خيانة الأم.

تروي زهرة جانبا آخر من حياتها إثر الظروف التي تعرضت لها منذ نشأتها - خيانة الأم، محاباة الأم للأخ الفاسد أحمد، قسوة الأب ورعونته، تدليل الأخ وحرمان الأسرة لتوفير مصاريف دراسته في أمريكا ـ كلها ظروف قاسية جعلت في داخل الفتاة الكثير من المعاناة الخاصة.

أما عن حياتها الشخصية التي كان لابد أن تجد فيها عوضا عن حياتها الأسرية، فهي تسير بخراب حياتها الأسرية نفسه، عندما تقع في براثن علاقة أثمة مع صديق الأخ الذي يفض بكارتها على أريكة متواضعة في الجراج، وفي الآن نفسه لا يتزوجها لأنه متزوج كل هذه الظروف التي تعانيها زهرة منذ صغرها، والتي تجعل شخصيتها أكثر تركيبا وتعقدا تؤدي بها إلى السراب فلا هي تطال الحياة الأسرية الدافئة، ولا هي تقبض على الحياة الشخصية المستقرة.

أما رواية (ليل ونهار) للكاتبة المصرية سلوى بكر فتمثل نموذجا حيا ملموسا دالا على عدائية الحياة التي يعيشها البعض في العصر الحديث (خاصة في المجتمعات التي تعاني من الفقر الذي يسبب كل الفساد الاخلاقي) والصورة الخاسرة التي تعيشها المرأة العاملة المهزومة في هذا العصر. فسوسن أبو الفضل صحفية ناشئة في بداية عملها الصحفي تجابه صراعات عدة، عالم الصحافة الفضفاض الذي يصعب التعامل معه إلا لذوي الشخصيات الخاصة . قدمت سوسن مرويها على حلقات تجاوزت كل حلقة منها الأخرى.

فهي تبدأ حاكية عن النسق العام للعمل في مجلة (ليل ونهار) التي تعمل في قسم التحرير الاجتماعي بها، من خلال الاجابة عن رسائل القراء.

ظهر القص في رواية (ليل ونهار) للكاتبة سلوى بكر، من خلال صوت الراوي الذاتي في ظواهر الحكي، التي تعبر عنها الراوية سوسن أبو الفضل التي انصب مرويها على المتعاملين معها من الشخصيات في الرواية، سواء كانت هذه الشخصيات رئيسية أو ثانوية، حيث يتحكم الراوي الذاتي الحاكي لحكايته في القبض على زمام حكيه وإخراجه حسب إرادته، لانها روايته هو، جزء من تاريخ تجربته في الحياة، والراوية سوسن أبو الفضل فتاة يتيمة الأب تعول أمها العجوز، كل عبارة تصف بها نفسها في الرواية يدرك المتلقي أنها فتاة مهزومة في وضع ضد التيار مما يؤول بها دائما إلى طريق مغلق غير مثمر إلا من اليأس والقنوط.

قضية امرأة بصوت رجل

وتعد رواية الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي (ذاكرة الجسد) مثالا للنص الروائي اللافت الذي يجنح إلى الإثارة، ذلك لأن الكاتبة اختارت أن تتحدث بصوت رجل، وهي لا تتحدث بلسانه فحسب، بل بعمق مشاعر الرجل وأحاسيسه النابضة بالعشق وقد بلغت اللغة من الإتقان في تعمقها روح الرجل ومشاعره درجة أن القارئ لا يغيب عنه قط على مسار الحكي، أن رجلا أمامه، تفيض لغته بكل أحاسيس القلق والغضب والحزن، وفي الوقت ذاته الذي استنطقت فيه الكاتبة بطلها الرجل نيابة عنها وجعلت له الهيمنة على الكلام بضمير المتكلم من أول الرواية إلى أخرها، جعلت الشخصية النسائية أو البطلة الثانية تتوارى وإذا هي تحدثت فإنما يكون ذلك من خلال البطل الراوي أيضا .

