عوامل عديدة ساهمت في تأخر ظهور المسرح منها
العزلة شبه التامة عن العالم ومتغيراته قيام دولة الاتحاد شكل انعطافة
مفصلية في البنى الثقافية واتجه المبدع المحلي ليأخذ موقعه المناسب
وكلاء صهيون لحاكم الشارقة والاسلام والتعاون لجمعة غريب اول عملين في
تاريخ مسرح الامارات «غلطة بو احمد» أول مسرحية تعرض خارج الامارات
وكان ذلك في ليبيا عام 1975 منذ عام 1980 بدأت الدولة بارسال الطلاب
لدراسة المسرح اكاديمياً في الجامعات العربية والاوروبية.
أيام الشارقة المسرحية ظاهرة أساسية ساهمت في
تطور وارتقاء الحركة المسرحية المحلية
عبدالاله عبدالقادر حتى نفهم بشكل سليم مدى
التطور الذي حققه المسرح في الامارات لابد من معرفة العمر الحقيقي لهذا
المسرح او التقريبي على الاقل، وبالتالي فنحن لا نتحدث عن مسرح عريق.
الا كونه جزءاً من المسرح العربي الشامل في تجربته وتاريخه فقط.
ولعل من البديهيات التي نقرها في دولة الامارات
ان المسرح تأخر ظهوره في المنطقة لاسباب عديدة لا نريد تفصيلها هنا
ويمكن الرجوع الى بعض المصادر المنشورة،(1) وعلى سبيل المثال فالمسرح
في الكويت لم يظهر الا عام 1938م، وبمسرحية اسلام عمر في المدرسة
المباركية ،(2) غير ان المسرح في البحرين قد سبق ظهوره مسارح دول
الخليج، واعتبر عام 1925م، هو بداية لهذا المسرح،(3) اما المسرح في
الامارات فنحن نعتبر ان الارهاصات الاولى كانت في عام 1958 ـ1959م،
وذلك بظهور مسرحية وكلاء صهيون التي قدمها نادي الشعب بالشارقة، من
تأليف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس
الاعلى حاكم الشارقة، وكان وقتها طالباً، وكذلك مسرحية الاسلام
والتعاون لجمعه غريب في نفس العام في دبي، (4) إلا ان الخطوة الأولى
للمسرح في الامارات قد تحققت عام 1963م، عند مجيء واثق السامرائي الى
دبي ليحقق اول نقلة موضوعية مسرحية في الامارات المتصالحة (5) اما
المسرح في العراق فقد ظهر بزمن بعيد نسبياً عن هذه التواريخ ومنذ عام
1893 بمسرحية لطيف وخوشابا لفتح الله السحار وذلك حسب تاريخ طباعتها في
نينوي (6) ومن هذا الاستعراض السريع لتواريخ ومحطات هامة في تاريخ
المسرح في منطقة الخليج نؤكد ان المسرح مازال بكراً في المنطقة، وخاصة
المسرح في الامارات، وان الفترة الزمنية ما بين ظهور اول مسرحية موثقة
وحتى الان ليس زمناً طويلاً، خاصة ونحن ندرك ان فن المسرح يحتاج الى
عمر زمني وتراكم انتاجي ابداعي حتى نتلمس تطوره.
تطور المسرح مرهون بعوامل عديدة اذا ما
توفرت لمسرح ما فاننا يمكن ان نتلمس نتائج هذا التطور، ونحن هنا نتحدث
عن تطور ملموس نسبياً اذا ما قارنا هذا المسرح بمثيله في مناطق اخرى،
نحن لا نتحدث عن خوارق، انما عن تطور حقيقي اتاح للمسرح في الامارات ان
يقف الى جانب المسارح العربية المختلفة دون ان يكون متخلفاً عنها وان
يحصل العاملون به على جوائز الابداع في مهرجانات المسرح العربية
والخليجية، ان الفارق الزمني بين ظهور تلك المسارح والمسرح في الامارات
يعد بعشرات السنين، وهذه هي نقطة الاساس التي نبني عليها هذه الدراسة.
