|
2001/11/01 |
|
front |
|
| ||
| ||
| ||
![]()
بدون تعليق كان هذا الحديث مكتوبا في الأصل للعدد السابق من <<وجهات نظر>>، وعندما وقع ما وقع في نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر الأخير، واندلع الحريق في <<أميركا والعالم>>، وجدت مناسبا أن أقف مع الواقفين على ناصية دنيا تتغير أحوالها تحت بصر أهلها جميعا من خلال صور ومشاهد لا يستغرق زمنها أكثر من ثوان، لكنها تستولي على الحس والعقل والخيال.
وظننت أن ذلك الحديث الذي كتبته قبل 11 سبتمبر، فات أوانه بانتمائه إلى عصر ما قبل الحريق، وألقيت نظرة أخرى علىه قبل أن أودعه سجل المحفوظات، ثم خطر لي والصفحات ما زالت أمامي أن موضوعه ما زال موصولا بما هو جار من الأحداث، خصوصا مع كلام يتردد عن <<تعاون>> أو <<ائتلاف>> أو <<تحالف>>، يدخل فيه العرب مع الولايات المتحدة في حرب يسمونها: <<الحرب الأولى في القرن الواحد والعشرين>>.
ومر بخاطري أن السياسة العربية المعاصرة، قد يفيدها أن تقرأ إذا كان يهمها تجربة عن فكر وفلسفة وشروط <<التعاون>> أو <<الائتلاف>> أو <<التحالف>> بين أطراف تتفاوت بينها عوامل القوة والضعف بما يميل بالموازين <<نظريا>> إلى ناحية الأقوىاء، إلا إذا أدرك الضعفاء أن ما هو <<نظري>> له جانب آخر <<عملي>>!
ذلك أنه عندما يحتاج القوي إلى الضعيف في درجة من درجات <<التعاون>> أو <<الائتلاف>> أو <<التحالف>>، فمعنى ذلك أن القوي يستشعر <<الحاجة>> إلى الضعيف، لأن ذلك الضعيف يملك شيئا مرغوبا فيه ومطلوبا. وفي الغالب، فإن هذا المرغوب فيه والمطلوب، يكونان من الموارد المعنوية أو الأخلاقية أو القانونية، يراد لها أن تضفي صفة المشروعية على نوايا الأقوىاء وخططهم وأفعالهم، وذلك هو المبرر المنطقي الذي يخلق لدى الأقوىاء حاجتهم إلى الضعفاء!
أي أن <<حاجة>> الأقوىاء إلى الضعفاء قادرة على تعويض النقص في القوة وتحقيق قدر من المساواة بين الأطراف، بمعنى أنه إذا كانت القوة المادية تصب في حساب طرف، فإن القوة <<المعنوية>> و<<الأخلاقية>> و<<القانونية>> تضيف إلى أرصدة الطرف الآخر، وبالتالى فإن ذلك التعويض يصنع تكافؤا سياسيا يحفظ العلاقة بين الطرفين من أن تتحول إلى تبعية (وربما عبودية!).
لكن هذه العملية تعويض المادي بالمعنوي لا تحدث تلقائيا وإنما هي تحتاج إلى فهم للحقائق بدقة ، وإلى استعمال للإرادة بحساب لأنها عملية شديدة التعقيد.
وعندما مالت بي الظنون إلى إمكانية نشر هذا الحديث، آثرت أن أتركه على حاله كما كتبته باعتقاد أن كل حديث وحدة كاملة متوازنة في الموضوع والمناخ والتأثير. وبرغم إحساسي بأن الواقع الراهن بعيد عن كلام البحر والموج والرمل، فقد تصورت أنني خلال الشهور الأخيرة، وفي ما كتبته في هذه المجلة، وقفت طويلا أمام مقدمات الواقع الراهن، وعرضت مبكرا احتمالاته، وكذلك جازفت وأملي ألا أكون أخطأت وشردت قريبا أو بعيدا.
1 عن البحر والحرب والزمان الجديد
في الطريق إلى الساحل الشمالى لإجازة صيف على شاطئ البحر، صحبت معي عدة كتب. وإجازات الصيف عادة فرصة حرة للقراءة. والقراءة في هذه الأوقات متأنية، لأنها ليست محصورة ولا محاصَرة، وكذلك فهي فسحة مفتوحة للتأمل والتحليق في سماءعريضة، بشراع عال، على موج وريح، كلاهما يحمل الشاطئ ومن فيه إلى سفر بغير قيد، نحو أفق بغير حد.
وكان <<صحابي>> من الكتب هذا الصيف، مجموعة من منشورات ربيع سنة 2001، ومعظمها مما أستبقيه عادة لقراءات الصيف المسترخية. وبالطبع، فإن أول هذا النوع من الكتب هو <<السّير>> كتبها أصحابها بأنفسهم (سيرة ذاتية)، أو كتبها آخرون غير أصحابها بعد أن تقابلوا مع قصص (حياة) تستحق التسجيل لرجال ونساء تركوا في الدنيا ذكرا وأثرا.
بعد كتب السّير، ذاتية وغير ذاتية، أحمل معي في العادة ضمن قراءات الصيف، أعمالا في التاريخ والسياسة والحرب، فتلك إلى جانب أسباب المهنة، هواية مبهورة دائما بحكاية الصراع الإنساني ودخائلها.
ثم يجيء بعد ذلك نوع ثالث من الكتب يتصل بالفلسفة والفكر. وعادة ما تكون الكتب من هذا النوع آخر قراءات الصيف في دورها، وعادة ما ينتهي الموسم بتأجيل قراءتها مع غيرها إلى فصل الشتاء، حيث تصح قراءتها أكثر داخل جدران غرفة، وأمام مكتب، وفي الىد قلم بالقرب منه ورق، وتلك حوافظ تمكّن من التركيز فلا تشرد نظرة أو خاطر وراء شعاع شمس أو حبة رمل أو طائر نورس ينزلق بجناحيه مع الريح!
وكان <<صحابي>> من الكتب هذا الصيف عشرة:
<<صنع الىابان الحديثة>> ل: <<هربرت بيكس>>.
<<حياة أنديرا غاندي>> ل: <<كاترين فرانك>>.
<<بيت الأسرار>> (عن وكالة الأمن القومي الأميركي) ل<<جيمس بامفورد>>.
<<شخصية الملكة فيكتوريا>> ل: <<كريستوفر هيبرت>>.
<<صليب الفارس>> (عن الماريشال الألماني إروين روميل) ل: <<دافيد فريزر>>.
<<يوميات الحرب الكاملة>> ل: <<الماريشال آلان بروك>>.
<<فرنسا سنوات الظلام (1940 1944)>> ل: <<جوليان جاكسون>>.
<<تكوين العقل الحديث>> ل: <<بيتر واطسون>>.
<<الطلسم>> (السباق إلى حل الشفرات السرية للدول الكبري) ل: <<سيباج مونتفيوري>>.
<<ميزان القوى العسكرية في الشرق الأوسط 2001>> ل: <<أنتوني كوردسمان>>.
...........................
...........................
في الصباح الباكر من أول يوم على الساحل، مشيت فوق الرمل نصف ساعة، ثم سبحت وسط الموج نصف ساعة أخرى، ثم ذهبت أجيء بواحد من <<صحابي>> أقضي معه بقية الصباح حتى الظهر إذا لم يطرأ ما يلفت أو يشغل!
وألقيت نظرة عابرة على كتبي العشرة وقد اتخذتْ مكانا منفردا وسط رفوف كتب سبقتها إلى الساحل وبقيت هناك، لأن عودتها إلى القاهرة لم تكن ضرورية. وبدا لي أن تلك النظرة العابرة على صف الكتب تريد أن تستوثق أن ما جئت به من <<صحابي>> كان اختيارا معقولا لم تفرضه عجلة السفر.
بدت لي قائمة <<صحابي>> من الكتب مقبولة، وإن لاحظت أنني ما زلت مفتونا بالحرب العالمية الثانية؛ فأربعة ضمن عشرة كتب جئت بها معي كانت عن تلك الحرب أو متصلة بوقائعها، ولم أجد في ذلك ما أستغربه، بل وجدته بالنسبة لي طبيعيا ومنطقيا، لأسباب يطول شرحها وإن حاولت الإجمال والاختصار:
إن تلك الحرب العالمية الثانية (1939 1945) كانت آخر مواقع الصراع الكبرى على مسرح التاريخ الإنساني. كانت بالفعل آخر حرب إنسانية: بشر أمام بشر، وجيوش أمام جيوش، وسلاح يستعمله رجال أمام سلاح يستعمله رجال، ومواقع القتال ظاهرة، فيها نار ودم ولحم وعظم، وأهم من ذلك كله عواطف ومشاعر وغرائز وهواجس حية ويقظى ومؤثرة.
في حروب السلاح في ما بعد، شحبت صورة البشر، بل ولم تعد للقتال ميادين ولا ساحات ولا مواقع، فإمكانية الحرب النووية حياة تتحول في لمحة بصر إلى رماد، وإمكانية الحرب الالكترونية صور أمام المشاهد تلهيه، وإمكانية الحرب الكيماوية أو البيولوجية موت مهين لا شجاعة أو بطولة، ولا شهيد أو نشيد!
وتلك الحرب العالمية الثانية كانت مختبرا هائلا لكل العلوم الحديثة، من الفضاء والذرة، إلى الطبيعة والكيمياء، إلى المعلومات والذكاء الصناعي، إلى التخطيط والتنظيم والإدارة والمتابعة. والحروب باستمرار هي أكبر دافع لاختراقات العلم في كل المجالات. ففي غمار مخاطرها تتحفز العقول، وتنفتح الخزائن، وتنطلق روح المغامرة خارجة عن المألوف والمعروف باحثة عن مكامن التقدم حيث تكون.
وكانت اختراقات العلم التي جرت في الحرب العالمية الثانية وتحت إلحاح ضروراتها، هي التي فتحت الأبواب لثورة اجتماعية غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، أتاحت السلع والخدمات من كل الأنواع وكل المستويات لمن يطلبها. ثم إنها أحدثت نقلة تشبه الخيال في مجال تلاقي الناس والثقافات والفنون، وكان مثل ذلك التلاقي من قبل، ضروبا من أوهام الخيال. والحقيقة أنه خلال نيران تلك الحرب العالمية الثانية جرى صهر وسبك العالم كما نعرفه الآن ماشيا من القرن العشرين إلى القرن الواحد والعشرين، وهي رحلة وصلت من سطح الأرض إلى سطح النجوم.
وتلك الحرب العالمية الثانية، كانت البيئة التي ظهرت فيها القوى الغالبة في هذا العصر لأنها القادرة علىه. كان ذلك العصر هو الذي صنع تلك القوى، وقد حاولت بما اكتسبته أن تصنع العصر كما صنعها.
وكانت الولايات المتحدة الأميركية هي القوة التي انتصرت في تلك الحرب، وكان شريكها الأكبر في تحقيق النصر هو الاتحاد السوفياتي، لكن وسيلة النصر لدى كل منهما حددت وحسمت أيهما يملك الزمان الجديد، أو على الأقل يسيطر علىه.
فالاتحاد السوفياتي حقق نصيبه في النصر بعطاء من الدم غزير (كان ضحايا الحرب العالمية الثانية في كل ميادينها 68 مليون إنسان، كان بينهم 25 مليونا من السوفيات أي أكثر من ثلث شلال الدم).
