المرأة في مشروع الحداثة التونسي

* عبد الرزاق الحمامي
أستاذ الحضارة العربية الإسلامية
كلية الآداب ـ  منوبة ـ تونس

اقترنت مسألة تحرير المرأة في مشروع نخبة الإصلاح في القرن التاسع عشر بما لاحظه أولائك الرواد، من دور للمرأة في الغرب وعن طريق حوارهم المباشر مع بعض المثقفين الغربيين الذين حاولوا فهم المجتمع التونسي من خلال نظام الأسرة ومنزلة المرأة فيه، وكان الإطار الثقافي تتجاذبه نزعتان : سلفية وليبرالية إلى جانب التيارات الفكرية الفرنسية في تونس بعد انتصاب الحماية سنة 1881، والتي انقسمت إلى اتجاهين مختلفين : اتجاه ينادي بضرورة إدماج التونسية المسلمة في الحضارة الغربية لإصلاح حالها وآخر يرفض فكرة الإدماج تخوفا واحترازا من تطور التونسية إلى حد تصعب مراقبته.

كسر جدار الصمت... وبداية الجدل

أما أبرز القضايا التي تجادلت فيها النخبة فكانت تدور حول موضوعين أساسيين : التّعليم والسّفور. وإذا ما استثنينا رسالة الشيخ أحمد بن أبي الضياف (1856) التي ردّ فيها على أسئلة القنصل الفرنسي ليون روش أو رسالة الشيخ محمد السّنوسي (1897) "تفتق الأكمام عن حقوق المرأة في الإسلام" فإن معالجة مسألتي التّعليم والسّفور تمت على أعمدة الصّحف التونسية التي برزت في أواخر القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين ونذكر منها بالخصوص جريـدة الحـاضرة (1888 ـ 1911) وخير الـدين 1906 وكتابـات الشيخ عبد العزيز الثعالبي (روح التّحرر في القرآن) وقد اقترن الجدل مع ظهور كتابي أحمد أمين في مصر (تحرير المرأة والمرأة الجديدة) وتواصل مع تأسيس حركة الشباب التونسي 1907 وإلى نهاية الحرب العالمية الأولى.

فقد كان الثعالبي داعيا إلى وجوب تعليم المرأة وفقا لتعاليم السّنة النبوية وهو حق من حقوقها كما أثبت بالأدلة أن الحجاب مضرّ بها وبالمجتمع فيجب أن "تترك وجهها مكشوفا، إذ لا شيء يجبرها على البقاء محبوسة في بيتها ومحجوبة عن الأنظار ويجوز لها مثل المرأة الأوروبية الدخول والخروج لقضاء شؤونها دون أي خطر على المجتمع...

ولم يتردد أعضاء حركة الشباب التونسي في الدعوة إلى تعليم المرأة تعليما يتناسب مع هويتها ووطنيتها لا تعليما منسوخا عن البرامج الفرنسية لا يفيد المرأة التونسية في شيء، بل إن التعليم الفرنسي كان الغرض منه طمس الشخصية التونسية والقضاء عليها.

وهكذا، فإن قضية المرأة بقدر ما حركّت النخبة والساحة الثقافية بين أنصار التعليم والسّفور والخصوم، فإن دعاة التحرير لم يتجاوزوا الاعتدال واليقظة وظلوا متمسكين بضرورة المحافظة على الأسرة التونسية لأنها من أهم أركان القومية والوطنية في البلاد.

وبحكم ما شهدته تونس من تحولات سياسية واجتماعية فإن عدد المحظوظات اللاتي تعلمن تعليما عصريا كان محدودا خلافا لمن حصّلن درجة التعليم الابتدائي وأدركن مقارنة بالأوروبيات وضعهن المتردي واضطهاد الرجل لهن فالتعليم سواء كان عصريا أو تقليديا بثّ في المرأة التونسية قيم التحرر والمساواة وكرامة الإنسان وأثر كذلك في الرجال الذين تفتحوا على الثقافة العصرية من المدرسين أو العصاميين مثل الطاهر الحداد (1899 ـ 1935).

