موقع مفهوم Concept
 
يقدم
 
خان الحرير
رواية
نهاد سيريس
 
(الفصل السابع)

 

إذا ماتم نصيبي على الست سعاد فسأقيم لك وليمة لسبعة أيام بلياليها.
(هكذا نذر ابو عادل للشيخ علي بحضور جاره عبد السلام)
حنجة ومنجة          وسوق فرنجة
وريحة طيبة          يابنــــــــــات
(انشودة للأطفال كانت تُسمع في سوق النسوان)
لاتنفق البنت في الحارة، إلا ووراءها ألف سمسارة، ولكنك ياسعاد..
(من أقوال ام عادل حين جاءت تخطب سعاد لزوجها)
لقد سجن السيد كمال في سبيلنا جميعاً، ولذلك..
(كلمات نسي الشيخ قدري تضمينها في كلمته الثانية)
أنا مع ابو عادل..
(نصيحة مراد الى أحمد قبيل خروج السيد كمال من السجن)
أوه.. ياربي ياربي..
(تأوهات سعاد وأنينها)

 

حينما أراد أبو عادل فتح الموضوع من جديد مع الحاج عبد القادر، تهرب هذا الأخير عن إعطاء أي وعد أو جواب، بل اكتفى بالقول إنهم قد أجلوا الأمر الى مناسبة أخرى لأن سعاد ابنته تهتم بابنها وليس من الوارد الآن، على الأقل، إكراهها على الزواج. وعندما أراد منه كلاماً صريحاً حول نواياهم تجاه السيد كمال، الذي خانه حظه وسجن في ليلة قراءة الفاتحة، أخبره الحاج مرة أخرى بأنه لن يكره ابنته لتفعل مالاتريد.(طبعاً هذا ماسمعه ابو عادل منه، أما ماكان يعتمل في رأس الحاج عبد القادر فذاك شيء آخر.)

وللغرابة وجد ابو عادل في أجوبة الحاج عبد القادر شيئاً مشجعاً له في العودة الى رسم الخطط والتأمل في أنه قد يصيب حظاً الآن بعد أن سجن السيد كمال فيحصل على أجمل أرملة في الدنيا رغم محاولة الأب اقناعه بأن ابنته لاترغب في الزواج على الإطلاق، فهذا الكلام لايدخل في الرأس وهو يعتقد بأن أي امرأة في هذا العالم لن تلبث أن تقبل في النهاية بالزواج من الرجل المثابر والمجد في طلبها، لهذا فقد أخبر الشيخ علي عندما كانا يشربان الشاي في دكان ابو عادل في سوق النسوان بحضور جاره عبد السلام، بأنه لم يستسلم بعد ثم قال بتصميم:

- سترى ياشيخي كيف أن سعاد ستكون من نصيبي.  فقال له الشيخ وسط ضحكات عبد السلام:

- اسمعني جيداً ياابو عادل..إذا كان لك حاجة عند أحد ما، عليك أن تكسب رضاه.

لم يفهم ابو عادل (كعادته) ماأراد الشيخ التلميح إليه. ظل صامتاً كالأبله ثم نبس بأنه لم يفهم، فقال الشيخ وهو يتهرب من القول المباشر:

- كنت أحسبك لبيباً..  ومع ذلك لم يفهم ابو عادل، حينها اقترب من اذنه وهمس له بما معناه أن يكسب رضا الست سعاد بالذات. حينها ابتسم..فقد فهم أخيراً. ولم يكتف الشيخ بما قاله صراحة، بل أضاف بأن عليه أن يسرع، فقد يخرج السيد كمال من السجن وتتعقد الأمور أكثر من الأول.

وفي المساء حمل معه الى البيت كيلو غرامين من البقلاوة التي كانت تحبها زوجته ام عادل، وفي هذه المرة لم يطلب منها أن تكتفي بقطعة واحدة أو قطعتين كما اعتاد أن يأمرها في الماضي، بل طلب منها أن تأكل كما يحلو لها من القطع، ثم إنه لأول مرة منذ مدة طويلة أمرها أن تنهي عملها في المطبخ وأن تستعجل إرسال أطفالها الكثر الى النوم لأنه يريد أن يتحدث إليها في أمر مهم، حتى أنه غمز لها بعينه بطريقة داعرة كانت قد نسيتها منذ زمن طويل. ولكن ام عادل كرهت الرقاد مع زوجها بعد أن حبلت بطفلها السادس فقد كانت تتهرب منه بشتى الأعذار كي لا تأتيه وهو صاح، رغم أن ذلك لم ينجح على الإطلاق والدليل هو حبلها للمرة العاشرة..كانت تهرب منه حتى ينام ويشخر ولكنها ماإن تقترب من السرير حتى يستيقظ ويطلب منها أن تتعرى وترقد الى جانبه، ومن الطبيعي أن تستجيب إليه رغم كل ذلك وتتقبل مداعباته مفتوحة العينين تفكر باللحظة التي يشهق فيها ثم ينهض عنها. كانت امرأة ولود كالأرانب، فبعد كل واقعة حب حبل أكيد. أما لماذا كانت تذعن له وتتركه يفعل بها مايشاء رغم كرهها لذلك، فهو بسبب تربيتها التي تلقتها من أمها. وقد أوصتها ليلة عرسها ألا ترفض أي طلب لزوجها وإلا غضب الله عليها وسيكون مصيرها جهنم وبئس المصير، وعندما اشتكت لها بعد ذلك بأنها بدأت تخاف زوجها ابو عادل الذي لايشبع من إتيانها، أخبرتها (همساً لكيلا يسمع أحد من أخوتها) بأن ذلك دليل على محبة زوجها لها، ويجب عليها أن تحمد الله وتشكره،فكثيرات من النساء المتزوجات لايكترث بهن أزواجهن وسرعان مايهجرون سرير الزوجية الى هوايات أخرى مثل الحفلات الموسيقية التي تستمر حتى الصباح أو الى الخمارات والعياذ بالله، حتى أنها نصحتها بأن لاتترك زوجها ينام دون أن تدور حول السرير سبع مرات وهي تسأله: هل تود مني شيئاً يازوجي العزيز..؟ فإن ظل صامتاً حتى الدورة السابعة عندها تصبح حرة في الاستلقاء والنوم.

ولكن، ماإن ولدت طفلها الخامس حتى أقلعت عن تنفيذ نصائح أمها وأصبحت تتهرب من القيام بأي واجب زوجي إلا عندما يكرهها عليه زوجها، حتى أنها كانت في كثير من الليالي ترقد الى جانب أطفالها لتمر الليلة على خير وفي اليوم التالي كانت الحجة جاهزة، فقد سرقها النوم وهي تحاول إرضاع أصغر أطفالها. ولكن هكذا حجج لم تعد تقنع ابو عادل،فقد أصبح يطلب منها اللحاق به الى غرفة نومهما باكراً وقبل أن تهتم برقاد أولادها حتى ولدت تاسع طفلها وحملت بالعاشر..