لقد عاشت المنطقة قبل قيام دولة الاتحاد
بانعزال شبه تام عن العالم لاسباب عديدة منها تقنية واخرى اقتصادية
وسياسية، الى جانب طبيعة مجتمعات الغوص او الصيد او مجتمعات القبائل
البدوية التي اعتمدت على التنقل في الصحراء، ولم يبرز في تلك الفترة
الا الشعر الذي يعتبر العمود الفقري الذي اعتمدت عليه بقية حقول
الابداع الفنية والادبية، اذ عرفت الامارات بالذات مجموعة من خيرة
الشعراء الذين يمثلون عصر النهضة الحديثة في الشعر، وعلى رأس هؤلاء
الشاعر سالم بن علي العويس 1887 ـ 1959م ومن ثم شعراء الحيرة (خلفان بن
مصبح 1923 ـ 1945، والشيخ صقر القاسمي، ومبارك سيف الناخي، وسلطان بن
علي العويس 1925 2000م)، ومن ثم جيل اخر كان حلقة وصل بين جيل الرواد
وجيل الشباب، اضافة الى كوكبة واسعة من شعراء النبط الذين ذاع صيتهم في
الخليج والجزيرة العربية، كأصوات شعرية نبطية متميزة اثمرت جيلاً من
المبدعين في هذا الفن الشعري العربي يشكلون المشهد الشعري النبطي
المعاصر.
ـ لماذا تأخر ظهور المسرح والكتابات الابداعية
بشكل عام؟ ـ سؤال يطرح نفسه عند كل مدخل لمبحث عن الابداع. وقد اجتمعت
عدة عوامل اثرت في عدم ظهور الاجناس الادبية والفنية الا الشعر الذي
كان قد احتل مساحة منذ سنين طويلة، ومن هذه العوامل: طبيعة المجتمع
السائد في الماضي، والذي يعتبر مجتمعاً رعوياً في المناطق الداخلية
وعلى السواحل يعتمد الناس على الصيد واستخراج اللؤلؤ، وهذا ما يتطلب ان
يسافر الناس طويلاً وبعيداً عن المجتمع وبقاء النساء والاطفال في
انتظار العائدين.
انقطاع المنطقة عن العالم أخر كثيراً ظهور
الاشكال والاجناس الادبية وكذلك الوضع الاقتصادي السيء الذي كانت تعاني
منه المنطقة، اضافة الى غياب الصحافة والمجلات حتى عام 1972م، وسيادة
مجتمع القبيلة الذي لم يكن يسمح لغير الشعر بالظهور، دع عنك عدم انتشار
التعليم النظامي، وغياب دور المدرسة في عملية تنمية المواهب وتفجيرها.
لكن الدولة شهدت منذ تأسيسها عام 1971م تطوراً
غير تقليدي في كل مفاصل الحياة، غير وجه الارض في هذه المنطقة، وحقق في
قطاعات متعددة نسباً من التطور تجاوزت كل التوقعات والدراسات على ارض
الواقع، لذلك فإن عام 1972م، والاعوام التي تلت شكلت انعطافاً كبيراً
تجاه تطور نواحي الحياة الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية والتعليمية،
وفي البنى التحتية الاخرى، ومنها البنية الثقافية التي تطورت بشكل واضح
وبوتائر سريعة جداً، فاحتل الكثير من المثقفين والمبدعين مواقعهم
الطبيعية مع مبدعي الوطن العربي في كافة حقول المعرفة والابداع ومنها
المسرح الذي نحن بصدده، وهناك جملة من العوامل التي ساعدت على هذا
التطور الذي نتحدث عنه.
العوامل الرئيسية التي ساعدت على تطور المسرح
في الامارات: لعل من بين اهم وابرز هذه العوامل تأسيس دولة الاتحاد عام
1971م، وقد اخالف من يتصور ان النفط كان العامل الاساسي وراء هذا
التطور النوعي في مناحي الحياة المختلفة، لان النفط كان قد اكتشف قبل
هذا التاريخ بكثير ولم يؤثر بشكل ما على وتائر الحياة، وفي حين كان عام
1972م، والاعوام التي تلت منعطفاً واضحاً ومتميزاً في تفجير الطاقات
البشرية وتحقيق الحلم على ارض الواقع.
ومنذ ذلك التاريخ تبنت الدولة برامج
تنموية في مجال الاقتصاد السكاني والتعليمي والصحي والخدمات
الاجتماعية، ولعل من ابرز ما حققته الدولة في برامج التنمية قد اتضح في
مجال التعليم النظامي والذي يعتبر انجازاً حقيقياً في هذا القطاع وفي
كافة مستويات التعليم من رياض الاطفال حتى التعليم الجامعي (7) خاصة ان
دولة الامارات قبل قيام الاتحاد لم تعرف التعليم النظامي الا في سنوات
متأخرة، اذ اعتمد التعليم على الكتاتيب الى سنوات طويلة وبعض المدارس
التي تم فتحها بدبي على ايدي بعض التجار ومنهم الشيخ احمد بن دلموك
والشيخ محمد علي زينل وذلك في الثلاثينيات وحتى الخمسينيات ثم المدرسة
الاحمدية عام 1956 ومن ثم فتحت اربع مدارس في دبي للبنين والبنات (8)
بينما شهدت خطط التنمية في مجال التعليم بعد قيام الاتحاد ارقاماً
قياسية ونسبة نمو عالية جداً، فعلى سبيل المثال ارتفع عدد المدارس
الابتدائية الى 147 مدرسة عام 1972 ثم قفز الى 782 مدرسة عام 1991
وارتفع عدد تلاميذ المدارس الابتدائية الحكومية عام 1972 الى (43328)
ثم قفز عام 1991 الى 388115 بمعدل زيادة قدرها 89% تقريباً (9).