إن الجدل كان حادا في عشرينات القرن السابق حول خروج المرأة إلى الحياة العامّة أو السّفور والحجاب بين أنصار السّفور وخاصة من الاشتراكيين الفرنسيين ورجال الحزب الإصلاحي القريبين منهم وبقية النخبة. وكانت منوبية الورتاني المرأة التونسية المسلمة أثارت الجدل في الموضوع يوم 15 جانفي 1924 على منبر الجمعية الثقافية "الترقي" التي ينشطها الاشتراكيون وكان عنوان الندوة "مع او ضدّ الحركة النسوية" وقد تدخلت السيدة الورتاني مكشوفة الوجه وطالبت بتحرر المرأة من الحجاب وأنهت كلمتها ناقدة المثقفين : "عندما يحقق الأتراك نصرا اجتماعيا تسعدون هنا في تونس وتقيمون الأفراح فمن الأجدر أن تقتدوا بهم في ذلك". ومن هذه الحادثة اندلعت معركة السفور التي تواصلت إلى أواخر 1930. فبعد خمس سنوات تجرأت امرأة أخرى يوم 8 جانفي 1929 بالحديث سافرة الوجه وهي السيدة حبيبة المنشاري التابعة للفرع النسائي للحزب الاشتراكي الفرنسي في تونس وكان ذلك أيضا على منبر جمعية "الترقي" في أمسية بنفس العنوان السابق وقد تحدثت المنشاري عن الحالة النفسية للفتاة المسلمة وبينت تعاستها التي تدعو إلى الرثاء وكيف أنها تجبر على ارتداء الحجاب منذ الثانية عشرة من عمرها وتزوّج بعد ذلك من رجل يكبرها عادة وترغم على التحجب عند الخروج وتعيش حياة تتناقض مع مقتضيات الحضارة العصرية. وأكدت أن الحجاب ليس حاميا لعفّة المرأة المسلمة بل هو نقيض ذلك بل هو ليس من الإسلام في شيء.

ولعل كتاب الطاهر الحداد "إمرأتنا في الشريعة والمجتمع" الصادر سنة 1930 كان تتويجا للجدال ومنطلقا لجدال جديد بين المحافظين والمجددين، فهذا الكتاب يمثل تطور الفكر الإصلاحي في تونس ووعيه بقضية المرأة وأن إصلاحها سيؤدي إلى إصلاح كامل المجتمع.

ولد الطاهر الحداد سنة 1899 بحامة قابس (جنوب تونس) ونشأ في عائلة متواضعة وتحصل على شهادة التطويع من الزيتونة ودرس الحقوق مدة سنتين وانخرط في العمل الوطني منذ شبابه فهو من الشباب النشيط في الحزب الحر الدستوري منذ سنة 1920.

كان رفيق محمد علي، رائد العمل النقابي الوطني في تونس، واشترك معه في تكوين "جمعية التعاون الاقتصادي" في جوان 1924 وخاصة في تأسيس جامعة عموم العملة التونسية (ديسمبر 1924). اختلف مع قيادة الحزب الدستوري لموقفه المتخاذل من النقابة العمالية ومحاكمة النقابيين سنة 1925 وعدم جديتها في الدفاع عن القضية الوطنية وظل بقية حياته مناضلا بالقلم والفكر في سبيل خدمة التحرر الوطني والاجتماعي.

وتتلخص أهم أفكاره في إصلاح وضعية المرأة والأسرة في ما يلي :

ـ تقدم المجتمع مرتبط بتقدّم المرأة وتحرّرها من القيود، لذلك دعا إلى ضرورة تعليمها، فـ"نهضة المرأة التي هي نهضتنا جميعا".

ـ ميز بين مقاصد الشريعة الخالدة والجزئيات التي يضعها الشارع في شكل أحكام تتغير بتغير الأحوال مثل ما هو خاص بالعبيد والإماء وتعدد الزوجات ونحوهما.

ـ التدرج والنسخ وأسباب النزول مبادئ تدعم فكرة الحدّاد في التطور فالفقهاء كانوا متأثرين ببيئتهم وأحكامهم ليست نهائية في شأن المرأة بل هي قابلة للتغيير بتغير الظروف التاريخية.

لقد قسّم الحداد كتابه إلى قسمين رئيسيين : القسم الأول سمّاه التشريعي وتحدّث فيه عن المرأة في الشريعة الإسلامية بينما خصّص القسم الثاني لوصف الأوضاع التي كانت تعيشها المرأة التونسية في عصره. كان الحداد يدرك أن تغيير وضع المرأة والمجتمع يقتضي من بين ما يقتضيه تغيير العقليات حتى ينشأ لديها الاستعداد للعمل على ذلك التغيير ولقبوله. وهذا ما يدفع في نظره إلى إعادة صياغة رؤية جديدة لما يجب أن يكون عليه وضع المرأة ليكون أكثر وفاء للقيم الإسلامية الثابتة وانسجاما مع مقاصد الشريعة.

