|
|
بدأ السيد كمال في تنفيذ تعهده الكبير. كان أول شيء عمله هو شراؤه لخيوط البوليستر المستوردة، وبما أن الكمية كانت كبيرة جداً فقد راح يشتري بالتدريج، ثم أنه لايوجد تاجر في كل المدينة يملك في مستودعاته كل هذه الكمية من الخيوط. أرسل خلف الدلال أبو يوسف وجعله يبحث له عن الخيوط عند التجار ويعقد الصفقات. كانت
العادة في مثل هذه الأعمال، أن يشتري
التاجر خيوطه بالوعدة لثلاثة أو ستة
أشهر، فيوقع السندات ويستلم الخيوط
ويرسلها الى المعامل وورش النسيج
القائمة في محلة العرقوب في شرق المدينة.
فتقوم هذه الورش والمعامل بنسج هذه
الخيوط وتصنيعها حسب المواصفات
المطلوبة من قبل التاجر بأجر محدد يدفع
قسماً منه كل يوم خميس ليتمكن صاحب
الورشة من دفع أجور عماله، أما الباقي
فيدفع حين يتم تسليم كامل الكمية
المصنعة. ولهذا الأمر كان على السيد
كمال أن يتفق مع أكثر من ورشة نسيج ومع
عشرات التجار الذين لم يكونوا بالضرورة
من تجار الخيوط ( يمكن لأي كان أن يشتري
الخيط نقداً ومن ثم يبيعه بسندات بسعر
أعلى ). كان الهدف توظيف السيولة
المتوفرة، وحينما يبدأ تاجر مثل السيد
كمال بشراء صنف معين، يبدأ الجميع
بشرائه ثم عرضه من جديد، وقد تحصل
مضاربات كبيرة تجنى من ورائها الأرباح
الطائلة، وقد تؤدي في بعض الأحيان الى
افلاسات خطيرة. نكتفي
بهذا القدر ( فالقارئ ليس مرغماً على
قراءة صفحات كثيرة عن التجار والخيوط
وعن الطرق التي يعملون بها )، ولكن، بما أن ذلك حصل
في خان الحرير وفي زمن هو زمن قصتنا
وتجاره هم شخصياتها فإننا نضيف أن أبو
يوسف قد دخل الى محل نعيم ومقيم وعرض
عليهما بيع خيوط البوليستر التي
يحتفظان بها في مستودعهما الى السيد
كمال . كان ذلك أول امتحان للشراكة
الجديدة التي أصبحت تجمع كلاً من نعيم
ومقيم ومراد. فقد كان مقيم قد تلقى وعداً
من شريكيه بمحاربة السيد كمال . كان
تشرين قد حل أخيراً، وكان الخريف قد بدأ
يزحف بنعومة، وأصبحت سماؤه يشوب زرقتها
بعض الغيوم،
ونسيمه يعتدل، وصار التجار يفضلون
المكوث داخل محلاتهم، فهجروا السقائف
المنصوبة فوق مداخل دكاكينهم، وجعلوا
يلتصقون بأجهزة الراديو التي أصبح
الوصول إليها سهلاً في الداخل، فقد كان
الوضع ينذر بخطر شن حرب رهيبة على مصر. كان
رأي مقيم هو أن لايبيعوا شيئاً للسيد
كمال ماداموا يبنون مشروعاً صناعياً
سوف يحتاج في المستقبل الى كثير من
الخيوط. كان يقول ذلك كي لايضطر الى
الرفض بدافع الكراهية. إلا أن مراد
اقترح أن يبيعوا للسيد كمال كمية صغيرة،
لن تؤثر في المستقبل على مشروعهم، ولكن
سيكون في مقدورهم التقرب مؤقتاً من ذلك
الرجل ذي الجبروت، فهم على كل حال
يحضرون له مفاجأة كبيرة ببناء المصنع.