كانت تكره مايقوم به وهو يعتليها، أما في سرها فقد كانت تتمنى لو يأتي له بزوجة أخرى لتساعدها على تحمل مداعباته. ولهذا الأمر فقد تلقت خبر اهتمامه بالأرملة سعاد برداً وسلاماً عليها وراحت تدعو الله في سرها أن ييسر له هذا الزواج، أما في تلك الليلة التي أكلت فيها من البقلاوة كما يحلو لها، فقد تركها دون أن يلمسها، وكان يتودد إليها ويتلاطف معها، ثم راح يحدثها عن شبابه الذي عاد إليه من جديد وعن حيويته وعن شرع الله الذي يبيح للرجال الزواج من أكثر من واحدة على أن يعدلوا، وهو يقسم بشرفه بأنه سيعدل ولن ترى منه سوى المحبة والاهتمام كما اعتادت على ذلك منذ اليوم الأول لزواجهما. كانت تضحك في عبها وهي تستمع إليه يتحدث برقة ولطف غير معهودين، وعندما نطق أخيراً بما كان يريد قوله، وهو أنه يريد منها أن تذهب في الصباح لزيارة بيت الحاج عبد القادر ومحاولة إقناع سعاد وأهلها به، صمتت وكأنها كانت تقكر لتترك لديه انطباعاً بأنها قد ترفض وتبكي وتعول، أو أنها على الأقل ستحمله جميلاً عظيماً وأنها ستطالب بالثمن، عندها لم يتركها تنطق ولاحرفاً واحداً، إذ سرعان ماأقسم بأنه سيشتري دائماً من كل شيء تطلبه سعاد قطعتين، واحدة لها وواحدة لزوجة أحلامه الثانية التي لم تمر ليلة منذ ترملها إلا وحلم بها. وعندما وافقت أخيراً احتضنها بكل حب وعرفان وراح يقبلها ثم، ومن فرط تأثره بتضحية زوجته، طلب منها أن تتعرى وتستلقي الى جانبه. ومن الطبيعي أن تستجيب له في هذه الليلة، فقد اقترب اليوم الذي سترتاح منه ومن أفعاله الزوجية غير المحبوبة..ونحن هنا لانذيع سراً إذا قلنا بأنها كانت تتلقى مداعباته بعينين مفتوحتين، وبينما كانت على تلك الوضعية تنتظر منه أن ينتهي وينزل عنها، اكتشفت بأن الستائر متسخة واكتشفت وجود خيوط عنكبوت في زاوية السقف مما دفعها الى التكلم مع نفسها بصوت عال عن نيتها القيام غداً بأعمال التنظيف حالما تعود من بيت ضرتها سعاد.

في بيت الحاج عبد القادر استغربت سعاد وأمها زيارة ام عادل مع أصغر ولدين من أولادها، حتى أن سعاد وأمها خافتا من أن أم عادل قد جاءت لتعاتبهما أو للعراك معهما بعد أن سمعت من هنا وهناك عن نية زوجها في طلب يد سعاد..وقد حاولت سعاد الهرب منها والدخول الى غرفتها إلا أن أم عادل استبقتها بكل لطف وطلبت منها البقاء بلهجة فيها الكثير من التزلف والرقة المصطنعة..فقد كانت سعاد تكره أن يأتي أحد بسيرة ابو عادل، كما تكره أن تُفهم بطريقة معاكسة، على أنها موافقة على مايحاك من أجل زواجها بعد ترملها، وقد كان استغرابها عظيماً عندما تكلمت ام عادل وراحت تعدد مزايا زوجها وتحمد من أخلاقه الحسنة وعدله الذي وعد به، وكادت سعاد يغمى عليها حين سألت عن نواياهم في قضية زواج سعاد من أحد خطابها بعد غياب السيد كمال، فأخبرتها ام سعاد بأنهم قد أجلوا الموضوع الآن وليس كل مايحكى صحيحاً بالضرورة، إلا أن سعاد كانت أكثر صراحة فقالت:

- أنا لاأريد الزواج من أحد..لقد ألغينا الفكرة من أساسها. ضربت ام عادل صدرها بيدها ثم شهقت وسألت عن السبب في هذا القرار غير المعقول وغير المفهوم..ثم راحت تقنع سعاد بأن القعود في البيت بدون زواج غير مستحب، ووسط اندهاش وحيرة سعاد وأمها انبرت ام عادل قائلة:

- لاتنفق البنت في الحارة إلا ووراءها ألف سمسارة، وأنت ياست سعاد ماشاء الله عليك الرجال ياقاتل يامقتول..والجميع يقولون سعاد..سعاد..

تساءلت ام سعاد عن قصدها فقالت:

- على الإنسان ألا يرفس النعمة خاصة وأن من يطلبها من أكابر البلد والسوق..

- كنت أحسب بأنك جئت تقاتليننا ياست ام عادل. فقالت ام عادل برقة:

- أنا ياست ام سعاد..؟ أعوذ بالله، نحن أهل وأحباب، بالعكس فقد جئت لأقول لكم بأن ليس عندي أي مانع. فصاحت سعاد وهي تتماوت:

- ليس عندك أي مانع..؟ ماذا أسمع؟  فقالت ام عادل:

- ابو عادل مايزال بشبابه وعنده رغبة في الزواج مرة ثانية، فليتزوج، ليس عندي مانع، وعوضاً عن أن يتزوج أي واحدة وعلى كيفه، فلماذا لاأخطب له أنا بنفسي؟  كانت سعاد وأمها تتبادلان النظرات عندما تابعت ام عادل:

- فأنا أحب سعاد وأعتبرها مثل أختي وأعز، وإذا ماحصل النصيب ووافقت على ابو عادل فسيكون عندي عيد، فأين سأجد أجمل وألطف ضرة مثل سعاد، ولن تكون ضرة ابداً بل أخت وصديقة..وافقي ياسعاد ياأختي، فوالله سوف نسعد معاً كثيراً..خذيه الله يخليكِ ، ولن تندمي على ذلك أبداً..

خرجت ام عادل دون أن تحصل على جواب شافٍ يرطب قلب ابو عادل، حتى أن سعاد لم تنبس بشيء سوى انها لاتفكر بالزواج، وكانت تتهكم على ام عادل التي جاءت تخطبها لزوجها..وقد حاولت سعاد أن تهينها، كيف يمكنك ياأمينة أن تخطبي لزوجك..أنت إنسانة بسيطة فعلاً ؟ ولولا ام سعاد التي كانت تهدئ ابنتها لكانت سعاد قد صفعت ام عادل. ولكن المرأة لم تكن تأبه أو تنحرج، فقد كانت مقتنعة بما كانت تقوم به.

مرت على دكان زوجها في سوق النسوان، كما كان قد أمرها أن تفعل حال خروجها من بيت الحاج عبد القادر. راح يستنطقها كما يفعل أي محقق في الشرطة، سألها حتى عن لون الثوب الذي كانت ترتديه سعاد، وماذا كانت تفعل حين دخلت الى بيتهم، وكيف كان ردة فعلها. وعندما كانت ام عادل تنتقل من إجابة إلى أخرى، كان يعيدها الى السؤال السابق ليعرف تماماً ويتصور في ذهنه الوضع بدقة شديدة. وفي المحصلة، لم يحصل على ماكان يريد،بل على العكس تماماً، فقد أرهقته زوجته بلغوها وطلاقة لسانها دون أن تقول شيئاً مفيداً..وقد استنتج وهو جالس في عمق دكانه، وبعد أن أرسل زوجته الى البيت، بأن سعاد مازالت بعيدة عن متناول يده، وبأنها ماتزال عزيزة المنال..