وأما الولايات المتحدة فقد حققت نصيبها من النصر بعطاء مختلف: وفرة في الموارد مهولة، ومعها ثروة طائلة تستطيع أن تمنح، وهي أيضا تستطيع أن تستحوذ، وتلك طبيعة الأشياء. وهكذا فإن وفرة الموارد ومعها الثروة الهائلة لم تأخذ فقط كل منجزات العلم، لكنها أخذت أيضا كل غنائم النصر.
وكانت النتيجة في نهاية الحرب الباردة أن الذي أعطى الروح والدم أخذ بعدهما الشِّعر، وأن الذي أعطى الموارد والثروة أخذ بعدهما القوة ووجد فيها ما يغنيه عن القصائد والعقائد!
وتلك هي الحقيقة العارية في شأن هذه الحقبة من التاريخ الإنساني التي نعيشها الآن، وذلك هو واقعها الراهن بصرف النظر عن معانٍ وقيم وحقوق تطالب للحياة بكرامتها، بعيدا عن أوهام البطولة والشعر والقصائد، وبعيدا عن هيمنة القوة وغرورها وجنونها في بعض الأحيان!
وتلك الحرب العالمية الثانية كانت نوعا من العودة إلى مجرى التاريخ الإنساني بالنسبة لشعوب وأمم وأوطان ودول في ما أصبح يسمى العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. والشاهد أن مجرى التاريخ تلازم مع مجرى الحضارة كأنهما صفان من العجلات على شريط للسكة الحديد، وكذلك تذهب مراكز الحضارة إلى حيث تذهب مراحل التاريخ. أي أنه حين تغيب شمس الحضارة تنام حركة التاريخ.
وكان هدير مدافع الحرب العالمية الثانية هو الصوت الذي وصلت أصداؤه إلى العالم الثالث وأيقظته. ثم إن الذين لم يوقظهم الصدى هزتهم حركة الجيوش المتحاربة فوق أرض أوطانهم أو بالقرب منها، وقد هبوا ليجدوا النار من حولهم وكان علىهم أن يهموا بسرعة. وذلك بالتحديد ما حدث لشعوب الأمة العربية التي راحت تفتش وسط الحرب العالمية الثانية وفي أعقابها وما زالت تفتش لنفسها عن شكل يناسبها وهيئة تشارك بها في مجرى التاريخ ومجرى الحضارة معا.
ونتيجة لذلك، وتواصلا طبيعيا معه، فإن تلك الحرب العالمية الثانية أصبحت بالنسبة لذلك الجيل الذي أنتسب إلىه، بداية للوعي بالعالم والتنبه للعصر. فقد كانت أجواء تلك الحرب قرب ميادين القتال أو بعيدا عنها، صراع معارف وثقافات وخبرات ألهمت ووجّهت وحرّكت وفتّحت، على حد تعبير أشهر مؤرخي القرن العشرين، وهو <<أرنولد توينبي>>: <<مئة عام من المستقبل على الأقل>>.
ويظهر الآن بعد أكثر من نصف قرن من سكوت مدافع تلك الحرب العالمية الثانية، أن نبوءة <<توينبي>> صحيحة. وأكثر من ذلك، فإن أعقاب تلك الحرب كانت بالنسبة إلي شخصيا بداية طريق. ذلك أنه حين شاءت لي الظروف والحظوظ أن أبدأ رحلة الحياة، كان الأفق الذي سرت نحوه هو وهج تلك الحرب. ثم كان أن دواعي المهنة وضعتني، حتى بعد أن شحب الوهج، وسط عواقب تلك الحرب وتداعياتها وتوابعها مما لا يزال يجري حتى الآن وإلى أي مدى يمكن استشرافه من هنا!
لم يكن غريبا إذاً وتلك خواطري أن تمتد أصابعي لتدعو واحدا من <<الصحاب>> معي إلى شاطئ البحر، ثم يكون هذا <<الصاحب>> الأول من بين العشرة هو كتاب: <<فرنسا (1940 1944): سنوات الظلام>> ومؤلفه هو <<جوليان جاكسون>>، أبرز أساتذة التاريخ في جامعة <<ويلز>> البريطانية، وتخصصه هو التاريخ الفرنسي الحديث، وله فيه خمسة مؤلفات كل منها مرجع لا يُستغنى عنه في موضوعه!
و<<سنوات الظلام>> التي قصدها الأستاذ <<جوليان جاكسون>> بعنوان كتابه، هي تلك السنوات التي عاشتها فرنسا تحت الاحتلال الألماني من ساعة دخلتها قوات الاحتلال في يونية سنة 1940، إلى ساعة تحررت باريس في سبتمبر سنة 1944 بعاصفة من قوات الحلفاء نزلت على شواطئ <<نورماندي>> تحت قيادة <<أيزنهاور>>، وشقت طريقها إلى المدينة التي اعتبرها العالم قبل الحرب العالمية الثانية عاصمة للنور!
وقصدت بالكتاب إلى مقعدي فوق الرمل وقرب حافة الماء وعلى مسمع من صوت حكايا الموج للشاطئ. وفتحت كتاب <<فرنسا: سنوات الظلام>> واجتزت عدة صفحات من الكتاب فيها المقدمة والفهرس والخرائط، ثم توقفت.
راودني على نحو ما شعور بأن ما أقرأه ليس غريبا عني. ربما قرأت شيئا مشابها له من قبل، لكن شعوري كان أنني عشت ما فيه على نحو ما، وعرفته بتجربة الحياة وليس بمعرفة المطالعة مما سبق!
ساءلت نفسي: كيف؟ ولم أجد سببا قاطعا، لكني كنت على شبه يقين بأن ما أقرأه الآن، عشته، رأيته وسمعته وتفاعلت وانفعلت مع مشاهده وحواراته وأجوائه وأحاسيسه.
طرأ على بالي ونظري يمتد إلى مدى البصر حيث لقاء البحر والأفق، أنه تأثير البحر الأبيض وذلك التواصل بين شمال هذا البحر (جنوب أوروبا وفيه فرنسا) وبين جنوبه وشرقه (المشرق العربي وفيه مصر).
وعاد إلى ذاكرتي وصف سمعته يوما من <<كوف دي مورفيل>> وكان وزير الخارجية المستديم للجنرال <<ديغول>> ورئيس وزرائه أواخر عهده. وفي ذلك الوصف كان <<دي مورفيل>> يرسم صورة حية لحوار التاريخ والحضارة والسياسة حول البحر الأبيض.
وبشكل عام، كان <<دي مورفيل>> يقول: <<إن الناس يتصورون أحيانا أن البحر الأبيض عازل لكني أتصوره واصلا، بمعنى أنه ليس فضاءً خالىا وإنما هو أشبه ما يكون بسطح مائدة أحاطت بها مقاعد تجلس علىها ثقافات متنوعة تمثل حصة الأغلبية في شراكة الحضارة العالمية>>.
ويمضي <<كوف دي مورفيل>> إلى أبعد ويقول: <<البحر الأبيض مائدة مستطيلة حولها من الشمال و الجنوب ومن الشرق والغرب، مواقع ظهرت واستقرت علىها ثقافات المصريين والأشوريين والىونان والرومان واللاتين والعرب من دمشق حتى قرطبة>>.
ويستطرد <<كوف دي مورفيل>>: <<من مواقعنا حول البحر الأبيض تحاورنا، ومن هذه المواقع تأثر كل منا بالآخر، مع ملاحظة أن البحر الأبيض مستطيل شبه مغلق، يبدأ المسافر من أي بقعة فيه ويمشي على شاطئه فيجد نفسه حيث بدأ دورة كاملة>>.
ومع أن بين الشعوب فوارق في مراحل التطور، ومع أن الظروف تتفاوت بين شمال وجنوب وشرق وغرب، إلا أن هناك سمات مشتركة لأن البحر الأبيض بالفعل دائرة واحدة متصلة: سماء صافية وشمس طالعة ومناخ معتدل، وكل ذلك يغري بالحياة وبالفكر وبالذوق وبالأدب، وبالفن وحتى بالأكل. وكل ذلك حي على شواطئ البحر الأبيض متداخل ومتفاعل، مما يجعل لكل موقع فيه نسمة وعطرا ولونا لا تخطئه الحواس.
...........................
...........................
والمدهش أن محيط البحر الأبيض كله حزام من شجرتين اثنتين: واحدة مثمرة هي شجرة الزيتون الوقورة، والثانية مزهرة هي شجرة <<البوجينفيليا>> اللعوب (التي يسميها المصريون <<الجهنمية>> بسبب لونها الشائع (أحمر متوهج) وهو ظلم لأن أوراق هذه الشجرة في الواقع عيد من الألوان).
وكان فيلسوف الألمان الأكبر <<هيغل>> هو أول من قرأت له تعبير <<أن التاريخ ظِل الإنسان على الجغرافيا>>، وربما إنه على نفس المنوال يمكن القول: <<إن خصوصية أي شعب بصمة الطبيعة على طبعه>>.
وهنا فإنه إذا كان البحر الأبيض <<طبيعة>> فهو في الوقت نفسه <<طبع>>، وكذلك فإنه يمكن لما حدث ذات يوم في فرنسا أن يتشابه على نحو ما مع أيام في العالم العربي، مع الاعتراف بمساحات للاختلاف هي من قوانين الحياة.
...........................
...........................
وقفت مع الصفحات الأولى لكتاب <<سنوات الظلام>> ثم ذهبت معه مرتحلا فوق موج البحر، وعبر مساحة الزمن!
2 سنوات الظلام بدايتها ونهايتها
يبدأ كتاب <<فرنسا : سنوات الظلام>> بمشهد يحترم <<المعنى>> من دون أن يتوقف كثيرا أمام <<الشكل>>!
والمشهد اجتماع لهيئة الوزارة الفرنسية المؤقتة التي دخلت باريس بعد تحريرها من قبضة الاحتلال الألماني، والاجتماع برئاسة قائد <<فرنسا الحرة>> الجنرال <<شارل ديغول>>.
كان جو باريس حارا في شهر أغسطس سنة 1944، وكان كذلك قلقا، لأن المعارك ما تزال دائرة على ساحات من الأرض الفرنسية، وكان الموضوع المطروح على هيئة الوزارة المؤقتة، وبأحكام الواقع، محفوفا بتعقيدات شائكة ومعبأ بمشكلات صعبة، لأن جدول أعمال الاجتماع حوى بندا واحدا تقدم به الجنرال <<ديغول>> ملخصه: <<ضرورة صدور إعلان رسمي بأن كافة التشريعات والتنظيمات التي أقرت أو وضعت طوال السنوات الأربع التي تولت المسؤولية فيها تلك الحكومة التي رأسها الماريشال <<بيتان>> بعد استسلام فرنسا ودخول الجيش الألماني إلى باريس، كلها ملغاة ومعدومة الأثر null and void>>.
وكان ذلك إجراء كاسحا. ذلك، أن الماريشال <<بيتان>> كان قد وقّع اتفاقية صلح مع ألمانيا سمحت باحتلال نصف فرنسا وفيها باريس وسمحت في الوقت نفسه ببقاء نصف فرنسا الآخر بغير احتلال تتولى أموره حكومة فرنسية برئاسة <<بيتان>> تباشر سلطتها من مدينة <<فيشي>> (جنوب غربي فرنسا). وهذه الحكومة قامت خلال سنوات ولايتها الأربع بإعادة بناء دستوري وقانوني وإداري واسع قيل في تبريره إنه <<الاستفادة من درس الهزيمة التي منيت بها فرنسا من جانب ألمانيا>>.