عليهم أن يخدعوه، فهو يجب أن لا يعلم
شيئاً عن مشروعهم لئلا يعمل على إفشاله،
خاصة وأن وجود مراد في محلهم أثار
العديد من الأسئلة حول تردده عليهم،
وهكذا اقتنع مقيم بسرعة، وأثبتت
الشراكة بين الثلاثة أنها قوية وأن مقيم
قد عاد الى طبيعته بسبب التأثير القوي
لمراد. كان
السيد كمال يبحث عن حجة ما كي يتعرف
بمراد، فهو راغب في كشف سر تواجده
المستمر مع نعيم ومقيم، ولهذا الأمر جاء
مع أبو يوسف لتوقيع سندات كثمن لطنين من
خيوط البوليستر. بعد التوقيع والمباركة
قال السيد كمال لنعيم وهو يشير الى مراد: -
لم تعرفنا بالأستاذ..
فقال نعيم يقدم مراد للسيد كمال،
بينما كان مقيم يتابع مايجري بصمت: -
قريبنا الأستاذ مراد..السيد كمال. تصافح
الرجلان اللذان سيصبحان ألد عدوين في
خان الحرير، وتبادلا كلمات المجاملة..تابع
نعيم بعد أن سأل السيد كمال عن مهنة مراد: -
الأستاذ مراد مهندس نسيج من ايطاليا.
فعلق السيد كمال بخبث: -
ماشاء الله..أصبح للنسيج مهندسين.
فقال مراد يورط نفسه في نقاش مع
السيد كمال : -
النسيج صنعة وعلم وفن ياسيد كمال. والذي
لايتابع آخر الابتكارات والطرق العلمية
في هذه الصناعة يتخلف. اتخذ
السيد كمال فوراً وضع التاجر المجرب
والخبير العتيق وقال وهو يرمق أناقة
مراد: -
يا بني..النسيج أولاً وأخيراً خبرة،
أباً عن جد، والذي لايملك خبرة ولم
تتلوث يداه في السوق وفي العرقوب لايمكن
أن يصير تاجراً من المدارس. مع احترامي
لشهاداتك خذ مني نصيحة، بدّل ثيابك
وانزل الى الشغل. لأول
مرة شعر مراد بأن أناقته كانت محرجة له
بهذا الشكل. نظر الى مقيم فوجده يبتسم.
لم يستطع أن يقول شيئاً فأضاف السيد
كمال : -
نعيم ومقيم غاليان علي، فإن كنت بدون
عمل فأنا أستطيع أن أشغلك عندي..
تنحنح مراد وشكره للطفه وقال: -
عندي مشروعي الذي أعمل على تنفيذه.. هل
أفشى سرهم في لحظة حرج..؟ فسأل السيد
كمال بتكبر: -
مشروع..؟ السوق غير المكتب ياأستاذ
مراد، على كل حال، إذا كان في رأسك مشروع
اعرضه علي، أستطيع مساعدتك في هذا الأمر
أيضاً..ثم نهض ومد يده الى مراد وطلب منه
زيارته ثم صافح نعيم ومد يده الى مقيم.
كان يشعر أن مقيم يكرهه فكان يعامله
باحتقار. وعندما خرج صفّر مراد بفمه
وراح يضحك..قال وهو يتنفس الصعداء: -
هذا الانسان لعين. فعلق
مقيم وهو يضحك: -
لقد أكلك دون ملح. فسأله
نعيم عن رأيه به، فقال مراد: -
لم أتوقع أن يبدأ من اللحظة الأولى
لتعارفنا. ثم
راحوا يتمازحون: -
غيرت رأيك؟ سأل
مقيم. -
غيرت رأيي بماذا؟ سأل
مراد. -
في محاربته. قال
مقيم. -
هذا يحتاج الى جيش كامل.
