HOME Almishkat Centre for Research, Egypt
مركز المشكاة للبحث، مصر
مــدخــل

رفعة العرب فى صلاح الحكم فى البلدان العربية

د. نادر فرجانى
فبراير 2000

المحتويات
تمهيد
فى المصطلح والمغزى

     مصطلح الحكم فى اللغة العربية
     مشكل المعلومات
التنمية الإنسانية-القضاء على الفقر
مضمون نسق الحكم

     فساد نسق الحكم
الحكم والقضاء على الفقر
قمة التنمية الاجتماعية والحكم
خصائص الحكم فى البلدان العربية والتغير فيها منذ قمة التنمية الاجتماعية

     مؤشرات على أزمة فى الحكم
     التطور "الديمقراطى"- نظرة كلية
     احترام الحقوق المدنية والسياسية الأهم

     الانطباع عن الفساد

     جوهر أزمة الحكم فى البلدان العربية : ثنائية الفرد-المؤسسات وما يتفرع عنها
     الحكم على الصعيد القومى
نحو حكم صالح (مُمكّن من التنمية الإنسانية ورفعة العرب)
     إصلاح جوهر الحكم- مؤسسة الدولة
     ضبط القطاع الخاص- ضمان تنافسية الأسواق

     تنمية المجتمع المدنى
     الحكم على الصعيد القومى
المراجع
ملحق: بعض انتهاكات حقوق الإنسان فى الدول العربية

MS Word Document (zipped)Download this document in MS Word format (zipped)   Send e-mail recommending this article يوصى بهذه الصفحة

تمهيد

لا رفعة للعرب فى القرن الحادى والعشرين دون إنجازين: الأول، تجاوز حالة الانكسار التى تسم الموقف العربى الراهن فى معترك الصراع العربى الإسرائيلى، وإن غُلِّفت أحياناً بعبارات تجميل براقة، ولكن زائفة؛ والثانى، نقلة جوهرية فى مضمار التنمية الإنسانية. وهو مفهوم التنمية الجدير بالاعتبار فى بلدان لن تتقدم إلا برقى البشر[1].

والأمران لصيقا الصلة، إذ يقوم تضافر قوى بين نوال انتصار، أو حتى تفادى هزيمة منكرة، فى الصراع العربى الإسرائيلى، من ناحية، وبين أن يجد العرب لهم موقع وجود مقتدر فى عالم الألفية الثالثة. فالضعيف، لا محالة، يملى عليه.

مثل هذا الوجود المقتدر رهن، فى النهاية، ببناء القدرة العربية، فى المعرفة، فى الإنتاج، وفى القوة فى المعترك الدولى. وكل ذلك رهن فى البداية بنسق الحكم فى البلدان العربية.

لقد أمسى تعويق أنساق الحكم القائمة فى البلدان العربية للتقدم فى هذه البقعة من العالم، وتكريس هذه الأنساق لانكسار العرب فى الصراع العربى الإسرائيلى، مسألتان تحظيان بشبه إجماع، إلا من الأنظمة والمستفيدين منها بالطبع. فقد استمرأت أنساق الحكم المتقاعسة عن إحداث تنمية حق الهروب من ساحة الصراع العربى الإسرائيلى تحت ستار السلام، دون عدل أو حتى سلام (انظر فى حال لبنان). وعليه، فقد صار لزاما التعمق فى فهم آليات الحكم فى البلدان العربية، سبيلا للعمل تجاه أنساق حكم صالحة تتيح للأمة أسباب الرفعة والعزة.

ونتوسل هنا فى معالجة هذا الموضوع المركب ( الذى يضفر الحكم و التنمية الإنسانية وحظ العرب فى الصراع العربى الإسرائيلى بالنظر فى علاقة الحكم ببناء التنمية الإنسانية فى الوطن العربى) وعلاقة التنمية الإنسانية بالإنجاز فى مضمار الصراع العربى الإسرائيلى من المتانة بحيث تقرِّب لنا علاقة الحكم بالموقف العربى من الصراع.

فأنساق الحكم الفاسدة (غير الممثلة لعموم الناس وغير الخاضعة للمساءلة الفعالة من قبلهم) لا تسهر على مصالح الشعب فى بناء التنمية الإنسانية ولا تحقق، من ثم، طموحاتهم فى العزة والكرامة بوجه عام، وفى مسألة الصراع مع إسرائيل بوجه خاص. مثل أنساق الحكم هذه، على النقيض، تسخر البلاد، والعباد، لخدمة مصالح ثلة من المتنفذين تمسك بمقاليد السلطة والثروة، عنوة.

وتتفاوت الدول العربية بيِّناً فى الرفاه الإنسانى، ومن ثم فى الحاجة للتنمية الإنسانية، وعلى قصور مقياس التنمية البشرية (المعتمد من برنامج الأمم المتحدة الإنمائى) عن التعبير عن ثراء مفهوم التنمية الإنسانية، يمكن اتخاذ قيم المقياس فى عام 1995 كمؤشر أولى على هذا التفاوت (تراوحت قيم المقياس فى ذلك العام بين 0.96 و 0.19).

