د. يوسف نور عوض

لا يزال عدد كبير من المثقفين العرب ينظر الي النزاع القائم مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية من منظورات حضارية واسعة، وذلك ما يجعلهم يتجاهلون المواقف البراغماتية لصالح المواقف الحضارية الشاملة وهو ما يوقع في الخطأ. فإذا نظرنا في الوقت الحاضر الي المواقف التي اتخذتها الولايات المتحدة من أفغانستان نجد من الصعوبة ربط ذلك بموقف حضاري شامل نلخصه في مفهوم صراع الحضارات، لان الولايات المتحدة لم تكن في واقع الامر تنطلق من موقف حضاري بقدر ما كانت تنطلق من موقف ذرائعي براغماتي تريد من خلاله أن تقدم إجابة مقنعة عن التساؤلات التي شككت في صدقية الحكومة الامريكية، بل وأثرت علي هيبتها الدولية، ذلك أن إعتداءات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) لم تكن في مدلولها الدقيق مجرد عمل إرهابي بل كانت تحديا للهيبة الامريكية كلها التي ظلت تفاخر بقدرتها علي الردع والمراقبة وأنها محمية وراء البحار من أي إعتداء محتمل وهو ما ثبت عدم صدقيته بعد الاعتداءات ما جعل الولايات المتحدة تسعي من أجل استعادة هيبتها الدولية وتقديم إجابة مرضية للمجتمع الأمريكي وبالتالي فقد كان تحديد عدو بصورة سريعة وإعطاؤه بعدا حضاريا من أهم الوسائل التي استخدمتها الادارة الامريكية لاستعادة هيبتها الضائعة، مستخدمة في ذلك كل نفوذها من اجل التغطية علي الجرائم التي ارتكبت في أفغانستان والتي لا تقل عن الجرائم التي ارتكبها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية والتي وصلت الي حد خروج وزير الدفاع الامريكي علنا يطالب بقتل الاسري في قلعة قندوز بل وملاحقة من يسمون بالارهابيين في كل مكان وقتلهم في الوقت الذي يقف فيه المسؤولون الامريكيون يطالبون بمحاكمة الاسير الامريكي الذي كان يقاتل في صفوف طالبان وفق قواعد الدستور الامريكي.
وكانت الادارة الامريكية في كل ما ذهبت اليه تحاول جاهدة حماية اللوبي الصهيوني الذي يسيطر عليها والذي عرض أمن الولايات المتحدة الي الخطر بتركيزه علي المصالح الاسرائيلية وإهمال المصالح الامريكية واهمها مسألة الامن القومي.
وكان من المتوقع بعد ذلك أن تتجه الولايات المتحدة لاصلاح البيت من الداخل من اجل خدمة مصالح الشعب الامريكي، ولكن الظروف التي خدمت الولايات المتحدة في أفغانستان حفزت اللوبي الصهيوني كي يتحرك مجددا ويجير كل ما حدث في أفغانستان لصالح اسرائيل والمؤسسة الصهيونية، ويلاحظ ذلك في قلب كل ما أعلنته الولايات المتحدة قبل بداية الحرب الي معني واحد يتعلق بخدمة اسرائيل، فبعد أن كانت حرب الارهاب غير موجهة ضد الاسلام كما زعم الرئيس الامريكي رأينا أخيرا أن الولايات المتحدة توجه سهامها اول ما توجهها الي المنظمات الاسلامية التي تجاهد من أجل تحقيق العدالة في اسرائيل، بل ورأينا الادارة الامريكية تحتفي بالصهيوني المجرم شارون في البيت الابيض في الوقت الذي تفرض فيه الادارة الجبرية علي الرئيس عرفات بل وتمنعه اسرائيل من مغادرة أراضي السلطة الفلسطينية ليحضر مؤتمر وزراء خارجية الدول الاسلامية في الدوحة دون إدراك لأن المعني الوحيد الذي يحمله هذا الاجراء هو أن السلام الذي تتحدث عنه اسرائيل غير ذي معني بل إن دعاوي السلطة الفلسطينية بأنها حققت انتصارا بعودتها الي أرض الوطن والعمل من داخله بعد أن حررت ربع الاراضي المحتلة لا معني له أيضا في ضوء حصار يمنع رئيس السلطة الفلسطينية من التحرك من أجل ممارسة مهامه.