قال مراد ضاحكاً. -
رأيي أن تستسلم. علق
نعيم بمرح. -
لن يستسلم أحد. قال مقيم بتصميم ثم أضاف،
دعونا نبني المصنع وهذا ما سيفقده
صوابه، السيد كمال يحسبنا أولاد مدارس. ثم
انكبوا على أوراقهم التي كانوا
يتدارسونها قبيل دخول السيد كمال وأبو
يوسف . كان
السيد منير يساعده في عمله ، فقد كان
يتقطع من الحرج بسبب هروب ابنه محسن
الذي ماانفك السيد كمال يقول إنه كان
يود الاعتماد عليه في أشغاله. كان يتنقل
طوال اليوم بين معامل النسيج ومصابغ
الخيوط. أما أبو يوسف فلم يكن يهدأ،
فكمية المئة ألف متر الأولى تحتاج الى
ثلاثين طناً من الخيوط تقريباً، وهذا
رقم كبير جداً بمقياس ذلك الزمان. كان
عليه أن يتصل بكل التجار الذين يتاجرون
بالخيوط قبل أن يصل اليهم المضاربون
الذين اعتادوا اللحاق بالموضة وشراء
أية بضاعة مطلوبة، لالشيء إلا لعرضها
بعد ذلك بسعر أعلى. وعندما علم أبو عادل
وجاره عبد السلام بالموضوع في سهرة يوم
الخميس المعتادة، قاما فوراً بالاتصال
بأبو يوسف فدفع له كل منهما عشرة آلاف
ليرة نقداً ، لقاء سندات موقعة من السيد
كمال بقيمة اثني عشرة ألف
ليرة، أي بربح ألفي ليرة تستحق بعد
ثلاثة أشهر، بررت شرعاً بأن أبو يوسف
سيقوم بشراء خيوط بسعر أدنى وسيبيعها
للسيد كمال بسعر أعلى. كانت
الأعمال تجري بشكل مرض، أما عشقه السري
للأرملة سعاد، فلم يكن على مايرام. كان
على ثقة تامة بأن كلاً من أبو عادل
والحاج محمد سينسحبان من تلقاء نفسيهما
ولن يجرؤا على منافسته، وكان متيقناً
أيضاً من أن أبا البنت سيبلّغه بموافقته
خلال أيام، ولكن شيئاً من هذا لم يحصل.
وعندما حاول الاستفسار بطريقة أو
بأخرى، علم أن أبو سعاد يجد صعوبة في
اقناع ابنته في الزواج، وكانت نصيحة
صديقه الشيخ قدري هي أن الصبر مفتاح
الفرج وأن عليه أن يطمئن الى النتيجة.
كان السيد كمال مطمئناً، وهذا مما لاشك
فيه. ولكن
الحياة لاتخلو عادة من المشاكل
الصغيرة، فبالإضافة الى مشكلة ابنته
ذكية، راحت زوجته الست مطيعة تشعر
بحدسها أنه قد تغير. لم تعلم حتى الآن
أنه قد طلب سعاد، وهو لم يجد حتى الآن
ضرورة في مفاتحتها بالأمر، ولكنها تصر
على التحدث حول السنين الطويلة التي
عاشاها معاً، كما أنها كانت تردد على
مسامعه كل يوم، أنها تراه قد تغير وأنها
تحبه وتريد رضاه..كان يتهرب منها ومن
أسئلتها ومن عينيها. كان كل ليلة يدعي
أنه متعب وأنه لايريد الكلام في هذه
الأمور. ولكن في احدى المرات شعر، عندما
عاد الى البيت، أنها تنظر في عينيه
بطريقة لئيمة. كانت، على مايبدو، قد
عرفت شيئاً. راح يقلب المذياع بحثاً عن
أغنية ما بعيداً عن الأغاني الحماسية
والخطابات الرنانة التي امتلأت بها
محطات الراديو وبعيداً عن نظراتها، وإذ
بها تطلب منه أن يطفئ المذياع لأنها
تريد أن تتحدث معه. قالت له بعد أن
استدار اليها: -
ماهي قصة سعاد؟ -