ولكن كل من يعرف ابو عادل عن قرب يعلم بأنه رجل لايستسلم بسهولة، وخاصة بعد أن شعر بالشباب يعود اليه من جديد..حتى أنه أصبح عنيداً( الأصح أن نقول بأنه قد عاد عنيداً كما كان في شبابه الحقيقي) فقد أرسل زوجته مرة ثانية الى بيت الحاج عبد القادر بعد أن اشترى أسوارة لتهديها إلى سعاد، وقد كلفه ذلك ضعف المبلغ لأنه كان قد اشترى أسوارتين، واحدة لسعاد والأخرى، وهي بالمناسبة شبيهة بالأولى، لزوجته لأنه أخذ عهداً على نفسه، كما قلنا، في أن يعدل بينهما. كما أرسل الشيخ علي ليُسْمِعَ الحاج عبد القادر كلمتين في صالحه وليطلب منه صراحة أن يوافقوا على إعطاء سعاد لأبي عادل، ولكن سعاد أبت أن تأخذ الأسوارة رغم رجاء ام عادل الشديد، فأعادتها الى حقيبتها خائبة وهي تتمتم بكلمات الأسف، كما رفض الحاج عبد القادر التكلم في صالح ابو عادل رغم محبته له، لأنه كما قال للشيخ قد ضغط على ابنته من أجل أن تقبل بالسيد كمال، وعندما وافقت، رغم عدم اقتناعها، وانتظروه لقراءة الفاتحة، لم يأت، فقد أمسكوا به وأودعوه السجن بسبب ولعه الشديد بالسياسة. هذا الأمر جعل الحاج عبد القادر يخجل أمام ابنته وابنه أحمد الذي خاصمه وخرج من البيت ليقيم عند رفاقه، لذلك، فقد قرر ألاّ يتدخل في قضية زواج ابنته بعد الآن ومهما كان طالب القرب على درجة من الغنى والوجاهة والشباب.

                                          * * *

على أثر رفض المصدر أمين استلام البضاعة ودفع الأموال للسيد منير التي كانت ستسدد ديون السيد كمال، حدثت أزمة في البلد، فقد عادت المصالح للتوقف وأغلقت بعض ورش النسيج، وارتبك السوق من جراء توقف التجار عن دفع السندات المستحقة بالحجة نفسها، وانهار أحد التجار ممسكاً بصدره وهو يشعر بالاختناق، فنقل على عجل الى المستشفى ووضع في العناية المشددة، وعندما استفاق بعد أن أمضى ثلاثة أيام غائباً عن الوعي، سمعوه يتأوه ويقول: آه من السيد كمال..سوف أموت..أريد أن أرى أبنائي. فجاؤوا له بأبنائه على عجل ليراهم، ولكنهم وجدوه وقد أسلم الروح وأصابعه متخشبة وهي في وضعية من تأهب ليعد النقود، وقد اعتبر السيد عبد الحفيظ، وهذا كان أسمه، أول شهيد في تاريخ التريفييرا في حلب وأسواقها التجارية. فاجتمع خمسة من أكبر التجار في مكتب أحدهم للتداول في هذا الموضوع الخطير وقد كانوا على التوالي: السيد مصباح، وهو صاحب المكتب ومن معارف السيد كمال، وكان يعتبر من أعظم التجار في سوق الحجارين، والسيد بكري عن تجار خان الجمرك التجاري الضخم، والسيد مأمون عن خان الوزير، والسيد جميل عن جادة البنوك، والسيد صلاح كمندوب عن أصحاب معامل النسيج الضخمة. ونحن هنا نعتذر من القارئ الكريم للاكتفاء بذكر الأسماء الأولى لكل من المندوبين الخمسة حفاظاً على سرية المجتمعين الذين تحلقوا حول احدى المناضد المستديرة في المكتب بعد أن صرفوا العاملين فيه والقائمين على الخدمة والمحاسبين أصحاب أقلام الرصاص من ماركة التمساح ليظل مايتداولون فيه ومايقررونه في سرية تامة، وهذا من الطبيعي أن يكون أسلوب معالجتهم لهكذا أزمات، فهم من التجار الكبار ويمثلون كل رجال الصناعة والتجارة والمال في المدينة. وهانحن ننقل بأمانة جزءاً صغيراً مما قيل في هذه الجلسة التي انعقدت بعد صلاة العشاء بساعة كاملة:

- ألا يكفي أن تتوقف المصالح أيام حرب السويس، حتى تعود الكرة من أجل مشكلة بسيطة مثل هذه؟

- وضع السوق من سيء لأسوأ.

- أصبح الجميع يتهربون من دفع سنداتهم المستحقة بحجة ديون السيد كمال.

- رأيي بأن السبب ليس من السيد كمال..السبب هو أن التجار الصغار الدائنين له ضعفاء جداً، نسمة هواء تودي بهم.

- بدون التجار الصغار لايوجد تجار كبار..

- هل لديكم علم متى سيطلق سراحه؟

- سمعت بأن الحكومة تحاكم المشتركين الكبار في عملية الانقلاب، يقولون إنهم قد يحكمون بالإعدام.

- لايوجد دليل على السيد كمال والسيد حكمت..

- والحل..؟

- على الدائنين أن يصبروا حتى يطلق سراحه.

- من هذا الذي يساعده في عمله؟

- اسمه السيد منير..

- هل هو المسبب في تغيير مواصفات التريفييرا؟

- الذي لايحضر ولادة عنزته يأتيه جِدِي..

- أنا بدأت أتضايق من هذا الوضع، الكل يشكو من قلة السيولة..ليس هناك من لايتكلم بقضية سندات السيد كمال.

- سوف ينهار السوق.

- خمس ورشات نسيج توقفت نهائياً في منطقة العرقوب.

- تجار دمشق يرقصون فرحاً..

- الزمن زمنهم والحكومة حكومتهم.

- حكومة صبري العسلي الجديدة لايوجد فيها أحد من حزب الشعب.

- خالد العظم وزيراً للدفاع.

- أصبحت سورية ملك لمصر وروسيا.

- هذه الحرب آذتنا أكثر مما نفعتنا..أصبحنا في جيب عبد الناصر.

- في الكلمة الأولى التي ألقاها رئيس الوزراء صبري بيك بعد تشكيل وزارته الجديدة قال إنه سيبدأ المباحثات مع مصر من أجل الوحدة.