وقد نشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائى قيم مقياس التنمية البشرية[2] لبلدان جامعة الدول العربية فى عام 1995، ماعدا فلسطين والصومال. وتوزعت الدول التسع عشر بين فئات التنمية البشرية ، حسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، على النحو التالى: خمس، كلها مصدرة للنفط على نطاق واسع، فى فئة "التنمية الإنسانية المرتفعة". وعلى الطرف الآخر، صنف أربع دول فى فئة " التنمية البشرية المنخفضة" وتوزعت العشر دول الباقيات فى فئة " التنمية البشرية المتوسطة"

وفى النهاية، نجد أن الدول العربية قد حققت قيماً للمقياس تتراوح بين قرب قمة فئة "التنمية الإنسانية المرتفعة" و قرب نهاية فئة "التنمية البشرية المنخفضة" حيث جاءت البحرين تالية فقط لدولة القمة (كندا)، ولم تكن جيبوتى أفضل كثيرا من أقل بلدان العالم إنجازا فى التنمية البشرية.

بعبارة أخرى، تغطى البلدان العربية تقريبا كامل مدى التفاوت فى التنمية البشرية المشاهد فى العالم كله. ونكرر أن مدى التفاوت فى مقياس التنمية البشرية بين الدول العربية، على كبره، لا يعبر عن المدى الحقيقى للتفاوت بين هذه البلدان فى مستوى التنمية الإنسانية، أو، فى وجهها السالب، أى مدى انتشار الفقر.

ورغم التفاوت الشديد المشاهد فى مستوى التنمية البشرية بين الدول العربية، يمكن القول، باطمئنان، أن هذه الدول شديدة التقارب فى جوهر نسق الحكم (القهرى) . مما يشير إلى تقاربها فى مستوى التنمية الإنسانية، الذى يتحدد، بالإضافة إلى التنمية البشرية، على أساس طبيعة نسق الحكم.

فى المصطلح والمغزى

لقد عرّبنا مصطلح اللغة الإنجليزية "governance" بالكلمة العربية "الحكم"، ولنا للأصل اللغوى- الثرى- عودة. وقد فضّلنا كلمة "الحكم" خلافاً لعدد من محاولات التعريب التى نزعت لتفادى الحساسية الفائقة التى تحيط بمسألة الحكم فى كثرة من البلدان النامية باللجوء لكلمات، أو عبارات تنقل الموضوع من ميدان السياسة، الوعر، إلى مضمار الإدارة، الأسهل تناولاً، مثل "نظام إدارة الدولة".  ولعل أقل التعريبات حظا من التوفيق العبارة الطويلة  "إدارة شؤون الدولة والمجتمع"[3] التى بدأت فى دوائر برنامج الأمم المتحدة الإنمائى وتبناها بعض العرب، خاصة فى ميدان "الإدارة العامة". ويوحى تعريب، بدأ هو الآخر فى برنامج الأمم المتحدة الإنمائى،وهو " الحاكمية"، إيحاءات دينية صارمة، ناهيك عن عدم دقته.[4]

وفى رأى الكاتب أن مثل هذه التعريبات يمكن أن تفسر بما يستبعد جانب مساءلة الدولة من قبل الناس من مفهوم الحكم، وفى هذا خطر عظيم. بل إن هذه التعمية ربما كانت أحد أسباب هذه التعريبات.

والحق أن هذا الضرب من التناول يعود، جزئياً، إلى آفة النقل الحرفى من الغرب إلى حالة البلدان النامية، دون اعتبار للفروق الجوهرية بين الجانبين. وإن كان هذا النقل مفهوماً فى ضوء سيطرة الشمال على مقدرات العالم، فإنه غير مفيد، خاصة فى منظور التنمية الإنسانية.

ففى الغرب يعود الاهتمام المعاصر بمسألة "الحكم" إلى حقبة الليبرالية المحدثة، التى قامت فى المجتمعات الرأسمالية الناضجة فى الغرب، أساسا تحت حكم مارجريت ثاتشر فى إنجلترا و رونالد ريجان فى الولايات المتحدة، داعية لتقوية السوق، بدعوى أنه الآلية الأكثر كفاءة لتخصيص الموارد، وللتقليل من دور الدولة فى المجتمع، بدعوى أن الحكومة التقليدية أصبحت من الضخامة [5]وثقل الحركة حتى أصبح يتعذر عليها أن تعمل بكفاءة فى البيئة الاجتماعية والاقتصادية سريعة التغير التى تميز العصر الحالى. ويعنى هذا التحول فى منظور اليبرالية المحدثة ضرورة أن تقوم الدولة بدور تنسيقى، أكثر منه قيادى، فى مجتمع يسوده السوق والمجتمع المدنى. فى نسق الحكم الجديد هذا، يُدعى أن التفاعل الأوثق بين الدولة والمجتمع يؤدى إلى تقوية الممارسة الديمقراطية من ناحية، وزيادة الكفاءة (كم الناتج نسبة للموارد) من ناحية أخرى.