وكانت عملية إعادة البناء الدستوري والقانوني والإداري، استيعابا للدرس كما قيل في تبريرها قد طالت كل مرافق الحياة في فرنسا، لكن <<ديغول>> جاء الآن في لحظة التحرير ليُسقط هذا البناء كله.
كان منطق <<ديغول>> أن حكومة <<فيشي>> ورئيسها الماريشال <<بيتان>> (وهو أبرز أبطال فرنسا في الحرب العالمية الأولى)، لم تكن حكومة شرعية لأنها رضيت أن تتعامل مع الاحتلال وتتفاوض تحت ظل مدافعه.
وافقت هيئة الوزارة المؤقتة بالإجماع على مطلب <<ديغول>>، مع أن كل أعضائها كانوا يعرفون ويقدرون حجم التعقيدات والمشكلات التي سوف تطرأ فور صدور هذا الإعلان.
وبرغم ذلك، فإن كل أعضاء الوزارة كانوا في الوقت نفسه يدركون أهمية تلك اللحظة الفارقة في <<المعنى>> على مسار التاريخ الفرنسي.
وفي أثناء المناقشة، اقترح أحد الوزراء: <<أن يعلن قائد فرنسا الحرة عودة الجمهورية الفرنسية>>.
ورد <<ديغول>>: <<إن الجمهورية الفرنسية لم تغب عن الوجود قط، حتى وإن كان بعض الأفراد قد انتحلوا سلطتها واستعملوها في توقيع ورقة بإملاء السلاح>>.
وتساءل وزير آخر: <<عما إذا كان مناسبا إسقاط فترة الاستسلام (السنوات الأربع ما بين يونيه 1940 إلى أغسطس 1944) من تاريخ فرنسا باعتبارها زمنا خارج الشرعية>>.
ومرة ثانية رفض <<ديغول>>، ورأيه <<أن الشرعية الفرنسية تلك السنوات تمثلت في المقاومة (حركة فرنسا الحرة) بصرف النظر عن وجود حكومة على بقعة من أرض فرنسا في فيشي>>. وتقديره أن <<الشرعية>> أساسها <<الإرادة الوطنية>>، وفي غياب الإرادة الوطنية ليست هناك شرعية، خصوصا أن تلك الحكومة في <<فيشي>> وقّعت <<ورقة>> الاستسلام من دون معرفة رأي فرنسا ومن دون سند من إرادة شعبها.
وكان قرار <<ديغول>> أن تلك السنوات التي لا يمكن إسقاطها من التاريخ الفرنسي، يمكن اعتبارها سنوات <<ظلام نزل على فرنسا>>!
وبرز سؤال طرح نفسه هنا، <<ما هو حساب سنوات الظلام؟ ومن أين تبدأ؟ وأين تنتهي>>؟
وكانت إجابة <<ديغول>>: <<من ساعة وضع <<بيتان>> توقيعه على <<ورقة الاستسلام>> وحتى ساعة إعلان دخول حكومة فرنسا الحرة إلى باريس>>.
وتولى <<هنري فريناي>>، وهو أحد زعماء المقاومة البارزين، مهمة تفصيل ما أجمله <<ديغول>>، فأعلن بالنص: <<إن حكومة <<بيتان>> كانت ظرفا ساد فيه الجنون. لقد هُزمنا عسكريا أمام الألمان. إن ذلك صحيح لسوء الحظ، لكنه ليس سببا كافيا يدعونا لأن نقبل كحقيقة ثابتة ما هو حادثة عارضة. لقد كان قبول التعامل مع ألمانيا هو الهزيمة ذاتها. السلاح ينهزم، وهنا <<الحادثة>>، لكنه إذا انهزمت الإرادة فهناك <<النهاية>>.>>
وهكذا اعتبر انكسار الجيوش حادثة هي من طبائع صراعات التاريخ، وأما القبول والتوقيع على ورقة تنازل بإملاء السلاح، فتلك هي الكارثة!
كان انكسار الجيوش الفرنسية مذهلا. فالهجوم الألماني على فرنسا بدأ يوم 9 من مايو سنة 1940، وكان تقدمه من الجهة غير المتوقعة أو على الأقل الجهة التي لم يحسب حسابها بالقدر الكافي. والحاصل أن فرنسا كانت تنتظر الهجوم القادم من الشرق على أي بقعة من خط حدودها مع ألمانيا. وقد تصورت أنها استعدت لهذا الاحتمال، وكانت واثقة من أن الخط الدفاعي الأسطوري الذي بنته أمام ألمانيا والذي اشتهر باسم خط <<ماجينو>> على اسم وزير الدفاع الفرنسي الذي أعد له وأشرف على بنائه، سد لا يقهر من التحصينات المنيعة وأبراج المدافع ومرابض الدبابات ومراكز القيادة ومخزونات من الأسلحة والذخائر والمؤن يمكن أن تعين المدافعين عن الخط وعن تراب الوطن الفرنسي لشهور بل لسنوات. لكن الهجوم الألماني عندما جاء أتى من الشمال، لأن خطة <<هتلر>> لغزو فرنسا كررت مرة أخرى خطة قديمة وضعها الماريشال <<فون شليفن>> من أيام حرب السبعين (1870)، ومقتضى الخطة ترك الحدود الفرنسية وخطوطها وتحصيناتها والدوران حولها عن طريق بلجيكا وهولندا وعبور نهر <<الموس>> والنفاذ من مناطق <<الأردين>>، ثم عبور نهر <<اللوار>> والاندفاع نحو <<باريس>> وتحقيق الفصل الكامل بين الجيوش الفرنسية على خطوط الحدود في الجنوب وبين الجهة الأكثر حساسية والأشد خطرا في الشمال والغرب.
وفي ظرف أيام قليلة كانت مدرعات الجنرالات <<غودريان>> و<<روميل>> و<<فون بيك>> تسابق بعضها بعضا في شمال فرنسا، وغربها، مندفعة إلى قلبها.
ومن المصادفات صباح يوم بدء الهجوم الألماني على فرنسا (فجر 9 من مايو)، أن القيادة العلىا الفرنسية كانت معطلة، لأن رئيس الوزراء الفرنسي <<بول رينو>> لم يعجبه أداء القائد العام للجيش الفرنسي الماريشال <<موريس جاملان>> فيما سبق من معارك فقرر إحالته إلى الاستيداع مساء يوم 8 مايو. لكنه فجر الىوم التالى (9 من مايو) ومع بدء الهجوم الألماني الشامل عبر هولندا وبلجيكا، والالتفاف حول خط <<ماجينو>>، لم يكن أمام <<بول رينو>> إلا العدول عن قراره بإحالة قائده العام إلى الاستيداع، وهكذا فإن الماريشال <<جاملان>> الذي وقع طرده في المساء أعيد تثبيته على منصبه عند الصباح. والواقع أن الجبهة الفرنسية كانت قد انهارت تماما في حضور الماريشال <<جاملان>>، ثم في غيبته بالطرد في المساء، وكذلك بعد عودته بالتثبيت في الصباح!
وكان حلفاء فرنسا البريطانيون الذين جاءوا إلىها بجيوشهم في <<نورماندي>> (شمالى فرنسا) قد رأوا الانهيار مبكرا وقرروا الانسحاب من المعركة وترك فرنسا تواجه العاصفة وتقرر لنفسها ما ترى. وعندما عبرت القوات الألمانية نهر <<اللوار>>، والطريق إلى باريس مفتوح، كان مجموع خسائر فرنسا من البشر:
مليونا وربع مليون قتيل.
مليونا ونصف مليون أسير.
ثمانية ملايين مواطن فرنسي تحولوا إلى لاجئين (إلى درجة أن مدينة مثل <<شارتر>> لم يعد فيها غير 800 مواطن في حين أن تعدادها الأصلي ثلاثة وعشرون ألفا، ثم إن قرية مثل <<بوسيلانج>> هرب سكانها ولم يتبق منهم غير عائلة واحدة ما لبث أفرادها جميعا، وعددهم خمسة، أن قرروا الانتحار جماعيا قبل أن تدهمهم القوات الألمانية).
ومساء يوم <<25 من مايو>> قام الماريشال <<موريس جاملان>> (القائد العام للجيش الفرنسي) بإبلاغ الحكومة في باريس رسميا بأن علىها <<أن تجد وسيلة لوقف القتال والتوصل إلى هدنة مع الألمان. لكن الحكومة قامت بعزل الماريشال <<جاملان>> وعينت بدله الماريشال <<ماكسيم ويجاند>>، وحاول القائد العام الجديد أن ينقذ الموقف لكنه يوم <<12 يونيه>> حل علىه الدور لكي يطلب من الحكومة أن تجد وسيلة لوقف القتال والتوصل إلى هدنة مع الألمان.
وأكثر من ذلك، فإن الماريشال <<ويجاند>> وجه إلى رئيس الوزراء تحذيرا قال فيه، <<إن التوصل إلى اتفاق بأي شكل مع الألمان لا بد من أن يتم بسرعة وقبل أن تنفرط الجيوش الفرنسية وتذوب في فوضى الهزيمة، ثم لا تجد الحكومة في باريس أي قوات تحمي بها الداخل الفرنسي من <<حركة شيوعية>> تحاول استغلال الكارثة وتستولي على السلطة>>!
كانت باريس تعيش أقسي الساعات في تاريخها الحافل، لكن العاصمة كانت منقسمة بين الذين يرون استمرار مقاومة فرنسا حتى من خارج التراب الفرنسي كله إذا أدي الأمر وبالتحديد من المستعمرات في شمالى أفريقيا (تونس والجزائر ومراكش) وبين الذين يرون أن <<الواقعية>> لابد لها الآن أن تسود وأنه ليس أمام فرنسا غير أن تسأل الألمان عن شروطهم لوقف القتال، فالحرب انتهت عمليا بانتصار الألمان ليس على فرنسا فقط، وإنما على بريطانيا أيضا، لأن فلول الجيوش البريطانية التي انسحبت من فرنسا تحت النار في <<دنكرك>> أفلتت محطمة الأعصاب تاركة أسلحتها الثقيلة غنيمة لقوات الجنرال <<جورديان>> التي طاردتها وطردتها من <<نورماندي>>، والنتيجة وذلك هو القدر المحتوم أن الجزر البريطانية نفسها سوف تصبح مكشوفة أمام غزو ألماني عبر بحر الشمال، لأن بريطانيا ببساطة لا تستطيع في أيام ولا أسابيع ولا شهور أن تعد دفاعات عن شواطئها تقدر على الصمود.
كان الشعب الفرنسي في حالة ذهول مما حل به، فقد انقضّت علىه عاصفة الحرب وهو يعيش أزمة سياسية ضاعت فيها ثقته بمؤسساته السياسية والفكرية والثقافية، والشك في النفس أخطر ما يصيب الشعوب لأنه ينزع مناعتها ويضرب إرادتها بنوع من الحيرة تصل بها إلى الضياع.
وفي تلك اللحظات المثقلة بالهم تقرر دعوة الماريشال <<بيتان>> (الذي كان يعمل سفيرا لدى إسبانيا)كي يعود بسرعة لعل لدىه دواء لعلل فرنسا، وهو البطل الذي حقق لها النصر في الحرب العالمية السابقة (1914 1918).
لكن الماريشال الذي استدعي على عجل كان قد ترك آخر جذوة في أسطورته تنطفئ بدعوي أن ساسة فرنسا تخلوا عن <<القيم والأخلاق والمثل العلىا التي قام علىها تماسك فرنسا>>.
وهكذا فإن <<بيتان>> <<بطل الحرب>> كان هو الرجل الذي طلب من الألمان <<شروط السلم>>!