سعاد ؟ سعاد من؟ إذن
عرفت أخيراً، فليكن. سيقول لها كل شيء
بصراحة. عليها أن تحترم رغبته وأن توافق
على زواجه،فليس هناك من طريق آخر. سمعها
تؤكد: -
ابنة الحاج عبد القادر . -
وماذا سمعتِ؟ -
أنك قمت بطلبها من أبيها. -
ومن نقل لك الخبر؟ -
ليس مهماً من نقل لي الخبر، ولكنه صحيح
أليس كذلك؟ قرر
أن يواجهها..رسم تعبيراً صارماً على
محياه وقال: -
انظري يامطيعة، آن الأوان لكي تعرفي،
لقد قررت أن أتزوج وأنت تعرفين السبب
جيداً. ترقرقت
الدموع في عينيها. حاولت أن تتكلم
برقتها المعهودة، فهي لاتعرف طريقة
أخرى للتكلم معه: -
بعد كل هذه العشرة؟ -
ستكونين ست الستات. سأموت إن لم أرزق
بولد يامطيعة. -
هذا مجرد عذر، فأنت منذ أن مات سعيد
لاتعرف الهدوء. -
رحيله ذكرني بالموت. -
عندنا ذكية. ستخلف لك الحفيد الذي تريد.. ضحك
بصوت عال وقال ساخراً: -
نعم..ستخلف.. بدات
تبكي. أصبحت تستثير عطفه: -
إن أردتني أن أموت فتزوج علي. -
لن يحصل لك شيء، فأنت لست أول زوجة يتزوج
عليها زوجها. -
ولكنني أحبك وسأموت من الغيرة. لاأستطيع
الصبر على ضرة. -
ستتعودين. -
أنت لم تعرفني جيداً حتى الآن. -
أعرفك..فأنت مطيعة زوجتي. -
أنا مطيعة التي تحبك وتغار عليك. -
مادمت تحبينني فعليك أن توافقي، وسأضعك
على رأسي طوال عمري. -
طلقني. يطلقها..؟
مستحيل، سوف يصير الى مسخرة في أعين
الناس، فالكل يعرف أنها أحبته وطلبت من
أبيها أن يزوجها له رغم فقره. لم تعجبه
الفكرة. قال: -
لاأستطيع أن أطلقك. فأنت غالية علي. -
إذا كنت غالية عليك فلن تتزوج. -
هذا شيء آخر.. نهض
لينهي النقاش فتوجه صوب غرفته. كانت
عيناها حمراوين..سمعها تقول بصوت فيه
شيء من التحدي: -
طيب ياكمال.. استمر
في الابتعاد. دخل الى غرفته ثم أغلق
الباب. ظلت منتصبة الجذع، تنظر الى
الباب الذي غاب خلفه. لم تبدل جلستها لأن
عقلها وقلبها كانا مشغولين. ولم تغف حتى
الصباح. كانت تستعيد صوتها الداخلي الذي
يدعوها للنضال بكل قوتها. لا..لن تسكت
ولن تدعه يفعلها. وفي
الصباح، انتظرته حتى خرج الى عمله، ثم
تحجبت وفتحت الباب وخرجت بدورها. ذهبت
الى الشيخة خديجة. كانت باحة الدار التي
تستقبل فيها الشيخة زوارها مكتظة
بالنساء المتلفحات بالسواد، اللواتي كن
ينتظرن دورهن للدخول الى حضرتها. كان
هناك شيخ ضرير يقرأ نذراً لإحدى النساء،
فجلست الست مطيعة بالقرب منه. كانت كل
النساء من المعذبات والمقهورات
والمطلقات ومقطوعات النسل. كل واحدة
منهن قد ابتلت بشيء وجاءت تطمع بتقوى
الشيخة وبسرها لحل مشاكلها. انتهى
الشيخ الضرير من قراءة النذر، فراح يلقي
على النساء الحكم. لفتت انتباه الست
مطيعة، حكمة أطلقها الشيخ وكأنه كان
يعرف مايدور في خلدها. قال الشيخ الضرير:
زرعت راس توم وفي بستاني جكيته
ومن مية الورد وعطر الفل سقيته.....
وغبت عنه سنة ورجعت وشميته.....
