موقع مفهوم Concept
 
يقدم
 
خان الحرير
رواية
نهاد سيريس
 
(الفصل الثالث)

 

 

ماهذه تشيكوسلافاكيا التي اشتروا منها السلاح ..إنني أسمع بها لأول مرة؟
( تساءل السيد كمال حين كان يناقش في السياسة )
سأموت نفسي ولن أتزوج..
( تصميم الأرملة سعاد )
خيي ياخيي..ياابن أمي وبيي..إن أجتك فسفسة المخدة..لاتقسِ قلبك علي.
( أهزوجة زينة في عرس أخيها )
هاي والا هاي؟...تنتين ملاح.
( أغنية تستمر حتى الصباح )
يمكن أن تكونوا معي دائماً..إلا يوم الخميس القادم.
( من أقوال محسن، وهمس لأمه: خدعتموني...)
فرحت كثيراً عندما علمت أن أبو عادل سيتزوج علي..
( تصريح مهم لزوجته أم عادل )


الحاج محمد. رجل تجاوز الخمسين من عمره منذ مدة طويلة. بخيل، وبسبب بخله هذا دخل في صراع طويل ومرير مع زوجته التي تزن أكثر من مائة كيلو. كان تاجراً للأقمشة المستوردة. يفضل القماش الإنكليزي على غيره ولديه خبرة طويلة فيه. حتى أنه يعرف كل نوع من أي مدينة انكليزية جاء ومن أي مصنع خرج. كان لابأس به لولا بخله الذي يتندر به الشيخ علي عدو البخلاء الرقم واحد. وعندما كبر ابنه (لديه ثلاثة أبناء) أخرجه من الكتاب بعد أن عجز عن حفظ القرآن بسبب غبائه التام، وأيضاً لكي يوفر أجور الشيخ وجعله يساعده في المحل، وهو بهذا كسب الى جانبه ابنه البكر في صراعه مع زوجته، فأصبحوا اثنين على ثلاثة، ولكن عندما زوجه امراة سليطة اللسان مثل زوجته، أصبحوا ثلاثة ضد ثلاثة. ولم يمض وقت طويل حتى ترك بيته، بتشجيع من كنته حميدة، واحتل غرفة في بيت ابنه.

كانت كنته حميدة تشجعه على الزواج نكاية بحماتها، ولكنه كان يحسب الأمر من الوجهة الاقتصادية. كان يرفض لأن عليه حينئذ أن يصرف على ثلاثة بيوت. وبما أنه تجاوز الخمسين فمن تلك التي ستقبل به إن لم تكن بدينة وأكولة وسليطة اللسان كزوجته أم محمود؟ عليه أن يصوم ويعيش بعيداً عن تلك الفاجرة.

ولكن الأمر اختلف عندما مات الأستاذ سعيد وترك وراءه أرملة ذات جمال طبقت شهرته المدينة كلها. جعل يحلم بها. تزوره في منامه. اشترى لها عقداً من الذهب (طبعاً في أحلامه) وأهداها إياه. وفي أحلامه أيضاً كان يفعل أشياء أخرى، وفي الصباح كان يضطر للمرور على حمام النحاسين، وهو في طريقه الى محله في خان الحرير، ليسقط الجنابة. لقد أصبحت سعاد أرملة، والأرملة العادية تترك أهلها في حالة دائمة من القلق عليها وعلى سمعتها فكيف إذا كانت خارقة الجمال؟. لاأحد يتمنى أن تعود ابنته إليه بعد زواجها. أقوى من الرصاص، رجوع البنت للأساس. هذه هي حكمة الناس عندنا ولابد أن الحاج عبد القادر قد تلبسه الهم ويتمنى أي رجل، مهما كان عمره ووضعه، أن يأتي ويطلب يدها ليقدمها له على طبق من فضة. أصبح يتقرب إليه أكثر ويتابع أخباره. اشترى له مرة علبة لبن من أغلى الأنواع وأهداه إياها، اشترى منه ليف وأكياس تفريك لم يكن في حاجة إليها وحلف عليه لكي يأخذ ثمنها. راح يتردد عليه أكثر من ذي قبل ولكنه لم يفاتحه بالموضوع. وعندما علم أن أبو عادل قد سبقه الى طلب يد الأرملة سعاد كاد يجن..فارتبكت أحلامه، ولم تعد تأتيه سعاد في المنام فقد خاصمها واستعاد العقد منها. كان يتنهد ويزفر باستمرار وهو جالس في سقيفة محله ينظر الى النافذة المغلقة.

لأبو عادل عيب كبير. صحيح أنه يبدو شاباً أكثر منه وأكثر حيوية، ولكنه نسونجي، يحب النساء. هذا عيب كبير. كان يتمنى من كل قلبه أن يكون الحاج عبد القادر يعرف هذا العيب في أبو عادل . وعندما طال الوقت ولم يُعطَ أبو عادل الجواب على طلبه ، ظهر بصيص أمل أمام عيني الحاج محمد، فتسلح بالشجاعة وذهب الى دكان الحاج عبد القادر وقد خطط جيداً لما سيقوله. باختصار، عليه أن يطلب ويعرض بسخاء. سوف يكون معها أكرم من أي يوم مضى. قال للحاج عبد القادر الذي كان جاحظ العينين من المفاجأة العظيمة:

- سوف أشتري لها بيتاً وأفرشه من كله. براد وغسالة وراديو..سأكتب كل شيء باسمها إن وافقتم ياحاج عبد القادر.

- ياحاج محمد..لقد فاجأتني..فاجأتني والله.

- لاتتفاجأ، خذ رأي البنت إن أردت، فأنا لست مثل غيري نسونجياً.

- تقصد..على كل نحن لم نفاتح البنت بشيء لأنها لا تزال مجروحة. وأنت تشرفنا ياحاج محمد ويبقى رأي البنت هو الأساس..فأنا بصراحة سأطلب منها أن تختار.

- على خيرة الله..خل الموضوع بيننا. السلام عليكم.

- وعليكم.

جلس وهو غير مصدق ما سمع. هل هذا هو الحاج محمد نفسه المعروف بالبخل يتقدم لخطبة ابنته ويعرض أن يكتب باسمها بيتاً مفروشاً..؟ قال بصوت مسموع سبحان الله وجعل ينفث الدخان بكثافة.

في المساء انتهز فرصة انشغال سعاد بملاعبة ابنها في غرفتها ليهمس لزوجته. سألها رأيها بالحاج محمد. قالت وهي مشمئزة إنه بخيل، وإن زوجته طردته من البيت بسبب بخله. وعندما أخبرها أنه قام يخطب لنفسه استغربت المرأة من الناس كيف يعطون بناتهما الى رجل عجوز وبخيل. أما عندما قال لها إنه جاء وطلب يد سعاد وإنه سيشتري بيتاً ويفرشه بشكل كامل وسيكتبه باسم العروس، عندها التهبت حماسة وراحت تحوص في مكانها وهي ترنو الى سعاد الغافلة عن الحديث. همست له وهي فرحة:

- شف..قلنا عنه بخيل طلع أكرم من أبو عادل .

- هل نعطيه؟

- رأيي نعطيه.

توقفا عن الهمس حين دخل أحمد قادماً من الخارج. كان يغلي حماسة بدوره، فقد صمد عبد الناصر أمام التهديدات، أما إن فرضت عليه الحرب فإنه سيقاتل بشجاعة. نصحه أبوه بأن يهتم بدراسته، لأن عليه أن ينجح هذه السنة بالبكالورية. قال وهو يلم كتبه ودفاتره التي تلفت بسبب طول استعمال:

- الوطن العربي في خطر..من يأبه للبكالورية في هذه اللحظات التاريخية؟

ليس هناك من فائدة..هزت أم سعاد رأسها. كانت سعاد تتابع الحديث وهي تبتسم لحماس أخيها الذي يذكرها بحماس زوجها ولكن الأكثر اتزاناً..طلبت منه أن يأتي الى غرفتها لينقل لها ماعنده من أخبار. وعندما انفردا بنفسيهما طلبت منه أن يحكي لها أي شيء..أي شيء يجعلها تنسى، فسعيد لايغيب عن بالها، تعذبها ذكراه، ثم راحت تبكي. قال لها حاولي أن تنسيه..من أجل صحتك ومن أجل ابنك. ولكن كيف السبيل الى ذلك، كيف يمكنها أن تنساه، إنه لايغيب عن بالها؟..قالت له إن ناصر سأل عنه اليوم. سأل عن أبيه. قال إنه يريد بابا. راحت تبكي بألم، فوجد أحمد نفسه غير قادر على فعل أي شيء من أجل أخته. لم يفعل شيئاً سوى أنه ربت برفق على كتفها وهي تجهش بالبكاء.

في اليوم التالي، علم الشيخ علي من الحاج عبد القادر بأمر طلب الحاج محمد ليد سعاد. قال له إن الله كريم وإن أزمته قد انحلت، وإنه كان مهموماً دون سبب، فإبنته الأرملة لن تقعد دون زواج وعوضاً عن شخص واحد تقدم لطلبها إثنان. كبّر الشيخ علي بفعل المفاجأة ثم راح يهتز كالنواس. لم يعجبه الأمر كثيراً، فهو من أنصار صديقه أبو عادل، أما الحاج محمد فهو رجل ظالم..ظلم امرأته وأولاده ولم يعدل بينهم. لم يقل ذلك صراحة..فالحاج عبد القادر حر، يزوج ابنته لمن يشاء. ولكنه قال له بصدق:

- حتى الآن لم نفاتح البنت بالموضوع. بالنسبة لي هذا أو ذاك سيان. المهم رأيها هي، سأترك لها حرية الأختيار.

ارتاح الشيخ علي وصاح قائلاً:

- عين العقل ياشيخ عبد القادر..

نهض الشيخ ليلحق بصلاة الظهر. مر في طريقه على سوق النسوان. قال لأبو عادل دون أن يدخل الى داخل الدكان:

- طلع لك منافس ياأبو عادل . صار موضوعك على كف عفريت.

أصفر لونه. بلع ريقه وهو يقول:

- لم أفهم ياشيخ علي.

- الحاج محمد طلب يد سعاد لنفسه.  فصاح أبو عادل العمى، فقال عبد السلام :

- ختيار الجن..نكاية بإمرأته.

مسح أبو عادل على شاربيه باعتزاز وقال:

- لايمكنه منافستي..بخيل وختيار.  فقال الشيخ علي وهو يتابع سيره:

- علمه عند ربي..لكل صياد سلاح يصيد به..

رحل الشيخ علي وترك أبو عادل في أسوأ حال..لم يعد هادئاً كما كان. أصبح الجلوس متعذراً. راح يحوص. عن أي سلاح تحدث الشيخ علي ؟ بماذا يمكن للحاج محمد أن يغري الحاج عبد القادر ؟ سؤال صعب. وفي الليل جافاه النوم. جعل يفكر في الأمر. كان يستمع الى تمتمات زوجته النائمة وشخيرها العالي وهو مستلق الى جانبها في السرير . منذ مدة راح يفكر انه مظلوم معها، فبينما هو بادي الرجولة والشباب أصبحت هي كتلة هائلة من اللحم المترهل الذي تكسوه التجاعيد. وعندما نام أخيراً رأى فيما يراه النائم سعاد تقف في مكان عال صعب الوصول إليه وهي تدير له ظهرها.