ويوم <<21 يونية>> قدم الألمان شروطهم لمبعوث خاص بعث به الماريشال <<بيتان>> الذي تسلم رئاسة الوزارة من <<بول رينو>> قبلها بأيام. والغريب أن القائد الألماني الماريشال <<فون رونشتد>> قدم تلك الشروط لمبعوث <<بيتان>> وهو الجنرال <<هونتزيجر>> في عربة قطار سحبت إلى محطة <<كومبين>>، وكانت نفس العربة إلى نفس المحطة التي وقعت فيها ألمانيا شروط الاستسلام في الحرب العالمية الأولى قبل 22 سنة!
وكانت شروط الألمان كما يلي:
1 يتم تقسيم فرنسا بالعرض إلى منطقتين: في الشمال منطقة احتلال ألماني، فيها باريس، ومنطقة في الجنوب تقوم فيها دولة فرنسية <<مستقلة>> تختار لنفسها عاصمة حسبما تري سلطاتها.
2 الدولة الفرنسية تباشر تسريح جيشها وتحتفظ بقوة أمن لا يزيد تعداد أفرادها على مائة ألف رجل.
3 الأسري الفرنسيون لدى الجيش الألماني (مليون ونصف المليون) يبقون في الأسر حتى تنتهي الحرب العالمية وتوقع معاهدة للصلح بين جميع الأطراف (وبعد شهور قليلة كان نصف هؤلاء الأسري (800 ألف) عمال سخرة في خدمة الإنتاج الحربي الألماني).
4 تتكفل الحكومة الفرنسية بدفع تكالىف وتتحمل نفقات الجيش الألماني في منطقة الاحتلال (شمالى فرنسا وفيها باريس).
وحين قام الجنرال <<هونتزيجر>> بنقل هذه الشروط الألمانية إلى الماريشال <<بيتان>> طلب الماريشال في مقابل قبوله بها ثلاثة شروط:
1 أن تتعهد ألمانيا بعدم احتلال أرض الدولة الفرنسية المستقلة (جنوب فرنسا).
2 ألا تحتل ألمانيا أيا من مستعمرات فرنسا الإمبراطورية، وإنما تترك هذه المستعمرات تابعة لهذه الحكومة الفرنسية المستقلة التي اتخذت من مدينة فيشي عاصمة لها، وذلك حتى تجري تسوية عامة في مؤتمر الصلح بعد نهاية الحرب.
3 أن تتعهد ألمانيا بألا تستولي، ولا تحاول الاستيلاء على الأسطول الفرنسي في موانئ <<مارسيليا>> و<<طولون>>، لأن البحرية الفرنسية سوف يقع علىها وحدها عبء ا لدفاع عن المستعمرات الفرنسية إزاء أطراف محتملة (بريطانيا).
ووافقت ألمانيا على هذه الشروط، وكان البند الوحيد المعلق قبل وقف القتال هو الاتفاق على المبلغ المقدر لتكالىف ونفقات جيش الاحتلال الفرنسي.
ولساعات دارت مساومات، وعرض المفاوض الفرنسي دفع مبلغ عشرين مليون فرنك يوميا، لكن المفاوض الألماني لم يكن لدىه وقت لطول الجدل، كما أن المفاوض الفرنسي كان يشعر دقيقة بعد دقيقة أن الأرض تقع من تحته والسقف يهوي منقضا علىه. وهكذا تم الاتفاق على أن <<تتعهد فرنسا بأن تدفع تكالىف ونفقات جيش الاحتلال الألماني وتقدر بمبلغ 400 مليون فرنك كل يوم مع احتساب قيمة الفرنك الفرنسي إلى المارك الألماني بنسبة 20:1 أي أن عشرين فرنكا تساوي ماركا ألمانيا واحدا>>!
ووضع الماريشال <<بيتان>> إمضاءه على اتفاق سلام ينهي الحرب ويبدأ تجربة جديدة للتوافق مع <<الآخر>> الألماني، مع العلم بأن هذا <<الآخر>> كان <<جارا>> لفرنسا طول التاريخ وليس <<آخر>> انقض من الفراغ على التاريخ وعلى الجغرافيا معا!
وقد رأي <<بيتان>> من باب استيفاء الاجراءات أن يعرض الاتفاق على الجمعية الوطنية، وكان الجيش الألماني على أبواب باريس فعلا ووافقت الجمعية الوطنية على الاتفاق بأغلبية 624 صوتا ضد أربعة أصوات.
وتستوقف النظر وتستدعي التأمل مجموعة الإجراءات التي بدأ بها الماريشال <<بيتان>> حكمه لفرنسا. ومؤلف كتاب سنوات الظلام يوردها في صفحة 154 من كتابه:
1 طلب وحصل على تفويض دستوري جعل سلطته في فرنسا أقوى من السلطة التي كانت في يد الملك <<لويس الرابع عشر>> عندما كان يلقب ب<<الملك الشمس>>، وعندما قال قولته المأثورة يوما : <<أنا الدولة>>.
2 قرر تغيير النشيد الوطني إلى نشيد آخر مختلف عن نشيد <<إلى السلاح أيها المواطنون>>، لأن النشيد القديم فيه تحريض على الحرب.
3 وجه نداءً إلى الأمة الفرنسية لتعود إلى أيام كانت العائلة فيها أساس المجتمع ورابط علاقاته ومحدد قيمه.
4 أشار أو أشير علىه بوضع رسم يوضح صورة جانبية له محل وجه <<ماريان>> التي كانت بشبابها ترمز إلى حيوية الثورة الفرنسية.
5 وافق على كتابة شعارات الثورة عن: <<الحرية والإخاء والمساواة>> فوق كل المراسيم والقوانين والتنظيمات التي وضعتها حكومة فيشي، مع أن الإجراءات كلها تكاد توحي بأنه <<نظام ملكي يتخفي وراء شارات ثورية>>!
لكن رجلا واحدا رفع صوته ورفض هذا الاتفاق من باريس، وكان ذلك الرجل هو الجنرال <<شارل ديجول>> نائب وزير الدفاع في وزارة <<بول رينو>>.
وأمر الماريشال الأسطوري بالقبض على الجنرال المغمور، لكن <<ديجول>> الذي كان بين مهامه أن ينسق العمليات على جبهة <<نورماندي>> بين الجيوش الفرنسية والجيوش البريطانية قرر أن يتوجه إلى <<لندن>> ليقود من هناك حركة مقاومة باسم <<فرنسا الحرة>>.
وكان يقينه الذي لم يتزعزع أن كل دعاوي <<الواقعية>> هي استسلام لضغوط لحظة تنسي التاريخ، وتتنازل عن الحقيقة، وتتهاون في المستقبل.
ويقينه أن الثلاثة: التاريخ والحقيقة والمستقبل أهم وأبقي من صدمة حادثة ومن <<لحظة ضعف>> لا يجوز التأسيس علىها ثم البداية منها ونسيان ما عداها!
وفي لندن بدأ <<ديجول>> يتصرف على أنه الممثل لإرادة فرنسا، ومن ثم الشرعية الفرنسية، وفي رأيه كانت حكومة <<بيتان>> <<الواقعية>> حكومة غير شرعية ليل من الظلام نزل على فرنسا!
3 الخيال الحلم الواقعية
كان <<شارل ديجول>> الذي ترك باريس قبل سقوطها رافضا استسلام فرنسا وداعيا إلى استمرار الحرب ضد ألمانيا حتى من خارج التراب الفرنسي كله إذا اقتضي الأمر رجلا يملك <<حلما>>، لكنه لم يكن رجلا <<خيالىًا>>.
...........................
...........................
والفارق شاسع بين <<الحلم>>(الأمل) وبين <<الخيال>>، كما أن الفارق شاسع بنفس المقدار بين <<الحلم>> وبين <<الواقعية>>.
والحقيقة أن تلك كلها: <<الخيال>>، و<<الحلم>>، و<<الواقعية>> ظلال لمواقف من الضروري توضيحها بإضاءة معانيها وليس بمجرد النظر إلى سطحها، وإذا وقعت تلك الاضاءة الضرورية ونزلت على مكانها فسوف تشحب الظلال وتتضح المشاهد بما تعنيه:
مشهد <<الخيال>> هو الجموح في طلب <<المستحيل>> بصرف النظر عن حدود الطاقة الحالىة والمحتملة للطالب، لأن الجموح إلى الخيال رغبة أقرب إلى الغريزة مستغنية عن الحساب، والمشهد على هذا النحو نوع من المقامرة خطرة العواقب على طالبها قبل غيره من الأطراف.
ومشهد <<الحلم>> هو <<المشروع>> القادر على تصور المستقبل وهو بالتالى طلب <<الممكن كله>> إذا وضعت <<الإرادة كلها>> في خدمته، وذلك جوهر <<المشروع السياسي>> وبالتالى فإن <<الحلم>> مشروع سياسي يحقق كل المقدور علىه فكرا وفعلا إذا استعملت الإرادة كل وسائلها بقوة وذكاء.
وأما مشهد <<الواقعية>> فهو القبول <<بالمتاح>>، أي المأذون والمسموح به كما هو ظاهر في لحظة معينة، واعتبار أن صورة هذه اللحظة هي الحقيقة الراهنة والدائمة، وهنا فإن <<الواقعية>> تصبح أبعد ما تكون عن <<السياسة>> بمعناها وأقرب ما تكون إلى الوظيفة بحدودها، فالسياسة تصوغ مطالبها مهما كانت صعبة وبعيدة، والواقعية تنفذ لوائحها كارهة لها أو سعيدة.
والسياسة ملزمة بإطار من دستور وقانون لكن <<الواقعية>> لا تسائل نفسها عن شرعية ما تلتزم بتنفيذه، فهي تنفذ فقط ما تجده مكتوبا في لوائحها (واللوائح بل وحتى الدساتير والقوانين يمكن أن تكتب بواسطة قوة غير شرعية،لأن سلطة هذه القوة تفرض تنفيذها قسرا، وذلك ما فعله الاحتلال الألماني لفرنسا في المنطقة التي دخلتها جيوشه، وذلك أيضا ما فعلته حكومة الماريشال <<بيتان>> في الدولة الفرنسية المستقلة ! التي سمحت بها اتفاقية السلام بين ألمانيا وفرنسا!).
...........................
...........................
وعلى سبيل الاستدلال بنماذج من الحرب العالمية الثانية، فإن <<هتلر>> كان رجلا خيالىا جمح خياله إلى حد تصور معه أنه يستطيع السيطرة على العالم بالسلاح، وكان ذلك منزلقه حتى في ذروة قوته، وقد بني حساباته على أساس قدرته على هزيمة الإمبراطوريتين الكبيرتين في أوربا فرنسا إلى جواره، وبريطانيا أمامه عبر القنال الإنجليزي (المانش).
وفي ذلك نسي <<هتلر>> قوتين صاعدتين:
قوة اقتصادية مالىة هي <<الولايات المتحدة الأميركية>> تنتظره عبر المحيط حتى يستنزف قواه في أوربا ثم تقرر كيف تواجهه.
والقوة الثانية كتلة إنسانية ضخمة، إلى جانب أنها فكرة عقائدية نشطة تتحرك في فضاء عالمي واسع. وهي تعتبر نفسها موقع الىسار. وتعتقد أن نازية <<هتلر>> أقصى الىمين والصراع بين الاثنين مهما تأخر <<حتمية تاريخية>>.