الثوم بقي ثوم وضاع كل اللي حطيته. قالت
النساء وهن يهتززن للحكمة: نعم ياشيخي
نعم..يسلم فمك..سبحان الدايم. استدارت
الست مطيعة الى امرأة معذبة تبكي وهي
تنوس. كانت تصرخ رافعة يديها الى السماء: -
أغثني ياشيخ جاكير..أغثني ياشيخ جاكير. أرادت
أت تعرف مشكلتها، ولكنها كانت بعيدة
عنها. ولماذا عليها أن تعرف مابها، فكل
مشاكل النساء متشابهة؟ كلها أمور محزنة
تفطر القلب، مثلها هي التي على وشك أن
تخسر زوجها كمال الذي جعلت منه سيداً في
سوق المدينة. شعرت برغبة في البكاء، إلا
أن جارتها الجالسة الى يمينها راحت تطلق
دعاء غريباً، فنسيت حالتها: -
شقع بقع يارب يقع..شقع بقع يارب يقع..
سألتها من هو الذي تتمنى أن يقع
فأجابتها المرأة التي فقدت منذ زمن بعيد
شبابها ورونقها في الحبل والولادة: -
زوجي ياأختي..أخذ صيغتي وباع فرش بيتي
وتزوج علي..تركني أجوع أنا والأولاد..أنا
الآن أعمل خدامة في بيوت الناس، ولكنني
سمعت أنه أصبح ذا شأن، أصبح في العلالي،
يارب يقع، يارب يقع. عادت
الجارة الى دعائها ودموعها تطفر من
عينيها. راحت الست مطيعة تردد دعاءها
بشكل ميكانيكي: -
ياودود..ياودود.. أخيراً
جاء دور الست مطيعة. دخلت الى الغرفة
المعطرة بالبخور. قالت لها الشيخة خديجة
فور تربعها أمامها: -
خير يامطيعة، ألم يعد الود بينك وبين
زوجك؟ أجابتها
بضعف وهي ترغب في استدرار عطفها: -
لاياشيخة لا..يتهيأ ليتزوج علي. -
هل تعرفين من هي؟ -
نعم ياشيخة خديجة.. -
وهل تعرفين اسم أمها وأبيها؟ -
اعرف . شرعت
الشيخة بكتابة شيء ما على ورقة صغيرة..رسمت
دوائر وكتبت أحرفاً وأسماء الكواكب ثم
لفت الورقة جيداً وربطتها وطلبت من
مطيعة أن تحفر وتطمرها في مكان لاتدوسه
سعاد وأن تقرأ سورة الزلزلة تسعاً
وتسعين مرة في اليوم. شكرتها وودعتها
بعد أن دفعت لها أجرها..أثناء عودتها مرت
على احدى المقابر. هناك حفرت حفرة صغيرة
وطمرت الورقة. كانت تشعر أنها الآن في
سبيل منع زوجها السيد كمال من الزواج
عليها. ابتسمت وراحت تتمتم بسورة
الزلزلة وهي تخب عائدة الى بيتها.
* * * ماإن
انتهت فترة قعود العدة، حتى تحولت
الحياة بالنسبة لسعاد، الى جحيم رهيب.
فقد أصبح أبوها أكثر عصبية وتوتراً.
ولهذا السبب لم تطلب الخروج من البيت
لكيلا تستفزه. رفضت حتى، أن تلبي رغبة
أحمد في التواعد مع زينة والذهاب الى
السينما، رغم إلحاح أخيها الشديد..ما كانت تريد إعطاء
حجة لأبيها ليحدثها عن الزواج. ولكن
الحاج عبد القادر لم يكن قد نسي الأمر،
بل على العكس. كان قد فقد هدوءه ولطفه
المعتادين وراح القلق ينهش قلبه
وأعصابه، فهو لايعرف بماذا عليه أن يجيب
الثلاثة الذين أصبحوا يزورونه بشكل
منتظم ليسألوه عن النتيجة، كان يكتفي
بالتسويف وبأنه
ينتظر ليتحسن حال ابنته ،فهو لايرغب في
أن يعطي رفضاً قاطعاً الى أي منهم خوفاً
من أن يختاره النصيب. أكثر
الأوقات رعباً بالنسبة لسعاد، كانت
عندما يرمقها أبوها. كانت تخاف أن يفتح
الحديث معها، أن يسألها عن اختيارها
الذي طلب أن تبت به خلال أسبوع واحد.