وفي اليوم التالي انتظر حتى انتصف النهار ثم ذهب ليزور الحاج عبد القادر. أعلمه أنه ينتظر جوابه على نار، ثم ألمح له أنه يعلم شيئاً عن طلب الحاج محمد. رد عليه الحاج أن الأنسان لايأخذ إلا نصيبه وأن الذي كتبه الله يصير وأنه قرر استشارة البنت وهي التي ستقرر من ستأخذ خاصة وأن الحاج محمد قد عرض أن يكتب بأسمها البيت والفرش كمقدم صداق. صرخ أبو عادل بأعلى صوته:

- يكتب باسمها البيت والفرش..؟

- هكذا عرض الرجل.  فقال أبو عادل وهو يبتسم ، فقد عرف السلاح الذي جاء يصيد به الحاج محمد:

- بسيطة ياحاج، كنت أفكر بجعلها مفاجأة وأعرض أن يكون مقدم صداق كريمتكم البيت الذي اشتريته والفرش والبراد والراديو أيضاً..ومادام الأمر قد وصل الى هذا الحد فلم تعد المفاجأة ضرورية.. صار لديك علم الآن..افتح الموضوع مع الست سعاد ربنا يخليك.

وعده الحاج عبد القادر خيراً . ودعه ورحل. كان يحسب الأمر في ذهنه وهو في طريق عودته الى سوق النسوان. تلمس برفق شاربيه، فهو يمتاز عن الحاج محمد بشبابه ومظهره الرجولي.

علم السيد كمال بطلب الحاج محمد ليد سعاد من بعض الأصدقاء والزبائن. كانوا جالسين عنده تحت سقيفة محله في الخان. امتقع لونه واستغفر الله في قلبه. شعر بحاله صديقه الشيخ قدري . تابع الموضوع الذي أصبحوا يتندرون به:

- هل سمعتم آخر الأخبار؟ الحاج محمد طلب يد أرملة الأستاذ سعيد من أبيها.  قال أحدهم، فقال آخر:

- بعد الكبرة جبّة حمرة.  ثم قالوا:

- والله عرف كيف ينتقي.

- صاروا أثنين..هو وأبو عادل .

- إذن قرر أخيراً الزواج على امرأته.

- طردته من البيت وهو يعيش كالأرمل في بيت ابنه محمود.

- أعزب دهر ولاأرمل شهر.

- لنر الحاج عبد القادر على من سيستقر.

- أبو عادل معقول أكثر.

- الحاج محمد مليان أكثر.

- ولكنه بخيل.

- كل جهازك ياأمون..قماقم وصحون.

تنهد السيد كمال وقال:

- رحمك الله ياأستاذ سعيد.

بعد أن رحل زواره، أبقى السيد منير والشيخ قدري . وجد أن عليه التحرك بسرعة وإلا طارت من يده فرصته الى الأبد. اتفق مع السيد منير على موعد قريب لزفاف محسن وذكية..

- ليس هذا الخميس..بل الذي بعده.

- على خيرة الله..  فقال الشيخ قدري :

- ربنا يتمم بالخير.

وماإن أتم الشيخ قدري دعاءه حتى سمعوا صراخاً وعويلاً. كانت أم محمود وولداها الصغيران يتبادلون الشتائم والصراخ مع الحاج محمد وابنه محمود. كانت قد علمت بمشروعه للزواج من سعاد في أحد الاستقبالات النسائية. عندها تركت الاستقبال وهي ترفع عقيرتها توجه الشتائم لزوجها وتدعو عليه. قررت أن تتسبب له بفضيحة. أسرع الرجال الثلاثة الى دكان الحاج محمد، كما خرج كل تجار الخان يستطلعون الأمر، وبصعوبة شديدة استطاعوا تفريق الفريقين. كانت تشتمه وتفضح بخله وأخلاقه النجسة. أما هو فقد كان يصرخ في وجهها أنه سيتزوج عليها ويحرق قلبها. رحلت تشد ولديها وهي تبكي وتدعو عليه بلؤم:

- إن شاء الله أشوف جنازتك قبل جازتك.

رفع السيد كمال رأسه فرأى سعاد وأمها واقفتان بجانب النافذة المفتوحة تنظران الى المشادة. أسرعتا في الدخول وأغلاق النافذة، فلم تكن سعاد تعرف أن لها علاقة بما كان يجري في الأسفل. ابتسم ثم توجه الى محله برشاقة.

                                          * * *

بالإضافة الى همه في اتمام زواج ابنته ذكية لكي يصبح في الإمكان التقدم لتحقيق حلم قلبه، كان للسيد كمال هموم أخرى. ليست هموماً بالمعنى الحرفي ولكنها اهتمامات. إنها السياسة وماكان يجري في البلد، فحزب الشعب الذي كان السيد كمال ينتمي إليه كان في ذلك الوقت في المعارضة، أما ماكان يجري في الشارع فقد كان السيد كمال يعتبره جريمة لاتغتفر بحق الوطن لايمكن السكوت عنها. لذا فقد كان يعتبر من الصقور في حزبه. وهؤلاء الصقور كانوا يعتقدون أنه يجب عمل شيء لوقف انحدار سورية باتجاه مصر والوحدة بأي ثمن مع العراق. كانوا يصرخون في اجتماعاتهم الحزبية ويصارعون من أجل كسب تأييد الأغلبية لأفكارهم ودعواتهم، فقد وجدوا أن هناك، في داخل الحزب، من تأثر بالدعاية المصرية وبدأوا يميلون لتأييد الشارع، ويدعون للسير مع التيار.

في ذلك الوقت دعي السيد كمال لحضور اجتماع في مكتب صديقه المخلص حكمت بيك وأبلغ أن هناك حركة ما يتم الأعداد لها لقلب حكومة صبري العسلي التي يسيطر عليها الشيوعيون والقوميون بقيادة ذلك الإقطاعي الأحمر خالد العظم. رحب المجتمعون بهذه الحركة ووافقوا على الإنضمام إليها. كانت مهمتهم القيام بجمع التأييد لها بين التجار والصناعيين ورجال المال.

كانت اللجنة التي تشكلت في ذلك الاجتماع تضم اربعة من أنشط الشعبيين وكانت برئاسة حكمت بيك، أما السيد كمال فقد عهد إليه بأمانة الصندوق، لأن هناك أموالاً لابأس بها ستصل من العراق ويجب صرفها في حشد التأييد للحركة وذلك بإقامة الولائم والسهرات وتقديم الهدايا الى الشخصيات التي يتم الاتفاق عليها. كيف ستقوم الحركة ومن أين سيصل السلاح ومن سيهب في وجه الحكومة فهذا لم يكن من اختصاص اللجنة..كان عليهم أن يولموا للتجار فحسب..لذلك لم يضيعوا وقتاً فحجزوا نادي حلب وراحوا يدعون التجار والأصدقاء الى ولائم بريئة ليس فيها مايدعو الى الشك سوى تلك الكلمات التي تلقى من قبل بعض السياسيين المعروفين بعدائهم لحكومة العسلي أمثال الشيخ نافع الوقور. وبما أن الديمقراطية تسمح بالتجمع والتكلم وانتقاد السلطة، فلم يكن هناك مايخيف. ثم إن إقامة الولائم شيء محبب وعادي بالنسبة لتجار المدينة المشهورين بحبهم لبطونهم وغرامهم بكل شيء يؤكل.

                                          * * *

مر أسبوعان ولم يعد محسن من المدينة. هذه هي المرة الأولى التي يتأخر فيها عن فضة. كان دائماً دقيقاً في مواعيده. لم يخلف أبداً. تصورت أن محسن لم يعد يحبها ولذلك لن يعود. هل يمكن أن يحدث ذلك؟ هل يمكن أن ينساها محسن الذي قال لها مرة إنها حبه الأول والأخير؟ أصبحت تقف لساعات الى جانب طريق السيارات تنتظر البوسطة التي ستتوقف وينزل منها، ولكن أسبوعاً آخر قد مر ولم تأت البوسطة. كانت كل السيارات تمر بطرف مخيمهم بسرعة غير آبهة بفؤاد فضة الذي يكاد ينفطر.

لم تكن تدخل مخيمهم سوى الشاحنات المحملة بأكياس الشعير. كان السواقون يتوقفون هناك للمبيت والاستراحة والاستماع الى غنائها. كانت تغني لهم ولكنها كانت تخدعهم، فقد كانت تغني لمحسن، تراه جالساً أمامها فتمد يديها اليه وهي تغني وتعنيه بكلمات أغنياتها. أما السواقون فيتوهمون أنها كانت تغني لهم..يالهم من بسطاء هؤلاء الرجال الذين ماإن تمتلئ شاحناتهم حتى يسرعون في الانطلاق ويسوقون بسرعة غير آبهين بالحوادث التي قد يتسببون بها، لالشيء إلا كي يتبقى لهم الوقت الكافي للمكوث في المخيم وتذوق المشاوي وشرب العرق والاستماع إليها تغني وتغني حتى الصباح.

قالت لها أم فضة إن محسن لن يعود. بكت فضة. بكت بدموع غزيرة وهي تنتظر الى جانب طريق السيارات. محسن سوف يعود إليها..إنه ملاكها وملكها ولذلك فسوف يعود. في إحدى المرات قال لها إنه بدأ يغار من السواقين. طلب منها أن تتوقف عن الغناء لهم، قال إنه لاحظهم كيف ينظرون إليها بعيون غير بريئة، عيون تلتهمها التهاماً..ثم إنهم بعد أن يخمروا يبدؤون بإطلاق التنهدات الفاجرة. حينئذ قبلته في فمه. قبلته طويلاً وهي سعيدة لأنه يحبها ويغار عليها. قالت له ياحبيبي يامحسن. قالت له إنها تحبه حتى الموت، ولكن ماباليد حيلة، فهي رأسمال قبيلتها ولولاها لما توقف أحد في المخيم ولجاع ربعها. قالت له إنها مضطرة للغناء ولكن ذلك لايعني أنها تحب السواقين، إنها لاتحبهم بل تحبه هو..وإذا وجدها تغني لهم فعليه أن يسامحها لأنها في مثل هذه الأوقات تغني له..له وحده. ولكي تثبت له أنها صادقة صارت تغني له باستمرار كلما كانا على انفراد. لم تعد في حاجة للراحة معه بعد أن تكون قد غنت للسواقين. صارت تغني له أغنيته المحببة الى قلبه: "وحياة خصيرك..مابهوى غيرك".

وفي إحدى المرات وبينما كان يحضنها وهي تغني له الأغاني المحببة الى قلبه، نظر ملياً في عينيها ثم قال إنها كانت حبه الأول في حياته. لم يعشق امرأة أخرى قط. طلبت منه أن يقسم لها، فأقسم. حينذاك انهالت عليه بالقبل. همست له خذني يامحسن، أنا لك فخذني. رفض..قال إن عليهما أن يكونا عاقلين، ولكنها لم تقبل. تمددت على الأرض المبحصة ثم أمسكت يده وجرته إليها. جعلته يتمدد الى جانبها. قالت له مرة أخرى أن يأخذها، سوف تكون يامحسن الرجل الأول الذي ينام معي، لاتهتم، أنا أعرف أنك لاتستطيع الزواج بي، وأنا لاأطلب منك سوى أن تحبني دائماً كما أحبك أنا..خذني فأنا ملكك. قال لها إنه يخاف عليها من الرجل الذي ستتزوجه، يخاف عليها من أهلها..حينئذ ضحكت بنعومة وهي تقبل عنقه وقالت إن أمها اعترفت لها أنها لم تكن عذراء حينما تزوجت من ابيها. صمت محسن، يبدو أنه كان محرجاً، فهذه هي تجربته الأولى، ولم يقابل مطلقاً انسانة بهذه الجرأة. قالت له قبل أن يفتح فمه ويقول مافي قلبه إنها تطمئنه بأنها لن تلزمه بأي شيء جراء ماسيقدم عليه، وهمست له وهي تتعلق به أكثر وتلهث من شدة الرغبة أنها تحبه، بل تعبده، أما هو فعليه أن يجرحها كرجلها الأول. ليسبب لها جريان الدم الطاهر، الذي لايسيل إلا مرة واحدة في عمر المرأة.