وربما كان في مقدور السلاح الألماني أن يتحدي إمبراطوريات قديمة (بريطانيا وفرنسا)، أو يتحدي طاقة اقتصادية مالىة هائلة (الولايات المتحدة)، أو يتحدي كتلة إنسانية وعقائدية ضخمة (الاتحاد السوفيتي) لكنه كان من المستحيل ومن ضروب الخيال، أن يتحدي الثلاثة معا وفي وقت واحد.
...........................
...........................
وعندما استسلمت فرنسا ورفضت بريطانيا بقيادة <<تشرشل>> أن تستسلم برغم أنها فقدت حليفها الكبير في القارة الأوربية (أي فرنسا)، وبرغم أن الجزء الأكبر من جيشها انسحب من القارة عن طريق <<دنكرك>> عاريا من سلاحه وشبه عارٍ من معنوياته، ورغم أن ما بقي تحت تصرف تشرشل من جيوش الإمبراطورية البريطانية كان شتاتاً لا يقدر أن يصد هجوما ألمانيا إذا أمر <<هتلر>> بعبور القنال الإنجليزي (وكانت تلك نيته فعلا بالخطة التي عرفت بالاسم الرمزي <<سبع البحر>>) إلا أن <<تشرشل>> <<الحالم>> قرر أن بريطانيا تستطيع الصمود وكان واثقا إن ذلك في مقدوره وأنه في حدود الممكن إذا استطاع أن يحشد كل طاقة الإرادة المتوافرة لدى الأمة البريطانية وراءه.
ولم يكن <<تشرشل>> في ذلك <<خيالىا>> برغم أن بعضا من أركان وزارته وأولهم وزير خارجيته اللورد <<هالىفاكس>> وجدوا أن <<الواقعية>> تقتضي جس نبض هتلر عن طريق حليفه موسوليني لمعرفة شروطه لوقف الحرب، ولكن <<تشرشل>> تصدي ل<<هالىفاكس>> وللآخرين. وكان <<تشرشل>> في ذلك <<حالما>> وليس <<خيالىا>> بمعنى أنه صاغ لنفسه ولبريطانيا مشروعا سياسيا (إستراتيجية) رآه ممكنا، واستطاع وهذا هو جوهر العمل السياسي أن يقنع به وزارة الحرب وشريكه فيها <<كليمنت آتلي>> زعيم حزب العمال، كما استطاع أن يقنع بها رئاسة أركان حرب الإمبراطورية وعلىها في ذلك الوقت الفيلد مارشال <<آلان بروك>>.
وأهم من ذلك فقد استطاع تشرشل أن يقنع الشعب البريطاني في الجزيرة الأم ووراء البحار.
وكان حلم مشروع تشرشل مؤسسا على حساب القوة والإرادة وليس مجرد اندفاع وراء الوطنية والكرامة وحدهما. وكان الحساب وهنا المشروع السياسي حساب المستقبل الآتي وليس حساب اللحظة الراهنة.
كان كل تفصيل في صورة <<الواقع>> يدعو <<تشرشل>> إلى اللحاق ببيتان في طلب شروط هتلر بمنطق الواقعية، ولكن الحلم وبحساب المستقبل كان هو الذي تجاوز الواقع إلى ما وراءه، وترك المتاح المأذون به وتوجه إلى الممكن إذا وضعت الإرادة في خدمته.
...........................
...........................
وكان حساب <<تشرشل>> أنه بالنظر إلى خريطة العالم فإن <<هتلر>> غير قادر على النصر النهائي في الحرب بالتحديد بسبب الولايات المتحدة وبسبب الاتحاد السوفيتي:
كان تقدير <<تشرشل>> أن سقوط فرنسا هو المشهد الأخير في الكابوس الألماني الذي نزل على أوربا لأن ذلك المشهد سوف يستثير الولايات المتحدة.
والداعي أن سقوط فرنسا يعني أن بريطانيا إذا ظلت وحيدة فهي مهددة بالسقوط، وإذا لحقت لندن بباريس في طلب شروط <<هتلر>> فإن ذلك معناه أن ألمانيا هي الوريثة القادمة للإمبراطوريتين والمسيطرة على البحر الأبيض المتوسط وهو قلب العالم، والمالك الجديد للمستعمرات الفرنسية والبريطانية في آسيا وأفريقيا، وذلك شيء لا تستطيع الولايات المتحدة قبوله، وإذا قبلته فلن تكون آمنة وراء الأطلنطي وإنما هي معزولة وراء هذا المحيط. وعلى وجه الىقين فإن تعامل <<هتلر>> معها لن يخرج عن أحد احتمالىن لا ثالث لهما:
إما أن يعبر المحيط ليطولها.
وإما أن يحوّل المحيط إلى سجن يحبسها وراء أسواره.
وكان تقدير <<تشرشل>> أيضا أن سقوط فرنسا سوف يهز الاتحاد السوفيتي، ويقنعه بسطحية التحليل الذي أغراه ب<<تجنب الحرب وترك الرأسمالىات الكبري تطحن بعضها>>، لأن سقوط فرنسا (واحتمال غزو الجزر البريطانية) معناه انفراد <<هتلر>> (أقصى الىمين في أوربا) بالسيطرة على القارة كلها، ونتيجته أن الهدف القادم لأقصى الىمين الأوربي(ألمانيا النازية) هو الهجوم على روسيا (موطن البلشفية) والحصول على ثرواتها الطبيعية الهائلة وتصفية معقل الثورة العالمية.
ومن النظر إلى خريطة المستقبل، كان <<تشرشل>> على يقين بأن <<هتلر>> لا يستطيع أن ينتصر في الحرب.
والخلاصة التي توصل إلىها هي: <<إنه والأمر كذلك، فإن بريطانيا لابد أن تظل واقفة، ولابد أن تظل مشتبكة بالحرب مع ألمانيا، ولابد أن تكسب وقتا حتى تتنبه أميركا وتتحرك، أو تتنبه روسيا وتتحرك، أو يقوم <<هتلر>> بحركة خاطئة يتعثر بها، خصوصا وقد احتل غربي القارة الأوربية كله وعلىه أن يتقدم وراء ذلك وإلا وجد نفسه مقطوعا عن هدفه النهائي ووجد جيشه عاطلا في نصف حرب لم تكتمل لأن أميركا تراقب من وراء المحيط، كما أن الاتحاد السوفيتي يتربص على شرقي القارة نفسها لا يحجزه محيط!
وكان <<تشرشل>> سياسيا صاحب مشروع صاحب حلم حينما نادي على بريطانيا بأنه <<ليس عندي غير العرق والدم والدموع، وبأنه علىنا أن نقاتل على الشواطئ، ونقاتل في الحقول، ونقاتل في المدن، ونقاتل من بيت إلى بيت>>.
...........................
...........................
ويكاد موقف إسرائيل في الشرق الأوسط أن يكون صورة مكررة (بالاستنساخ وليس بالخلق!) لحالة ألمانيا النازية. بمعنى أن إسرائيل هي الأخرى تستطيع بتفوق السلاح أن تكسب المعارك والحروب، وتستطيع أن تحتل الأقالىم وتضم بعضا من أرضها، لكنها لا تستطيع ولا تملك إمكانية النصر النهائي لأنه أبعد من حدود التفوق في السلاح. والواقع أمل إسرائيل الحقيقي في انتصار نهائي معلق بتواضع الإرادة العربية إلى حد يقبل المأذون والمسموح به والمتاح باسم <<الواقعية>> وهي ظاهرة متفشية في دهالىز وأروقة السياسة العربية المعاصرة.
والحقيقة أن ظاهرة <<الواقعية>> الراهنة تحتاج إلى تفسير، ويمكن على الفور عرض ثلاثة أسباب رئيسية لها:
السبب الأول: أن مواقع القرار العربي لا تعرف كثيرين وصلوا إلىها من وسط معمعان التاريخ أو من البوابات العريضة للاختيار الدىمقراطي الحر وإنما تعرف كثيرين وصلوا إلىها بحكم الوظيفة (حتى وظيفة الإرث)، و<<الوظيفة>> لا تعرف لنفسها مشروعا تحلم به وإنما تعرف لنفسها لائحة تطبقها دون أن تسائل النصوص عن شرعيتها أو مشروعيتها.
والسبب الثاني أن ظروف الثراء العربي <<الجاري>> الآن في العالم العربي وضع هواجس <<الحرص>> سابقة على طموحات <<الحلم>>.
وتلك حالة: أشار إلىها <<ابن خلدون>> في مقدمته الشهيرة لأحوال الممالك عندما <<يترهل>> الأمراء بتخمة العز ومن ثم تتواضع <<العزة>> (وهي التي يسميها مؤسس علم الاجتماع ب<<العصبية>>).
والسبب الثالث، (وتلك محاولة في الإنصاف) أن مواقع القرار العربي ضاعت منها الخرائط الملاحية القديمة بسبب تغير المناخ العالمي على نحو لم يتحسب له أحد. ثم إنها لم تستطع في ظروف مستجدة أن تتوصل إلى رسم خرائط ملاحية جديدة للبحور العميقة والرياح العاصفة والصخور الغارقة تحت السطح وعندها آثرت مواقع القرار العربي أن يكون خط سيرها قريبا من الشواطئ حيث المياه ضحلة تمكن من رؤية القاع، وحيث الشاطئ القريب ساتر من عصف الرياح، وحيث النجاة ممكنة بالسباحة إلى الىابسة، لو وقع ما لم يكن منتظرا، أو تمرد <<بحارة>> السفن إذا اكتشفوا أن القباطنة ليسوا على ما ظنوه فيهم علما وخبرة ومقدرة على خوض العقبات والصعوبات إلى حيث الحلم المطلوب والممكن.
والراجح أن هناك أسبابا أخرى لزيادة جرعة <<الواقعية>> في تركيبة القرار السياسي العربي المعاصر، لكن ذلك على أي حال موضوع آخر مستقل بذاته.
...........................
...........................
كان الجنرال <<شارل ديجول>>، الذي هبط من آخر طائرة غادرت مطار <<بوردو>> الحربي قبل أن تشق القوات الألمانية طريقها إلى باريس، رجلا يمسك في يده <<بحلم>>، ويري لنفسه مشروعا سياسيا تصوغه حقائق مستقبل لا تقعدها <<واقعية>> اللحظة الراهنة.
والشاهد أنه بالشكل العام للصورة كان يمكن أن يبدو <<ديجول>> خيالىا أكثر منه حالما.
فالدولة الفرنسية، والحكومة ضاعت منهما إرادة المقاومة، والشعب الفرنسي في حالة ذهول يتابع مأخوذا حركة جيوش العدو الألماني تنفذ إلى قلب الوطن، وجيوش فرنسا تنكسر شظايا، و<<عاصمة النور>> تنطفئ فيها الأضواء حيا بعد حي وشارعا بعد شارع وبيتا بعد بيت!
لكن ديجول كان قادرا على تجاوز <<الواقعية>> والنظر بالرؤيا إلى تخوم المستقبل، وقد اعتبر نفسه ولو حتى وحيدا رمزا لمستقبل فرنسا الحرة.
ولم يكن <<تشرشل>> الذي أذن ل<<ديجول>> بأن يوجه نداءً بمواصلة المقاومة للشعب الفرنسي فوق موجات الإذاعة البريطانية مقتنعا بأن ديجول هو مستقبل فرنسا، إلا أنه في تلك اللحظة كان <<الفرنسي الأرفع رتبة>> الذي ينادي بمواصلة الحرب ولو من خارج فرنسا.
وفي البداية، كان <<تشرشل>> يتصور أن نداء ديجول سوف يدعو كثيرين أكبر منه وأهم على الأقل أشهر كي يفعلوا مثله ويجيئوا إلى لندن وعزمهم مواصلة الحرب، لكن <<تشرشل>> فقد رجاءه من الانتظار وأدرك أن فرنسا سوف تظل ممثلة برجل واحد هو <<شارل ديجول>> حتى تتغير الظروف.