- نعيماً..دعونا في موضوعنا الذي جئنا من أجله.  فقال مصباح بيك وهو ينهي الاجتماع:

- ليس عندنا مشكلة..قولوا للتجار، على كل واحد أن يحل مشاكله بمفرده، وإلا لن نبيع بعد الآن إلا بالنقدي. وأنا اقترح أن نجتمع مع هذا الذي يدير عمل السيد كمال في غيابه لنتدارس الموضوع معه، علنا نجد حلاً لهذه المشكلة..موافقون؟

وافق الجميع ثم هرعوا الى سياراتهم. وفي اليوم التالي اتصل مصباح بيك بالسيد منير وطلبه الى لقاء مع التجار الخمسة يعقد بعد أيام في بيت أحدهم ، ولكن السيد منير الذي فقد هدوءه بسبب هذه القضية لم يكن يعلم كيف سيتكلم ويشرح الأمر الى هؤلاء التجار الذين كان يسمع بهم ويراهم ولكن دون أن يحادثهم على الإطلاق، فقد كان يعتقد أنهم من الطبقة العليا التي لايمكنه الوصول إليها أبداً وبأنهم سادة البلد بدون منازع. لهذا الأمر وجد من الضروري أن يلتجئ الى الشيخ قدري الذي يجيد الكلام مع كل الطبقات، وقد وافق الشيخ وأخذ الأمر على عاتقه، فالسيد كمال صديقه الشخصي، وهو لن يفوت على نفسه الفرصة السانحة لحل مشاكل عشرات التجار وأصحاب ورش النسيج الذين وصلوا الى حافة الإفلاس مما أدى الى ارتباك السوق والبيع والشراء وموت عبد الحفيظ بالسكتة القلبية. وبكل صراحة نقول بأنه وجد في ذلك الأمر عملاً من أعمال التقوى، ولهذا فقد دعا الدائنين الى اجتماع في باحة خان الحرير ليستمع إليهم ويهدئ خواطرهم ويعلمهم بأنه قد أخذ الأمر على عاتقه. وقد حدد زمان الاجتماع في يوم الجمعة بعد صلاة الجماعة، حيث قاموا بفتح الخان من أجل ذلك لأنهم اعتادوا إغلاق بابه الضخم وقَفله بمفتاحٍ هائل يزن نصف كيلو غرام من النحاس الأصفر.

اكتظت باحة الخان بالتجار ولم يغب ولاواحد من دائني السيد كمال، كما حضر الى الموعد ابراهيم اليهودي الذي كان يبخّس من قيمة سندات الآخرين نسبة الى الدين الكبير الذي له على السيد كمال. كان يتأوه ويئن بصوته المتحشرج وبطريقته التي تثير الضحك لدى الجميع. كما جاء ابو عادل وجاره عبد السلام والحاج محمد وابنه محمود، أما نعيم ومقيم والاستاذ مراد فقد فتحوا بوابة محلهم الحديدية ثم ضاعوا في الحشد. وعندما انتبهت سعاد الى الأصوات غير المعتادة في أيام الجمعة، وقفت خلف أباجور نافذة غرفتها وراحت تبحث عن مراد بين الجموع حتى وجدته بصعوبة يقف في إحدى الحلقات التي تكونت من التجار وهو يتحدث إليهم ويجيب على أسئلتهم..فقد كانوا يرتاحون الى آرائه السديدة. وفي تمام الساعة الواحدة حضر الشيخ قدري مصحوباً بالسيد منير، فعم الصمت للحظات ريثما يحضرون له كرسياً يعتليه، ثم ألقى عليهم السلام ثم راح يقرأ سورة (قل أعوذ برب الناس) بصوت غير مسموع، ثم ألقى فيهم كلمة قصيرة وهو يطل عليهم من علٍ، وهانحن نثبتها هنا من أجل توخي الدقة لاغير:

              كلمة الشيخ قدري في جموع التجار المتألمين والمهددين بالإفلاس.

          بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين على قضاء حوائجنا، أما بعد..

    أنا واللهِ قد أخذت على عاتقي الاهتمام بهذه المسألة التي تؤرقنا جميعاً، فالسيد كمال قد ألمت به مصيبة وهو كما تعرفون أخ لي وصديق كما أنتم. ولكن لايوجد شيء لايمكن ايجاد حل له، فالله           سبحانه وتعالى قد أرسل الداء وبعث له الدواء، لذا..فأنا أريد أن أطمئنكم الى أنني قد أخذت           على عاتقي، متوكلاً على الله، هذا الأمر وسأعمل جاهداً من أجل ايجاد الحل المناسب الذي           يرضي الله ويرضينا جميعاً، وسأستعين بالله وإن ذلك على الله يسير. والسلام عليكم.

ثم حل صمت ثقيل، فلم يكن ليجرؤ اي واحد منهم على قول أي شيء، ثم لاحظت سعاد بأنهم كانوا ينظرون الى مراد كي يبدأ الكلام وكأنهم اعترفوا به قائداً لهم. ولم يطل به الوقت حتى ارتفع صوته يسأل الشيخ:

- بارك الله بك ياشيخ قدري، ولكن هل يمكن أن تقول لنا كيف ستحل المشكلة؟

سُمعت بعض الهمهمات من طرف التجار يوافقون مراد فيما قاله، مما أقلق السيد منير فانتفض يقول بعصبية:

- ياأخي الكريم، الشيخ قال إنه سيحل المشكلة، يعني أنه سيحلها.  ولكن طريقة السيد منير العصبية لم تردع الاستاذ مراد الذي قال فوراً ولكن بهدوء شديد:

- ممتاز..ولكننا نريد جميعاً أن نفهم كيف..دعونا نتشاور، فالأمر يهم الجميع.

ابتسم مقيم مرتاحاً وقد انطلق الجميع يؤكدون ماقاله مراد، كما ابتسمت سعاد وقد أفرجت أباجور نافذتها بشكل تستطيع متابعة مراد وهو يتزعم تجار المدينة. من أين له هذه المقدرة على جعل الناس يتابعون مايقوله ويتبعونه الى حيث يريد..؟ وأمام إصرار مراد والتجار قال الشيخ قدري:

- لن أخبئ عليكم ياأخواني، فقد زرت السيد كمال، سبحانه وتعالى يفك أسره، في سجنه، واتفقنا على عمل شيء معين لاأستطيع الآن أن أبوح به. فرد عليه مراد:

- ولماذا لاتقول صراحة على ماذا اتفقتما..دعونا نتناقش، فقد نفيدك ياشيخي بشيء.

عادت الأصوات المؤيدة ترتفع من جديد من وسط التجار، وقد حاول الشيخ إخفاء انزعاجه من مراد وشعر لوهلة بأن خطته في طمأنة الناس قد تفشل فقال وهو لايرفع ناظريه عن المهندس الشاب:

- إذا ما شرحت كل شيء فقد تفشل خطتي.. عندها لم يجد مراد مناصاً من الموافقة، ومادامت ستبقى الخطة سرية فقد التف على الشيخ وقال:

- لايوجد أي مانع ياشيخي، بل ندعوا لك بالتوفيق، فنحن نريد العنب وليس الناطور، ولكن خطتك السرية هذه كم يوماً تحتاج لتنفذ..؟

حاول الشيخ التنصل من إعطاء أي وعد لحل المشكلة، ولكنه جوبه من قبل التجار الذين شعروا بأن تحديد موعد لحلها ضروري جداً. عندها وبعد نصف ساعة من الجدال، وافق على أخذ مهلة خمسة عشر يوماً كحد أعلى، حينها ابتسم مراد وقال إنه موافق.