هذه الكلمات جعلته شعلة من نار. نهض إليها واحتضنها، ثم دلته الى الطريق.

محسن كان رجل فضة الأول. حتى أمها لم تكن تصدق أنها كانت عذراء، فسواقو الشاحنات لايتملكون أنفسهم في بعض الأحايين..وفضة قد تكون قد صدقت أحدهم حين همس لها بأنه يحبها ثم رحل بشاحنته ولم يعد. كان محسن يلهث فوقها. أخرجت منديلاً أبيض وانتظرت، وماإن ارتعش وتأوه ثم همد، حتى مسحت مابين ساقيها بالمنديل ثم لفته ووضعته في يده. سألها وهو حالم:

- ماهذا..؟  همست له بحب لم تعرفه أساطير الجزيرة كلها:

- هذا دم عذريتي..إنه ملكك. يحق لك أن ترفعه وتريه الى أي كان وأن تفخر به إن أردت.

مر شهران ولم يعد محسن. إنه يحبها وسوف يأتي. تقول أم فضة إنه لن يأتي، ولكنه سيأتي، إنها تقسم على ذلك، وحتى ذلك الوقت ستظل فضة تغني وتبكي لفراقه.

                                           * * *

من المعروف عن أبو عادل أنه بطيء الفهم، أما الشيخ علي فإنه يحبه ويقف الى جانبه ويريد منه أن يعمل جيداً في معركته من أجل الأرملة سعاد لينتصر فيها، ولهذا فهو لايترك مناسبة إلا ويساعده فيها على فهم مايجري ليسلك الطريق الصحيح. قال لعبد السلام يريد أن يسمّع أبو عادل :

- ثلاثة أشياء بديعة ياعبد السلام .

- تفضل ياشيخي.

- المرأة المطيعة والبيت الوسيعة والدابة السريعة..

حسب الرجلان أن الشيخ علي يريد اضحاكهما فضحكا. قال للشيخ علي:

- جميل هذا المثل ياشيخي..هات غيره.

- يبدو أن المعنى لم يصل الى أبو عادل ياعبد السلام .  فسأل الأول وقد عاد الى الجد:

- ماذا تعني ياشيخي؟

- أعني أن منافسك سيصمم بعد الحادثة التي جرت في الخان بينه وبين أم محمود، على الزواج مهما كلفه الأمر.  فقال أبو عادل وهو مستغرب:

- كنت أظن أنه قد فرط تماماً بعد البهدلة التي بهدلته إياها زوجته.

- على العكس..لايوجد تفاهم بين الزوجين، يحق له أن يطلقها ويبحث عن زوجة أخرى تشيل له كبرته، وهو لن يرفض أن يرسل لها النفقة القانونية.

صمت كل من أبو عادل وعبد السلام وراحا ينظران في عيني بعضهما البعض. إذن فالأمر ازداد صعوبة على أبو عادل . تابع الشيخ علي :

- أما أنت فعليك خطر ياأبو عادل ، فزوجتك عاقلة وتتحملك وتتحمل غلاظاتك، ألم أقل لك إنه من الأشياء البديعة في نظر الناس المرأة المطيعة..؟ السلام عليكم.

خرج الشيخ علي من دكان أبو عادل قبل أن يردا عليه السلام، فقد كانا في حيرة من أمرهما. إذن، فمشروع أبو عادل في خطر. استدار الى عبد السلام وقال له برجاء:

- أخدمني مرة في العمر ياعبد السلام واذهب الى الحاج عبد القادر وقل له كلمتين.

- ماذا تريدني أن أقول له؟

- تقرب منه واحكِ على الحاج محمد..قل له إنكم تتورطون معه، واحكِ أي شيء تجعله يفقد حماسه له.

- اعفني من مؤامراتك ياأبو عادل . لاينقصني الحاج محمد.

- اخدمني في هذا الأمر..سيأتي يوم أخدمك فيه بالمثل.

وافق عبد السلام على القيام بالمهمة، وماإن خف السوق حتى ذهب الى دكان الحاج عبد القادر . اشترى كيس تفريك ثم جعل يقطّع في الحاج محمد. قال له أخيراً إنه سمع بأن الحاج محمد يود الزواج فوق امرأته وإنه مستغرب من الناس كيف يعطون بناتهم الى شخص مثله..يبدو أنهم لاينقصهم إلا وجع الرأس. سلّم ورحل، أما أخونا  فقد جلس يدخن وهو منزعج..لقد فهم أن عبد السلام قد جاء إليه خصيصاً ليقطّع في الحاج محمد وذلك لمصلحة أبو عادل . لعن حظه وحظ ابنته، ثم لعن الحاج محمد وأبو عادل أيضاً.

في المساء، كان صوت المذيع التاريخي أحمد سعيد يلعلع من اذاعة صوت العرب، وكانت سعاد تهتم بابنها في غرفتها. نظر الأب  الى ابنته من مكانه على الكنبة عبر باب الغرفة المفتوح ثم همس بغضب لزوجته:

- جاء إلي اليوم عبد السلام جار أبو عادل وقعد يقطع بالحاج محمد..أزعجني جداً ورحل.  فقالت أم سعاد:

- وجاءت لعندي ضيفة من معارف أم محمود. حكت لي طالع نازل عليه ونصحتني ألا نعطيه.

- وأين كانت سعاد؟

- لاتخف..كانت نائمة.

صمتا مهمومين، فقد كانت معنوياتهما متدنية.  قالت أم سعاد:

- مارأيك أن نفاتح سعاد بالموضوع وندعها تقرر .

- إنني موافق..لماذا نعلّق الناس بنا ونحن جالسان بصمت؟

أخيراً نام أبنها. أغلقت عليه باب الغرفة بحرص شديد واقتربت من أبيها وأمها. دعتها أمها للجلوس، قالت لها إن أبيها يريد التكلم معها في أمر هام. تفضل بابا. قال لها بكل حرص، كأنه يسير في حقل ألغام:

- لقد مر ثلاثة أشهر على وفاة زوجك الأستاذ سعيد وأصبح من الممكن التفكير بهدوء..

ثم قال لها إنها هي وابنها على الرحب والسعة، وإن البيت سيبقى بيتها الى ماشاء الله، ولكن ليس فوق رأسه أورأس أمها خيمة، والموت حق، وهي أرملة، والأرملة في بلدنا عليها عين..

تابع ولكنها أحست سلفاً بما كان يريد قوله..عرفت أنه يريدها أن تتزوج. كان يلف ويدور لينطق بتلك الكلمة ولكنها كانت تهرب منه، ربما لأنه كان غير مقتنع بها، وربما كان في داخله غير مؤمن بما كان يدعوها الى فعله. كان هو أيضاً يحب المرحوم ، وهو على قناعة تامة أنه لايوجد رجل في هذا العالم يمكن أن يحل محله. قال وهو يبعد عينيه عن عينيها:

- عليك أن تتزوجي من جديد.

صَمَتَ. جاء دورها، وعوضاً عن أن يسمع كلاماً سمع لهاثاً عالياً ثم حشرجة، ثم صوت حنجرة تطق. نظر الى ابنته. كان فمها يرتجف، ثم راحت تبكي. حاولت الأم أن تشرح ماعجز الأب عن شرحه، قالت إنهما لن يتخليا عنها أبداً ولكن قرارهما في تزويجها جاء نابعاً من حرصهما على مصلحتها. قالت سعاد:

- أنظر يا أبي، أنا مازلت مجروحة بسبب وفاة سعيد المفاجئ. أنا مازلت غير مصدقة أنه قد مات فعلاً. ربما كان مسافراً الى مكان ما وسيعود قريباً..هذا هو شعوري. وأنا آسفة، لن استجيب لطلبك هذه المرة. لن أتزوج، وإن كنت أضايقكم فأنا على استعداد للذهاب الى بيت عمته للعيش هناك. لن تمانع المرأة. وكلمتي الأخيرة هي..لن أتزوج بعد سعيد أبداً..

انفجرت في البكاء. حاولا من جديد دون جدوى..حينذاك انفجر الأب . لم يكن هو الذي انفجر، بل كل غضبه وانزعاجه وهمومه الكثيرة التي تراكمت منذ اليوم الأول لوفاة الزوج الحبيب. راحت تبكي أمام صراخه. كانت تردد أنها لن تتزوج، بينما كان يصيح أنها ستتزوج رغماً عنها. انسحبت الى غرفتها. أغلقت عليها الباب ثم ارتمت على السرير وهي تنشج.

ظلت على هذه الحال حتى الصباح. أين ذهبت طيبة قلب أبيها، لماذا تغير..؟ هل يمكن أن يزوجها رغماً عنها؟ وعندما كان المؤذن يؤذن لصلاة الفجر، رفعت عينيها الى صورة سعيد المعلقة بجانب النافذة. شعرت أنه يشجعها على المقاومة. ولكن لماذا تركها ورحل..ألم يكن يعلم أنها ستصبح من بعده أتعس انسانة على وجه الأرض؟

ماإن كبرت سعاد حتى بدأ أبوها ينظر إليها بخوف. كانت جميلة، بل خارقة الجمال. كان يدعو الله كي يرسل لها عريساً ابن حلال. لاشيء يخيف في هذه الدنيا بقدر امرأة شابة وجميلة تتجول في البيت. أخته في الماضي كانت مشهورة ايضاً بجمالها، ولكن أبيها لم ينتظرها حتى تبلغ، بل زوجها فوراً لابن خالتها وهي لما تكمل الثالثة عشرة بعد. الجمال الخارق في العائلة شيء اعتيادي، وكذلك الخوف منه ومن فتنته. ولهذا الأمر كان الحاج عبد القادر يؤمن بأن الزواج سترة فعلاً. الزواج درء للفتنة. وعندما أصبحت سعاد في سن البلوغ ونما جسدها وأصبحت تقف أمام المرآة وهي تترنم بالأغاني العاطفية، صار أبوها ينهرها على غير عادته. صار أكثر قسوة عليها وأصبح يمنعها من الخروج الى الحارة بمفردها أو الذهاب الى الجيران. أما الوقوف على النافذة وهي مفتوحة فممنوع منعاً باتاً. أمرها أن تضع الحجاب. اشترى لها حجاباً سميكاً لاتضعه سوى النسوة العجائز، وصار يشكو، عندما يزوره أحد من أصدقائه ومعارفه بأن شباب اليوم لم يعودوا يطلبون الزواج كما في أيامهم.

ولكنه كان غافلاً عن العيون النهمة والتأوهات التي كان يطلقها عدد من تجار خان الحرير الذي تطل نافذة غرفة سعاد عليه. منها شاهدوها مرة فتسمرت عيونهم نحو الأعلى وانطلقت الزفرات الحارة.كانت صغيرة وليست على مقاسهم. تمنوا أن تكون أكبر قليلاً. لو كانت، في ذلك الوقت في الثامنة عشرة لما تركوا أباها  يأكل همّها ويخاف عليها. حتى السيد كمال كان يرنو الى النافذة التي لاتنفتح إلا لماماً. كانوا ينتظرونها لتكبر، فالزواج من فتاة صغيرة وعلى ضرة غير مستحب في السوق، أما السيد كمال فقد بدأ يعامل زوجته الست مطيعة بقسوة ويذكرها بقصورها عن تلبية حلمه في أن تلد له صبياً..حينئذ تعرفت مطيعة على الشيخة خديجة فكتبت لها حجاباً ليرزقها الله ولداً.