وكذلك طلب <<تشرشل>> إلى وزارة الخارجية البريطانية وإلى رئاسة أركان حرب الإمبراطورية أن تنظم اتصالاتها مع الجنرال <<ديجول>> وأن تتعاون معه.
وفي أول تقرير كتبه السير <<ألكسندر كادوجان>> الوكيل الدائم للخارجية البريطانية كانت صورة <<ديجول>> كما بدت لعميد الدبلوماسية البريطانية هي: <<رجل له رأس في شكل فاكهة الأناناس الخشنة، وله جسم على هيئة خضار <<الباذنجان>> الطويلة، وإلى جانب ذلك فإن لدىه شعورا متضخما دون سبب بدوره التاريخي!>>.
وفي أول تقرير كتبه الفيلد مارشال <<ألان بروك>> رئيس أركان حرب الإمبراطورية كتب ل <<تشرشل>> في تلخيص لقائه مع <<ديجول>>. <<هذا رجل لا يريد أن يحارب، ولا يريد أن يلم شراذم الجيش الفرنسي التي خرجت مع قواتنا من <<دنكرك>> ويصنع منها فرقة مقاتلة تثبت نفسها في الحرب مع الألمان.
لقد حاورته طويلا، لكنه بدا لي وكأنه يريدنا أن نحارب، وأما هو فدوره أن يحكم ويقود. والمزعج أنه ليس لدىه شيء يحكمه، لا دولة، ولا مدينة، ولا قرية، وليس لدىه شيء يقوده لا فرقة ولا كتيبة ولا سرية من الرجال!>>.
لكن <<شارل ديجول>> كان <<بالحلم>> يعرف أكثر من موظف وصل بكفاءته الوظيفية إلى وكالة الخارجية البريطانية ولم ير في اللاجئ الفرنسي غير رأس <<الأناناس>> وجسم <<الباذنجان>>. وكان يعرف أكثر من موظف آخر وصل بعلمه العسكري إلى رئاسة أركان حرب الإمبراطورية استغرب منه <<ادعاء>> الحكم ودعوي القيادة.
كان <<ديجول>> يعرف بالرؤية الإستراتيجية كيف يفكر <<تشرشل>> وكيف يخطط للنصر، وظل متنبها إلى أن العنصر الأهم في خطة <<تشرشل>> هو كسب الوقت حتى تفيق روسيا من وهم الرأسمالىة التي تحارب بعضها بعضا، ثم تتحرك أميركا قبل أن يتحول المحيط إلى عازل ويتحول العازل إلى سجن!.. ومن ثم ينفرد <<هتلر>> بكل الإرث الإمبراطوري الذي تفتحت الطرق إلىه بعد سقوط فرنسا، وعزلة بريطانيا في الجزيرة التي تحولت إلى قلعة موحشة تنتظر الغزو أي يوم.
وعلى أساس المعرفة بهذه الرؤية الإستراتيجية ل<<تشرشل>>، قدر <<ديجول>> ورسم.
هو الآخر سوف يلعب على الوقت ولن يجره سوء ظن الدبلوماسية البريطانية في قدراته ولا إلحاح العسكرية البريطانية علىه ليجمع شراذم قوة عسكرية تستأنف حرب ألمانيا إلى جانب بريطانيا.
كان <<ديجول>> واثقا بأن معركة القتال محسومة دون أن يشارك فيها، ولم يكن متعجلا لتنظيم حركة مقاومة في الداخل تجعل مهمة الاحتلال الألماني صعبة (لأنه كان يقدر أن لحظة الذهول السائدة في فرنسا ليست هي بالضبط لحظة الدعوة إلى المقاومة خصوصا وهناك في <<فيشي>> رجل مثل <<بيتان>> بتاريخه المجيد يدعو إلى <<واقعية>> يعطي لها في خطابه مسحة من الحكمة تغطي بالرنين على الجوهر! كذلك كان <<ديجول>> بالتوازي مع ذلك يدرك أنه لا يستطيع الآن يلملم من الشتات المبعثر للجيوش الفرنسية إلا قوة صغيرة تتنازل قياسا علىها ولا تكبر قيمة المشروع السياسي <<الحلم>> الذي يحمله).
ومع ثقة <<ديجول>> اعتمادا على الزمن حسابه وفعله بأن معركة تحرير أوربا قادمة بعد سنة.. سنتين.. ثلاث لكنها <<حتمية>>..
ومع ثقة <<ديجول>> بأن الانتصار النهائي في الحرب لن يكون من نصيب <<الخيال>> مهما عاند <<هتلر>>...
ومع ثقة <<ديجول>> بأن هناك جيوشا لمعركة تحرير أوربا سوف تتدفق من الشرق (من الاتحاد السوفيتي) وسوف تتدافع فوق أمواج المحيط من الغرب (من الولايات المتحدة) فإن <<فرنسا الحرة>> ينبغي أن يكون لدىها جدول أولويات يتسق مع <<حلمه>> مشروعه السياسي.
وهنا يمكن فهم الإستراتيجية التي اعتمدها <<ديجول>> في تلك الأيام المبكرة من يوليو وأغسطس سنة 1940.
في تلك الأوقات التي بدت فيها الصورة أشد كآبة من أي وقت مضي. وأشد ظلاما على فرنسا من أي وقت في تاريخها كان <<ديجول>> يرسم لسياسته خطين:
الخط الأول: أن التراب الفرنسي سوف يتحرر بحقائق الأشياء.
الخط الثاني: أن الإمبراطورية الفرنسية وليس التراب الفرنسي هي المكشوفة الآن وغدا..
وهنا كانت صيحة:
فرنسا ليست في خطر.
الإمبراطورية في خطر.
إذا كان وجود فرنسا هو الوطن فإن عظمة فرنسا هي الإمبراطورية!
والمدهش أن رؤية <<ديغول>> كانت واضحة فيما يتعلق بالخطر القادم على عظمة فرنسا إمبراطوريتها القديمة وقد رأي الخطر من مصدرين:
<<ألمانيا>> كابوس وقع و<<أميركا>> كابوس يتشكل.
أي أن <<ألمانيا>> وريث يطالب الآن بينما <<أميركا>> وريث يهيئ المستندات الداعمة للمطالبة!
وكذلك فإن الحلم المشروع السياسي لدىجول نظر إلى المستقبل في عينيه وتمكن من تحديد مصادر الخطر على هذا المستقبل.
ولم تكن تلك قراءة في الغيب وإنما نظر إلى الخريطة واطلاع على التاريخ. فألمانيا في أوربا جار ومنافس وخصم وعدو في فترات مختلفة من الجوار، ثم إن الولايات المتحدة هي الدولة التي أنشأت نفسها بطرد <<الإمبراطوريات>> من أميركا بادئة بطرد بريطانيا مستعينة في لحظة من اللحظات بفرنسا، ولما انتهت حرب الاستقلال عن بريطانيا ودخلت العلاقة بين المستعمرات القديمة والإمبراطورية المهزومة إلى مرحلة جديدة بحكم وحدة اللغة الإنجليزية جاء الدور على الإمبراطورية الأخرى، فإذا الولايات المتحدة تطارد فرنسا إلى أقاصي القارة شمالا وجنوبا تخرجها من الجنوب حتى خليج المكسيك (نيو أورليانز) وتحصرها في الشمال داخل جيب في <<كندا>> تراجعت إلىه كل المواريث الثقافية التي تركتها فرنسا في العالم الجديد!
4 الثابت والمتغير في أحوال الأمم
عندما طرح الجنرال <<شارل ديجول>> <<إستراتيجية>> فرنسا الحرة على أساس أن التراب الوطني الفرنسي سوف يتحرر بضرورة الأشياء، وأن الإمبراطورية الفرنسية (عظمة فرنسا) هي التي سوف تصبح عرضة للخطر بسبب المطامع المتنافسة سابقا ولاحقا لم يكن يبتدع شيئا لم يُعرف قبله، ولا كان يخترع جديدا ليس له أصل قديم. والحقيقة أن إستراتيجيات الدول التي تحترم نفسها وعالمها لا تعرف سياسيا يستيقظ من نومه بوحي تنزّل علىه يطلب إلىه أن يفاجئ الكل بما لم يخطر لهم على بال، والسبب أن إستراتيجيات الدول مطالب جغرافيا وتاريخ نشأت وترتبت علىها دواعي مصلحة وضرورات أمن، وتلك مسائل لا دخل لها بالوحي ولا علاقة لها بالمفاجآت المثيرة مسرحية أو سينمائية.
والدول مطالبة بالتعبير عن نفسها مع تطورات الظروف في كل عصر بما يناسب مقتضياته، لكن التجديد يكون في الأسلوب وليس في الهدف لأن أحدا لا يستطيع بأثر رجعي أن يعيد تركيب الطبيعة أو ينقل بلدا من موقعه على الخريطة المعروفة إلى موقع آخر يختاره. ثم إن أحدا لا يستطيع أن يغير مجري التاريخ كما تدفق عبر القرون والعصور أو يعيد ترتيب سياقه كما يوافق هواه ورؤاه. ثم إن مصالح الدول وأمنها ليست قصصا يكون للمؤلف فيها حق رسم الشخصيات، وإجراء الحوار على ألسنتها معبرا عنه وشارحا لفكره!
ويكاد <<جوليان جاكسون>> أن يقول في كتابه <<فرنسا سنوات الظلام>>: إن ديجول استأنف بحكومته في المنفي نفس المناقشات التي قاطعتها أصوات المدافع الألمانية في باريس وإن استراتيجية <<فرنسا الحرة>> تحت قيادته كانت اتصالا مباشرا بالخيارات الإستراتيجية التي كانت مطروحة في فرنسا قبل دخول الحرب العالمية الثانية في سبتمبر سنة 1939 وقبل الاستسلام <<لهتلر>> في يونية سنة 1940.
كأن الزمن لم يتوقف.. وبالفعل فإن الزمن لا يتوقف.. وإن توقف بعض الساسة في لحظة من اللحظات أو شردوا خارجين من ساعته يجربون معجزة خلق زمان جديد ناسين أن هناك فارقا بين حق البشر في توجيه مقاديرهم وبين تجاسر البشر على توهم صنع الكون!
وقبل هبوب إعصار الحرب العالمية الثانية عاشت فرنسا حالة حيرة شاملة وعنيفة.
كانت فرنسا تشك في الجمهورية الثالثة كلها من دستورها إلى مؤسساتها إلى رجالها.
وكانت فرنسا تعاني من انقسام داخلي بين الىمين والىسار وكلاهما يطرح نفسه بإلحاح باعتباره الىقين المؤدي إلى القوة.
وكانت فرنسا تتابع ما يجري في القارة حولها وتخشي سطوة ألمانيا النازية وهي تزيد كل يوم وتنتزع لنفسها مساحات من الأرض والنفوذ تمكن لها في قلب أوربا:
المنطقة المنزوعة السلاح على الحدود بين ألمانيا وفرنسا بمقتضي <<معاهدة فرساي>> وهي منطقة <<السار>> دخلتها قوات <<هتلر>> بلا إنذار.
النمسا جري ضمها إلى ألمانيا بدون طلقة رصاص واحدة وأصبح الرايخ الثالث متحققا ب<<وحدة الأمة من وحدة اللغة>>.
إقليم <<السوديت>> في تشيكوسلوفاكيا جري إلحاقه بألمانيا.