الأمر الثاني اللافت، هو هيمنة الراوي الذي يتحدث على مسار الرواية من البداية إلى النهاية بضمير المتكلم، حيث أن الشخوص الأخرى غائبة، وهو المكلف بالحديث بالنيابة عنها وعلى هذا النحو تتوارى الأحداث ويسترجعها الراوي من خلال الحكي عنها، لا من خلال تمثيلها.

تتركز فكرة الرواية حول شخصية المرأة التي تحوم حولها اللغة إفصاحا والغازا وعلاقة البطل بها. وتتأكد شخصية المرأة من خلال كثير من التعبيرات الصريحة والملتوية بوصفها رمزا للجزائر على وجه العموم، وقستنطنية على وجه الخصوص، وعندما تصبح المرأة رمزا للجزائر أو قستنطنية، فإنها تستوعب تاريخها الذي تحدده الكاتبة ببدء الاحتلال وما يتضمنه هذا التاريخ من أبطال.

والمثير في هذه الرواية أن القارئ يجد على غلافها جملة مفادها.

أنها أول عمل نسائي كتب باللغة العربية في الجزائر، وعلى الرغم من أنه العمل الروائي الأول للكاتبه، فإن الكتابات السابقة لها سواء أكانت شعرا أو نثرا قد أوصلتها - بالضرورة - إلى النضج في الكتابة الروائية باللغة العربية، سواء كان ذلك على مستوى الحبكة أو على مستوى اللغة الشاعرية الراقية.

إنها أحلام مستغانمي في هذا العمل الروائي الأول لها (ذاكرة الجسد) أثبتت أن المرأة الكاتبة قادرة على أن تتجرد من مشاكلها الأنثوية الخاصة وتنحيها جانبا، وأن تعيش مصائر بلدها في شدته.

وفي الفصل الثاني تتناول عفاف عبد المعطي روايتي (القلق السري) للكاتبة البحرينية فوزية رشيد و (أغنية النار) للكاتبة السودانية بثينة خضر وتحت عنوان الراوي الموضوعي المروي الحقيقي أم العين الأخرى.

تقول الباحثة ان الراوي الموضوعي (خارج نطاق الحكي) وهو ليس شخصية ممثلة داخل الرواية، هو الصوت غير المسموح الذي يقوم بحكي تفاصيل مادة الرواية إلى المتلقي، وهو يمتلك قدره الشخصية وسماتها وملامحها وعلاقاتها المختلفة، ومن سماته أنه ليس له وظيفة إلا الحكي فقط، إنه يروي الحكاية ولا علاقة له بها، هو راو لا غاية له إلا عرض الحكاية في خطاب غير مباشر لمتوالية غير منتظمة من حكي الحكاية طبقا لزمنها.

حتمية الضياع

مدار رواية القلق السري حول تجسيد مجتمع صحراوي قلق ومنغلق على نفسه، مجتمع ذكوري من الدرجة الأولى، البنت فيه عورة وعار على من ينجبها، لذلك نجد الرواية نوعا من الحكي عن شخصيات أساسية وأخرى ثانوية، تؤكد الشخصيات الأساسية مبادئ المجتمع، بينما تعكس الشخصيات الثانوية وضع المجتمع، فتطالعنا شهر زاد بنت عائشة التي تنشأ في أسرة وسط إخوتها الذكور، الأب الشيخ مسعود، ذلك الرجل ذو الوجهين (الصورتين) الأولى صورة الأب الحاسم في المنزل، والأخرى صورة العاشق الولهان للنساء خارج المنزل، لذلك فبنية الحكي واصفة لأفعال الرجل عبر الراوي.