ولن تتوقف حدود الاطماع الصهيونية الامريكية عند فلسطين بل ستتجاوزها الي كل ما تعتقد انه سيهدد الامن الاسرائيلي مستقبلا، ويتحدثون في الوقت الحاضر في الولايات المتحدة عما يسمي بالنموذج الافغاني والمقصود بهذا النموذج هو توجيه قوة عسكرية قوية وضاربة من الجو علي شعب فقير وغير قادر علي الدفاع عن نفسه ثم ترك المجموعات المناهضة لنظام الحكم كي تكمل المشوار بتوجيه ضرباتها لتحقق النصر في النهاية خدمة للمصالح الصهيونية الامريكية، وذلك ما تفكر فيه الادارة الامريكية في الوقت الحاضر بالنسبة للعراق وغيره من الدول العربية ولكن الادارة الامريكية تعلم أن العراق ربما لا يكون صيدا سهلا من منطلق هذه النظرية وهو ما يجعلها تواصلها من خلال الاهداف الاكثر ضعفا ويأتي في مقدم هذه الاهداف الصومال والسودان اللتان لا نشك في ان الولايات المتحدة سوف تسعي الي التأكد من نموذجها من خلالهما ونظرا لخطورة ذلك علي ما تحقق من انجازات إقتصادية ومدنية في السودان نود ان نتوقف عند السناريو المحتمل لهذه البلاد.
ركزت الحكومة السودانية قبل الازمة التي فجرتها الاعتداءات علي الولايات المتحدة علي تحسين صورتها الخارجية وإصلاح ما افسدته سياستها التي وصفتها بعض الدوائر بالتطرف، وقد اسفرت جهود الحكومة السودانية عن إعادة علاقاتها مع كثير من الدول التي كانت تقاطعها وحفزت الحكومتين المصرية والليبية علي التقدم بمبادرتهما من اجل تحقيق المصالحة الوطنية وهي الجهود التي توقفت بعد انشغال العالم بالتطورات الخارجية ولكن الحكومة السودانية عادت من جديد لتؤكد رغبتها في التعاون مع الولايات المتحدة بعد الاعتداءات ويقال انها طردت عددا من المتطرفين الذين كانوا يقيمون في السودان بل يقال إنها سلمت بعضهم الي دولهم، ولكن ذلك لم يشفع لها لان وفد المخابرات المركزية الامريكية الذي ظل موجودا في الخرطوم وكذلك المندوب الذي ارسلته الولايات المتحدة لم يقدما جديدا في تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، بل قدم هؤلاء مقترحات تخدم المقاتلين في جنوب السودان ولا تفيد حكومة السودان في شيء، وكان من أكثر التحركات دراماتيكية المؤتمر الذي عقدته المعارضة السودانية في العاصمة السودانية أسمرا والذي قال الرئيس الارتري أسياس أفورقي خلاله إن الحرب لا توجد حلا عسكريا لمشكلات السودان وقد يفهم هذا القول علي انه تصح للمعارضة حتي لا تنفذ تهديداتها بفتح جبهة قتال ضد الحكومة السودانية ولكن باطن الكلام فيه تقريع للحكومة السودانية ذاتها بانها لن تكسب حربها في جنوب السودان والاجدي أن تتوجه الي المؤتمر الجامع بأجندة جديدة حتي تخرج من مأزقها وتحرك الاحداث في اتجاه الحل بدلا من هذا الوضع الذي هو حالة مستمرة من الركود السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
ولا شك ان عوامل كثير ة تعمل في الوقت الحاضر من اجل تحريك الاحداث في السودان، يأتي في مقدمها حالة الركود الاقتصادي التي تعاني منها البلاد وهي حالة لا تعالج بالاجراءات التي ذهب اليها وزير المالية، ذلك أن إجراءات الخصخصة تكون مفيدة عندما يكون هناك ازدهار اقتصادي وتكون المؤسسات ناجحة، أما حين تفشل الحكومة في إدارة الاقتصاد وتفكر في إلقاء المسؤولية علي القطاع الخاص ينشأ وضع يتسم بعدم المسؤولية ولا يؤدي إلا الي مزيد من التدهور، كذلك، فإن تخفيض الضرائب لا يكون مفيدا عندما تكون البلاد في حالة تدهور لان تخفيض الضرائب في مثل هذه الحال كرم زائف كون الحقيقة هي ان المواطنين لا يستطيعون دفع الضرائب، اما زيادة سعر الطاقة فهو الكارثة الحقيقية التي ستفاقم الوضع وستزيد المواطنين فقرا علي فقر ولن تجدي حينئذ مثل أقوال وزير المالية إن المعيار ليس هو قفة الملاح اي سلة الخبز والطعام وانما المعيار هو الامن الذي تحققه الحكومة للمواطنين لان المواطنين يعلمون ان امنهم الحقيقي يتكامل عندما توفر لهم سلة الطعام.
ومجمل ما نرمي اليه من ذلك أن العامل الاقتصادي يلعب دورا مهما في استقرار الحكومة، ولا يجوز للحكومة أن تمني المواطنين باقتصاد مزدهر بعد اكتشاف النفط ثم يواجههم وزير المالية بأن خزينة الدولة لا تستقبل دولارا واحدا من أموال النفط لا نها تذهب الي الشركات التي استثمرت في السودان، ولا يمكن للشعب حينئذ ان يقتنع ان كل عائد الثروة يعود الي الشركات لمجرد أنها استثمرت في السودان مع العلم ان ثروة النفط حتي الان لا تعتبر كبيرة بحيث تبرر الاستثمارات الضخمة التي ذهبـــت اليها.