والآن يطالب <<هتلر>> باستعادة منطقة <<دانزيج>> بدعوي عرقية من بولندا لتكتمل حدود الرايخ الثالث.
وكانت فرنسا تري الخطر الألماني يستشري ويتفاقم لكنها لم تكن واثقة بقدرتها على إيقافه ورده، وفوق ذلك فهي تشعر أن بريطانيا تحرضها على التصدي لألمانيا وأن السياسة البريطانيةهي هي لم تتغير تبغي تحقيق انتصارها بجنود غيرها ودمهم، أي أنها تريد محاربة <<هتلر>> إلى آخر قطرة دم فرنسي!
وفي ذلك المناخ ظهرت وانتشرت مقولة قابلة للتصديق مؤداها <<أنه ليست هناك قضية تساوي من أجلها أن تنتحر فرنسا>>!
...........................
...........................
وعندما ذهب رئيس الوزراء <<إدوارد دالادييه>> للمشاركة مع نظيره البريطاني <<نيفل شمبرلين>> في مؤتمر دعي إلىه <<أدولف هتلر>> على عجل في ميونيخ رجع <<دالادييه>> رافعا مثل نظيره البريطاني شعار أن <<السلام تحقق في زماننا>> لكن <<دالادييه>> في أعماقه كان يشعر أن الاتفاق فسحة وقت لا تزيد على شهور لأن <<هتلر>> مصمم على خطته بأن تكون <<ألمانيا فوق الجميع>> داخل القارة الأوربية وخارجها. وأن الحرب قادمة بلا شك لكن الكارثة أن فرنسا غير مستعدة وغير جاهزة لمقابلة العاصفة.
ورأي <<دالادييه>> أنه من الضروري إعداد فرنسا للحرب وتهيئة فكرها لأن الحرب بالدرجة الأولى حالة <<نفسية وعقلية>>.
لكن فرنسا ظلت حتى اللحظة الأخيرة مترددة. تدخل أو لا تدخل؟
<<نفسيا>> كانت فرنسا لا تريد لأنها ما زالت تتذكر خنادق الحرب السابقة والمجازر التي شهدتها خنادق <<السوم>> والخسائر الهائلة التي ألحقتها الحرب بالاقتصاد الفرنسي ثم العبء النفسي المخيف لسنوات من القلق والضني والمقامرة على المجهول.
و<<عقليا>> كانت فرنسا لا تريد لأنها تخشي أن تخرج من الحرب خاسرة حتى ولو انهزم الألمان، وكانت الخشية أشد ما تكون على الإمبراطورية الفرنسية في أفريقيا:
الشاطئ الجنوبي الغربي للقارة (<<تونس>>، و<<الجزائر>>، و<<مراكش>>).
ووراء هذه المواجهة بالعمق جنوب الصحراء حتى الكونجو.
وعلى الشاطئ الشرقي العربي (سوريا ولبنان وحصة الثلث في بترول العراق).
وفي آسيا: شبه جزيرة الهند الصينية وفيها <<فيتنام>> و<<كمبوديا>> و<<لاوس>>.
...........................
...........................
إلى جانب ذلك فقد كان هناك في فرنسا <<وطن الثورة الفرنسية>>، إعجاب مكتوم بالنازية والفاشية، وقد ظهرت وسط الفوضي وساوس وشكوك بأن <<الدىمقراطية>> فكت تماسك المجتمع الفرنسي (بموجة انحلال يستهولها الىمين) وبعجز في السلطة (تأليف واسقاط الوزارات) أدي إلى تردي الحكم، وفساد للنخبة أقعدها إلى درجة العفن! (رشوة في جيب كل وزير وعشيقة <<رسمية>> معترف بها له) وبدا للجميع أن <<النازية>> في ألمانيا تحت زعامة <<هتلر>> و<<الفاشية>> في إيطالىا تحت زعامة <<موسوليني>> تحقق معجزات في الأداء الاقتصادي والإداري وفي استقرار السلطة ونزاهة الحكم، وفوق ذلك في إعادة تنظيم وحشد عناصر القوة.
وتحت السطح فقد كان محسوسا أن المانع الأساسي الذي يرغم فرنسا على استمرار تحالفها الاضطراري مع <<بريطانيا>> ويبعدها رغم الاعجاب عن ألمانيا وإيطالىا هو الخوف على الإمبراطورية، فثمن التقارب مع الدولتين الداخلتين بقوة إلى دائرة السيطرة العالمية هو صفقة جديدة لإعادة تقسيم المستعمرات، ولم يكن في ذلك سر، فقد كانت ألمانيا تطالب بما كان لها في أفريقيا (وفيه تانزانيا والكاميرون) قبل أن تتخلي عنه بمقتضي شروط معاهدة فرساي التي اضطرت لتوقيعها اعترافا بالهزيمة في الحرب العالمية الأولى.
ولم يكن <<هتلر>> هو وحده الذي يطالب بإعادة تقسيم المستعمرات وإنما كانت <<إيطالىا>> تطالب أيضا، وكانت <<إيطالىا>> تضع عينها بالفعل على <<تونس>> لتكون دفعة أولى ترضي بها وتكون امتدادا لوجودها في <<ليبيا>> وتسكت. والمدهش أن الحكومة الفرنسية تلقت نصيحة بريطانية تزكي التنازل عن تونس لإيطالىا لأن ذلك يمكن أن <<يشتري موسوليني>> ويبعده عن حلفه مع <<هتلر>>!
وكانت باريس مستفزة وردها <<لماذا لا تعطونه <<مصر>> وهي على الناحية الأخرى امتداد لليبيا؟>>
وقد يتذكر البعض أن بريطانيا أشارت على مصر (سنة 1935) بإعطاء جزء من الصحراء الغربية ملاصق لليبيا وهي واحة <<جغبوب>> وما حولها لكن شهية <<موسوليني>> للمستعمرات لم تكن تكفيها واحة وإنما كانت تطلب بلدانا وأقالىم.
وهكذا كانت كل المناقشات حول دور فرنسا في الحرب العالمية الثانية: وهل تدخلها أو لا تدخلها؟ يبدأ وينتهي <<بالمستعمرات>>، أو <<بالامبراطورية>> كما تسميها باريس.
ولعله من المفيد لبعض الناس في العالم العربي أن يقرءوا فصلا بالذات من كتاب <<جوليان جاكسون>> <<سنوات الظلام>> وهو الفصل الذي يبدأ من صفحة 81 وعنوانه <<المشكلة الألمانية>>. وهذا الفصل في الواقع عرض للبدائل المتاحة لمستقبل فرنسا.
ملخص الفصل مجموعة واضحة من <<شبه المسلمات>>:
1 فرنسا لا تستطيع أن تكون قوة عظمي في أوربا وحدها والأسباب أنها في أوربا تواجه ثلاث دول تتفوق علىها:
ألمانيا: أكبر
بريطانيا: أقوى
روسيا: أضخم
2 إذا كان على فرنسا أن تكون قوة يحسب لها حساب، فعلىها أن تبحث عن ذلك خارج أوربا، وفي اتجاه الجنوب بالذات لأن المتفوقين علىها يسدون كل اتجاه حولها: فوقها على الخريطة هناك بريطانيا في وسط أوربا بجوارها هناك ألمانيا على الشرق خطوة واحدة هناك روسيا وإذن طريق الجنوب وحده مفتوح وهو نفسه البحر الأبيض.
3 لكن بريطانيا تظل القوة البحرية المتنفذة في البحر الأبيض بامتلاكها لقاعدتي السويس وجبل طارق على مداخل البحر ولجزيرتي قبرص ومالطة وهما مواقع السيطرة على الخطوط الملاحية.
4 وإذن فإن الجزء الأهم من الإمبراطورية هو الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض حيث تونس والجزائر ومراكش ثم العمق الأفريقي وراء ساحل البحر حتى نهر الكونجو.
وعندما انزلقت فرنسا إلى الحرب العالمية الثانية وشاركت فيها فإنها أقبلت مترددة، وقد حاربت بعض معاركها بنصف اقتناع ونصف عزم ونصف مجهود وهنا كانت الهزيمة نتيجة بعد مقدمة، ولحظتها تنبهت فرنسا وأفاقت، وكذلك ظهر الرأي الذي يرفض الاستسلام ويطالب بمواصلة القتال من فرنسا وراء البحر من الإمبراطورية بالتحديد من شمال أفريقيا.
كانت الإمبراطورية في خيال فرنسا الرافضة للهزيمة هي الميدان الذي يتعين على حكومة باريس أن تنتقل إلىه وأن تواصل الحرب منه وإلا فهي نهاية فرنسا حتى في أوربا. بمعنى أن قوة فرنسا ليست تراب الوطن الفرنسي وإنما هي الإمبراطورية التي تضيف للتراب تلك العظمة التي تنشأ للدول من نفوذها وهيبتها خارج حدود ولايتها. فما هو داخل الدولة تصنعه سلطتها، وأما الخارج فإن التواجد فيه هو المعيار الذي تقاس به القوة ويقوم على أساسه المجد!
وكانت تلك بالضبط هي النقطة التي بدأ منها <<ديجول>> مهمته في حركة <<فرنسا الحرة>> عندما ذهب بها لاجئا إلى بريطانيا.
وقد وجه حديثا واحدا إلى الأمة الفرنسية من الإذاعة البريطانية، وأصدر بيانا وحيدا دعا فيه <<الأمة الفرنسية>> إلى رفض الاستسلام.
ولم يتأثر بضغوط الخارجية البريطانية حتى وإن وصفه كبار موظفيها برأس الأناناس وجسم الباذنجان، ولم يضعف أمام رئاسة الأركان الإمبراطورية البريطانية تحرضه على لم شتات جيش يحارب، وإنما كان همه هو <<الإمبراطورية>>.
وفي الواقع فإن أول عمل حقيقي مارسه <<ديجول>>، وبعد شهر على خروجه من فرنسا (أغسطس 1940) كان توجيه نداء إلى كل حكام المستعمرات الفرنسية يدعوهم باسم فرنسا الحرة إلى قبول حركة <<فرنسا الحرة>> تجسيدا لشرعية فرنسا بدلا من الحكومة التي استسلمت للألمان ووقعت معهم اتفاق سلام ثم <<تكومت>> على نفسها في <<فيشي>>.
وكان <<ديجول>> في ذلك مدركا لحقيقة أن عددا من حكام المستعمرات الفرنسية ضباط من الجيش هو يعرفهم أو هم يعرفونه، وقد استجاب له بالفعل منهم ثلاثة هم: الحاكم العسكري ل<<تشاد>> والحاكم العسكري ل<<الكونجو>> الفرنسية (برازافيل) والحاكم العسكري ل <<الكاميرون>>.
وهكذا وجد ديجول لحركته موضع قدم فرنسي: في نطاق الإمبراطورية، ثم توجه لزيارة هذه المستعمرات الثلاث بعد أن تأكد من حكامها العسكريين أنهم سوف يرتبون له هناك استقبالا يليق بعظمة فرنسا. وذهب ديجول إلى الإمبراطورية الفرنسية في أفريقيا وعاد ليعلن تكوين <<لجنة الدفاع الإمبراطوري>> ومعها <<حكومة مؤقتة لفرنسا الحرة>>.
وكان <<ونستون تشرشل>> رئيس الوزراء البريطاني وبتأثير البيروقراطية الدبلوماسية والعسكرية البريطانية غير مرتاح لما يفعله <<ديجول>>، وتصوره أن <<فرنسا الحرة>> تحارب معركة التحرير بعيدا عن الميدان لكن <<ديجول>> كان على يقين مما يفعل.