على أن الرواية هي نموذج حقيقي لما أطلقنا عليه رواية الشخصية، أو الشخصيات المتعددة المتباينة التي تمثل أشتاتا يجمعها الراوي، وإن انتقلت دفة الحكي منه في بعض الأحيان إلى شخصية تحكي أبعادا أخرى مسقطة المعلومات الحكائية عنها، أي تحكي نفسها، أو تحكي شخصية أخرى، كي تعلمنا عنها طرفا من الحكي مثلما تفعل عائشة عندما تتحول إلى راو، تحكي عنها وعن علاقتها بشخصية أخرى جديدة على الحدث المروي، هي شخصية أمنه اختها التي يكشف حكي عائشة عن علاقتها مدى القهر الذي من الممكن أن يمارسه المجتمع على المرأة التي لابد أن تخنع له.

تنوع طرائق الحكي

أما (أغنية النار) للكاتبة السودانية بثينة خضر مكي فهي الرواية الأولى لها، سبقتها بخمس مجموعات قصصية، الرواية في مجملها تقدم منظومة تمزج بين الأحداث الاجتماعية والخاصة، والسياسية، التي ضربت الكاتبة على وترها بحساسية شديدة، وذلك حتى لا تقع كبشا للفداء في ظل ظروف سياسية ودينية، يعانيها موطن الكاتبة أكبر من أن يرصدها داخل الرواية.

وتعتمد بثينة خضر في روايتها على تعدد وتداخل الأصوات التي تمثل ظاهرة تطبع الخطاب الروائي برؤية لا تنسب إلى الراوي وحده بل تشاركه الشخصيات في المروي، وكل شخصية هنا - عادة ـ ما تحكي جزءا من مرويها هي .

تداخل الروائيين

في الفصل الثالث تقدم عفاف عبد المعطي روايتي (دارية) للكاتبة المصرية سحر الموجي، و(وسمية تخرج من البحر) للكويتية ليلى العثمان و(دراية) سحر الموجي هي الرواية الفائز بجائزة أندية فتيات الشارقة لعام 1998، وهي أولى روايات الكاتبة وتمثل تجسيدا حقيقيا لصورة العلاقة التي يمكن أن تكون بين قطبين متوازيين ـ متنافرين (رجل وزوجته) لايمكن التقاء طباعهما أبدا، وهو ما يظهر منذ الفصل الأول في الرواية، حيث نجد الراوي بضمير المتكلم الواصف لعلاقات خارجية يراها من بعيد ويصف كونها على درجة عالية من الانهيار بين طرفيها، الزوج (سيف) والزوجة (دارية).. وقد اتخذت الكاتبة طبيعة الجمع بين الروائيين الموضوعي الذي يظهر من خلال حكي حياة البطلة دارية منذ أن افتتح الرواية على علاقتهما المضطربة مع زوجها مرورا بأزمتها تجاه أولادها وانتهاء بتجربتها التي خاضتها مع رسام مصري يقيم في لندن، وقد ساد حكي الراوي اللعب بطرق الحكي زمنيا كما يشاء.

ثم جاء الراوي الذاتي من خلال الاحلام التي تراود البطلة دارية والتي تنفس فيها عما يجيش في صدرها من آلام نتيجة للحياة الاجتماعية التي تعيشها.

كتابة التوحد

وتأتي رواية (وسمية تخرج من البحر) للكاتبة الكويتية ليلى العثمان كثاني عمل روائي لها بعد (المرأة والقطة 1986) وهي رواية قائمة على فكرة هيمنة الحب، بمعنى قبض مشاعر الحب على كل شيء داخل المحبوبين، يرمز إلى علاقتها بالبحر فمن البحر بدأت العلاقة وإليه انتهت.

والرواية في مجملها صورة لنوع من الحب العذري الجميل، على الرغم من الاسقاطات الفرعية التي تقدمها الرواية، مثل الفروق الطبيعية التي تحول دون ارتباط الحبيبين، ثم العلاقة التقليدية التي يمكن أن تجمع قطبين متنافرين في حياة واحدة لابد من وضع نهاية لها.