كانت أم سعاد تعارض تزويج ابنتها وهي بهذه السن، كانت تقنع زوجها في كل مرة يوافق على اعطائها لإحدهم بالتريث سنة أخرى ريثما تكبر البنت قليلاً. كانت حجتها القوية مستندة الى تاريخ اخته التي زوجوها لابن خالتها وهي في الثالثة عشرة. كانت تقول له هل تريد أن تعيد سيرة أختك علية؟ حينها كان يهز رأسه صامتاً وهو ينشق دخان السكائر بشراهة.

ما قصة علية؟ إليكم جزء منها..فهي طويلة ولكن مايهمنا منها هو زواجها من ابن خالتها وهي في الثالثة عشرة إلا قليلاً. لم تكن الدورة قد جاءتها بعد حين وافق والداها وفصلا المهر وعينا مع أهل العريس موعد الزفاف. كانت علية ماتزال تلعب ككل الأطفال في الحارة أو على الأسطحة. كل ماكانت تعرفه هو أنها ستتزوج قريباً من ابن خالتها. كانت سعيدة بذلك..قالوا لها إنها سترتدي ثوب الزفاف وستذهب الى العرس مثل النساء الكبار. حتى أنها كانت تتباهى بذلك. وعندما بدأوا بورشة خياطة الجهاز وثوب الزفاف الأبيض صار ذلك بالنسبة لها كيوم عيد. وفي اليوم المحدد كادت تطير فرحاً. أتوا بها من الحارة ليحمموها ويلبسوها الثوب الأبيض. كانت تضحك بصوت عال من شدة فرحها، فالليلة ستذهب الى العرس. دخلت معها أمها الى الحمام وأعطتها درساً سريعاً في المعاملة الزوجية، فعلية لم تكن تفهم شيئاً على الإطلاق. قالت لها إنها من الليلة ستصبح زوجة ابن خالتها وليست رفيقته في اللعب فحسب، فقد كان هو في السادسة عشرة. قالت لها أيضاً إنه سيقبلها وقد يعبث بها وتحديداً في مابين فخذيها ( كانت الأم محرجة جداً وهي تشرح ذلك لابنتها فلم تكن صريحة تماماً بل كانت تغمغم وتشير الى الأماكن الحساسة بيدها، وهي تحسب أن ذلك كان كافياً ). قالت أيضاً إنه قد يسيل الدم من ذلك المكان الذي ينتظر أن يعبث فيه ابن خالتها فارتعبت الفتاة ولكنها سرعان مانسيت الأمر، فعليها أن تسرع لتذهب الى العرس في الوقت المحدد.

طال العرس أكثر مما كانت علية قادرة على السهر. وفي منتصف العرس نامت على الكرسي الذي كانوا وضعوا عليه ثلاث مخدات لتبدوا بقامة قريبة من قامة ابن خالتها. أيقظوها وراحوا يحقنونها بالقهوة المرة كي تتمكن من السهر دون فائدة فقد كان يومها شاقاً. حينئذ اضطروا لاختصار العرس فنصحت النساء ابن الخالة بأن يأخذ عروسه ويدخل الى غرفته. وقتها شرعت علية بالبكاء رافضة الذهاب مع زوجها وأنها تريد العودة الى البيت مادام العرس قد انتهى. جروها بالقوة وأدخلوها الى غرفة الزوجية رغم بكائها وأغلقوا عليهما الباب، ولأنها كانت خائفة من أن يعبث بها ابن خالتها ويسبب لها جرحاً في مابين فخذيها فقد أسرعت في الاختباء تحت السرير وهي مستمرة بالبكاء وبخوف هذه المرة. جعل الزوج يرجوها للخروج من تحت السرير دون فائدة وعندما عجز عن اقناعها، فتح الباب ونادى حماته والتي هي خالته أم علية لتقنعها بالخروج. حتى أمها لم تستطع فعل شيء بالرضى فلم تجد بداً من أن تلحقها الى تحت السرير فأمسكتها وجرتها ثم انهالت عليها ضرباً فتدخل الجميع لإخراج الأم الغاضبة من الغرفة، وتلقى العريس نصيحة بأن يدعها وشأنها الليلة كي تهدأ وتعتاد على الحياة الجديدة في بيت خالتها. استمر إضراب علية عدة أيام..كانت تنام تحت السرير ليلاً وفوقه نهاراً بعد أن يكون زوجها قد ذهب الى عمله. وفي إحدى المرات تدخل أبوها فلم يفلح في إقناعها فضربها هو أيضاً، ولم يستطع ابن الخالة أن يعبث بها إلا وكانت سيرة علية على كل لسان..ولهذا الأمر كان رأي الحاج عبد القادر من رأي زوجته في تأجيل زواج سعاد الصغيرة حتى تكبر سنة أو اثنتين، وحتى يأتي ذلك الأستاذ الذي توظف عند السيد كمال فيغرم بها وتغرم به بسبب وقوفها على تلك النافذة الشهيرة التي تصل سعاد بالعالم الخارجي، فيطلبها في غفلة من تجار السوق ويتزوجها بعد خطوبة دامت سنتين.

لم تختبئ سعاد تحت السرير ليلة زفافها كما فعلت عمتها. كان سعيد زوجها أنضج وألطف من أن يجعلها تفعل ذلك. كما أنها كانت قد أغرمت به، وكانت تنتظر يوم زفافها بفارغ الصبر، فلم يكن سعيد يملك بيتاً، وكان يتصور أنه يستطيع أن يقنع السيد كمال بأن يسلفه مبلغاً من المال ليشتري واحداً، ولكن السيد كمال كان يعده خيراً وهو في داخله غاضب منه لأنه استطاع أن يخطف منه سعاد رائعة الجمال. وفي النهاية شعر الأستاذ سعيد أن السيد كمال يكذب عليه، فسأل والدي خطيبته أن يوافقا على أن يسكن مع زوجته عند عمته.

كان التجار ينظرون الى الاستاذ سعيد بحسد شديد. لم يكرهوه، بل حسدوه. كانوا يحبونه واكتفوا بأن أرسلوا زوجاتهم الى العرس ليعدن بعد ذلك وليجبن على تساؤلاتهم: كيف كان العرس؟ كيف كانت تبدو العروس؟ ماذا كانت ترتدي؟ هل كانت جميلة؟ هل كانت سعيدة بعريسها..الخ. ثم كانوا يشغّلون أخيلتهم النشطة ليتمكنوا من تركيب صورة كاملة لسعاد وهي بثوب الزفاف، حتى أن الجريئين منهم وخاصة السيد كمال ، راحوا يتصورون (وهم بين الحلم واليقظة) سعاد وهي ترتمي في أحضانهم.

ولكن سرعان مانسوا سعاد . كيف لا والسوق، كما يقولون ابن كلب وغدار.. لايؤمن جانبه، فغرقوا في الأعمال عوضاً عن أن يغرقوا في الأحلام. وعندما مات الأستاذ سعيد، وعادت سعاد الى بيت أهلها أرملة، نشطت التنهدات من جديد، وعادت الآمال الميتة إلى الحياة، وعاد الأب الى همومه. كان يحسب أن المشكلة سهل حلها حين عرض كل من أبو عادل والحاج محمد نفسيهما عريسين للأرملة الجميلة، ولكنها رفضت الزواج هذه المرة. رفضت بشدة، حتى أنها هددت بقتل نفسها إن هم أرغموها على الزواج من جديد. فهاهي الهموم قد عادت الى قلب الحاج عبد القادر الطيب.

                                          * * *

أما الذي جرى ليلة عرس محسن وذكية، فلسوف يظل في ذاكرة النساء اللواتي حضرنه لمدة طويلة، خاصة في ذهن أم سعاد التي كانت حاضرة، فقد يكون ماحدث عبرة لها ولزوجها، الذي ماإن سمع بماجرى في ليلة الزفاف وفي الأيام التي تلتها، حتى تناسى موضوع زواج ابنته لفترة من الزمن.

كانت النسوة قد اجتمعن في بيت السيد منير، ولم تغب عن حفل الزفاف سوى سعاد التي لم تكن قد انهت فترة قعود العدة بعد. كانت الفتيات الصغيرات واللواتي أصبحن في عمر الزواج يغنين ويرقصن على أنغام عود احدى الخوجات المختصات في إحياء الأفراح. كانت أمهات الفتيات يهمسن في آذان بناتهن كي ينهضن للرقص أمام أعين أمهات الأولاد الذين أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من الزواج. بينما كانت زينة تحوم حول أم سعاد لتلبي كل طلباتها. فيما كانت أم حبيبها أحمد بالمقابل لاترفع عينيها عنها. كانت أصوات الزغاريد والأحاديث ورنين الأساور الذهبية والأغاني وعزف العود تشي بأن هناك فرحاً عظيماً يتم في هذا الجزء من المدينة.

دخلت ذكية مصحوبة بأمها وقريباتها. فتعالت الزغاريد مرة أخرى. كانت متوترة، خائفة، تبتسم مرغمة لتجامل المهنئات، متجملة ولكن لاشيء يمكن أن يخفي قبحها. كانت تعرف ذلك، فقد نظرت الى المرآة للمرة الأخيرة في غرفتها حينما جاؤوا لأخذها. رأت أنها لم تستر الشيء الذي تخجل منه وتخاف من أجله، بل على العكس، ازداد ذلك الشيء وظهر أكثر من ذي قبل. ياللمصيبة وياللخجل العظيم. هل سينظر محسن الليلة إلى وجهها ليرى أية عروس هي؟ قبلت الحجاب وثبتته في حمالة صدرها وراحت تردد دعاء الشيخة خديجة ياودود..ظلت تردده طوال الطريق وحين كانت تدخل مكان الحفل وبعد أن جلست على أحد المقعدين المخصصين للعروسين. كانت تنظر إلى العيون المحدقة بها وهي تعرف ماكان يجول في خاطر صاحباتها. ولكي تنسى النساء وجه ذكية نهضت أم محسن وحاولت إحماء الغناء والرقص. نجحت في ذلك فارتاحت ذكية مؤقتاً. أما زينة فلم تخفي عداءها، حتى أنها عبرت عن اشمئزازها بهنهونة أضحكت النسوة على ذكية.

عندما أُعلن أن العريس قد وصل حدث هرج ومرج، فقد أسرعت النسوة الى معاطفهن وأغطية رؤوسهن السوداء لستر لحمهن الأبيض عن أعين العريس القادم ومرافقيه، وبينما انشغلت زينة بأحمد على الباب علها تطير له لبه بجمالها وتجملها كانت ذكية تقف شبه ميتة تستقبل محسن الذي سار إليها وهو مطرق خجلاً. صافحها ثم جلس وهو ينظر في وجهها. حاولت الالتفات الى الجهة الأخرى. نظرت إليه فوجدته يحاول النظر إليها، وبينما كان الضجيج والزغاريد التي صاحبت دخول العريس تخفت لأن النسوة كن يتابعنهما باهتمام، مكنته من وجهها. كانت تردد ياودود وقلبها يكاد ينفجر. نظر محسن في وجه عروسه ملياً ثم أدار عينيه في النسوة الصامتات. كن ينظرن إليه ليعرفن ماذا سيفعل. عندها رفع وجهه الى السقف وجعل ينظر فيه. لم يعد يهمه شيء في هذه الدنيا..لقد خدعوه، فقد تزوج أقبح امرأة بين النساء. مات قلبه وماتت حماسته. ودون أن تدري انهمرت الدموع من عيني ذكية مختلطة بكحل العيون الأسود. لو أنها ماتت. لو أن الأرض تنشق وتبتلعها. أدارت رأسها بعيداً وراحت تجهش وتنتفض. حاولت أم محسن مرة أخرى إحماء الغناء والرقص..عادت الزغاريد من جديد ولكن دون حماس. كانت المأساة تجري أمام أعينهن فتجمدن. عندها اقتربت من ابنها ورجته أن يمضي هذه الليلة على خير. رمقها بعينين مطفأتين وعاد للنظر الى السقف، فاقترحت العمة على محسن أن يأخذ عروسه ويدخل الى غرفته، فنهض مغادراً دون أن ينتظر ذكية التي أنهضنها فلحقته وقد لوثت وجهها بالكحل الأسود الذي سال مع الدموع. كانت الكتل السوداء تراقب بحزن، وربما ابتسمت احدى الشامتات دون أن تدري. وعادت أم محسن والعمة بوجهين محتقنين. أما الست مطيعة فقد كانت مصفرة.