ان انتشار التعليم ضرورة وتمهيد لقيام مسرح ما،
ذلك لان المسرح كأداة ثقافية ترتبط جدلاً بحركة التعليم، لذا فانا اؤكد
ان عام 1972 يشكل انعطافاً كبيراً تجاه تطور وتبلور كثير من الحياة
الثقافية والعمرانية. ان قيام دولة حديثة يعني انتقال العقلية البشرية
الى مرحلة اكثر تطوراً تتناسب والقفزات العمرانية والانفجار الاقتصادي،
وبالتالي فإن قيام دولة الاتحاد يعني ايضاً قيام وزارات ومؤسسات اخرى
يتبعها بالضرورة قيام مرافق ثقافية متعددة خاصة بعد ان انطلقت حركة
النشر بشكل واضح وتأسست في هذه الفترة معظم الصحف اليومية والعديد من
المجلات التي كانت رئة لتنفس المثقف ومنهم الفنان المسرحي.
لقد حققت الفترة من 1972 حتى 1977 تأسيس العديد
من الفرق المسرحية المحلية وشهد المسرح المحلي قفزات جريئة ومتعددة
صاحبتها طموحات واسعة حتى ان الدولة استقدمت ابان هذه الفترة زكي
طليمات (10) وسعد اردش وان لم يقدما عملاً مسرحياً انما قاما بمسح شامل
لواقع الطموحات، وما كان متوفراً من رؤى على ارض واقع العمل، ورفع زكي
طليمات تقريراً مفصلاً عن الرؤى الاستراتيجية لتطور المسرح في
المستقبل، وفي هذه الفترة تلمسنا انتاجاً ضخماً للمسرح، وبناء صالات
للعرض متعددة في الدولة،
اضافة الى محطات الاذاعة وبداية ظهور شبكات
التلفاز الى جانب ظهور العديد من المؤسسات الثقافية الهامة التي رعت
الثقافة والمسرح بشكل خاص مثل (المجتمع الثقافي في ابوظبي ـ دائرة
الثقافة والاعلام بالشارقة ـ اتحاد كتاب وادباء الامارات ـ جمعية
المسرحيين) والعديد من الفرق المسرحية العاملة في الدولة، علماً ان
وزارة الاعلام والثقافة وبعض الحكومات المحلية تدعم الفرق المسرحية
ماديا، وتوفر لبعضها مقرات رسمية، اضافة الى الاستمرار في مشاركة هذه
الفرق في المهرجانات المسرحية العربية والخليجية وبدعم حكومي، وهنا
لابد من ذكر رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي
شخصيا وعبر دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة لمهرجان مسرحي سنوي ومنذ
سنوات طويلة مما ساعد على تنشيط الانتاج والابداع المسرحي.
لقد ساهم قيام دولة الاتحاد في تنشيط المسرح
بشكل واضح وساعد على النهوض ببنيته التحتية وتشكيل كادره الفني وتشجيع
ابنائه على الانتماء لهذه المسارح دون ضرورة لوجود هيمنة على هذه
المسارح من قبل مؤسسات الدولة أو تسييسها، الامر الذي يعطي الحرية
الفكرية للعاملين في هذه الفرق المسرحية، خاصة وان سقف الحرية المتاح
أكبر بكثير مما هو متاح في دول عربية اخرى.
وازاء هذا الوضع فقد تأسست عدة فرق مسرحية وصل
تعدادها عام 1986 الى تسع عشرة فرقة موزعة على امارات الدولة (11)،
وكان معظمها مدعوما من قبل الدولة، وقد تقلص هذا العدد لظروف تتعلق
باعادة ترتيب البيت المسرحي من النواحي الفنية ليتحدد الآن عددها
بحوالي اثنتي عشر فرقة مسرحية.