غير أن هذا التصور قد شُبّه بمحاولة "وضع السياسات دون سياسة". والواقع أن الدعوة فى جوهرها هى سيادة "سياسة السوق"، أى "سياسة رأس المال وحافز الربح". وهذا أمر غير مقبول، خاصة فى منظور الأجل الطويل. وحتى فى الأجل القصير فإن السوق، وإن كان آلية كفء لمقابلة العرض والطلب من السلع والخدمات وتحديد أسعارها، فهو ليس أكفأ السبل لتخصيص الموارد المجتمعية بوجه عام، ولا أكثر هذه السبل عدالة (كازانتشيجيل، 1998، بالإنجليزية، 71-72). هذه أمور يترتب فيها على الصفة التمثيلية للدولة، وما يتفرع عنها من مساءلة الناس لها، أولوية للدولة على الفاعلين المجتمعيين فى القطاعين الخاص والمدنى. وتكتسب هذه الحجة قوة فى حالة البلدان النامية، خاصة فى منظور إقامة التنمية الإنسانية، كما سنرى. وحرى بنا، فى هذا المقام، التنبه إلى أن، مفهوم الحكم الجديد قد ظهر فى البلدان المصنعة بعد أن حققت تاريخيا إنجازات ضخمة فى التنمية، أساسا تحت قيادة الدولة، وأن الدولة مازالت فى الاقتصادات الرأسمالية الناضجة مسؤولة أساسا عن ضمان كفاءة النشاط الاقتصادى من خلال حماية المنافسة والحد من غلواء الرأسمالية الطليقة من خلال العدالة التوزيعية.

ولا ريب فى أن تحاشى التناول الصريح للجوانب ذات الطابع "السياسى" فى مسألة الحكم فى غالبية البلدان النامية، وربما العربية خاصة، يتوخى أيضاً درء مضار متوقعة، أو متوهمة- والإحساس بالأخيرة ربما أبلغ دلالة- قد تنجم عن التناول المباشر لأمور غير مسموح بالخوض فيها لغير ذوى الشأن، وليسوا إلا قلة فى رأس هيكل القوة.

والخوف أن هذا التناول، المبنى على نقل حرفى غير مبرر أو على استحياء،أو تقية، لمسألة الحكم، يؤدى، إذا استفحل، لإفراغ المفهوم من مضامين جوهرية فى البلدان النامية، التى مازال أمامها تحديات ضخام سواء فى بناء الحكم الصالح فى حد ذاته، أو فى إحداث التنمية الإنسانية. على الصعيد المعرفى، يؤدى الاستحياء، أو التقية، إلى قصور فى الفهم. أما فى منظور بناء الحكم الصالح و التنمية الإنسانية، فإن الاستحياء قد يعنى التقليل من فرص تعظيم التنمية، خاصة من خلال إقامة الحكم الصالح، والعلاقة بين المسعيين عظيمة.

والواقع أن تحاشى مصطلح "الحكم" يعبر، فى حد ذاته، عن تأزم التعامل مع الموضوع، خاصة وقد تواتر استعمال الكلمة للدلالة على ما يسمى أحياناً، بالعربية المحدثة، "نظام الحكم"، الذى يقارب قدس الأقداس فى البلدان القهرية. هذا على رغم أن "الحكم" ليس، من حيث المبدأ، إلا "فئة علمية" scientific category عادية تماماً فى دراسة السياسة، والتنمية.

وليست أزمة التعامل مع المصطلح هذه، فى الحقيقة، إلا انعكاساً قوياً لأزمة فى نسق الحكم فى البلدان العربية، ومن ثم فى علاقة الحكم بالعلم، وبالناس، وفى النهاية، بالتنمية الإنسانية.

مصطلح الحكم فى اللغة العربية

لعله من المثير أن تشتق من مصدر ثلاثى واحد فى اللغة العربية (ح ك م) كلمات متعددة تخص جوانب مختلفة من نسق الحكم، بالمعنى الحديث (لاحظ تعدد الأصول اللغوية للكلمات المناظرة باللغة الإنجليزية أو الفرنسية للألفاظ العربية المشتقة من هذا المصدر). وتضفى اللغة العربية بذلك على مفهوم الحكم، فى الوقت نفسه، جلال العلم والحكمة والعدل- على أساس من القاعدة القانونية.

وفقاً للمعجم الوسيط (مجمع اللغة العربية، القاهرة) يقال- فى الزمن الماضى: (حَكَمَ) - أى قَضَى. ويقال: حكم له، وحكم عليه، وحكم بينهم. فالحُكم يقوم على القضاءُ بين الناس، ولكن وفق أى معيار؟.

يعنى (الحُكْمُ) أيضاً العِلمُ ، والتفقُّه أى "العلم العميق بالقواعد القانونية وبتفسيرها" ، مما يبين أن المعيار فى الحكم هو إعمال القواعد القانونية، وتفسيرها. ويعنى (الحكم) كذلك الحِكْمَةُ ، مما يتيح المجال لاعتبار مبادئ سامية (الرحمة فوق العدل؟)، أو المصلحة العامة، فى القضاء. والعَدلُ هو أحد معانى (الحِكْمَةُ). و(المَحْكَمةُ) هى "هيئةٌ قضائية تتولى الفصل فى المنازعات".

و(الحُكومةُ) تعنى "ردُّ الرجلِ عن الظلم"، ولكنها تستخدم محدثاً بمعنى "الهيئة الحاكمة". الأصل فى الحكومة إذاً هو الرد عن الظلم، أو إقامة العدل.