جلس محسن على السرير جامعاً رأسه بين يديه. أما ذكية فقد بقيت مستندة الى الباب وهي بائسة. كانت تبكي وتنتفض وتشرق انفها وتتأوه. لم تعد تردد دعاء الشيخة خديجة، فلم تعد هناك فائدة. سمع محسن وهو على هذه الحال صوت سقوط شيء ما بجانب الباب. رفع رأسه ونظر. كانت ذكية متمددة على الأرض فاقدة الوعي. كانت قبيحة الوجه، لم ير في حياته امرأة بهذا القبح. أبعد نظره عنها ثم جمع رأسه بين يديه وظل على هذه الحال، بينما عاد الغناء وعزف العود يترددان في الخارج.

                                          * * *

لزم الأمر أسبوعين كي تلتئم الجروح في يدي نعيم. كان المحل مغلقاً، وكانت أم نعيم تحاول بشتى السبل التقرب من ابنها مقيم والتخفيف من ألمه الكبير الذي لازمه منذ مات أبوه بالسكتة القلبية. حاولت الدخول الى قلبه وذهنه لتعرف كيف عليها أن ترضيه. كان يحس بالذنب للآلام التي سببها لأخيه نعيم، ولكنه بالإضافة الى ذلك كان يشعر أن عليه الوقوف في وجه أخيه الذي يحاول، وبدافع الخوف على مصلحة العمل، أن يتقرب من السيد كمال . كانت الأم واعية بشكل كاف لتعرف أن مقيم يريد الانتقام من السيد كمال . ولكن كيف يمكن أن يفعلا ذلك وهما لما يبلغا السابعة عشرة بعد؟ كيف يمكن الانتقام من رجل ذي سطوة هائلة ولايتورع عن تدمير تاجر ما لا لشيء إلا لأنه يختلف معه بالسياسة. وهل يمكنهما أن يقوما بالانتقام تجارياً من تاجر خبيث مثل السيد كمال ؟ هذا مستحيل. ولكن أزمة مقيم كانت مرشحة للاستمرار إذا لم تجد حلاً لقضية التعامل مع السيد كمال . كان هذا الأمر يؤرقها باستمرار، ثم أن نعيم محق في طلبه واصراره على فتح المحل، فهناك البضائع والديون والسندات والزبائن،فكلها أمور لاتعرف الصبر. كما أن السمعة الكبيرة التي بناها المرحوم في سوق المدينة،سوف يخسرونها إن استمر الوضع كما هو عليه عدة أيام أخر. ماالعمل ياترى..؟

بينما كانت أم نعيم تراجع برقيات التعازي التي تلقوها بمناسبة وفاة المرحوم، مرت عليها واحدة توقفت عندها طويلاً. كانت البرقية على الشكل التالي:

تلقينا بفائق الألم والأسى ، نحن والسيدة الوالدة، نبأ وفاة ابن الخال والأخ والصديق أبو نعيم. نرجو من الله عز وجل أن يسكنه فسيح جناته ولزوجته وولديه الصبر والسلوان.

التوقيع: المهندس مراد مراد

تركت البرقية أمامها على المنضدة ثم أعادت باقي البرقيات الى الجارور. جلست وراحت تفكر وهي تعيد قراءتها عدة مرات. لم يطل تفكيرها طويلاً، إذ مالبثت أن راحت تبحث عن رقم هاتف مراد حتى لقيته. أدارت قرص الهاتف وانتظرت. رن الهاتف عدة مرات ثم جاءها صوت ذكوري ناعم. سلمت ثم قالت إنها أم نعيم. رحب بها الرجل ثم أعاد من جديد تعازيه وتعازي والدته بوفاة المرحوم المأسوف على شبابه. شكرته المرأة بطريقتها المهذبة، ثم طلبت منه أن يزورهم لأمر ضروري. تواعدا ثم أغلقت الهاتف. لقد وجدت الحل لقضية ولديها.

كان أبو نعيم ، كما عرفنا من البرقية، هو ابن خال مراد، وعندما توفي لم يكن في المدينة، بل كان في العاصمة لأمر هام بالنسبة له، ولذلك لم يستطع حضور العزاء واكتفى بإرسال برقية تعزية بالمناسبة. كان يود أيضاً هو ووالدته الست نادرة القيام بزيارة الى أسرة المرحوم لتقديم التعازي لولا أنه كان في وضع دقيق جداً وكان على وشك خسارة قضية عمره التي فكر وخطط لها مدة طويلة من الزمن.

كان مراد قد حصل على شهادته في هندسة النسيج من ايطاليا. وهو منذ ذلك الوقت يخطط لإقامة مصنع للجاكار إلا أن السيولة كانت تنقصه. ولقد وضع في تصاميم المصنع كل روحه وتوقه لعمل شيء جديد ومميز. حتى أنه كان يتحدث عن المصنع وآلاته وطريقة انتاجه العصرية بتعابير شاعرية. وكانت والدته تضحك من طريقة كلامه عن المصنع وكانت تقول إنه يذكرها برومانسية الأدباء وليس ببراغماتية الصناعيين. كان مراد فعلياً أقرب الى الشعراء منه الى الصناعيين، وعندما أغلقت بوجهه الأبواب، وحالت قلة السيولة المالية من انشاء المصنع، راح يتحدث عن المجتمع وتوزيع المال والطبقات الأجتماعية بطريقة قريبة من منطق الفلاسفة. كان العدل في رأيه لم يكن معروفاً حينما تمت عملية توزيع الثروات التي هي الآن في أيدي أناس متخلفين لايعرفون استخدامها في انشاءات انتاجية عصرية، بل في طرق فظة أقرب الى منطق الدكانجية منه الى الحكمة الرأسمالية. كانت أمه تعرض عليه باستمرار أن يبيعا الفيلا التي ورثاها عن أبيه والاكتفاء ببيت صغير من ثلاث غرف، إلا أنه كان يرفض بإصرار، فقد كانت من أجمل الفيلات في المدينة المشهورة ببنائها الحجري، أما غرفها العديدة فقد فرشت بتحف وليس بفرش عادي. كانت الفيلا مع الفرش تساوي ثروة لابأس بها، وهو إن باعها وضم ثمنها الى ماكان قد جمع من مال فسيكون من الممكن تحقيق حلمه في بناء المصنع.

ومن أجل أن يحصل على قرض، عرض مشروعه على أحد البنوك. وافق البنك على منحه القرض ولكن بشرط أراد من خلاله السيطرة على المشروع. طلبوا منه إيجاد شريك له خبرة جيدة في السوق. قالوا له إنه مهندس ومتعلم ولكن ابن السوق ضروري في مثل هذه المشاريع ويجب أن يرضى عنه البنك أو أن يكون واحداً من زبائنه. رفض في البداية ولكنه وافق أخيراً، فلم تكن لديه فرصة أفضل، فقدم له البنك تاجراً كبيراً اسمه مصباح بيك. رجل بدين وذو مثانة ضخمة تنفر الى الأمام حين يجلس. ولكن مصباح بيك رفض الدخول في المشروع بحصة تقل عن واحد وخمسين بالمئة. عندها طلب مراد فرصة للتفكير، فالأمر أصبح خطيراً، وإن وافق فإنما يوافق على تسليمهم المشروع، وقد يخرجونه يوماً خارج المصنع بعد أن يكونوا قد سيطروا عليه نهائياً. فكر طويلاً..كان رأي أمه أن لايقبل بهذا الشرط المجحف. وكانت المهلة التي طلبها مراد قد انتهت وكان عليه أن يخبر البنك بموافقته حين رن الهاتف، وكانت أم نعيم هي المتكلمة. حينئذ شعر دون أن يعلم السبب، أن مشكلته مع السيولة قد انتهت وأن مشروعه سوف ينفذ، ولذلك لم يذهب الى موعده مع مدير البنك.

استقبلته أم نعيم بمفردها في بادئ الأمر. لقد مر وقت طويل منذ أن شاهدته لآخر مرة. كان ذلك قبل سفره الى ايطاليا. تحدثا طويلاً عن الهموم الكثيرة التي ولدت بعد وفاة المرحوم. تحدثت معه عن أزمة مقيم الذي فقد اتزانه بعد موت والده وكيف أصبح هاجسه الأساسي الانتقام من السيد كمال . قالت له إنه بإمكانه مساعدتهم على تجاوز الأزمة وإلا فإن كل شيء سيذهب أدراج الرياح. فعرضت عليه المشاركة في مشروع مصنعه وإعطائه حصة من محل خان الحرير. وافق مراد فوراً. نهضا وتصافحا..أعادت تذكيره بمهمته الأساسية ألا وهي مقيم.

حينما اجتمع مع نعيم ومقيم أحبه الولدان، فهما لايعرفانه جيداً، ولكنهما شبهاه بشخص لم يفطنا في البداية من هو. إنه يشبهه تماماً..بأناقته وربطة عنقه ونظاراته الطبية ولباقته. من يشبه ياترى؟ لم يفكرا طويلاً..إذ سرعان ماأسرهما بمشروعه الصناعي وخططه لبناء أحدث مصنع للجاكار. تحمسا له ولمشروعه. كانت أم نعيم تستمع اليهم وهي تبتسم. فأخيراً ارتاح فؤادها. وضعوا اسس الشراكة ومهمة كل واحد منهم. ولم يلبث أن طرح مقيم شرطه الأساسي، الحرب على السيد كمال. كتب مراد هذا الشيء كبند من بنود الشراكة..ولكنه أضاف: حين يأتي الوقت المناسب. وافق مقيم، فالحرب تحتاج الى تحضير، ثم ابتسم. كانت هذه المرة الأولى التي يبتسم فيها منذ وفاة أبيه.

في اليوم التالي فتح نعيم ومقيم المحل في خان الحرير، وعادا الى العمل. استقبلا الزبائن وبعض الزوار من الجيران الذين جاؤوا يسألون عن السبب الذي دعاهما الى إغلاق المحل طوال هذه المدة. جاء الشيخ علي والشيخ قدري والسيد منير وغيرهم، ومنهم عرفوا أن محسن قد تزوج الخميس الفائت من ذكية ابنة السيد كمال . جاء أيضاً السيد كمال ولكي لايضطر الى معاملته معاملة جافة، خرج مقيم متذرعاً بأنه سيقوم بجولة في السوق، ولم يعد إلا عندما تأكد أن السيد كمال قد عاد الى محله.

أما مراد فقد بدأ منذ ذلك اليوم العمل لإنشاء المصنع. اشترى الأرض اللازمة وتعاقد مع مهندس لوضع التصاميم وللحصول على الترخيص. كما قام بتحويل الأموال اللازمة الى الشركة الألمانية، لتبدأ بشحن الآلات اللازمة والتي كان قد راسلها من قبل، واتفق معها على كل شيء.