انفض الاجتماع، ورحل الشيخ قدري والسيد منير بعد أن ألقيا على مراد نظرة غير طيبة. وبينما بقي بعض التجار يتداولون في الأمر في باحة الخان، انسحب مراد الى محل نعيم ومقيم..القى نظرة حذرة الى الأعلى فوجد سعاد مختبئة خلف أباجورها المشقوق، تضحك له وتصفق دون صوت لنجاحه الباهر في استقطاب التجار.

                                          * * *

كان الشيخ قدري يعلم بأنه قد ورط نفسه الى درجة لاعودة عنها حين وافق على الالتزام بموعد أقصاه خمسة عشر يوماً ليحل أزمة السيد كمال. لقد رهن مكانته واحترام الناس له في سبيل صديقه المسجون. ولكنه كان أشجع مما يظن البعض، فقد كان قد زار السيد كمال واتفق معه على إثارة الموضوع لدى التجار والصناعيين الكبار. كان السيد كمال يراهن أيضاً على مكانة صديقه الشيخ، حيث أنه كان يعلم علم اليقين أنه يستطيع إحراج أولئك الذين يستطيعون حل ماهو أضخم من مشكلة بسيطة مثل مشكلته.

ثم أنه وجد في الهاتف الذي وصل الى السيد منير من مصباح بيك والذي يعلمه فيه برغبته في الاجتماع به، دليلاً على أنه يسير في الطريق الصحيح، فذهب معه الى مكتب مصباح بيك وهناك اتفقوا على إقامة وليمة كبيرة لأهم رجالات التجارة والصناعة والمال في المدينة وسوف يقوم مصباح بيك بالدعوة إليها شخصياً. ومصباح هذا يعتبر نفسه صديقاً شخصياً للسيد كمال ورفيقاً له في العمل السياسي وقد حان الوقت لتقديم العون للصديق العزيز. كان الهدف من اقامة هذه الوليمة التاريخية هو ايجاد طريقة لمساعدة السيد كمال بشكل جذري، أما الحجة فقد كانت جاهزة، ألم يسجن السيد كمال بسبب الأهداف السياسية لمعظم من سيحضر الوليمة؟

وفي البيت الفخم والواسع لأحد المعارف جرت الوليمة. ومن أجل أن يجعلوا أكثر المتشددين يظهر ليناً وأكثرهم بخلاً يبدو كريماً، جعلوا الاجتماع في صالة قريبة من الصالة التي كان أولاد صاحب البيت يرتبون الأطباق على طاولة ضخمة تتسع الى أكثر من عشرين مدعواً. كانت أطباق الكبة بصينية والصاجية واللبنية والكبة المبرومة باللحمة والفستق تمر من أمام أعينهم، كما أن الخروف المحشي بالفستق والجوز واللوز قد حمل بصعوبة من قبل ثلاثة من الشباب القادرين على حمل جبل كامل، فتباطأوا أمام باب الصالة ليتسنى للجميع إلقاء نظرة عليه ولكي تفوح روائح اللحم المشوي والسمن العربي في أرجائها، كما فاحت من قبلها رائحة الملوخية وعش البلبل والكنافة بين نارين الشهية.

كانت رؤوس المجتمعين قد دارت حتى قبل أن يبدأ الشيخ قدري بالكلام، وقد كان السيد زيتوني، وهو صاحب البيت، من أكثر التجار المقربين الى قلب السيد كمال فعمل جاهداً، وبخبث شديد، على ترك المدعوين يقرصهم الجوع، وطلب أن يجري التداول أولاً بالمسألة قبل تناول الطعام كي تضعف حجج المتشددين منهم، ويتم اتخاذ قرار في مصلحة صديقه السيد كمال. ومن أجل أن يكون الجو أكثر متعة، فقد دعا الشيخ قدري من طرفه، بالإضافة الى السيد منير طبعاً، الشيخَ علي المشهور بحبه لمعدته والحاج محمد البخيل والمرتعد أبداً خوفاً على ديونه، كما دعا الدلال أبو يوسف ليكون خبيراً حين يتم الحديث عن الأسعار. أما مصباح بيك فقد جاء بالمندوبين إياهم الذين كان يتداول معهم منذ أيام في الوضع المتأزم للسوق بسبب هذه المأساة..ثم إنه عندما اقترح إقامة وليمة على هذا المستوى، فإنه كان يعلم مدى تأثير الأطعمة وشؤون المعدة الأخرى على مثل هذه القرارات خاصة لدى تجارنا وأثريائنا الحلبيين. ووسط الروائح الزكية وقرقعة البطون الخاوية وسيلان لعاب الجائعين فاقدي الصبر نهض الشيخ قدري وألقى كلمة أخرى( وهو الذي اعتاد إلقاء خطبة يوم الجمعة في كل اسبوع) أمام هذه الجمهرة من الناس الذين كانوا يتمنون أن ينتهي بسرعة لينتقلوا الى الصالة الأخرى. ولكن الشيخ قدري، الذي راهن بكل مكانته من أجل انقاذ صديقه العزيز السيد كمال، حرص على إطالة كلمته ليضعف من قوة الجدل والأخذ والعطاء عند بعضهم، ونحن نثبتها هنا للتاريخ أيضاً.

    (الكلمة الثانية خلال أسبوع للشيخ قدري التي ألقاها في الوليمة الفخمة أمام الأثرياء الجائعين.)

         بسم الله الرحمن الرحيم.

    يقول الله تعالى في كتابه العزيز وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الإثم والعدوان. لقد عرف جميعكم بما حل بأخينا وصديقنا السيد كمال، فقد تعهد بأن يصنع لأحد المصدرين مئة ألف  متر من القماش، وقد عمل بكل أمانة وصدق لتنفيذ تعهده هذا، إلا أن مصيبة قد حلت به، فوشى به الواشون فقبض عليه ظلماً وعدواناً. لقد توقفت مصالحه وحدث ماحدث في ما كان يصنعه، فتأذى بذلك صديقنا السيد كمال ومعه عشرات من التجار وأصحاب معامل النسيج الصغيرة. إلا أن أكثر  المتأذين من ذلك، هي سمعة مدينة حلب والنسيج الحلبي بالذات. أنتم تعرفون أن ذلك سيكون  لمصلحة تجار دمشق، الذين، كما أكد لي أحد المطلعين، ينتظرون مثل هذه الفرصة منذ زمن بعيد، وأنا أعتقد أن أخي السيد كمال كان سينقذ الموقف لو كان على رأس عمله، إلا أن الأمر ليس كذلك، لذا فقد تداعينا لتدارس الأمر وايجاد الحل المناسب وذلك لمصلحة الوطن والجميع والله الموفق.

بعد ذلك دخلوا في نقاش حام اشترك فيه الجميع، فقد أحصوا مقدار الدين على السيد كمال، وتفحصوا عينة من قماش التريفييرا الخفيف، وحاول أحد التجار الأثرياء وهو السيد بكري الاكتفاء بجمع قرض ما للسيد كمال على أن يرهنوا القماش لحسابهم لقاء القرض المالي إلا أن الأمور سارت بعد ذلك كما يتمناها الشيخ قدري، فقد اقترح ابو يوسف الدلال على التجار شراء القماش لتصديره الى السعودية وبيعه أثناء موسم الحج فراحوا يتساومون حول السعر، وبما ان الاجتماع قد طال أكثر من اللازم وأصابهم الوهن بسبب الجوع والحر، فقد وافقوا أخيراً على الشراء بسعر لم يكن يحلم به السيد كمال ، فهو لن يوفي ديونه فحسب، بل سيوفر مبلغاً من المال يعتبر ربحاً خالصاً له.