وقد نبّه إلى أن القهر المسلط على المرأة في عصره ليس ناتجا عن الدين بل هو من فعل التاريخ، وبعبارة أخرى إنه لم يكن من فعل الإسلام بل هو من فعل المسلمين ودليله على ذلك أن الدين منح المرأة حقوقا حرمها منها المسلمون اليوم. كما أن "الأحكام الشرعية" التي كان لها دور كبير في ما تعيشه المرأة من أوضاع مزرية ليست الأحكام التي قررها الله في كتابه وعبر عنها الرسول في سيرته قولا وفعلا. بل هي أحكام وضعها فقهاء خضعوا لظروف عصورهم ولأحوال بيئاتهم أكثر مما خضعوا لروح النص ولمقاصده الكبرى. وكانت صدى لاستعداداتهم الذهنية أكثر مما كانت استجابة لما رمى إليه المشرع من وراء تشريعها. وقد أشار الحداد في أكثر من موقع في كتابه إلى أن اختلاف الفقهاء في الكثير من الأحكام يعتبر دليلا قويا على أنها اجتهاد بشري أكثر مما هي حكم إلهي قاطع، فقد اختلفوا حول جواز إمامة المرأة للصلاة من عدمه وحول بعض أحكام الميراث وحول حكم تولي المرأة خطة القضاء وحكم تعدد الزوجات إلى غير ذلك من الأحكام.

اقتنع الحداد بأن إثبات البعد البشري في الأحكام المتعلقة بالمرأة تماما مثل إثبات البعد التاريخي الاجتماعي في الوضع الذي تعيشه يكفل تهيئة الأذهان لتقبل فكرة تغيير ذلك الوضع باتجاه تحقيق القيم التي تشدّ إليها تصورّه حول مسألة تحرير المرأة، وهي قيم شاركه فيها أغلب روّاد النهضة ممن عالجوا قضية المرأة والتنمية وخاصة في بعدها الاقتصادي" وهذه القيمة هي التي حرضت هؤلاء على الاهتمام "باقتناع معاصريهم بجدوى مشاركة المرأة مشاركة شاملة في الحياة العامة" وقد ذهب الحداد إلى أنه "ليس في نصوص القرآن ما يمنع المرأة من تولي أي عمل في الدولة أو المجتمع مهما كان هذا العمل عظيما" وقيمة "المساواة" التي دفعت روّاد النهضة وأنصار المرأة منهم تحديدا إلى الثورة على "تعدد الزوجات وعلى طرق إيقاع الطلاق دون اللجوء إلى المحاكم وعلى التفاوت بين الأبناء والبنات وما أشبه ذلك من مظاهر عدم المساواة في الحقوق المدنية وتولي مختلف الوظائف" وقد بدت أصداء هذه الأفكار في كتاب الحداد من خلال حملته على تعدد الزوجات ودعوته إلى تمكين المرأة من حقها في اختيار زوجها ومن خلال حملته على طرق إيقاع الطلاق ودعوته إلى إرجاع الأمر فيه إلى القضاء المختص وإلى تمكين المرأة هي الأخرى من الحق في طلب الطلاق. كما تظهر دعوته المتردّدة إلى المساواة بين البنين والبنات في التعليم وإلى فتح أبوابه أمام المرأة حتى تحرر عقلها من أوهام الخرافات التي سيطرت عليها طويلا.

أما القيمة الثالثة التي انبنى عليها تصوّر الحدّاد الإصلاحي حول وضع المرأة فهي "المحافظة على الذات" هذه القيمة هي التي جعلت الحدّاد وغيره من المصلحين "يشعرون بضرورة توخي المرحلية في تحسين أحوال المرأة من جهة" كما جعلتهم "غيورين على سلامة الأسرة من جهة ثانية" ونلمس أصداء هذه القيمة في دعوة الحداد إلى إنشاء روابط زوجية متكافئة تضمن جوّا مناسبا لتكوين أسرة سليمة تهيئ الإطار الملائم لإنشاء جيل ينهض بمهام تطوير المجتمع.