الفصل الرابع والأخير يتناول ثلاث روايات لميرال الطحاوي (الباذنجانة الزرقا) ونعمة خالد (البدد) وخديجة مروازي (سيد الرماد) (الباذنجانة الزرقاء) رواية تقع بين تقنيات كتابة السيرة الذاتية والرواية واستطاعت ميرال الطحاوي في مهد الرواية أن تقدم صورة واضحة ظاهرها هو حياة فتاة، وباضطهاد هو إسقاط على العادات والتقاليد التي يعيشها مجتمع ناء.

وميرال الطحاوي صاحبة عوالم خيالية متعددة جعلتها تكتب برؤية جديدة مصورة تلك العوالم، وقد ساعدها على ذلك عمق التجربة التي كستها من خلال التضافر مع عالم خاص جديد على كتابة الكتابة العربية، فالعالم القروي البدوي المغلق من طرف، وحياة المدينة الموحشة من طرف آخر، والحب المهدر من ناحية قد أخرجوا عملها الثاني في سياق أشبه ببكائية جميلة ليس فقط على مستوى عالم الرواية، بل على مستوى أشمل يحتك بعالم المرأة المقيدة في المجتمع عامة .

في حين قدمت الكاتبة الفلسطينية نعمة خالد روايتها الاولى (البدد) كي تأتي بوصفها منظومة من الخطاب الروائي متحد الأركان، حيث زخر النص بالكثير من التقنيات الروائية التي تضاف إلى رصيد الكاتبة طبقا لأن النص هو إصدارها الأول.

وقد استطاعت نعمة خالد أن تقدم عبر الرواية صورة متكاملة للصلف الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية، وأولت الرواية اهتماما خاصا لتصوير الشخصيات، وأجادت اللغة في الوصف بما يتلائم مع طبيعة الشخصيات المطروحة في الرواية وهكذا قدمت نعمة خالد نصا يكشف عن حضورها الخاص الراصد لواقع الحياة الفلسطينية المتشرذمة المجوفة كاشفة عن القاع في حياة المخيمات، والفساد الذي تغط فيه هذه الحياة، فالمثقف هو ضمير الوطن، وبين الحلم بوطن جميل في ظل سلطتين من القهر (القهر الصهيوني وقهر المنظمة) يعيش البسطاء في وهم التغيير وحلم السعي إليه، ثم البين بين هم الطبقة المثقفة التي ترصد الواقع لكنها تفشل في تغييره، ويظل دائما لديها الحلم العصي على التنفيذ لذلك جاء اسم البطلة (سراب) كي يقدم دلالة على تسرب المثقف الداري بالواقع عندما يعجز عن الحل.

وأخيرا تأتي (سيرة الرماد) رواية الكاتبة المغربية خديجة مروازي لتكشف عن واقع حي مشهدي لما يدور داخل جنبات السجن من مرارة للمسجونين ـ خاصة السياسيين منهم. وقد جاء المروي عبر صوت سردي ذكوري مولين اليزيدي هو صوت البطل، السارد المسجون الذي يبث شجونه وآلامه عبر الحكي. وقد فرض طول المدة التي ذكرها الراوي وهي عشرون عاما على السرد أن يفرغ جزءا كبيرا منه لتصوير الحالات المتباينة للمسجونين داخل السجن أولا، ثم بعد ذلك لوضعه هو داخل السجن وجاء الراوي كي يدخل عوالم الحكي إلى جانب بعضها، فهو عندما يتحدث عن حياة مولين يجنح إلى الماضي، وعندما يتحدث عن الحكي الآمن في الرواية يجنح إلى التقريرية التي تجعل من النص سيرة خاصة، لكن الكاتبة جعلتها (سيرة الرماد) لأنها سيرة محترقة، لأن العمل السياسي الذي يحدث دائما ضد السلطة، ليس له من جزاء إلا الوئد مبكرا، وهو ما آل إليه حال البطل مولين نفسه من الاحتراق، لتترك عوالم الرواية مفتوحة على تأويلات خاصة.

عودة الى البيان

الأعداد السابقة

عودة الى الصفحة الرئيسية

culture @albayan.co.ae

حقوق الطبع محفوظة لدى مؤسسة البيان للطباعة والنشر