قرأوا الفاتحة على عجل ثم نهضوا يتوجبون مع بعضهم البعض من سينتقل الى الصالة الأخرى أولاً، وبما أن الشيخ علي كان أكثر الموجودين جوعاً ومللاً، فقد تركوه يسبقهم وهو يبسمل ويحوقل ثم جلس في صدر المائدة وشرع من فوره بالتهام ماكان أحد أولاد صاحب البيت يمده به. حاولوا إشغاله عن الأكل فدعوه لأن يحكي لهم حكاية ما، ولكنه هزمهم بقوله.. في حضرة الإدام يبطل الكلام.

وقبل مضي الأيام التي وعد الشيخ قدري أنه سيحل خلالها أزمة السيد كمال، اجتمع الحشد ذاته مرة ثانية، ولكن ليقبضوا أموالهم هذه المرة. كانت الضحكات تتردد في الخان، وكان التجار يلقون النكات والتعليقات الساخرة على بعضهم ويضحكون، وخاصة على ابراهيم اليهودي الذي أعلن أنه لن يقرض أياً كان مبلغاً يزيد عن الخمسة والعشرين ألفاً، وعندما سألوه عن السبب صاح وهو يتأوه:

- كفى، كانت الكوابيس تأتيني في الليل وتمنع عني النوم ..ضحكوا لهذا الإعلان أيضاً، فقد كانوا يعرفون أنه لن يتمسك بكلمته هذه أبداً.

لقد خرج الجميع من هذه الأزمة راضين مرضيين، وراح التجار الذين نفثوا السموم عليه قبل أيام، يدعون للسيد كمال بالخلاص، أما مراد فقد تحول الى ندٍ قوي للسيد كمال، والعارفون ببواطن الأمور يدركون بحسهم السليم وبما يعرفون، بأنهم سيتابعون عن قريب معركة حامية الوطيس بين هذين السيدين القويين وصاحبي النفوذ في خان الحرير، السيد كمال والاستاذ مراد. وهذا ماكان يريده مقيم بالتحديد.

                                          * * *

كانت الأعمال المدنية لمصنع الثلاثة، مراد ونعيم ومقيم قد انتهت وأصبح بإمكانهم تركيب الآلات حالما تصل من المانيا، وبالفعل فقد تلقوا رسالة من وكيل الشركة المصنعة في بيروت يعلمهم فيها بأن الآلات قد أصبحت على رصيف الميناء وجاهزة للتخليص الجمركي والاستلام. لهذا الأمر فقد اتفقوا أن يسافر مراد ونعيم بعد يوم أويومين الى لبنان لإجراء اللازم وشحن صناديق الآلات الى حلب. وبما أن مراد مشهور بدقته واهتمامه بكل صغيرة وكبيرة، فقد أقام تقريباً في مبنى المصنع حتى استكملت جميع أعمال التشطيبات وأصبح المكان جاهزاً لاستقبال الصناديق الضخمة.

في هذا الوقت كان ابو عادل يعيش حياةً غير مستقرة، فهو من ناحية لم يحصل على الجواب الشافي لامن سعاد التي أرسل إليها زوجته لتحصل على موافقتها، ولامن ابيها الحاج عبد القادر الذي كان يحرق السكائر في دكانه التي لاتتسع إلا له فقط، وهو يتأوه ألماً على الفرص الضائعة بسبب عناد ابنته الأرملة، حتى أنه راح يعتقد جازماً بأن ابنته ستظل مدى حياتها أرملة تؤرق له لياليه بسبب رفضها خطابها الثلاثة (اللقطة) من جهة، وبسبب حظها السيء الذي كان لها بالمرصاد حين تنازلت ووافقت على الزواج من السيد كمال فقبضوا عليه وأودعوه السجن من جهة أخرى.

وعندما كان ابو عادل مشغولاً في قضية سنداته التي استحقت على السيد كمال، حاضراً الاجتماعات ومناقشاً بصوت عال الى جانب مراد الذي بدأ يُحسب عليه من الآن وصاعداً، اكتشف أن هناك صداقة ما تربط مابين مراد هذا وأحمد ابن الحاج عبد القادر. وبما أن محل الثلاثة بدأ يغص دائماً بالتجار الذين يقفون من السيد كمال موقفاً عدائياً، وكان ابو عادل وجاره من أهم هؤلاء التجار، فقد أصبح مقرباً جداً من الثلاثة مراد ونعيم ومقيم وكانوا يقفون الى جانبه في قضية زواجه من ابنة الحاج عبد القادر، أولاً لأنه قد عاد إليه الشباب، وثانياً لأن زوجته أمينة قد كرهت جنس الرجال منذ مدة طويلة وراحت تميل الى فكرة تزويج زوجها من واحدة أخرى، حتى أنها ذهبت بالفعل وخطبت له امرأة أحلامه سعاد(سكر نبات)..وثالثاً لأن المعركة ضد السيد كمال تستوجب محاربته على كافة الأصعدة وفي زواجه أيضاً، فقرروا الوقوف الى جانب ابو عادل. كل ذلك دفع هذا الى التفكير في فتح الموضوع مع مراد بشكل صريح وواضح، وذلك سريعاً ودون إبطاء بسبب فكرة واحدة تؤرق معيشته ولاتتركه يرتاح لاليلاً ولانهاراً ألا وهي أنه قد يخرج السيد كمال من السجن قريباً فيفاجئه ويقطع عليه الطريق الى الحصول على حلمه العظيم.

وماإن اختمرت الفكرة في ذهنه المضطرب، وكرر بينه وبين نفسه الكلمات التي سوف يقولها لمراد حتى طلب من جاره عبد السلام الاهتمام بدكانه أثناء غيابه وأسرع الى خان الحرير وبالتحديد الى محل نعيم ومقيم. هناك كان الثلاثة يتداولون في أمور مصنعهم، خاصة وأن مراد ونعيم كانا يستعدان للسفر في اليوم التالي الى بيروت لتخليص وشحن الصناديق. استقبل استقبالاً حافلاً كعادته، وتركوه يرتشف الشاي ريثما ينتهون من مداولاتهم. كان أول شيء سمعه من نعيم بعد ذلك هو الخبر الذي نزل على رأسه كالصاعقة، فقد أشاع السيد منير في كل أرجاء الخان بأن السيد كمال سيفرج عنه في اليوم التالي. راح ابو عادل يحوص ويتأوه (آه..يالي من شقي ذي حظ سيء)، فضحكوا رغم مشاركتهم له بهمه العظيم، وحاولوا تهدئته وجره الى أحاديث أخرى إلا أنه نهض وهو يكاد يبكي واستأذن وطلب من الاستاذ مراد التكلم معه على انفراد. وعندما أصبحا خارج المحل، أمسك ابو عادل بذراع مراد وكأنه يريد تقبيل يده، وشد عليها محتفظاً بسحنته تلك، التي تشي بهمه العظيم ثم قال:

- جئت اليك بطلب وأرجوك أن لاتخجلني به..  فقال مراد وهو يلاحظ انشقاق الأباجور عن جزء من شعر سعاد الأشقر، فاستدار قليلاً كي لاينفضح أمر عشقه لأبي عادل:

- تفضل ياابو عادل، على الرأس والعين.  تأوه ابو عادل ثم قال وهو يزم عينيه ليجعل طلبه أكثر صدقاً:

- أرجوك أن تحكي لي مع أحمد، فأنتما أصدقاء..إذا ماوافق هو فستوافق اخته لامحالة.