و(الحَاكِمُ) هو مَن نُصِّبَ للحُكْم بين الناس. وينطوى التنصيب، من قبل آخر، منطقياً على إمكان التنحية، الذى ينطوى بدوره على مساءلة الحاكم. ويشتق من المصدر الثلاثى أيضاً (تَحَكَّمَ) أى استبدّ. ولا ريب، فى ضوء كون العدل قيمة عليا، أن الاستبداد موجب للعزل.

هكذا تضم اشتقاقات هذا المصدر الواحد البسيط (ح ك م) كل مفردات نسق الحكم المعاصر تقريباً، وتقيمه على دعائم نبيلة من العلم والعدل والحكمة. ويعنينا على وجه الخصوص، أن يتضمن هذا الثراء اللغوى مفاهيم التمثيل والمساءلة، وهى، كما نفهم، جوهر الحكم.

مشكل المعلومات

يواجه الرصد، الموضوعى والشامل، لبنية نسق الحكم، والظواهر والمؤسسات المرتبطة به، والتطورات فيها عقبة ضخمة من فقر المعلومات. بل يخضع بعض هذه الأمور للتعتيم والكتمان فى المجتمعات الاستبدادية. وتزداد جرعة التكتم، والتحيز فى الإبلاغ، عن هذه الأمور كلما ارتفعت حساسية الموضوع، أو قلت شفافية الحكم. ويترتب على ذلك ألا تُعرف بعض الأحداث المهمة، أو تتكشف أبعادها الحقيقية، إلا بعد مرور فترة زمنية تطول أو تقصر حسب الحدث، وملابساته، ومدى إعتام نسق الحكم. وهذه مشكلة تصيب الورقة الحالية على وجه الخصوص، حيث ينصب الاهتمام على عدد من الدول لا يُعرف الحكم فيها بالشفافية.

وتفرض ندرة المعلومات، الشاملة والموضوعية، وكذلك تفادى الحساسية الفائقة للحكام، على الكاتب اللجوء للتعميم، أو التجهيل أحياناً. حيث يقع التناول المباشر لوقائع موضوعية فى مجال البحث العلمى هذا تحت طائلة "القانون" (!) فى بعض المجتمعات القهرية. وإن لم يكن هذا التناول مجرماً قانوناً، فلغضب الحكام فى هذه البلدان تعبيرات أخرى، قد تكون أشد، هى فى النهاية من سمات فساد الحكم.

الموضوع المطروح إذا هو، فى ختام المطاف، واسع ودقيق، وتندر فيه المعلومات وينصب على منطقة شديدة التنوع ولا تشتهر، كما سنرى، بصلاح الحكم. وتضيق ورقة مثل الحالية، موجزة ، إلا عن التركيز على الخطوط العريضة والقسمات العامة.

التنمية الإنسانية-القضاء على الفقر

تُختزل محاربة الفقر أحياناً، خاصة فى سياق "الحكم بدون سياسة"، إلى مضامين أقرب إلى المساعدة الاجتماعية social assistance أو شبكات الأمان الاجتماعية social safety nets. وإن كان هذا التصور مقبولاً، إلى حد ما، فى مجتمع رأسمالى ناضج، يمثل الفقر فيه جيوباً منعزلة، فإنه لا يصلح أساساً لتعريف التنمية الإنسانية فى كثرة البلدان النامية التى يعد الفقر فيها سمة هيكلية تطال غالبية الناس، أو كثرتهم، ويزداد انتشاراً فى سياق "إعادة الهيكلة الرأسمالية" تحت سياسات "التكيف الهيكلى". فى مثل هذه البلدان، يتعين أن تستهدف التنمية الإنسانية القضاء على الفقر، بأوسع معانيه.

بلغة التنمية الإنسانية، لا يعنى الفقر مجرد قلة الدخل-الإنفاق، أو حتى الفشل فى الحصول على الحاجات الأساسية حسب تعريف أو آخر، ولكنه يعنى، فى الأساس، قصور القدرات الإنسانية عن تحقيق مستوى الرفاه الإنسانى المستحق للناس.

فى هذا المنظور، يكاد الفقر يتساوى مع الضعف الاجتماعى والسياسى أو قلة الحيلة. وتتمخض قلة الحيلة، لا ريب، عن مستوى منخفض من إشباع الحاجات الأساسية، ومن باب أوسع، عن قصور فى امتلاك صنوف رأس المال: المادى، والمالى، والبشرى، والمجتمعى. ويمكِّن توصيف الفقر هكذا من إماطة اللثام عن عمليات توليد الفقر، وإعادة إنتاجه، ومن ثم ينير الطريق أمام صوغ سياسات التخفيف من الفقر والقضاء عليه.

ومن أسف أن غالبية دراسات الفقر، وبدرجة أكبر قياساته، قد بالغت فى التركيز على معيار قلة الدخل-الإنفاق الذى يقوم على طريقة "خط الفقر". وإضافة إلى النقائص المنهجية لهذا الأسلوب، فهو لا يوفر توصيفاً كاملاً للفقر. والأهم من ذلك أن هذا الأسلوب لا يعالج مسألة آليات توليد الفقر بشمول كاف. ولهذا فهو لا يقدم حلولاً كفيلة بالقضاء على الفقر. وبدلاً من ذلك يميل هذا الأسلوب إلى الاكتفاء بالعمل على التخفيف من الفقر من خلال تحويلات الدخل: أسلوب شبكات الأمان الاجتماعية.