ولا يعتبر المشكل الاقتصادي هو الوحيد الذي تواجه حكومة السودان، ذلك ان اخطر القضايا التي تواجهها هذه الحكومة هي قضية الجنوب التي وضح أخيرا أن الحكومة الامريكية توليها اهمية خاصة وتريد ان تخلصها لصالح قوي التمرد والثورة علي الحكومة، ، إذا كانت هناك تداعيات لما حدث في الولايات المتحدة باتجاه السودان فأغلب الظن أن الولايات المتحدة سوف تطبق سيناريو يخرج هذه القضية من دائرة السيطرة الحكومية المركزية وإذا رأت الحكومة الامريكية تطبيق نموذجها في أفغانستان فاغلب الظن أنها سوف تعتمد علي موجة الهجرة الواسعة الي عاصمة البلاد من جنوب البلاد ومن اماكن اخري علي إعتبار أن ضرب المنشآت العسكرية والمدنية وأهمها الكباري التي تربط العاصمة السودانية الي جانب مؤسسات الطاقة سوف يخلق حالة ضخمة من الارباك في السودان وحينئذ سوف تتحرك العناصر الناقمة علي السلطة وتاريخ طويل من الاضطهاد وربما رأي السودان سيناريو لا يختلف كثير ا عما جري في زنجبار أو مايجري حاليا في افغانستان، ولا تستطيع الحكومة السودانية عند هذه المرحلة أن تركن الي مساعدة العالم العربي لانه في أقصي حالات الضعف وقد انقسم الي فسطاطين، فسطاط الحكومات المهزومة التي قررت ان تسير في طريق الاستسلام الي نهايته وفسطاط الشعوب التي لا تملك آلية واضحة للتغيير بل ولا تمتلك ارادة التغيير وما تزال تلوك شعارات هامة مثل صراع الحضارات وغيرها من الشعارات التي لاسند لها في عالم الواقع لان المعركة الحقيقية ليست بين حضارات متساوية القوة تتصارع وانما هي معركة بين التخلف والاستسلام من جهة والقوة والارادة من جهة اخري، ولعل أسوأ ما وصل اليه العالم العربي في الوقت الحاضر هو ان الناس لم تعد تحفل كثيرا بالاقوال اللفظية التي يرددها المثقفون والفقهاء لان العالم العربي أدرك أن هذه الكلمات لا جدوي منها في عالم الواقع مع انهيار إرادة المواجهة ورفض الهزيمة في مجتمعات تتحدث عن عدم استعدادها للمواجهة ولا تفعل شيئا من أجل تغيير واقعها.
ولا يقودنا ذلك الي القول إن ما يتطلع اليه الشعب السوداني هو مجرد عقد اجتماعات تصالحية من أجل تغيير حكومة بحكومة أو زعيم بزعيم لان الامر قد تجاوز هذه المرحلة، والسودان يقف الان علي مفترق طرق وهو بحاجة ماسة الي نقد الذات اولا، ولا يبدأ نقد الذات الا حين تكون هناك الشجاعة الي نقد الممارسات الخاطئة والارتكان الي عقائد حول النفس والوطن تختلف عن الممارسات الفعلية في عالم السياسة الواقعي، ولا بد حينئذ أن يفكر نظام الانقاذ أنه لا يكفي ان يحتمي خلف الشعارات الدينية أو الحماس الذي يظهره من أجل جهاد في جنوب البلاد لا مبرر له لان المسألة في جنوب السودان ليست حربا بين مسلمين وكفار وانما هي صراع حول حقوق وواجبات وبحث عن الكرامة الانسانية التي يستحقها سائر المواطنين بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية أو انتماءاتهم العنصرية، ويجب هنا ان تتوقف الحكومة لنقد شعارها الذي رفعته والذي تسميه المشروع الحضاري والذي لا تملك الوسائل لتحقيقه بل والذي تحول في نهاية الامر الي ثقافة طاردة جعلت الالاف من خيرة ابناء الوطن يعيشون الصقيع في مرافيء الغربة ولا يزال الوطن يلوك الشعار تلو الشعار دون ان يمنحهم بصيصا من الامل وهو يفتح صدره في الوقت الحاضر عاريا من اجل مواجهة مستقبل غامض في ظروف عالمية غاية في االتعقيد، والسؤال هو هل يتعرض السودان لهجمة أمريكية؟
الاجابة هي من الخطأ أن يركن السودان الي ان الولايات المتحدة خلف الارهاب فقط، لان الولايات المتحدة في حقيقتها خلف تصفية قضايا مستعصية وتأتي المصلحة الصهيونية في مقدمة اهتماماتها، وقصر النظر وحده هو الذي لا يري الاهداف المستقبلية للكيان الصهيوني في السودان، وهي اهداف لا يتجاهلها السودان وحده وانما مصر التي تعتقد أنها قادرة علي صنع سلام في منطقة الشرق الاوسط من موقع الضعف.
QP19