كان الثلاثة قد اتفقوا على أن يديروا العمل من محل نعيم ومقيم ريثما ينتهي بناء المصنع، عندها سيتفرغ مراد لإدارته. أما نعيم ومقيم فسوف يبقيان في محلهما للقيام بشراء الخيوط وتصريف البضاعة المنتجة في المصنع. كانوا قد سجلوا كل كبيرة وصغيرة في عقد شراكة نظمه أحد المحامين وكان أسمه الأستاذ عدلي، وقد اجتمعوا بالمحامي لتوقيع العقد في محل نعيم ومقيم، وعندما دخل مراد لأول مرة خان الحرير، كان السيد كمال بصحبة بعض أصدقائه وزبائنه. مر مراد من أمامهم، ألقى عليهم السلام وتابع الى أن دخل محل نعيم ومقيم. تساءلوا من يكون. كان كل واحد منهم يشبّهه بشخص محدد يعرفونه كلهم ولكنهم في تلك اللحظة لم يفطنوا من هو. ولكن القصاب أبو حسن اقترب عن غير عادته من التجار وهو يتساءل ألا يشبه ذاك الأخ الذي دخل محل الأولاد الأستاذ سعيد..عندها فطنوا جميعاً. صاح الشيخان وهما يكبران:

- سبحان الله، يخلق من الشبه أربعين.

وكذلك لم يفطن نعيم ومقيم إلى أن مراد يشبه المرحوم سعيد الذي كان يعمل عند جارهم السيد كمال ، إلا عندما دخل محلهما في ذلك اليوم، كما كان يفعل الأستاذ سعيد ليتحدث مع أبيهم بالسياسة التي تجمعهما الآراء حولها وهما يشربان القهوة.

بعد ذلك دخل المحامي الخان واتجه صوب نفس المحل. تابعه التجار أيضاً..من يكون هذا أيضاً؟ ماذا يحدث في محل المرحوم أبو نعيم؟ كان السيد كمال يتابع ذلك باهتمام شديد..فهو معنيّ بكل مايجري في خان الحرير..ولديه رغبة في التقرب من الولدين ولهذا السبب اشترى منهما الحرير بسعر أعلى من سعر السوق لكي يجعلهما ينسيان الماضي وليفتحوا معاً صفحة جديدة عله يوجههما ويجعلهما يعملان لصالحه ومن ثم يسيطر عليهما. ولكن..ماذا يجري؟ (ماذا يحضر هذان الولدان؟).

                                          * * *

أصبح محسن يمضي يومه مع رفاقه أحمد وحسان ورياض. كانوا يشتركون في المظاهرات وفي أعمال التدريب على السلاح في مراكز المقاومة الشعبية. لم يكن حماسه شبيهاً بحماس الثلاثة الآخرين، بل كان يذهب معهم لئلا يضطر للعودة الى البيت. للعودة الى غرفته حيث تمكث ذكية وهي تنتظره بوجه قبيح وعيون باكية. وفي المساء كانوا ينتقلون الى بيت حسان أو بيت رياض ليلعبوا الورق ويستمعوا الى أخبار صوت العرب الحماسية ومن ثم الى أم كلثوم وهم يشربون العرق.

كان يعود بعد أن ينتصف الليل. وكان عليه ليصل الى غرفته أن يمر عبر الصالون، وهناك اعتاد ابوه أن يسهر على غير عادته، بصحبة أمه وعمته، ليرمقه بعينين رهيبتين حين يعود الى البيت. أما في غرفته، فقد كان يهمل وجود ذكية. يعتبرها غير موجودة، فيخلع ثيابه ويلبس البيجاما ثم يستلقي على الكنبة وينام دون أن ينبس. كانت ذكية تظل ساهرة وهي جالسة في سرير زفافها الذي كان عليه أن يشهد ليالي الحب (أو ليلة حب واحدة على الأقل). كانت تظل ساهرة وهي ترمق جسد محسن المتهالك على الكنبة، الذي سرعان مايشرع في التنفس بانتظام ويصدر شخيراً ناعماً وحلواً. كانت تبكي حيناً وتبتسم حيناً آخر عندما يهمس ويبربر في نومه. وفي الليلة الثالثة تجرأت ونزلت من السرير واقتربت منه وهي تسير على رؤوس أصابعها ترتجف خوفاً من أن يستيقظ ويضبطها وهي تنظر إلى وجهه عن قرب. راحت تتملاه. آه كم هو جميل، إنه اسم على مسمى، وزادت الغصة في قلبها بسبب جماله ورقته التي اكتشفتهما بشكل أعظم في تلك الليالي وهي ساهرة الى جانبه حتى الصباح تردد دعاء الشيخة خديجة وتنفخها برقة على وجهه. لم يكن يغف لها جفن. كيف تنام وتفوت عليها فرصة تأمله وهو نائم، وهي الفرصة الوحيدة المتاحة لها ، لأنه ماإن يستيقظ حتى يبرم خلقته ويرتدي ثيابه ويخرج لكي لايعود حتى آخر الليل؟ عشقته وهي تتلصص عليه. أحبته دون أن يدري..كانت تبتسم عندما يبتسم في نومه، تصغي الى كلماته غير المفهومة التي يبربر بها في بعض الأحيان .

أما هو فقد كان يحلم بفضة. لقد استبدلها بامرأة لايشعر نحوها بأي شعور، بامرأة لايجد أي شهية للمسها أو النظر إلى وجهها القبيح. كيف جعلوه يستبدل جمال فضة بقبح ذكية؟ لعنة الله..وعندما سأله أحمد عن ردة فعل أبيه قال له إنه لم يقل له ، حتى الآن أي شيء..حذره أحمد..قال له انتبه، فأبوك سينفجر يوماً من الأيام.

كان السيد منير يصبر على تصرفات ابنه بسبب تهدئة أخته له التي زارت عندهم بمناسبة الزفاف، وكذلك بسبب الجهود الهائلة التي كانت تبذلها زوجته ليلاً في غرفة النوم. كانت أم محسن تعرف الدواء جيداً..فما أن ترى اليه كيف يبدأ فمه بالارتجاف غضباً من تصرفات ابنه، حتى تطلب منه أن ينهض ليستلقي ويرتاح..كانت تؤيدها العمة فتقول له:

- انهض لترتاح لك أخوي..الصباح رباح..

كانت تتجمل وتخلع ثيابها خلف الستارة وترتدي له أكثر أردية النوم فضحاً لتقاطيع جسدها. كانت تعلم أنه يفضل الثوب الأحمر الشفاف فترتديه دون ثياب داخلية، ثم تطفئ النور وتترك مصباحاً ضعيفاً ذا لون أحمر أيضاً. وعندما تخرج من خلف الستارة وهي تبتسم له، يصبح مزاجه رائقاً ويستعد لتقبل مداعباتها، عندها ينسى محسن وزوجته التي يثير، بعدم الاهتمام ببكارتها، فضيحة لاقبل له على تحملها.

وفي إحدى الليالي ترك محسن لنفسه العنان وراح يعب العرق بأكثر مما تتحمله معدته. كانوا يلعبون الورق في بيت حسان. نبهه أحمد كي لايكثر من الشرب، ولكنه لم يصغ إليه، فقد كان ألمه في ازدياد. وعندما دخل الى البيت ومر أمام أبيه وأمه وعمته وهو يترنح وتفوح منه روائح الخمر، كاد أبوه ينهض ليربيه، فقد طفح الكيل وراح يرتجف منه. امسكته النساء ولم تدعنه يفعل شيئاً، بل دعته زوجته للدخول الى غرفة النوم، وبينما كان يتجه اليها سمع محسن يصرخ في وجه زوجته.

دخل محسن الى غرفته فوجد زوجته جالسة على السرير. كانت قد غفت وهي تنتظر عودته. ولكنه كان مخموراً، ألقى عليها نظرة اشمئزاز ثم حاول الوصول الى الكنبة. وهناك استلقى بكامل ثيابه وأغمض عينيه وراح يشخر من فوره، فهذه هي المرة الأولى التي يخمر فيها بهذا الشكل. نهضت ذكية واقتربت منه بهدوء فخلعت له حذاءه ثم جلبت المخدة من الخزانة وحاولت رفع رأسه لتدسها تحت رأسه، حينذاك فتح عينيه فشاهد وجه ذكية أمام وجهه، ولم يكن بكامل وعيه فراح يصرخ ويهدد ويشتم ثم دفع عنه ذكية فرماها أرضاً واستدار الى الطرف الآخر وعاد للنوم. ولم تمض ثوان حتى انفتح الباب ودخل السيد منير ممسكاً باكورته تلحقه زوجته وأخته وهما تصرخان. هجم وانهال عليه ضرباً بالباكورة. كان محسن نائماً فلم يدر كيف انهالت عليه العصا بهذه القوة، ولم يكن في حال تسمح له الدفاع عن نفسه، فتفجر الدم من رأسه كالنافورة وجحظت عيناه، وانهالت الباكورة وسط صراخ النساء وبكائهن على كل جسده،ولم يستطعن إبعاده إلا عندما القت ذكية نفسها على محسن لتحميه بجسدها، عندها وجد أنه اذا استمر بالضرب فإنما سيضرب الزوجة وليس الزوج الملعون. أخرجنه ثم ركعن الى جانب محسن يولولن. كان المسكين يتلوى من الألم والدم يسيل من رأسه ووجهه، بينما كان عظم الساعد مكسوراً في مكان ما تحت الكتف.

اسعفته أمه وعمته، بينما كانت زينة تولول وتبكي وذكية تهرع الى هنا وهناك من أجل المساعدة وهي تبكي بصمت. وعندما انتهين من اسعافه وغسل الدم وتبديل ثيابه، تركنه ينام حتى الصباح. ولكنه لم ينم، فقد كان محطماً، مكسور الساعد والخاطر، رأسه معصوب ووجهه تغطيه الكدمات الزرق. كان يبكي على الكنبة..بينما كانت ذكية تبكي وهي جالسة في سريرها. وعندما أذن المؤذن لصلاة الفجر كان قد توقف عن البكاء. كان يفكر بصمت، فلم يعد يطيق هذا البيت الذي اهدر له صاحبه كرامته ورجولته. نهض متحملاً آلامه الشديدة، تراقبه ذكية التي لم تذق طعم النوم. أنزل حقيبته من فوق الخزانة ثم فتحها ووضع فيها بعضاً من ثيابه ومبلغاً من المال كان يخبئه في مكان سري، ثم راح يبدل ثيابه. عرفت ذكية ماكان ينوي فعله، نهضت وراحت ترجوه وهي تبكي:

- أرجوك يامحسن، أبوس إيدك..لاتغادر. ابق في بيتك، كل هذا حصل بسببي، سوف أغادر غداً الى بيت أهلي. أرجوك..

ولكنه لم يكن يأبه لها..تابع ارتداء ثيابه..حاولت كل جهدها من أجل منعه من الرحيل. تبعته الى الباب. سدته بجسدها، ولكنه ، رغم آلامه، دفعها عن الباب ثم فتحه وخرج. ركعت ذكية قرب الباب وهي تبكي وتشهق. كانت تسمع وقع أقدامه وهو ينزل الدرج ببطئ وتسمع تأوهاته..همست، لقد أحببتك يامحسن ولكن لم يأتها جواب..فمن يأبه بها؟.