وفي مناقشة جرت تلك الأيام أكتوبر 1940 ولم تكد تمضي شهور على استسلام فرنسا وقع حوار له معنى بين <<تشرشل>> وبين <<ديجول>>.
قال <<تشرشل>> أثناء الحوار موجها كلامه ل<<ديجول>>:
أنت تترك ميدان الحرب الحقيقي في أوربا في فرنسا وتذهب إلى أفريقيا.
ورد <<ديجول>>:
الذهاب إلى أفريقيا رسالة سوف تفهمها فرنسا.
وقال <<تشرشل>>:
ولكن مؤسساتنا هنا وأنت تتعامل معها في الخارجية وفي رئاسة الأركان لا يفهمونها وأخشي أن يتهموك يوما بأنك تعض الىد التي أطعمت حركتك حركة <<فرنسا الحرة>>.
ورد <<ديجول>>:
إن <<فرنسا الحرة>> لا تعض صديقا لكنها لا تمانع أن يفهم من يهمهم الأمر أن فرنسا ما زالت لها أسنان!>>.
ثم مضي <<ديجول>> يجري تصرفاته وفق حلمه وبإملاء مطالب هذا الحلم بمنطق أن <<مجد فرنسا>> قبل <<ترابها الوطني>> في هذه اللحظة، وهكذا فإنه بعد انشاء الحكومة المؤقتة لفرنسا الحرة سنة 1940 واصل طريقه:
سنة 1941 حاول الألمان وبسكوت يعني الرضا من جانب حكومة <<فيشي>> أن يدخلوا إلى سوريا ولبنان لمساعدة جيش <<روميل>> المتقدم إلى مصر من الغرب، ورأت بريطانيا في الدخول الألماني إلى سوريا ولبنان خطرا طارئا من الشرق فقررت القتال في ظروف صعبة رآها <<ديجول>> مبكرا وتقدم لاستغلالها في اللحظة المناسبة، فأجري اتصالات مع كبار الحكام العسكريين الفرنسيين لأملاك الإمبراطورية الفرنسية في المشرق وقد حدث، وأمكن حصر القتال وحصل <<ديجول>> على جائزته بأن رفع علم <<فرنسا الحرة>> على دمشق وبيروت.
وسنة 1942 كانت استراتيجية الحلفاء بعد اشتراك الولايات المتحدة في الحرب أن يقوم الجيش الأميركي بالنزول في شمال أفريقيا المغرب والجزائر لكي يقوموا بحصر جيش <<روميل>> في ليبيا، وبذلك يتم طرد ألمانيا وإيطالىا من أفريقيا ومن ثم تتركز الجهود على أوربا. وأحس <<ديجول>> أن الأميركيين يخشون أول مخاطر عملية عسكرية لهم في الحرب بعد ضربة <<بيرل هاربور>> (التي دمرت فيها الأساطيل الىابانية بقيادة الأميرال <<ياماموتو>> كل أسطول أميركا في المحيط الهادي كله بضربة واحدة مفاجئة في ديسمبر عام 1941).
ومرة ثانية، وفي إمبراطورية فرنسا المغربية (المغرب الجزائر تونس)، كما وقع من قبل في إمبراطورية فرنسا المشرقية (سوريا لبنان) تقدم <<ديجول>> يعرض تسهيل نزول القوات الأميركية دون معارك وقام بترتيب الأمور مع الحكام الفرنسيين في شمال أفريقيا، وكان شرطه أن يرتفع علم <<فرنسا الحرة>> على أعلى الساريات في <<الرباط>> و<<الجزائر>> و<<تونس>> لكي تكون اعلانا عن عودة كل الإمبراطورية الفرنسية (المجد الفرنسي) حول البحر الأبيض.
وفي سنة 1943 أي بعد ثلاث سنوات تقريبا من استسلام فرنسا التفت <<ديجول>> إلى تنظيم المقاومة السرية ضد الاحتلال الألماني على التراب الفرنسي وبدأ ينشئ الخلايا ويقيم التنظيمات ويرتب لعمليات <<تخريبية!>> ضد الاحتلال الألماني: قواته ثكناته مواصلاته تسهيلاته الإدارية أفراده وكذلك الفرنسيين المتعاونين مع الاحتلال وحتى <<البغايا>>!
وكان اهتمام القيادة المتحالفة بالمقاومة الفرنسية أكيدا لأنها اعتبرت نشاطها ضد الاحتلال الألماني إزعاجا بالنهار، وأرقا بالليل وتهديدا لمؤخرته في كل الأوقات.
وسنة 1944 كانت خطة تحرير أوربا بالنزول شمال فرنسا والتقدم منها لتوجيه ضربة قاضية إلى ألمانيا وفق عملية <<أوفر لورد>> Over lord قد تم إعدادها وبدأ الترتيب لتنفيذها وتحدد بالفعل يوم اقتحام الشواطئ الفرنسية وعلىها الخط الدفاعي المنيع الذي بناه <<هتلر>> للدفاع عن أوروبا وأسماه <<حائط الأطلنطي>>.
وكانت قيادة الحلفاء تحتاج إلى المقاومة الفرنسية في الداخل تراقب لها تحركات الألمان وتعرقل جهدهم وتثير الفوضي خلف الجبهة، وعلى طريق تقدم الجيوش المتحالفة إلى عمق فرنسا وعمق أوربا.
وطلبت قيادة <<إيزنهاور>> القائد العام لقوات الحلفاء والمسؤول عن <<أوفر لورد>> من الجنرال <<ديجول>> طلبين:
تنشيط عمليات المقاومة الفرنسية إلى أقصى حد ممكن في توقيتات معينة تتناسب مع الخطط العسكرية.
تسجيل بيان بصوت ديجول يذاع لحظة إنزال القوات ويحمل نداء منه إلى الشعب الفرنسي أن يقوم ضد الألمان بكل جهد يستطيعه وإلى المقاومة الفرنسية في كل مكان لكي تخرج من مكامنها وتضرب بشجاعة.
وقبل ديجول لكنه إزاء طلبين من قيادة الحلفاء قدم إلى هذه القيادة ثلاثة طلبات:
أن يطلع وأركان قيادته على الخطة العسكرية للحلفاء بالذات فيما يتعلق بالأرض الفرنسية.
أن يتضمن الأمر الىومي للقائد العام للقوات المتحالفة القائمة وهو الجنرال <<إيزنهاور>> ساعة بدء العملية إشارة واضحة إلى دور فرنسا حليفة بين الحلفاء المشاركين في الحرب.
وأخيرا أن تكون أول قوات تدخل باريس عند تحريرها مجموعة لواء فرنسي مدرع يقوده مساعده الجنرال <<ليكليرك>>.
وعندما علم الرئيس الأميركي <<روزفلت>> بهذه الطلبات الثلاثة التي تقدم بها <<ديجول>> بعث برقية إلى رئيس الوزراء البريطاني يقول فيها <<هذا الرجل أصابه مس من الجنون على وجه الىقين وتعلىقي على طلباته هو إبلاغه فورا بطرده من الحركة التي يرأسها والبحث عن جنرال آخر <<عاقل>> (واقعي) يحل محله.
وعندما اطلع وزير الخارجية البريطاني <<أنتوني إيدن>> على هذه البرقية كتب إلى <<تشرشل>> يقول:
<<من سوء الحظ أن الفرصة قد فاتت لمثل هذا الإجراء لأن الفرنسيين في الداخل لا يعرفون غير <<ديجول>> وأي تغيير في تركيبة <<فرنسا الحرة>> في هذه الساعة المتأخرة سوف يحدث ارتباكا في خطط التحرير. ولذلك فإنه من الأفضل الآن أن تسير الأمور كما هو مرسوم لها، وبعدها نري ما يمكن عمله.
وعندما تحررت باريس هرع <<ديجول>> (أغسطس 1944) يسعي في موكب حاشد من ميدان <<الكونكورد>> عبر شارع <<الشانزليزيه>> قاصدا إلى <<قوس النصر>> وسط تقاطع ميدان <<الاتيوال>>، وكان الآن قد دخل ومعه الإمبراطورية إلى موقع القلب من التراب الفرنسي.
كان ديجول ساعتها رجلا حقق حلمه الصعب بأن وضع وراءه كل إرادة فرنسا وإرادته، ولم يجنح إلى المستحيل وخياله بغير حسابات، ولم يسقط في <<الواقعية>> وهي بئر بغير قاع.
ومن مفارقات التاريخ أن الجنرال <<شارل ديجول>> وهو رئيس للجمهورية الفرنسية للمرة الثانية (1958 1965) كان هو بذاته الرجل الذي تعين علىه أن يشرف على فك الإمبراطورية الأفريقية لفرنسا عبر البحر!
كان رئيس الوزراء الفرنسي <<بير منديس فرانس>> قد سبق إلى فك الإمبراطورية في آسيا بعد هزيمة فيتنام الأولى (معركة ديان بيان فو).
لكن ديجول وبعد الهزيمة في الجزائر سنة 1960 كان هو الرجل الذي تعين علىه فك الإمبراطورية في أفريقيا.
والأهم أن ديجول كان لا يزال الرجل الذي يحمل معه الحلم المشروع. وفي الوقت نفسه كان لدىه ذلك القدر الضروري من فهم متغيرات العصور بحيث فهم أن فرنسا تستطيع أن تستعيض عن الإمبراطورية في صورتها التقليدية بإمبراطورية من نوع جديد على نحو ما فعلت بريطانيا بإنشاء الكومنولث (والأساس فيه اقتصادي يعتمد على الإسترليني).
ولم تكن لدى فرنسا قوة اقتصادية (إزاء بريطانيا والإسترليني ولا قوة مالىة إزاء المارك الألماني) وكان أن تحولت الإمبراطورية من دودة إلى شرنقة حرير على أساس من اللغة الفرنسية وحمولاتها الثقافية وهكذا طرحت ونشأت فكرة <<الفرانكفونية>>، وهي فكرة سياسية وليست ثقافية لأنه فيما يتعلق بالجانب الثقافي قام العالم بتكريم الثقافة الفرنسية حين اتخذ من باريس عاصمة لليونسكو (المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة).
والحقيقة أن <<الفرانكفونية>> كانت الطبعة الأخيرة للحلم الإمبراطوري الفرنسي وهو حلم له مشروع.
وطويت صفحات كتاب <<فرنسا: سنوات الظلام>> وفي خواطري وأمام عيني <<أن الإرادة تقدر أن تعيش حلمها (وتجدد وسائله)، وأما العجز فليس لدىه غير أن يعيش حلم الآخرين (ويذوب فيه).
وقمت من مقعدي أمشي على الشاطئ وعلىه الخطوط مما يرسم الموج على الرمل أو ما يلقي علىه من شظا حجر وبقايا صدف، متفكرا في شأن هذا البحر الأبيض الذي تحلقت الحضارات حوله، وارتكز التاريخ على صخوره، وكتبت الإنسانية واقفة أمامه بعضا من أشهر الصفحات في قصتها، تلك الأرفع قيمة وتلك الأدنى تواضعا!
(ينشر باتفاق خاص مع مجلة وجهات نظر المصرية)
ديغول: قائد فرنسا الحرة |
هتلر: لكابوس
الالماني |
| ... الى منتدى الحوار |
![]() |
| الصفحة الأولى| أخبار لبنان| عربي ودولي| اقتصاد| ثقافة |
| رياضة| قضايا وآراء| الصفحة الأخيرة| صوت وصورة |
| ©2001 جريدة السفير |