وقد أثارت أفكار الحداد حفيظة تيار من الفقهاء والمشايخ الذين كانوا يرون مصلحتهم في استمرار البنى التقليدية الموروثة واستقرارها، فأضفوا على هذا الموروث قداسة عندما برروه تبريرا دينيا وعندما صوروا وضع المرأة على أنه الوضع الممتثل للأحكام الدينية. وقد شّن هذا التيار المحافظ الحرب على الطاهر الحداد وجرّد من شهادته العلمية ومنع من اجتياز مناظرة في الحقوق واتهم بالكفر والإلحاد والزندقة وألفت في الرد عليه بعض الكتابات لعل أبرزها "الحِداد على امرأة الحداد" للشيخ محمد صالح بن مراد أو "سيف الحق على من لا يرى الحق" لعمر البرّي المدني وعاد الجدل حول المرأة وحقوقها بين المحافظين وأنصار الحداد ممهدا لمرحلة لاحقة ستتوفر فيها الأسباب الموضوعية لتحويل مشروع الحداد الإصلاحي إلى قانون.

نتاج السبق والريادة

إن "مجلة الأحوال الشخصية" الصادرة في 13 أوت 1956 كانت تتويجا لمسيرة تحرير المرأة. وقد بدأت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر مرورا بمختلف مواقف المصلحين مثل عبد العزيز الثعالبي والطاهر الحداد ولم يكن صدور هذه المجلة بمنأى عن تصور شامل لقيادة دولة الاستقلال للتقدم والنهوض حيث يعتبر التعليم ركنا أساسيا، فالأمر لم يقتصر على إصدار القوانين بقدر الاهتمام "بمعالجة الأسباب بتهيئة الأذهان وتغيير المفاهيم" (بورقيبة، خطب 1965 ج20 ص20).

إن مجلة الأحوال الشخصية حرّرها علماء لهم قدم راسخة في الحقوق وفقه القضاء أعادوا درس لائحة الأحوال الشخصية الصادرة سنة 1948 وتوصلوا إلى وضع لائحة جديدة في قالب قانون عصري يتماشى مع الزّمان ولا يتصادم مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف" وقد صدرت المجلة بعد مرور بضعة أشهر على الاستقلال مما يفسر صلتها بمشروع الحداثة الذي تبنته دولة الاستقلال، فقد كانت غاية تيار الحداثة تغيير هيكلة بنية المجتمع التقليدية بمراجعة العلاقة بين المرأة والرّجل من خلال العائلة وما يسيّرها من قوانين وممارسات يومية تفضي إلى تغيير جوهري للمجتمع بأسره وذلك بإعادة النظر في عديد الأحكام الفقهية على ضوء تطور التاريخ وفحص مدى مناسبتها للواقع الجديد، لو توقفنا عند حرفيتها، وقد كان الواقع يدعو على الأقل إلى مجرد المحافظة على المقاصد الكبرى للنصّ.

وإذا كان هاجس دولة الاستقلال البحث عن الجدوى وعن الأفضل فإن نزعة توفيقية تخللت مجلة الأحوال الشخصية رام واضعوها التقريب بين المذهبين الفقهيين المالكي والحنفي وانتقاء أشد المواقف استجابة للتشريع الحديث دون أن يكون الفقه مصدرا أو حدّا للمجلة وإنما كانت الغلبة للقانون. فأحكام المجلة استلهمت الدلالات الثقافية للفقه وأحكامه دون الفقه بالذات لأن هذه الدلالات وسائل تمت تجربتها في الماضي ميدانيا.

وباختصار فإن ما أقرته المجلة بشأن منع تعدد الزوجات واستندت فيه إلى معاني آيات القرآن واستحالة العدل بين مختلف الزوجات "وإن حرصنا" أو بشأن الطلاق وضرورة إجرائه في المحاكم أثار حفيظة كتلة التقليديين ودفعهم إلى المجادلة من جديد دون جدوى فالمجلة كانت محور عملية إصلاح القضاء وجوهر الإصلاح الاجتماعي في تونس بعد الاستقلال، وبدأ العمل فعليا بمقتضى أحكامها بداية من فاتح جانفي 1957 وقد خضعت على مر السنين إلى تنقيحات وإضافات اقتضاها الواقع العملي عند الممارسة وتطبيق الأحكام على القضايا.

لئن ساهمت مجلة الأحوال الشخصية بقسط وافر في إعادة صياغة المجتمع التونسي فإنها منحت المرأة فرصا للتعبير عن ذاتها وتحقيق المساواة مع الرجل في كل الميادين، فتعليم المرأة من ناحية وما تمتعت به من ضمانات قانونية من ناحية ثانية ساعدها على أن تكون عنصرا فاعلا في المجتمع يساهم في مشروع التنمية وتكون له رؤية فاحصة للواقع المحلي ولما يحدث في العالم.