                                          * * *

عرفت الست مطيعة بخبر هروب محسن أثناء زيارة قامت بها الى احدى معارفها، وماإن عرفت بالخبر حتى نهضت وارتدت معطفها وذهبت الى خان الحرير. وهناك تأكدت من زوجها أن محسن قد ترك البيت اثر قيام والده بضربه على مرأى من زوجته. طمأنها السيد كمال بأن محسن سوف يعود بعد أن تكون نفسه قد هدأت، فقد صعب على الشاب أن يضرب أمام عروسه. تركته مطيعة وأسرعت الى بيتها ،وهناك أخرجت مكنسة من القش وأحضرت علبة دبابيسها وجعلت تطبق وصفة جربتها مرة ونجحت فيها، فقد تأخر مرة السيد كمال أثناء سفر له الى دمشق، فذهبت الى الشيخة خديجة فنصحتها أن تفعل اللازم ولم تمض عدة ساعات حتى فتح السيد كمال الباب ودخل.

تربعت الست مطيعة وراحت تغرز الدبابيس في المكنسة وتردد:( يامحسن يازوج ذكية، تحتك عود وفوقك عود. مايجيك صبر ولاقعود، إن كنت بارك يقوموك، وإن كنت ماشي يركضوك..) استمرت في غرز الدبابيس وترديد الشعيرة حتى انتهت الدبابيس فنهضت وأخفت المكنسة في سقيفة المطبخ وهي مرتاحة البال. قالت وكأن ذكية أمامها:

- اطمئني ياذكية..غداً سيعود محسن.

ولكن محسن لم يعد لا في اليوم التالي ولافي الأيام التي تلت. زفر السيد كمال بهم شديد وقال لصديقه الشيخ قدري الذي كان في زيارته في الخان:

- ليس لي حظ في هذه الدنيا ياشيخ قدري.

- لاتقل هذا الكلام ياسيد كمال.

- وضعت أملي في محسن فخاب ظني.

- سامحه الله.

- قلت في نفسي سأعطيه ابنتي ذكية ليصير مثل ابني، حيث لم يرزقني الله بولد..فأسلّمه المحل وأرتاح، كسرت على إنفي بصلة ورضيت به. رضيت بالهم والهم لم يرض بي.

- الله كبير ياسيد كمال.

- لو كان لي ولد لما حدث ما حدث.

قال السيد كمال ذلك ونظر الى البعيد..نظر أيضاً الى النافذة المغلقة وزفر..تمنى ان تصل رسالته الى الشيخ قدري . قال الشيخ وقد وصلت إليه الرسالة:

- تزوج ياسيد كمال ياصديقي..الزواج خير وبركة مادام الهدف الخلفة الحسنة.

- سيقول الناس أنني أسأت الى مطيعة زوجتي وتخليت عنها بعد أن وقفت الى جانبي.

- الناس يقدرون وضعك ياسيد كمال. الست مطيعة طيبة ولكنها قليلة النسل..المال والبنون ياصديقي.

إذن، كل شيء يسير بشكل تام . بقي أن يلمّح الى من يهواها قلبه. قال دون حماسة:

- وأين هي المرأة الطيبة وابنة الحلال التي أأمن لها وتعطيني الولد..الحياة مفاجآت ياشيخي؟ لو لم يكن أبو عادل والحاج محمد قد طلبا يد الست سعاد لكانت لابأس بها..فبهذا الأمر أيضاً أرد الدين للمرحوم زوجها ، وهي عندها ولد وسيكون مثل ابني.

تحمس الشيخ قدري. شجعه على طلبها. قال إنه مادام أبوها لم يعط جوابه لهما فهذا لايمنعه من التقدم هو أيضاً، ثم عرض على السيد كمال التوسط في الموضوع..قال السيد كمال وكأن الأمر شر لابد منه:

- ماشي ياشيخ قدري..بارك الله فيك.

في ذلك الوقت كانت زينة تزور سعاد بناء على طلب أهلها، فقد وجدوا أنه قد يكون لدى أحمد أية معلومات عن مكان تواجد محسن، ولابأس إن أرسلوا زينة للسؤال. كانت زينة تبحث طوال الوقت عن أحمد. تبحث عنه بعينيها، ففهمت سعاد ذلك فأخبرتها، وبشيء من الأسف أنه غير موجود، طلبت منها أن تبلغه برغبة أبيها في مقابلته والتحدث معه.

كان موضوع هروب محسن هو الذي شغلهن، وكان رأي زينة أن أخاها قد ظلم بإجباره على الزواج من ذكية، وأنها، أي زينة، تشعر وكأنهم قد استبدلوا ذكية بأخيها. وعندما ذهبت أم سعاد الى المطبخ لصنع القهوة سألت زينة ببراءة:

- وأنت ماذا تفعلين ياسعاد..سمعنا أنك تخطبين؟

زفرت سعاد وراحت تعبث بشعرها. قالت تشكو ألمها الى صديقتها:

- ألم أصبح أرملة..؟ عليهم الآن أن يجدوا لي زوجاً ليتخلصوا مني.

- هكذا حياة البنت.  فقالت سعاد :

- يازينة لست راغبة في الزواج..لدي ابني ربنا يخليه ، ثم إنني لا أتصور نفسي في بيت شخص آخر بعد سعيد. فسألتها زينة:

- وأحمد؟

- أحمد واقف معي، ولكن ماذا نساوي نحن الإثنين مادام أبي وأمي مصرين، وعندي شعور أن هناك من طلبني من أبي.  فسألتها زينة:

- عندك شعور..؟ ألا تعرفين أن أبو عادل والحاج محمد قد طلباك..؟

- ماذا؟..أبو عادل والحاج..ماذا تقولين؟

اصفرت سعاد ولم تعد تستطيع المكوث في مكانها..راحت تبربر ثم انهمرت دموعها. غاصت زينة في مقعدها. اعتذرت، قالت إنها كانت تحسب أن سعاد تعلم ذلك، وعندما عادت الأم من المطبخ حاملة صينية القهوة بادرتها ابنتها:

- لماذا خبأتم علي.. ماذا حدث ليخطبني أبو عادل والحاج محمد؟..هل أصبحت عندكم بلاقيمة ؟

عرفت أم سعاد أن زينة قد تكلمت. قالت:

- على كل حال كنا سنخبرك..والدك مصر على تزويجك، ولم يتقدم شخص أفضل منهما.  فصاحت سعاد من بين دموعها:

- على ضرة ياأمي..ولرجل أكبر من والدي؟

- ياابنتي يجب عليك أن تتفهمي..لاأحد يتقدم للزواج من أرملة.

- وهل من الضروري أن أتزوج..؟

اختنقت الكلمات في حلق سعاد وراحت تبكي. كانت زينة تراقبها وتحس بمأساتها..كادت تبكي هي أيضاً.

وفي المساء، عندما عاد الأب الى بيته وجد ابنته على هذه الحال. حاول اقناعها دون جدوى. كانت تكرر انها غير مستعدة ولاتطيق الزواج من رجل متزوج وعلى ضرة وعنده تسعة أولاد وأكبر من أبيها. طلبت من أبيها أن يصبر عليها سنة واحدة ثم إن أراد فليزوجها بعدها. كان الأب يرفض ذلك، فهو غير مستعد لرؤيتها من غير زواج، وأكثر مايمكنه فعله هو تركها تختار بين الإثنين، إما أبو عادل وإما الحاج محمد.

كانت ترفض الإثنين..حتى أنها كررت عدة مرات أنها تفضل الموت على الزواج من أحدهما.

عندما عاد أحمد أخبرهما أن أصواتهم تسمع من الشارع..ماذا يجري؟ أخبرته أخته بما علمته من زينة. صفر أحمد مستغرباً ثم راح يهزأ منهما..قال:

- الحاج محمد..؟! هذا تلزمه جنازة وليست جازة.  فأضافت سعاد:

- أموت نفسي ولاآخذه.  فقال أحمد:

- ليس عندنا بنات للجازة.  فقال له أبوه :

- اترك هذا الموضوع لنا..أنت ليس لك علاقة به. انتبه لدراستك وسياستك وأحصل لي على البكالورية.

- البكالورية سأحصل عليها ولكن سعاد يجب ألا تأخذ أحداً ليس لها رضى به.

نهض ليحسم الموضوع وينهي النقاش. قال يبت بالأمر:

- أمامك أسبوع لتقرري..إما هذا أو ذاك..وإلا سأوافق على الشخص الذي أراه أنا مناسباً.

حل الصمت بعد ذلك..كانت سعاد تمسح دموعها وهي بائسة. قال لها أحمد يواسيها دون أن يأخذ بالأعتبار وجود أمه:

- ياأختي لاتهتمي، فلايستطيع أحد ارغامك على الزواج من شخص لاتريدينه، ثم إنني معك، والآن، كيف هي زينة؟.

ابتسمت سعاد لأخيها وهي تمسح دموعها، أخبرته أن أبو محسن يريد مقابلته ليسأله عن محسن. رفع أحمد كتفيه وقال:

- ومن يعرف أين هو..؟  ولكن سعاد شعرت أنه كان يعرف.

في اليوم التالي زار أحمد السيد منير في دكانه. وعبثاً حاول أبو محسن جعل أحمد يصرح أين يمكن أن يكون محسن الآن، إلا أن أحمد استطاع التملص بسهولة، وعندما سأله فيما إذا كان محسن يعرف فتاة ما أو يحب امرأة معينة، ضحك أحمد ليخفي الحقيقة وقال له ياعم أبومحسن، ومن عنده وقت ليحب..فنحن لانترك مظاهرة إلا لندخل في مظاهرة أخرى..فالوقت وقت حرب..عندها رجاه السيد منير أن يبحث له عن محسن..قال له وهو يبدي رقة وأسفاً لما جرى:

- ياأحمد يا بني..ابحث عنه أرجوك..بين مظاهرة ومظاهرة ابحث لي عنه، لك الثواب عند الله..ثم أليس هو صديقك؟

وعده أحمد خيراً ثم خرج. عندما ابتعد ابتسم، فلم يكن يتوقع من محسن أن يقوم بمثل هذا عمل. كان سعيداً بما فعل صديقه، فأحمد يحب التمرد. هكذا هو طبعه، أما ماكان يعتبره مأخذاً على محسن، فهو خوفه من أبيه ووقوعه تحت سيطرته. إنه يعرف أين هو. يعرف بحدسه أنه الآن في أحضان فضة الغجرية. نظر في ساعته ثم أسرع. لقد أنساه محسن موعداً مهماً، فقد تواعد هو ورفاقه ليكونوا في هذا الوقت أمام احدى مدارس البنات، حيث سيقام مهرجان خطابي تنظمه النساء دعماً لمصر وضد حلف بغداد ونوري السعيد، وقد وصل الى علمهم أن الأخوان المسلمين سيهاجمون النساء ويفشلون المهرجان.

وصل متأخراً الى المدرسة. كانت المعركة محتدمة خارجها بين المؤيدين لمصر والمعادين لها، بينما النساء وقفن داخل السياج وهن يهتفن بالشعارات. كانت تقود النساء مديرة المدرسة، وهي امرأة جريئة في الخمسين من عمرها، قالوا لأحمد إن اسمها الست نادرة، وينادونها أيضاً بالست أم مراد. كانت رقيقة ولكنها بالغة الشجاعة. انخرط فوراً في المعركة الى جانب رياض وحسان. كانا يتضاربان مع ثلاثة من الملتحين، كان عادل ابن أبو عادل واحداً منهم، وعندما شاهده عادل طلب منه الابتعاد.