ولكن لن تصح استراتيجية تتوخى القضاء على الفقر، ناهيك عن نجاحها إذا طبقت، إلا إذا انطلقت من فهم شامل لآليات توليد الفقر وتكريسه. وفى جميع أنظمة الاقتصاد السياسى، يُعَد الحرمان من أنواع رأس المال المختلفة، والتفاوت بين البشر فى ذلك، أهم الأسباب المباشرة للفقر.

فيمثل الحرمان من التعليم ومن الرعاية الصحية، الجيدان، أول مراحل الحكم على البشر بالفقر. ويميل هذا الحرمان ليكون أقسى فى حالة البنات والنساء. والمؤكد أن قلة التحصيل التعليمى، ورداءة نوعيته، ترتبط بقوة بالفقر.

أما المرض فهو نفسه أحد تجليات الفقر. ومن ناحية أخرى، فإن التمتع بصحة جيدة يساوى القدرة على العمل. ولهذه القدرة أهمية خاصةً بالنسبة للفقراء الذين عادة ما يعملون فى أنشطة مرهقة جسدياً. وحيث يمثل الكسب عماد عيش الغالبية العظمى من الفقراء، فإن المرض يؤدى إلى تفاقم الفقر نتيجة الحرمان من الكسب.

ويلاحظ أن كل ذلك يقع فى سياق ضعف شبكات الحماية الاجتماعية. وهناك مؤشرات على تناقص مقدرة الأسر الفقيرة على تحمل تكلفة التعليم والرعاية الصحية الأساسيين. ومع اتساع الاعتماد على القطاع الخاص فى تقديم الخدمات، واستشراء الفقر، فلا مناص من أن تتآكل قدرة الفقراء على تحمل هذه التكاليف.

وحيث يفتقر الفقراء، بالتعريف، إلى الأصول الرأسمالية، فإنهم لا يمتلكون إلا ضمانات رأسمالية محدودة- إن توافرت لهم ضمانات على الإطلاق. ونتيجة لذلك، فإن قدرة الفقراء على الحصول على الائتمان، خاصةً الائتمان الرسمى، تميل لأن تكون ضئيلة- بدرجة أكبر فى حالة النساء. وعادة ما تؤدى صعوبة الحصول على التمويل فى المجتمعات التقليدية إلى أشكال ربوية تقوى هى ذاتها من حلقة الفقر الشريرة.

وكثيراً ما يساعد التكيف الهيكلى على زيادة حدة هذه المشكلة بمحاباة رأس المال الكبير، على افتراض أن رأس المال الكبير هو القادر على الإنتاج الكبير والابتكار ومن ثم زيادة الإنتاجية. فالملاحظ أن كبار المستثمرين يتمتعون بمزايا ضخمة: مثل الإعفاء من الضرائب، وتوفير الأرض والبنية الأساسية بأسعار ميسرة، وحرية تحويل الأرباح، .... وتزيد صلاتهم السياسية من تميزهم من خلال تفضيلهم فى الحصول على المعلومات فى الوقت المناسب واقتناص الصفقات (الدخول فى الأسواق). وبالمقارنة فإن على صغار المنظمين أو المستثمرين التعامل، رغم ضعفهم الاجتماعى، مع غابة كثيفة من الإجراءات والعوائق لإقامة المشروعات الصغيرة والصغرى. وعلى وجه الخصوص، فإن مسألة توفير ضمان ميسر للائتمان الصغير لم تحل بشكل كامل.

وحيث تقيم غالبية السكان فى كثرة من البلدان العربية فى المناطق الريفية وتعمل أكثرية قوة العمل بالزراعة، يتركز الفقراء فى المناطق الريفية وعادة ما يعتمدون فى عيشهم على مزارعين صغار أو هامشيين أو معدمين. ومن الواضح أن القدرة على حيازة الأرض والمياه للزراعة متطلب جوهرى للعيش المطرد فى المجتمعات الريفية. إلا أن هذا الحق الأساسى يتهدد كثيراً خاصةً بسبب إعادة توزيع حيازة الأرض الزراعية والموارد المائية لمصلحة الأغنى.

وفى النهاية، فإن الفقراء محرومون من المشاركة الفاعلة فى المؤسسات الاجتماعية والسياسية والقدرة على التأثير فيها، بما فى ذلك تلك المفترض أن تساعدهم على التغلب على الفقر. والواقع أن تهميش الفقراء فى المؤسسات الاجتماعية والسياسية هو الحرمان النهائى لأنه يقوى السبب الرئيسى للفقر: قلة حيلة الفقراء التى تجعل منهم أغلبية صامتة فى الشؤون الوطن. وبهذا يحرم الفقراء من حقوق المواطنة الأساسية ومن ثم من القدرات الجوهرية لانتشال أنفسهم من الفقر.