2ـ تطور التعليم كان أحد الاسباب المهمة لتطور
المسرح في اطار التطور الثقافي العام، ذلك ان التعليم في الامارات قبل
قيام دولة الاتحاد اعتمد بشكل عام على الكتاتيب، مع وجود بعض المدارس
شبه النظامية مثل المدرسة التميمية التي بناها علي بن محمد علي التميمي
في الشارقة عام 1905 ومدرسة ابتدائية تم فتحها عام 1919 وظلت هذه
المدارس على الرغم من ندرتها فهي لا ترتفع الى مستوى التعليم النظامي
الذي شهدت الامارات بوادره في الخمسينيات، كما أسلفت في الفقرة السابقة
والانفجار الكمي والنوعي لنظام التعليم الذي شهدته الامارات بعد قيام
الاتحاد.
ان العلاقة بين المدرسة والمسرح علاقة
جدلية، لذا نجد ان بواكير العمل المسرحي قد بدأت على ساحات المدارس،
ويمكننا ان نرصد عدة مسرحيات قدمت للجمهور من هذه المدارس ما بين عامي
1957 و1959 مثل مسرحية «جابر عثرات الكرام» في المدرسة القاسمية (12)
بالشارقة وغيرها من الانشطة التي تلت، الا ان قيام الاتحاد ومؤسساته
الرسمية في عام 1971 جعل الأمر أكثر تطورا، خاصة حينما استقدمت وزارة
التربية والتعيم الفنان زكي طليمات ليقدم مسحا شاملا عن مستقبل المسرح
في الدولة، وقد رفع تقريرا ودراسة مفصلة للوزارة مؤكدا ان تطور المسرح
في المستقبل لا يتم الا بتطور المسرح المدرسي، لذا أوصى بضرورة تنشيط
هذا القطاع من المسرح حتى ينمي كوادر المستقبل انطلاقا من الحرم
المدرسي، لذلك نجد ان المسرح المدرسي نشط بشكل متميز جدا ما بين عامي
1972 و1982 وحقق انجازات عديدة ورعاية كبيرة من المسئولين وخططا وبرامج
ساعدت على تطور هذا القطاع الذي اعتمده التلفزيون حينذاك كمادة أسبوعية
تقدم بشكل منظم وبمواعيد محددة.
لقد كان المسرح المدرسي من اهم روافد حركة
المسرح في الامارات، وكانت المدرسة عاملا أساسيا في تطور المسرح في
الامارات ساعدت كثيرا لا في اطار الممثلين والفنيين الآخرين فحسب، بل
وفي فهم أوسع لدور المسرح وأهميته في المجتمع.
لست بحاجة هنا لأنقل لكم بيانات تطور التعليم
وحجم هذا التطور ونسبة التنمية في قطاع التعليم كماً ونوعاً في عدد من
المدارس والمدرسين والطلبة، الا ان هذه الارقام وتطورها تشكل نسبا
عالية جدا من وتائر التطور قياسا بالفترة نفسها في أمكنة اخرى من
العالم.
3ـ يشكل التأهيل العلمي قاعدة أساسية في تطوير
أية حركة مسرحية، ولنا في تجربة مصر والعراق في بداية القرن المنصرم
خير مثال على ذلك حينما عاد طلبة البعثات الفنية بعد تخرجهم من دول
الغرب وأسسوا المعاهد الفنية وحركة مسرحية ناشطة هي أساس حركتنا
المسرحية العربية المعاصرة، لذا فقد أدركت وزارة الإعلام والثقافة في
الامارات هذه الأهمية وبدأت منذ عام 1980 بارسال البعثات الى الخارج
لدراسة المسرح في الكويت ومصر وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية،
وعاد العديد منهم بدرجات علمية مختلفة، نال بعضهم درجة الدكتوراه في
المسرح،
وشكل هؤلاء الخريجون قاعدة صلبة وجديدة في
العمل المسرحي تعتمد على فهم اكاديمي مبرمج للمسرح وسدوا ثغرات كبيرة
في التجربة المسرحية المحلية، بل وحققوا نقلة موضوعية في طبيعة التعامل
داخل الفرق المسرحية وعلى خشبة المسرح بالذات، وانتشروا في أوساط
المسرحيين والفرق المسرحية ليمنحوا المسرح المحلي صورة زاهية مضافة الى
ما حققه في سنوات تاريخه السابقة التي اعتمدت على الفنان الفطري صاحب
الموهبة والتجربة فقط بغياب الفنان الاكاديمي الذي بلاشك يشكل قاعدة
انطلاق جديدة خاصة ان عالمنا المعاصر يحتاج الى تأهيل عال لمواجهة كل
ما نتلمسه من تطور.