ولكن، مر الأسبوع ولم يسألها رأيها. كان
يكتفي بسؤال أمها فتنصحه أم سعاد
بالتريث. كان يتريث وهو على أحر من
الجمر، ولكن إنما للصبر حدود. لقد مضى
وقت طويل وآن له أن يعطي جوابه لصاحب
القسمة والنصيب. إنه يفضل السيد كمال.
يفضله عن أبو عادل والحاج محمد، ولكن
عليها هي أن تختار، فهو اب رؤوف ومتفهم. أما
سعاد فقد كانت تعيش في كابوس حقيقي. لأول
مرة في حياتها تتمنى أن ينشغل أبوها
خارج البيت، أن لايعود مبكراً من دكانه.
كانت تخاف منه ومن نظراته التي طالما
أحبت الطيبة النابعة منها. كان أحمد
يهدئها..يردد لها أنه واقف الى جانبها،
هذا ماكان يطمئنها. كان يقول لها إنه، إن
أرغمها أبوها على الزواج من أحد
الثلاثة، فإنه سيهدد بترك البيت وهذا
حتماً سيردعه لأنه طيب القلب..يعرف أباه
جيداً. إنه لن يتخلى عنهما من أجل هذا
الزواج. ولكن،
عندما فتح الأب أخيراً الموضوع، لأنه
كما قال قد بدأ يخجل من عدم إعطاء كلمته
حتى الآن، اعترض أحمد من جديد. علت
أصواتهما. حتى أن الأب راح يقسو في
الكلام على ابنه. كانت أم سعاد تحاول
تهدئتهما، أما سعاد فقد كانت تبكي،
فبسببها فقد البيت هدوءه الى الأبد. قال
الأب لابنه وهو يضبط أعصابه: -
شف ياأحمد..اهتم أنت بدراستك وسياستك
واترك لنا هذا الموضوع . أنا أبوها وهذه
أمها. نحن أدرى بمصلحتها. فقال
أحمد بنفس طريقة أبيه: -
وأنا أخوها، إذا كنتم ستزوجونها مرغمة،
فأنا ليس لي قعود في هذا البيت، سأمشي
قبلها. عندها
انفجر الأب..أصبح هذا التهديد الذي
أطلقه أحمد مرات عديدة مقززاً: -
اخرس..قليل الحياء. حتى الآن، أصبر عليك
وعلى أختك. سأزوجها وسأزوجك أنت أيضاً
لمن أريد ، فأنا الأب في هذا البيت وليس
أحداً غيري. كانا
متواجهين. استدار أحمد لينفذ تهديده وهو
يقول: -
ليس لي قعود في هذا البيت بعد الآن..
فصاح الأب يطرده من بيته بشكل غير
متوقع: -
انقلع..مع السلامة. نهضت
سعاد غير مصدقة ونادت أحمد قبل فوات
الأوان..ولكنه فتح الباب وخرج. نهضت
أيضاً أم سعاد، وهرعتا الى الباب، ولكن
أحمد كان قد نزل، فهو لم يكن يدري ماكان
يفعل، فقد فاجأه أبوه بطرده. وقفت الأم
وابنتها على الدرج تصرخان لأحمد
وتدعوانه للعودة..ولكنه كان قد خرج الى
الشارع . عادت سعاد الى الداخل. كان الأب
جالساً وقد جمع رأسه بين يديه غير مصدق
مابدر منه. وقفت
أمامه ودموعها تنهمر وقالت بصوت متهدج: -
كل هذا بسببي. أنا السبب..قل لي بمن
تريدني أن أتزوج..فأنا موافقة سلفاً.
ثم دخلت غرفتها وأطبقت بابها على
نفسها. القت نفسها على سريرها، وراحت
تبكي وتتأوه..آه، كم كانت سعاد بائسة. لم
يسعد الحاج عبد القادر ما قالته ابنته،
فهو يعرف لماذا وافقت وفي أية ظروف، وفي
اليوم التالي لم يعط جوابه الى أحد. فقد
كان متردداً وحزيناً. ولكن ماجرى في ذلك
اليوم انسى الناس كل قضاياهم، حتى
الحميمة منها، فلم يأت أحد من الثلاثة
للسؤال عن الجواب. فقد وقعت الحرب التي
كانوا يتخوفون من وقوعها. فهاجمت
اسرائيل مصر، مبتدئة حرباً لطالما هدد
الغرب بشنها .