مضمون نسق الحكم

تتنوع صنوف الحكم كثيراً، وربما تتعدد بتعدد الدول فى العالم إذا أردنا تمييز الخصائص التفصيلية. ولكن يمكن القول بأن هناك خصائص رئيسية مشتركة للحكم غير الاستبدادى فى العالم المعاصر تتمثل فى قيام مؤسسات مجتمعية قوية، والتوازن بينها، من خلال شبكة متينة من علاقات الضبط (الرقابة)regulation  والمساءلةaccountability . وتضمن فعالية الضبط شفافية transparency الحكم، الأمر الذى ييسر المساءلة، بما يضمن احترام المصلحة العامة بداية.

وعلى هذا نعرّف الحكم (الصالح) على أنه نسق من المؤسسات المجتمعية، المعبرة عن الناس تعبيراً سليماً، تربط بينها شبكة متينة من علاقات الضبط والمساءلة، فى النهاية بواسطة الناس، يستهدف تحقيق مصلحة عموم الناس فى المجتمع. ويوضح شكل (1)، بقدر من التجريد، العناصر الجوهرية لهذا النسق.

تمثل مؤسسة "التمثيل-التشريع"، أو السلطة التشريعية، حلقة الوصل الجوهرية بين الحكم والناس، وتأخذ فى النظم البرلمانية (الليبرالية) صورة المجالس النيابية المنتخبة، انتخاباً حراً نزيهاً، ودورياً. وتنوب هذه المؤسسة عن الناس فى وضع القواعد القانونية التى تحكم مختلف الفاعلين المجتمعيين، وفى ضبط (الرقابة على) "الحكومة"، أو "السلطة التنفيذية"، التى يأتى على رأسها عادة أكثر التيارات السياسية حصولاً على ثقة الناس فى الانتخابات.

ويعد وجود تمثيل معارض، للتيار السياسى الذى يتولى مسؤولية الحكومة، فى مؤسسة "التمثيل-التشريع" ضمانة لصلاح الحكومة، تزداد فاعليتها بقوة المعارضة (داخل المجلس النيابى أو خارجه).

ولكن، فى النهاية، يجب أن تخضع مؤسسة "التمثيل-التشريع" لمساءلة الناس دورياً من خلال أسلوب انتخابى متين. وهذه هى آلية "تداول السلطة" سلمياً فى النظم البرلمانية.

والمفترض، حيث تعكس مؤسسة "التمثيل-التشريع" مصالح الناس بشفافية، أن يحكم وضع قواعد القانون معيار تحقيق مصالح الناس، بما فى ذلك حماية الحقوق والحريات الإنسانية، التزاماً بالكرامة الإنسانية، وعلى وجه خاص، بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، خاصة عناصرها المتضمنة فى اتفاقات واجبة النفاذ. ولعل أهم الحقوق والحريات تلك الخاصة بالتعبير والتنظيم، لما لهما من دور حيوى فى تقوية علاقات التمثيل والمساءلة بين الناس ومؤسسات الحكم. ويمكن هنا الإشارة، خاطفة، لمؤسستين مجتمعيتين على جانب كبير من الأهمية فى المجتمعات المعاصرة، وهما الإعلام وتنظيمات المجتمع المدنى سواء السياسية (الأحزاب) المتنافسة على ثقة الناس أو الأهلية الناشطة فى العمل العام. ولا يقوم لهاتين المؤسستين دور فعال دون ضمان أكيد لحريات التعبير والتنظيم.

شكل (1)
تمثيل مبسط لنسق الحكم

ويتمحور دور مؤسسة "القانون-القضاء" حول ضبط باقى المؤسسات المجتمعية فى نسق الحكم، جميعها، بما فى ذلك مؤسسة "التمثيل-التشريع" وعلاقتها بالناس، ومؤسسة الحكومة، وفقاً لقواعد القانون، ولتفسير "السلطة القضائية" لتلك القواعد إن تطلب الأمر. ولنتذكر العروة الوثقى ، فى اللغة العربية، بين الحكم والقضاء.

وتعد هذه المؤسسة، من وجهة نظر مهمة، أكثر المؤسسات المجتمعية حرجاً، حتى يمثل استقلال هذه المؤسسة أحد الشروط الجوهرية للحكم الصالح. فبالإضافة إلى اقتراح الحكومة لمشروعات القوانين، والدور التشريعى لمؤسسة "التمثيل-التشريع"، يقتصر تدخل السلطتان التشريعية والتنفيذية فى شؤون مؤسسة "القانون-القضاء" فى العادة على المشاركة فى اختيار من يتولون المناصب الرئيسية فى سلك القضاء.

ويكتمل تكوين "الدولة" state، بمؤسسة "الحكومة" وهى الجهاز التنفيذى الذى يقوم على وظائف الإدارة administration أو التسييرmanagement ، لشؤون المجتمع، بما فى ذلك تنفيذ أحكام القضاء. وتتكون الحكومة فى الأساس من جهاز دائم من الفنيين والإداريين، ولكن قيادتها عادة ما يكون لها طابع سياسى، نيابى عن الناس، تفرزها الانتخابات الدورية، مما يخضع القيادة السياسية للحكومة لمساءلة الناس مباشرة فى هذه المناسبات. أما بين الانتخابات العامة، فيتعين أن تخضع الحكومة لمساءلة النواب عن الشعب فى مؤسسة "التمثيل-التشريع"، خاصة من قبل المعارضين للتيار السياسى القائم على الحكومة.