4ـ من العوامل التي ساعدت على نهضة المسرح في
الامارات مشاركة فرقه المسرحية والعاملين فيها بالمهرجانات المسرحية
العربية وبوقت مبكر جدا من عمر الدولة، إذ كانت أول مشاركة لشباب
المسرح في الامارات عام 1975 في ليبيا بعرض مسرحية «غلطة بو أحمد» ثم
تلاها مشاركة فريق الامارات في مهرجان دمشق المسرحي الثامن عام
1979(13) ثم توالت المشاركات في جميع المهرجانات المسرحية العربية في
بغداد والقاهرة ودمشق وقرطاج ودول الخليج العربية مما اكسب العاملين في
المسرح خبرة من خلال الاحتكاك بالفرق المسرحية العربية ومشاهدة العروض
المسرحية،
إذ أصبحت هذه المهرجانات حافزا على التسابق بين
الفرق المسرحية العاملة لتمثيل الدولة فيها والمشاركة في عرض احسن
الانتاجات المسرحية، وقد وصلت هذه المنافسة ذروتها بفوز ممثل وممثلة
لجائزة تقدير مهرجان قرطاج عام 1986 عندما عرض مسرح الشارقة الوطني
مسرحية «بو حمدة» من تأليف واخراج د. جواد الاسدي الى جانب الاشادة
الدائمة بفريق الامارات المشارك في مهرجان دمشق المسرحي (14) وفوز ممثل
آخر بلقب أحسن ممثل في مهرجان المسرح لدول مجلس التعاون الخليجية. وفوز
مسرحية «باب الخرابة» أخيرا بمعظم جوائز المهرجان المسرحي الخليجي في
الدوحة.
5ـ وعلى النطاق المحلي فقد تأسس عام
1983 مهرجان محلي سنوي للمسرح أطلق عليه «أيام الشارقة المسرحية»..
والواقع يعتبر هذا المهرجان محطة جديدة ومنعطفا مهما في الحياة
المسرحية في الامارات لأن هذه الأيام أصبحت تقليدا ومظهرا، اضافة الى
ان أيام الشارقة المسرحية ارتبطت بضرورة تنشيط البيت المسرحي من الداخل
والتنافس ما بين الفرق المسرحية والاحتكاك فيما بينها، والواقع ان
الفرق المسرحية في الدولة تستنفر كل طاقاتها لتوظفها لخدمة العروض
المشاركة في هذه الأيام، خاصة ومنذ البداية وضعت حوافز مادية ومعنوية
للفائزين، كما نظمت على هامشه ندوات نقاشية نقدية حول العروض الى جانب
الندوات الفكرية عن المسرح المصاحبة لهذا المهرجان ومشاركة رمزية لفرق
مسرحية عربية واجنبية على هامش الايام، ودعوة عدد من المسرحيين العرب
إما محكمين أو مشاركين في الندوات والنقاشات (15).
لقد أصبحت أيام الشارقة المسرحية تقليدا مسرحيا
وظاهرة نوعية وميزة من ميزات الشارقة حرصت دائرة الثقافة والإعلام
بحكومة الشارقة على استمرارية هذا المهرجان وديمومته منذ تأسيسه حتى
الآن. وحظيت هذه الأيام المسرحية بدعم تام من لدن صاحب السمو الشيخ
الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
6ـ أستطيع الجزم ان من بين أهم عوامل تطور
المسرح في دولة الامارات الاستفادة من التجربة المسرحية العربية ممثلة
بالعشرات من المسرحيين العرب الذين عملوا في الامارات منذ سنوات طويلة
تمتد حتى قبل قيام دولة الاتحاد، بل شكلت هذه التجربة أساسا في تطوير
وتأثر العمل المسرحي والارتقاء به الى مستويات متقدمة جدا من خلال: ـ
تنوع الخبرات التي امتاز بها الذين عملوا في مسرح الامارات من مخرجين
وفنيين.
ـ اختلاف المناهج التي دخلت المسرح من خلال
الفنانين الذين اعتمدوا تلك المناهج الفنية كأساس لهم ولعملهم.
ـ الاعداد الكبيرة التي وفدت وشكلت ظاهرة واضحة
في الحياة المسرحية في الامارات الى جانب الاختلاف الجغرافي والثقافي
لهؤلاء الفنانين.
وقد أعطى هؤلاء الفنانون بلا حدود وعبر مراحل
مختلفة وطبيعة عمل اختلفت من مرحلة الى اخرى.
بدأت التجربة العربية مع حركة التأسيس
الأولى، أي منذ عام 1963 المحطة التأسيسية الأولى في مسرح الامارات،
وشكلت انعطافا جديدا مع مجيء العراقي واثق السامرائي في فبراير 1963
الى دبي وبداية العمل على شكل مجاميع وفرق مسرحية نشطة وقريبة من
الاكاديمية، إذ شكلت تجربة واثق السامرائي انتقاله من المسرح المدرسي
والبدايات الجنينية، الى مسرح شبه مدروس بطريقة فنية تبعها منهج عرض
داخل وخارج دبي والامارات المتصالحة، حيث انتقل بفريقه الشاب الى قطر
ليعرض هناك على مسرح شركة نفط قطر بعد ان بنى في دبي أول مسرح من الخشب
فوق سطح أحد فنادقها، لكن سرعان ما ترك المسرح بعد تجربة استمرت سنوات
لتطحنه الحياة العامة ويفضل ان يعيش في الظل في مدينة العين بعيدا عن
المسرح والاضواء.