كانت أصوات الصراخ والشتائم على أشدها، بينما كانت الهتافات النسائية تنداح من الطرف الآخر من السور. كان الكل ملتحم بالكل، وكان كل من يسقط يداس تحت الأقدام. صرخ عادل بكل قوة رافعاً قبضته في وجه أحمد:

- اذهب من هنا..لاأريد أن اتورط معك.  ولكن أحمد كان يصر على قتاله، عندها لم يجد عادل مناصاً من أن يهرب من وجهه جاراً معه رفيقيه. وقفوا بعيداً عنهم. كان رفيقاه مستغربين عدم رغبته في مصارعة أحمد:

- ماذا حدث..كنا سنتفوق عليهم؟  قال أحد رفيقيه، فرد عليه عادل:

- اتركه..لاأريد أن أعاركه.

- ولكن لماذا؟  ابتسم عادل وقال:

- والدي يخطب أخته..لا أريده أن يغضب مني.

عادوا الى المعمعة التي كانت قد وصلت الى ذروتها، ولكن سرعان ماهزموا، فقد تفوق المدافعون عن مدرسة البنات.

                                          * * *

كانت الحياة السياسية في البلد في أوجها، فقد كان الشارع يغلي وكان الرأي العام برمته مع توجه حكومة العسلي والجبهة القومية في تأييدها لمصر التي كانت آنذاك معرضة لهجوم من الغرب بعد تأميمها القناة. وكان الناس يجتمعون حول أجهزة الراديو للأستماع الى خطابات عبد الناصر الحماسية والى برامج أحمد سعيد من صوت العرب، بينما كانت تحضر في الخفاء مؤامرة لقلب نظام الحكم في دمشق لجعل سورية تبتعد عن تأييد عبد الناصر ولحسم الصراع عليها لمصلحة العراق المتحالف مع بريطانيا.

كانت اللجنة التي شكلها بعض صقور حزب الشعب لجمع تأييد التجار للمؤامرة قد قطعت شوطاً طويلاً. وكانت قد أمنت قائمة طويلة لعشرين وفداً من أعيان البلد للتوجه الى دمشق حالما تنجح المؤامرة من أجل الدعم والتأييد. جلس حكمت بيك والسيد كمال في مكتب الأول يستعرضان للمرة الأخيرة ماقامت به لجنتهما. كانا سعيدين بما تم انجازه. أحصيا ماتبقى من مال اللجنة في الصندوق، وقررا أن يحتفظ السيد كمال بماتبقى من الأموال في صندوقه مادام هو أمين صندوق اللجنة، وعندما انتهيا من كل أمور اللجنة، أشعل كل منهما سيكاراً من نوع هابانا وجعلا يتحدثان في أمور أخرى في انتظار نجاح الانقلاب. قال حكمت بيك وهو يعيد تثبيت قرنفلة في عروة سترته:

- على فكرة، هناك صفقة كبيرة من القماش تجهز للتصدير الى العراق..هل تريد أن تتعهد بتنفيذها لمصلحة المصدر؟

- أنا جاهز. ومن هو المصدر؟

- تاجر من جماعتنا، مقرب من قيادة الحزب.

- جيد جداً، وماهي الكمية؟

- ثلاثمئة متر من قماش التريفييرا، إذا كنت موافقاً استطيع أن أجمعك معه غداً هنا الساعة الحادية عشرة.

- الساعة الحادية عشرة سأكون عندك.

هز حكمت بيك رأسه. نشق من دخان سيكاره وعلى لسانه كلام يريد أن يقوله. فهم السيد كمال مايريده حكمت بيك فسبقه الى القول:

- كومسيونك محفوظ  حكمت بيك.  فلم يتردد هذا في القول:

- ثلاثة بالمئة من قيمة العقد.

أعطى السيد كمال موافقته على النسبة وهو ينهض ليغادر. وفي الخارج شعر أنه بدأ يحصد نتاج نشاطه السياسي الذي زرعه خلال أعوام طويلة، فهذه الصفقة ستقوي أكثر فأكثر وضعه التجاري، فقلة من التجار تستطيع تنفيذ صفقة بهذه الضخامة. وفي اليوم التالي اجتمع مع المصدر في مكتب حكمت بيك واتفقوا على الشروط والسعر والمواصفات. كتبوا العقد ووقعوه بعد أن أرفقوه بعينة من القماش المطلوب، أما بخصوص الدفع فقد اتفقوا على أن يستلم السيد كمال ثمن كل مئة ألف متر يقوم بتسليمها فعلاً الى المصدر أولاً.

                                          * * *

قبل أن يمضي الأسبوع الذي أمهل به الحاج عبد القادر ابنته سعاد لتقرر أي من الاثنين ستتزوج، زار الشيخ قدري دكانه فوجده مهموماً، يدخن السكائر بشراهة. كان ضجيج السوق على حاله، مضافاً إليه صوت صناجات بائع السوس ومناداة بائع صندويش البيض والصمن. قرب الشيخ قدري كرسيه أكثر ليتمكن من التفاهم معه بسهولة. بعد المقدمات عن الطقس وأهل البيت، سأل الشيخ قدري :

- وابنتي سعاد..كيف حالها بعد أن انتهت من قعود العدة؟

- آه ياشيخي..نحمده.

- رحمة الله على الاستاذ سعيد..كان لا مثيل له.

- عشت ياشيخ قدري.

- ألا تفكر في تزويجها ياحاج؟  فعاد اليه الهم، فهذا مايؤرقه. قال:

- هذا منى قلبي بعد أن انتهت من قعود العدة، ومعلومك طلبها أبو عادل والحاج محمد. بيني وبينك أجد صعوبة في إقناعها.

- بعد الاستاذ سعيد رحمة الله عليه، بحاجة الى رجل ذي شخصية.

- قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا.

- لاإله إلا الله..ياسيدي، سعاد ابنتي حظها من السماء.

انتبه الى تلميح الشيخ قدري..انتظره لكي يكمل، فاستطرد الشيخ قدري :

- تقدم لها شخص قدير ومحبوب وربنا رازقه..طلب مني أن أفتح معك الموضوع.

إذن هناك شخص ثالث..شرع الحاج عبد القادر يشعل سيكارة أخرى ليخفي حماسته وحرجه..من يكون ياترى، أجاب الشيخ قدري دون أن يسمع السؤال:

- السيد كمال.

انتفض وقد ادهشه ماسمع. السيد كمال ؟ هذا آخر مايتوقعه..ابتسم وراح يتأتئ. لم يكن باستطاعته لفظ اسم السيد كمال بالشكل الصحيح. فقال الشيخ قدري :

- نعم شيخي نعم..ألم أقل إن حظها من السماء..هذا السيد كمال، سيد السوق، ليس هذا أوذاك، وهو مثلما تعلم محروم من الوريث الذكر ومحسن أصلحه الله قد خذله وطفش. أراد أن يعتمد عليه ويجعله مثل ابنه، ولكنه طفش. لا أحد بإمكانه إسعاد سعاد وابنها غير السيد كمال. اسمع مني ووافق ياحاج، فأنا أعرفه جيداً وأحبه كثيراً ولولم يكن كذلك لما جئت وطلبتها له.

وعده خيراً فرحل الشيخ قدري . ضاق المكان بالحاج عبد القادر فخرج من دكانه الصغيرة وراح يدخن. نعمة من السماء سقطت عليه. السيد كمال بحاله. هذا ليس أبو عادل أو الحاج محمد كما أراد الشيخ قدري أن يلمح، فهو أغنى تاجر في خان الحرير وأكثرهم جبروتاً. تمنى أن يتكلم في الموضوع مع أي انسان، أن يسأله رأيه. طبعاً ستوافق الآن ابنته سعاد. وماذا لو رفضت أيضاً..؟ سمع صوت الشيخ علي ينبه الناس الى قدومه. فرح به وأسرع اليه ثم قاده الى الكرسي. رحب به كما يجب ثم قال له إنه جاء في وقته وكأنه سمعه يناديه. صاح الشيخ علي ممازحاً:

- ماذا..وهل طبختم ملوخية؟  ضحك ثم قال:

- سأطبخها لك مخصوص..والآن عندي لك خبر جديد.  فقال الشيخ علي تفضل فقال:

- السيد كمال طلب اليوم يد ابنتي سعاد.

انتفض الشيخ وهو يصيح لاإله إلا الله، ثم راح ينوس. سأله:

- وبماذا أجبته ياحاج؟

- قلت للشيخ قدري الذي جاء يطلبها أننا نتشرف به.

- أصبحت مسألتك بالغة الصعوبة ياحاج عبد القادر.

- وأنت ماذا تقول ياشيخ علي؟

- أنا من أنصار الصمت حكمة.

- لايمكن أن يأتي لسعاد من هو أحسن من السيد كمال.

فقال الشيخ علي وهو يستشعر خطراً ما:

- مااعتاد أحد أن يرفض له طلباً..كان الله في عونك ياحاج عبد القادر .

بعد صلاة الظهر مر الشيخ علي على سوق النسوان ليزور صديقه العزيز أبو عادل. انضم اليهما عبد السلام لشرب الشاي. كان الشيخ علي يهتز كالنواس وفي فمه كلام..قال دون مقدمات:

- كل من سمعني أرملة، شمّر و ركض هرولة..

تطلع فيه أبو عادل وجاره. شعرا كأنه قال ذلك لأمر ما. سأله أبو عادل عن الأمر فقال الشيخ إن أمله أصبح كأمل إبليس في الجنة..فسأله أبو عادل :

- هل هناك خبر من عند الحاج عبد القادر ؟  فقال الشيخ علي :

- السيد كمال طلب يد الست سعاد..أصبح غريمك. لملم أذيال خيبتك أنت والحاج محمد وانسحبا بريحة طيبة.

صمت أبو عادل . كانت مفاجأة كبيرة. راح يبتلع ريقه ويتلمس شاربيه بعصبية. نهض ثم عاد للجلوس. سأل عبد السلام عن الست مطيعة، هل علمت بالأمر؟ فأجابه الشيخ بأن ليس هناك ضرورة، ثم أضاف:

- بعد ما أكل وانتكى، قال لها يامرا أكلك ما له زكى.

ثم حل الصمت في دكان أبو عادل . هل هزم من عاد اليه الشباب ثانية؟ همس كلا..فهو لن يستسلم بسهولة، فسعاد أصبحت حلمه الذي كان يلازمه منذ أن توفي زوجها.

أما في بيت الحاج عبد القادر ، فقد استمرت سعاد في البكاء وفي رفضها للزواج، حتى أنها قالت إنها تكره السيد كمال . دهش أبوها . كان يحسب أنها ستوافق على الزواج بمعلم زوجها الذي أخذ على عاتقه الاهتمام بها بعد زوجها. كان غير مصدق أنها سترفض سيد التجار دون منازع. أيدها أخوها أحمد. ولكن الأب أصر على موقفه السابق. كان رأيه أن السيد كمال مناسب لها ولكنها إن أرادت أبو عادل أو الحاج محمد فهو لن يمانع، فالمهم أن تتزوج وينزاح هذا الهم الثقيل عن قلبه. وعندما هددها أنه سيرسل موافقته للسيد كمال، وقف أحمد وقال والعروق تنفر من رقبته:

- إذا كنت ستزوجها رغماً عنها، فأنا على استعداد لأن آخذها هي وابنها ونخرج من البيت. قصة محسن وذكية يجب ألا تتكرر عندنا أيضاً.

حينئذ شعرت سعاد بشيء من الأمل. كان أحمد يعني مايقول. مسحت دموعها وهي تراقب أخاها وأباها المتواجهين. حلت أم سعاد المشكلة بأن صلت على النبي واقترحت أن يتركوا هذا الأمر حتى تهدأ النفوس. فسعاد ماتزال متألمة على زوجها المرحوم وليس هناك من سبب للعجلة.

                                          * * *


TOP

Copyright © 1999 - 2001 Nihad Sirees All rights reserved