ومن المهم هنا الإشارة إلى مؤسستين،حكوميتين، لهما أهمية فائقة فى بعض البلدان النامية، وهما الجيش والشرطة، على حين لم نتعرض لهما على أنهما من مؤسسات الحكم الجوهرية. ففى نسق للحكم الصالح، يكون كل من الجيش والشرطة جهازاً مهنياً متخصصاً، بعيداً عن السياسة، يستهدف صيانة أمن المواطنين. يختص الأول بالدفاع عنهم ضد الأخطار الخارجية، ويسهر الثانى على حماية المواطنين فى الداخل، تنفيذاً للقانون بوجه عام، ولأحكام القضاء بوجه خاص.

ويمكن التفرقة بين صنفين رئيسيين من قيادة الحكم (الصالح) فى العصر الحديث: الملكى الدستورى والجمهورى. فى الأول، يُتوارث منصب "الملِك"، ويكون منصب الملِك، فى الأساس، احتفالياً وتشريفياً، بينما يتولى قيادة الحكم فعلاً رئيس (وزراء) منتخب.

وفى الحكم الجمهورى ينتخب رئيس الدولة. غير أنه يمكن التمييز بين الجمهورية الرئاسية التى يتولى فيها الرئيس قيادة السلطة التنفيذية، وتلك التى يلعب رئيس الجمهورية فيها دوراً مناظراً للملِك فى الملكيات الدستورية- دون توريث المنصب بالطبع- بينما يتولى قيادة الحكم فعلاً رئيس (وزراء) منتخب هو الآخر. وفى انتخاب قيادة الحكم (الفعلية)، ومن ثم مساءلتها دورياً، يكمن جوهر الحكم الصالح. ولذلك فإن مسألة رأس الحكم تمثل أحد أهم تجليات نسق الحكم.

وإضافة للدولة، تقوم مؤسسات "القطاع الخاص" الهادفة للربح، ومؤسسات "العمل الأهلى" أو، بالتعبير الشائع الآن، "المجتمع المدنى" التى تستهدف الخدمة المجتمعية، دون استهداف الربح. وتخضع هاتان المؤسستان للضبط، دون السيطرة، فى الحدود التى يرتبها القانون، من قبل الحكومة، وبالطبع بواسطة القضاء.

والمفترض فى مؤسسات العمل الأهلى الصالحة، أن تتعرض لمساءلة الناس المنتمين إليها مباشرة. بل يتوقع من مؤسسات العمل الأهلى الصالحة أن تساهم، مع الحكومة والقضاء، فى ضبط النشاط الهادف للربح، مثل حالة جمعيات حماية المستهلكين.

وليست المساءلة المباشرة من قبل الناس مفترضة، على الأقل للدرجة المتوقعة فى حالة منظمات المجتمع المدنى، فى المشروعات المستهدفة للربح. فالأصل أن المشروع مستهدف الربح خاضع لمساءلة ملاكه فقط. وصحيح أن عامة الناس يمكن، فى النهاية، أن تقبل على منتجات المشروع أو تنصرف عنها. وصحيح أيضا أن مراعاة الصالح العام، وسمعة المشروع لدى الناس، أصبحتا من سمات الإدارة الناجحة للمشروعات الربحية فى العصر الحديث، والمؤكد أن هذه الاعتبارات لا ترجح كفة حافز الربح إن قام تعارض، خاصة فى المشروعات الكبيرة المتنفذة ( المحتكرة). ولكن هذه السمات رهن بوجود مؤسسات حكومية ومنظمات أهلية تحد من غلواء حافز الربح. والمفترض أن غياب حافز الربح يعصم مؤسسات العمل الأهلى من مغبة هذا التعارض.

ويكتمل الحكم الصالح بقيام نسق المؤسسات المجتمعية، والعلاقات الصحيحة بينها، على المستوى المحلى. خاصة فى البلدان الكبيرة والمترامية الأطراف. إذ كلما صغر النطاق الجغرافى والبشرى للمجتمع، زادت قدرة الناس على المشاركة الفعالة فى نسق للحكم الصالح، وقل احتمال إهمال "الأطراف" نتيجة لسيطرة "المركز" على المجتمع كله- وهى من آفات الحكم فى البلدان النامية. وفى أنظمة الحكم الديمقراطى، يكون الحكم المحلى ميداناً لتبلور قدرات المساهمة الفعالة فى مجالات الحكم المختلفة، وبروز العناصر القادرة على المساهمة فى الحكم المركزى.

وبالطبع، تقوم مؤسسات نسق الحكم، والعلاقات بينها، فى محيط خارجى، إقليمى وعالمى، تتأثر به حسب ظروف كل مجتمع. ويمكن أن يكون السياق الإقليمى، على وجه الخصوص، شديد التأثير (وجلى أنه كذلك فى المنطقة العربية). كما يرتب تصاعد العولمة وقعاً متزايداً للبيئة العالمية على نسق الحكم فى بلدان العالم، خاصة النامية (ولهذا التأثير خصوصيات فى البلدان العربية، حسب خبرة الاستعمار، قديمه أو حديثه).