أما المحطة الثانية فكانت مجيء زكي طليمات
بدعوة من وزارة الاعلام والثقافة 1972 ـ 1973 للاستفادة من خبراته في
دراسة ومسح الواقع لوضع تصورات مستقبلية للمسرح في الامارات، ولعلي
أسميها مرحلة اختبار التربة والتمهيد لانبثاق العناصر الاولية التي
تتألف منها بنية المسرح، وقد رفع تقريرا مفصلا الى الوزارة مع خطة
طموحة لم تر النور لأسباب مجهولة (16).
أما المحطة الثالثة والأكثر أهمية في مرحلة
التأسيس هذه التي بدأت مع واثق السامرائي مرورا بزكي طليمات لتقف عند
مجيء الفنان الكويتي صقر الرشود والذي يعتبر الحدث الأكبر في حينه لا
في الامارات فحسب، بل وفي الكويت ومنطقة الخليج العربية ايضا، ذلك ان
صقرا كان أحد الفنانين الكويتيين وعلى المستوى العربي على الاطلاق،
وبمجيئه أشعل حماسا غير طبيعي وارتباطا بيئيا مصيريا بينه وبين شباب
المسرح، وكان بينه وبين المسرحيين الشباب في الامارات أكثر من رابط
مشترك ومن خلال معرفتي الشخصية بصديقي المرحوم صقر استطيع ان أقول ان
حماسه وطموحاته وتطلعاته وسرعة حركته، وسعة عقله وتجربته في المسرح
الكويتي، واختلاطه بالمسرحيين العرب، وحب الشباب له وحبه لهم، كل هذه
العوامل ساعدت على نجاح مرحلته، اضافة الى انه سرعان ما اقنع استاذه
الراحل ابراهيم جلال ليشكل معه ثنائيا منتجا ومعلما ومرشدا، ظلت آثار
هذه المرحلة حتى اليوم متمثلة بما انجزاه على المستوى الاداري والفني
والتنظيمي، وهنا لا أريد ان أخوض بتفاصيل ما انجزاه في فترة عملهما
القصيرة، غير ان الموت سرعان ما خطف صقر الرشود خلال قيامه بواجبه في
المنطقة الشرقية من الامارات ليبقى ابراهيم جلال وحده في مواجهة هذا
الكم الكبير من العمل المسئول والقلق والواجب الذي تحمله استاذنا
الكبير بجدارة قبل عودته الى بغداد ايضا.
ثم توالت وفود المخرجين العرب الذين عمل كل
واحد منهم بما يملك من موهبة وعلم ومعرفة افادت المسرح وحققت نجاح تلك
المرحلة، حيث اكمل تلك المسيرة مباشرة فريق من المسرحيين العرب
الاعلام، ما بدأه صقر الرشود وابراهيم جلال كان في مقدمتهم: فؤاد الشطي
من الكويت الذي اسهم بشكل عملي في مواصلة تلك المسيرة التي بدأها صقر ـ
جلال، وحتى بعد عودته الى الكويت ظل على اتصال حميم ودائم مع مجمل
الحركة المسرحية في الامارات، جاء من بعده المنصف السويسي الذي سرعان
ما وضع الاسس لدورة مسرحية تعتبر حتى الآن الاكبر والاهم لتأهيل شباب
المسرح، يعاونه في ذلك مجموعة من الاساتذة المخرجين العرب (يحيى الحاج
ـ فاروق اوهان ـ الريح عبد القادر ـ محسن محمد ـ فتحي دياب ـ عبدالكريم
عوض) وغيرهم ممن ساهموا في التدريس في الدورة التي نظمها المنصف.