* * * أصبح
الناس لاهم لهم سوى متابعة أخبار الحرب
من أجهزة الراديو، وكان القلق يدفعهم
الى الخروج والتجمع في الحارات، أمام
البقاليات والمقاهي كي يتابعوا ماكان
يجري، وليتناقلوا الأخبار والتعليقات.
توقفت المصالح، ولم يعد أحد يشتهي البيع
أو الشراء. فمن ذا الذي يرغب في التجارة
والدنيا على كف عفريت؟. وقيل إن الحرب قد
تمتد الى سورية، فراح البعض يخزن الطحين
والملح والماء. ودعي من تدرب على السلاح
لحمله وللانخراط في كتائب المقاومة
الشعبية، وأصبح مرآى الرجال الذين
يجوبون الأحياء وهم يحملون السلاح
عادياً. واعتاد الناس على المواكب التي
كانت تمر بينما الرجال ينشدون: (عبد
الناصر لاتهتم، عسكرك عمال تلتم). في
مثل هذه الأوقات يصبح الناس مثاليين.
لاأحد يعرف لماذا وكيف. ربما بسبب خطر
الموت والدمار، لذلك يصبحون هادئين
ومتضامنين يقدرون هموم بعضهم البعض. لم
يكونوا يهزأون كعادتهم، من مثل هذه
المظاهرات، بل كانوا يتابعونها بتقدير واحترام كما كانوا يتابعون
الأغاني الحماسية الجديدة التي كانت
تبثها الاذاعات. كان الخوف شديداً على
مصر،بعد أن استطاع عبد الناصر أن يغزو
أفئدة الجماهير بخطاباته ومواقفه
الشجاعة في وجه الانكليز، وحتى أولئك
الذين كانت عواطفهم مع الشرق أكثر مما
هي مع مصر، تحولت عواطفهم فجأة بسبب
دخول اسرائيل طرفاً رئيسياً في الصراع،
فكسب عبد الناصر تأييد هؤلاء أيضاً. أما
أحمد ورفاقه فلم يكونوا يهدأون. كان
ينام عند صديقه رياض بعد أن خرج من
البيت، وهناك سمع بالحرب فوجد الوقت
الكافي للخروج في كل المظاهرات
الحماسية. كانوا يحملونه على الأكتاف
بينما كانت عروقه تنفر وهو يهتف. وفي
اليوم التالي تدافعوا أمام مركز التطوع
لاستلام السلاح، فقد وجد اسمه مع رياض
وحسان في الكتيبة التي نظمت على عجل.
فاستلموا الأسلحة والذخائر ثم أمروا
بالتجمع مساء للسفر الى مكان ما. مكان قد
يكون التواجد فيه ضرورياً من أجل صد أي
هجوم يحصل على سورية أيضاً. ذهب
الى البيت كي يودع أهله،فلم يكن أبوه
هناك. قالت أم سعاد إنه في الدكان. ودعها
وودع أخته وقبل ابنها ثم خرج حاملاً كيس
أطعمة أصرت أمه على أن يتزود بها. رجته
أمه أن يذهب الى أبيه لوداعه فهو منذ خرج
من البيت لايشتهي شم الهواء. قالت سعاد
أيضاً إن أباها لم يعد يأتي بسيرة
الخطاب الثلاثة. سار أحمد في الشوارع الفارغة، حاملاً سلاحه على كتفه وكيس زوادته. هاهو الآن وقد جاءته الفرصة ليعبر بشكل عملي عن آرائه السياسية وعن وطنيته العالية. كان يشعر بأهمية مايقدم عليه، فقد كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد، وسيكون سعيداً جداً إن استخدم سلاحه في معركة ما ضد الأعداء. قرر أن يودع أباه، |