        فساد نسق الحكم

يفسد نسق الحكم بغياب بعض مؤسساته، أو فساد تلك القائمة، أو فساد العلاقات بين مؤسسات الحكم، وبالأخص علاقات الضبط والمساءلة.

ويتباهى أحد أكثر أنساق الحكم فسادا، وبهتانا، بهيكل مؤسسى يشابه البنية المؤسسية لنسق الحكم الصالح الموصوفة أعلاه مع ضمان تعطيل هذه المؤسسات عن القيام بمهامها الأصيلة.

ومن أكثر أشكال فساد الحكم انتشاراً فى البلدان النامية تحور وظائف جهازى الجيش والشرطة، ونموهما سرطانياً، بحيث يصبحان أجهزة لحماية هيكل قوة قهرى، يسيطر على مقدرات المجتمع، ويهمّش الناس، أو يقمعهم عسفاً إن اقتضى الأمر. ويترتب عل ذلك أن تصبح هاتان المؤسستان أهم دعائم نسق فاسد للحكم، مهمتهما الأولى هى تأمين سدة الحكم، ولو أدى الأمر إلى ترويع المواطنين (أى النقيض التام للوظيفة المفترضة لهذين الجهازين فى نسق للحكم الصالح). بل قد يصل الأمر إلى أن تمارسا الحكم علناً، أو من وراء ستار- ولو رقيق. ويعود هذا الوضع المختل، فى الأساس، إلى قدرة الجيش والشرطة على القهر واسع النطاق، المنظم والفعال. وفى مثل هذه الحالات تقوم شبكة علاقات معقدة، يمتزج فيها الإغداق على الجيش والشرطة- شراء للولاء- بإحكام الرقابة على حركة هذه الأجهزة والعناصر النشطة داخلها، خوفاً من تمردها. وفى مثل هذه المجتمعات يتصف الجهازان بالكفاءة النسبية الناتجة عن توافر الموارد لهما من ناحية وعن أهميتهما الحرجة لحماية الحكم بينما تترك باقى الأجهزة الحكومية فريسة للإهمال والقلة الكفاءة. وتكون النتيجة أن تصبح الدولة "رخوة" فى رعاية مصالح المواطنين، بما فى ذلك السهر على أمنهم،على حين تكون غاية فى "الصلابة" عندما يتصل الأمر بأمن نظام الحكم,

ويستفحل شر هذا النوع من فساد الحكم عندما يستقر فى المجتمع أن العنف، وليس النشاط السياسى السلمى فى سياق من سيادة العدل والقانون، هو السبيل الفعال للتعبير عن أى جدول أعمال مجتمعى، خاصة إن كان يقوم على دفع مظالم شديدة. فى هذه الحالة يتحول المجتمع إلى ساحة صراع بين قوى عنف منظم متعددة، داخل هيكل السلطة وخارجها، يندى لها جبين "مجتمع" الغابة.

وفى نسق حكم فاسد تنتهك الحقوق والحريات الإنسانية دون خشية أو حياء، وبوجه خاص يضيّق الخناق على حريات التعبير والتنظيم بحيث تضعف المؤسسات المجتمعية التى تزدهر فى مناخ الحريات مثل وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدنى، خاصة الأحزاب والمنظمات الأهلية. بل يحدُث أحيانا أن تعكس هذه المؤسسات المجتمعية فى نظل نسق حكم فاسد سوءات هذا النسق الذى لا يعدم الوسائل لتشكيل هذه المنظمات المجتمعية على شاكلته، وإن ساعد مناخ الحكم الفاسد ذاته على تسرب صنوف من الفساد إلى المنظمات المجتمعية ذاتها.

ويترتب على فساد نسق الحكم كذلك استشراء الفساد (الاقتصادى والاجتماعى) بمعنى تخصيص الموارد، وهى نادرة فى البلدان النامية، وتوزيع الناتج فى المجتمع، وهو محدود، تبعاً لاعتبارات غير الكفاءة والصالح العام، مثل الحظوة من مصادر القوة كالسلطة والمال. وينشئ تفشى الفساد حلقة شريرة تعيق التنمية، وتزيد من فقر الفقراء، بسبب تفاقم سوء توزيع الدخل، والثروة، ومن ثم القوة فى المجتمع.

وينجم عن استشراء الفساد حلقة شريرة تعيق التنمية الإنسانية وتكرس الفقر بسبب تفاقم التفاوت فى توزيع الدخل و الثروة، ومن ثم، القوة فى المجتمع.

ويندر أن تفسد إحدى مؤسسات الحكم فساداً بيِّناً، لفترة طويلة، مع صلاح باقيها وقوة علاقات الضبط والمساءلة. وهذه هى الحكمة الأساسية لتعدد المؤسسات، ولدقة شبكة الضبط والمساءلة، فى نسق الحكم الصالح. بعبارة أخرى، فى نسق حكم فاسد عادة ما تفسد مؤسسات نسق الحكم كلها، وكذا علاقات الضبط والمساءلة بينها.

ولكن ما هى علاقة نسق الحكم، خاصة فى منظور صلاحه أو فساده، بمسألة التنمية الإنسانية، أو القضاء على الفقر؟


Search this site:

Click here for help on searching.