بعد هذه الدورة المسرحية التي اعتبرت انعطافة
جديدة لمرحلة جديدة استكمل المسيرة مجموعة من المسرحيين الذين امتازوا
ايضا باختلاف مناهجهم الفنية كونهم استطاعوا ان يكونوا بمستوى المرحلة
الجديدة من العطاء، ومن هؤلاء (عبد الاله عبد القادر ـ المنجي بن
ابراهيم ـ خليفة العريفي ـ د. حسين مسلم ـ د. جواد الاسدي)، وطبيعي فان
المراحل تتداخل ولا يمكن الفصل بينها، وكذلك عمل هؤلاء الفنانين يتداخل
زمنيا دون امكانية تحديد زمني لكل واحد منهم، علما ان بعض هذه الرموز
مازال يتعايش في المنطقة ويعطي ما استطاع ان يقدمه من خبرته، في حين ان
البعض من هؤلاء الاعلام عاد الى بلاده بينما اعتاد الآخرون زيارة
الدولة بين الحين والآخر لتقييم عرض او الاشراف على مسارح الدولة لفترة
محدودة، فالتواصل ظل قائما للعديد من هؤلاء الفنانين مع مسارح الدولة.
هنا لابد من الاشارة للفترة الزمنية التي بدأ
بها د. جواد الاسدي صاحب المنهج المغاير جدا للمناهج الفنية الاخرى، اذ
بدأ عمله بدورة مسرحية ليؤكد على حوار الجسد ويقدم رؤاه الفكرية
والفنية مضيفا دما جديدا للحركة المسرحية، وينتقل بها الى محطة جديدة
ظلت مؤثرة حتى الآن الا انني لا استطيع ان اشير هنا الى المرحلة التي
مثلتها تجربتي الشخصية الممتدة من عام 1980 لاني افضل ان يتحدث عنها او
يقيمها غيري، خاصة انني كنت شاهدا على تطور هذه الحركة منذ عام 1980
وبشكل عملي وميداني يومي ودون انقطاع.
زيارة للمسرحيين العرب ظلت متواصلة مع
المسرح في الامارات ومن الصعب ان نغطي كل مراحلها ومزاياها، واثرها، في
هذه الدراسة، الا انني اشير الى بعض الاعلام الذين جاءوا بعد ذلك
ليضيفوا الى حركة المسرح جديدا ويساعدوا على تبلور التجربة وتطورها
ويضيفوا تقنيات جديدة عبر تجاربهم العامة لينسجوا هذا المسرح دما جديدا
متجددا، كان من بين اهم هؤلاء الدكتور عوني كرومي والفنان قاسم محمد
ومحمود ابو العباس ولفيف من المسرحيين العراقيين العاملين الشباب شكلوا
ظاهرة بعد حرب الخليج الثانية حيث توافد عدد منهم للعمل في الفرق
المسرحية المختلفة، فبعد ان كان المخرجون العرب يعملون فقط في الفرق
الرئيسية وفي المدن الكبيرة الرئيسية في الدولة، فان المخرجين الوافدين
الجدد توغلوا وصولا الى فرق الاطراف والمدن الصغيرة ونشطوا تلك الفرق
المسرحية التي كانت تعتبر ولوقت قصير من الفرق الثانوية، الا ان تواجد
هؤلاء نشط تلك الفرق ونقلها الى دائرة الضوء خاصة فيما قدم من خلال
ايام الشارقة المسرحية في دورتها الاخيرة ابريل 2000م.
واقع المسرح في الامارات حاليا: بعد ان تحدثنا
عن وتائر تطور المسرح في الامارات والعوامل التي ساعدت على بنائه بشكل
يمكن ان يقف الى جانب العديد من المسارح العربية بل ويدخل احيانا في
منافستها لابد ان ننظر الى الواقع الذي يعيشه المسرح الآن حتى نكون
موضوعيين في تقييمنا، والامر في غاية البساطة، فكل حركة تحمل بين
طياتها العديد من الاضاءات والاخفاقات معا، والمسرح في الامارات الذي
لم يكمل عمره الزمني اربعة عقود شأنه شأن اي مسرح آخر يعاني العديد من
مظاهر السلبية، ولكن عمره الزمني القصير والنسبة الكبيرة من البناء
الجديد الذي صاحب هذه المسيرة يقلل من نسبة الخطورة، ومن هذه المظاهر
السلبية، وارى ضرورة الايجاز فيها، وهي كالآتي: ـ تعدد الجهات المسئولة
عن رعاية المسارح واجازتها: قسم المسرح في وزارة الاعلام والثقافة
ودائرة الثقافة والاعلام في الشارقة، جمعية المسرحيين، وهي جهات تعمل
مباشرة مع المسرح ولكل واحدة منها استراتيجية عمل مباشرة مع قطاع
المسرح وادارات الفرق المسرحية وتعاونها بين مد وجزر، اضافة الى وزارة
التربية والتعليم التي تشرف على المسرح المدرسي والمسئولة عن ارسال
البعثات الدراسية الى الخارج، ووزارة العمل والشئون الاجتماعية التي
تجيز وتشهر الفرق المسرحية وهي ليست جهة اختصاص فني لذا فان تعدد
الدوائر المسئولة والاستراتيجيات، وان كان احيانا يفيد مجمل الحركة
المسرحية، ولكن بالضرورة يفقدنا وحدة الرؤى وانسجام التوجه ومركزية
القرار.