ماهذا الطلب؟..حك مراد اذنه وهو يجاهد في ألا ينظر الى جهة النافذة:

- انت غالٍ ياابو عادل..ولكنك تعرفني جيداً، فأنا لا أحب التدخل في مثل هذه الأمور ، أنت وهو من أعز أصدقائي.

- كرمى لله يا أستاذ..ليس لي غيرك ليخدمني في هذا الأمر. تكلمت مع أبيها فقال إنه لم يعد يريد التدخل، ثم إنه ليس لديه اي مانع أن تأخذ من تريد. لم يعد أمامي سوى هذا الطريق، فهي تحترم رأي أخيها ولاترفض له طلباً..أحكِ معه ربنا يخليك ياأستاذ، هذه المرة فقط، فإن رفضت أيضاً عندها لن أعود لأتكلم في الموضوع مرة ثانية.

فكر مراد مطولاً قبل أن يجيب. لماذا لايخدم صديقه..ثم ماذا سيخسر؟ سيقول لأحمد إنهم أحرار في النهاية، فإن كانت أخته لاتريد الزواج من أبو عادل فليكن..يجب أن لا يجبرها على ذلك..ثم إنه (أي مراد) من المؤيدين لأبو عادل ماداموا في البيت يريدون تزويجها وعدم تركها أرملة مدى الحياة. هز رأسه أخيراً وقال له:

- تكرم ياابو عادل، سألتقي مساءً بأحمد لنشاهد أحد الأفلام..اليوم حتماً سأتحدث إليه، لأنني مسافر في الغد وقد أتأخر عدة أيام..

شكره ابو عادل مطولاً. قال إنه لن ينسى له هذا المعروف طوال حياته، ثم ودعه وانصرف. تابعه مراد للحظة ثم رفع عينيه ببطئ الى الأعلى..كانت سعاد تنتظر هناك لتهديه أجمل ابتسامة يمكن أن تمنحها امرأة لرجلٍ على الإطلاق.

وفي المساء لم ينتظرا نهاية الفيلم كي يخرجا من دار سينما الأوبرا، فقد كان الفيلم عادياً ومملاً، فخرجا ليشربا القهوة في مقهى (القصر) الذي كان يملكه أحد أحفاد (قانصوه الغوري). طلبا القهوة ثم احتلا إحدى الطاولات. كانا يتحدثان عن أنور وجدي ونعيمة عاكف حين استبدل مراد تعابير وجهه وأمسك بيد أحمد وقال له إنه يريد أن يفتح معه موضوعاً يهمه.

- جاء إلي اليوم أبو عادل وطلب مني أن اتكلم معك.

- معي..؟ حول ماذا بالضبط؟

- انظر، قال مراد وهو يقترب أكثر من أحمد، كما قلت لك فإن السيد كمال سيخرج غداً من السجن كما أشيع اليوم. وأنت تعرف معنى ذلك جيداً..أريدك أن تفكر في الموضوع من ناحية أخرى، ماذا لو عاد السيد كمال الى موضوعه الذي توقف نتيجة دخوله السجن؟ أنا متأكد من أنه سيعاود الضغط على أبيك وسيعتبر بأن الأمر قد توقف مؤقتاً ريثما يطلق سراحه، وهاهو يخرج غداً..ماذا ستفعل انت مع أبيك، هل ستتقاتلان وتخرج من البيت؟ وإذا ماخرجت من البيت، هل سيوقف ذلك السيد كمال عن الإلحاح؟ رأيي أن تفكر جدياً بالموافقة على أبو عادل، فهو على الأقل ظريف المعشر وخفيف الظل، كما أن امرأته موافقة على زواجه، هذا يعني أن أختك سعاد لن تكون لها ضرة..بل صديقة، رغم غرابة الأمر.

زفر أحمد مطولاً وهو يهز رأسه ثم قال بحزن:

- أختي مظلومة في هذه الحياة، وأنا واقف معها كي تشعر بالشجاعة، لقد فقدت انساناً عظيماً، موته خسارة يامراد. كنت أتمنى أن تتعرف إليه، ولكن لم يفت الوقت..فأنت تستطيع أن تنظر الى المرآة لتعرف تماماً كيف كان.

ابتسم مراد. قال إنه يعرف ذلك، فالجميع يقولون الشيء ذاته، ثم أضاف:

- والآن ياأحمد، قل لي ماهو رأيك؟

أطفأ أحمد سيكارته ثم تناول أخرى وأشعلها متباطئاً كي يترك لنفسه وقتاً أطول للتفكير. نفث الدخان بطريقة محببة كان مراد دائماً يتابعها لظرافتها ثم قال:

- لابأس يامراد..سأتكلم معها، أنا أعرف أنني لاأريدها أن تتأثر برأيٍ أقدمه لها، وأعرف أيضاً أنها ستوافق إذا ما قلت لها إنني أحبذ ابو عادل..سأتكلم معها، فكل شيء يهون من أجل إبعاد السيد كمال.

- هيا اذن نغادر، علي أن أنام باكراً الليلة لأنني مسافر مع نعيم في الصباح الى بيروت.

                                          * * *

لم يعد أحمد من فوره الى البيت، بل مرّ على رفيقيه حسان ورياض. تحدثا قليلاً في السياسة، ثم حاولوا ايجاد شخص رابع للعب الورق (الطرنيب) دون جدوى، فغادرهما الى بيته. كان الليل قد انتصف منذ نصف ساعة حينما فتح أحمد الباب ودخل. كان البيت غارقاً في الظلام ماعدا خيط من نور يتسرب من باب غرفة سعاد. أضاء الصالون ثم اقترب من غرفتها، نقر على الباب ثم فتح ودخل.

كانت سعاد تخيط شيئاً وفي حضنها كتاب الأيام لطه حسين الذي ورثته عن زوجها المرحوم. كانت تبتسم له وتشجعه ليدخل. نظر الى ابنها ناصر الغارق في النوم ثم همس:

- مساء الخير ياسعاد.

- مساء النور ياأحمد..تفضل وادخل، لقد انفلت مني النوم فجلست أخيط وأقرأ لأستعيده.