ـ تعدد الفرق المسرحية وكثرتها قد تؤدي في بعض
الاحيان الى ان تكون بعض هذه الفرق مجرد هياكل او كيانات غير عاملة او
بالاحرى غير نشطة، ويحتاج البيت المسرحي الى اعادة نظر وترتيب على ضوء
ما تفرزه التطورات التي يعيشها العالم ونحن جزء منه.
ـ عدم انتقال حركة المسرح من حركة هواة الى
مستوى الاحتراف رغم وجود عدد من المسرحيين المتفرغين عن طريق وزارة
الاعلام والثقافة ومنتسبين الى بعض الفرق المسرحية، لذا فمسرحنا في
الامارات يحتاج الى نقلة موضوعية جديدة لينتقل عدد من فنانيه الهواة
الذين امضوا عشرات السنين من العمل والتجربة الى دور الاحتراف مما
سيساعد على تطور المسرح بشكل ايجابي وبوتائر اعلى.
ـ ضعف التأهيل والتدريب، على الرغم من تعدد
المحاولات التي حققتها بعض الجهات الرسمية ذات العلاقة بالمسرح او
الفرق المسرحية، الا ان الكثير من العاملين في المسرح يحتاجون الى
اعادة تأهيل خاصة فيما يتعلق بتقنيات العمل المسرحي وتحت اشراف
اخصائيين اكاديميين.
ـ غياب الدراسات الميدانية والاحصاءات العلمية
التي تساعد العاملين في المسرح عند التخطيط او تلمس الواقع او معرفة
توجهات الجمهور وتطلعاتهم وآرائهم، الامر الذي سيساعد كثيرا في تصحيح
الخطاب المسرحي الذي لم يخضع حتى الآن لمثل هذه الدراسات.
ـ تعاني المواسم المسرحية من عدم انتظام في
عروض هذه الفرق المسرحية واعتماد بعض المسارح على الموسمية في العمل او
ترقب المهرجانات للمشاركة فيها بعيدا عن التخطيط للموسم المسرحي، وهذا
يجعل بعض عروض هذه الفرق متباعدا، لا يساعد على نمو جمهور مسرحي يرتبط
جدلا بالعروض المسرحية وبالتالي فقدت الحركة المسرحية مبادرة تكوين
جمهور حقيقي للمسرح لاجمهور متفرجين غير معني بالمسرح انما بقضاء الوقت
فقط.
واخيرا، فان المسرح فن الحرية والحوار، ومهما
تقدمنا فيما نعرضه من مسرحيات وعروض سنظل نحتاج الى مزيد من الحوار
والدراسات والتطلعات والطموحات، والى مزيد من الحرية مهما اتسع افقها
وسماؤها.
الهوامش: 1ـ عبدالاله عبد القادر ـ تاريخ
الحركة المسرحية في دولة الامارات ـ دار الفارابي ـ بيروت 1987م.
2ـ د. محمد الرميحي واقع الثقافة ومستقبلها في
الخليج العربي ـ دبي 1982م.
3ـ قاسم حداد المسرح البحريني ـ التجربة
والآفاق ـ البحرين 1981م.
4ـ عبد الاله عبد القادر ـ نفس المصدر السابق.
5 ـ عبدالاله عبد القادر ـ نفس المصدر السابق.
6 ـ احمد فياض المفرجي. المسرح في العراق صفحات
موجزة ـ بغداد 1978م.
7ـ د. موزة غباش، التنمية البشرية في دولة
الامارات ـ ابوظبي 1996م.
8ـ محمد حسن الحربي ـ تطور التعليم في دولة
الامارات ـ دبي 1988م.
9ـ د. موزة غباش ـ نفس المصدر السابق.
10 ـ عبد الاله عبد القادر ـ نفس المصدر
السابق.
11 ـ عبد الاله عبد القادر ـ نفس المصدر
السابق.
12 ـ محمد حسن الحربي ـ نفس المصدر السابق.
13 ـ عبد الاله عبدالقادر ـ نفس المصدر السابق.
14 ـ عبد الاله عبد القادر ـ مسرح الشارقة
الوطني في عقدين من الزمن ـ الشارقة 1997م.
15 ـ د. يوسف عايدابي ـ المسرح في الامارات بين
الواقع والطموح ـ جريدة ايام الشارقة المسرحية ابريل 2000م.
16 ـ عبد الاله عبد القادر ـ تاريخ الحركة
المسرحية في دولة الامارات ـ دار الفارابي ـ بيروت 1987م.