ابتسم لتعابيرها التي تجيدها. جلس بالقرب منها وهو يتأهب لفتح الموضوع معها. سألها في البداية عن الكتاب، ثم رويداً رويداً اقترب من الموضوع. قال:

- يقولون إن السيد كمال سيخرج من السجن في الغد.  قالت دون أن ترفع عينيها عن الثوب الذي كانت ترقعه:

- نعم..هكذا قال أبي حين عاد من الدكان، نظرت اليه لتعرف السبب الذي دفعه لقول ذلك، لماذا تقول لي هذا؟

- لاشيء، ولكنني خائف من أن..تلعثم أحمد، فهو يحب سعاد أخته ويحرص على خاطرها، كانت تنتظره ليكمل فتابع، الليلة كنت أنا والاستاذ مراد في السينما.

شعّت عيناها وارتجفت زاوية فمها، أطرقت الى إبرتها وخيطها وفي صدرها موجة مجنونة انفلتت. قالت له ليتابع، نعم..! فقال:

- أخبرني بأن ابو عادل قدجاء إليه وطلب منه أن يتكلم معي، في رأيي أن أبو عادل لابأس به، وهو أصغر من السيد كمال وظريف المعشر ويحبه الجميع، وهو يريدك.

رفعت عينيها غير مصدقة مايقول. سألته وألم يرتسم على محياها، والمعنى؟ فقال:

- المعنى، مادام ابو عادل يريدك وهو فعلاً أفضل المتقدمين، فرأيي ان توافقي..

ماذا جرى؟ أبعدت الثوب والخيط والإبرة والكتاب وراحت تعبث بشعرها. هكذا إذن..؟ سألته وصدرها يعلو ويهبط دون أن تستطيع ضبطه:

- وهل هذا رأي صديقك مراد، أقصد هو الذي بدّل رأيك؟

- لم يبدل رأيي، في هذا الموضوع آراؤنا متطابقة.

جمدت سعاد. نظرت الى نقطة وحيدة في بلاط الغرفة واستقرت عليها. حسب أحمد بأنها ربما تفكر في الموضوع..أراد أن يتركها لتفكر كما يحلو لها..نهض. سمعها تقول هامسة لاتقوى على رفع صوتها، فقد كانت تختنق ولديها رغبة هائلة للبكاء:

- حسن..سأفكر.  ومع ذلك أراد أن يضيف شيئاً..فهو يحبها ومستعد لأن يقاتل من أجل سعادتها:

- على كل حال، يبقى القول قولك، فإذا كنت لاتريدينه فليس هناك على وجه الأرض قوة تجبرك على ذلك.   تابعت تهز رأسها متمنية أن يتركها وحيدة لتبكي. وعندما أغلق الباب خلفه انفجرت دموعها. كانت تعض على اصبعها كي لايرتفع صوت بكائها.

الدنيا كلها حزنت تلك الليلة مع سعاد..كل الدنيا بكت معها. آه..ياربي، لماذا أنا بائسة الى هذا الحد؟ لماذا جعلني أحبه ثم قدمني هدية الى صديقه أبو عادل؟

كرهت حياتها، تمنت لو تموت. ماذا سيحصل؟ لن يجوع أحد إذا ما ماتت، لن يموت ابنها ناصر، فأحمد وأمها وأبوها سيعتنون به..(من بعد وفاة زوجها، أصبحت سعاد تتمنى موتها في كل مرة تهزمها الحياة) ثم إنها قد تمرض وتفارق الحياة بشكل طبيعي، ماذا سيفعلون عندها؟ إنهم لن يتركوا ولدها بلا حنان، خاصة أحمد أخوها..

مسحت للمرة الألف دموعها عن عينيها وشرقت. حمدت ربها لأن أحمد أخبرها بذلك في الليل والجميع نيام..لو كان ذلك في النهار لتعبت وهي تبحث عن ذريعة للبكاء، ولكن لماذا..؟ كيف يمكنه أن يفعل ذلك بها ؟ من أين أعطى لنفسه الحق في أن يعبث بعواطفها ثم يتخلى عنها لأول عابر سبيل..لصديق عزيز..؟ آه ياربي آه..كم أنا بائسة.

وعندما سمعت المؤذن يتغنى بالقصائد المحمدية قرب الفجر، عرفت بأنها أمضت وقتاً طويلاً وهي تبكي. مسحت للمرة الأخيرة دموعها ورفعت رأسها. كانت ضعيفة ومهزومة بإنفها الذي اصطبغ باللون الأحمر.   (أصبحت أكثر جمالاً بعينيها الباكيتين وبإنفها المحمر..كانت عسلاً على عسل) وفجأة شاهدت نفسها تسير في باحة الخان بثيابها البيتية البسيطة، منفوشة الشعر ومحمرة الأنف..كانت تقترب من مراد الواقف أمام محل نعيم ومقيم وهو يتكلم عنها مع ابو عادل . كان يستغرب قدومها إليه، انفصل عن ابو عادل واقترب منها، وحين أصبح على بعد خطوة راح يسائلها بعينيه عما جاء بها الى هنا، عندها رفعت يدها وصفعته بقوة. وضع مراد يده على خده المصفوع ثم أطرق خجلاً..إلا أنها تراجعت وهي تنظر إليه باحتقار، لقد ثأرت لكرامتها..استدارت وعادت من حيث أتت وسط اندهاش تجار خان الحرير. وعندما فتحت عينيها كانت قد تجاوزت الساعة التاسعة صباحاً. نظرت فلم تجد ابنها في السرير فعرفت أنه قد خرج إلى جدته، حينها تذكرت. ارتجفت ثم نهضت وكأن شيئاً قد لسعها. نظرت من خلال شقوق الأباجور. كان محل نعيم ومقيم مفتوحاً ولكن دون أن يكون مراد جالساً يقرأ جريدة الصباح كعادته.

قضت المسكينة طوال الصباح واقفة خلف نافذتها المغلقة تنتظر ظهوره، وعندما شاهدت مقيم يغلق باب المحل، قبيل الظهر ليذهب في أمر ما( الى المصنع) أحست بأن مراد قد اختفى من حياتها وبأن مصيرها قد تقرر في محل نعيم ومقيم وفي إحدى دور السينما.

في ذلك الوقت كان مراد يسوق سيارته وبجانبه نعيم باتجاه الحدود السورية اللبنانية. كانا قد تحدثا مطولاً أثناء الطريق في أمور  عديدة، ثم سأله نعيم عن عشقه الرومانسي. فقال مراد:

- غاطس حتى أذنيّ.

- ولماذا لاتخطبها مادمت تحبها بهذا الشكل وهي تحبك؟

- لأنني مثل الأولاد المراهقين، لاأعرف عن حبيبتي أي شيء.

- وكيف أحببتها إذن؟

- أراها من بعيد..نتكلم مع بعض بالإشارات، نبتسم لبعض، عندما ألمحها أشعر وكأن قلبي سيطير نحوها.

ضحك نعيم مطولاً..ماهذا الحب العنيف؟.. وبالإشارات..؟ عرض عليه عرضاً مغرياً:

- دعني أراها وسأعرف لك عنها كل شيء..

- ماهذا الكلام؟

- آن الأوان لتعرف اسمها على الأقل..

- فعلاً..سأفكر في الموضوع حين نعود الى حلب.

ثم ابتعدت سيارة الفوكسهول في الطريق الإسفلتي.

                                          * * *


TOP

Copyright © 1999 - 2001 Nihad Sirees All rights reserved