وقد انعكس ذلك فعلا على استقرار المجتمع وتوازنه وتهيئة الأجيال لتحمل مسؤولياتهم  في إطار الاعتدال وتحكيم العقل والمنطق، ولم تشهد حركة تحرير المرأة تهديدا يذكر إلا في أواسط السبعينات وبداية الثمانينات بحكم ظروف محلية وأخرى عالمية فقد دعا اتباع التيار الأصولي إلى إلغاء أحكام مجلة الأحوال الشخصية ضمن خطاب ايديولوجي ـ سياسي لا علاقة له بالدين، تهدد أبعاده المجتمع المدني ومكتسباته. ولما جاء تحول السابع من نوفمبر 1987 بتفتح ديمقراطي حاول التيار الأصولي استغلاله لمعاودة الدعوة إلى التراجع عما حققته مجلة الأحوال الشخصية من مكتسبات لفائدة المرأة والمجتمع عموما، بدعوى تعارض أحكام المجلة مع أحكام الشريعة الإسلامية إلا أن المقاربة الحضارية التي تعاطت بواسطتها السلطة السياسية مع قضية تحرير المرأة وتمكينها من حقوقها بوصفها مواطنا قبل كل شيء، وفي علاقاتها بالديمقراطية، وبحقوق الإنسان، والتصور الشمولي الاستراتيجي في التعامل مع ظاهرة التيارات الدينية هما اللذان مكنا السلطة السياسية من معالجة الأمر بحكمة ودراية عندما فسحت المجال أمام المجتمع المدني بكل قواه الحية ليدافع عن مكتسباته حتى لا يظل الأمر كما لو كان مجرد صراع بين السلطة والتيار الديني، فظهر النقاش من جديد حول جملة من القضايا من بينها قضية المرأة بما أفرز موقفين رئيسيين : موقف عبرت عنه جبهة تتشكل من السلطة وقوى المجتمع المدني من أحزاب ومنظمات نقابية ـ مهنية ونسائية ثقافية وجمعيات غير حكومية، يعتبر مجلة الأحوال الشخصية مكسبا ثابتا لا يمكن التراجع فيه، بل يجب تدعيمه وتطويره باتجاه مزيد تكريس حقوق المرأة وتدعيمها حتى يتم إدماجها في المجتمع بوصفها مواطنا كامل الحقوق والواجبات، كما يدعو إلى تحييد الدين عن السياسة بما يكفل له مكانته بعيدا عن المزايدات السياسية. وموقف عبر عنه التيار  الديني ويدعو إلى مراجعة المجلة بما ينسجم مع أحكام الشريعة كما يتصورها هذا التيار، إلا أن هذا الموقف لم يلبث أن وجد معزولا في مواجهة موقف أغلبية قوى المجتمع المدني التي كانت تمضي نحو تحقيق أهدافها طبقا لما عبرت عنه وصاغته في "الميثاق الوطني" ولما التزمت به القيادة السياسية عندما أعلن رئيس الجمهورية في 19 مارس 1988 : "إن مجلة الأحوال الشخصية مكسب حضاري نحن أوفياء له وملتزمون به ونعتز ونفاخر به" وأنه "لا تراجع في ما حققته تونس لفائدة المرأة والأسرة ولا تفريط فيه".

المرأة في مشهد التغيير الشامل

تميزت المرحلة الجديدة التي بدأت مع تغيير السابع من نوفمبر 1987 في التعامل مع حركة تحرير المرأة بأنها شهدت انسجاما بين الفكرة والقانون. وقد تحقق هذا الانسجام عندما أصبح العمل يسير على خطين متوازيين ومتكاملين :

ـ خط التشريع بإصدار قوانين جديدة تتلافى نقائص المجلة وسائر المدونات القانونية وتسد ما يظهر أثناء الممارسة من ثغرات وقد أدى هذا الجهد إلى بناء قاعدة قانونية صلبة وثابتة، تعد بإجماع دولي فريدة من نوعها على المستويين العربي والإسلامي.

ـ خطّ التثقيف والتكوين ونشر القيم والأفكار التي تستند إليها التشريعات وذلك باعتماد استراتيجية تثقيفية تبدأ مع الطفل منذ مراحل تكوّنه الأولى عبر مراجعة برامج التعليم حتى تكون منسجمة مع ثقافة حقوق الإنسان التي تمثل حقوق المرأة جزءا لا يتجزأ منها وحتى يتم القضاء على كل ما من شأنه أن يكرّس صورة دونية للمرأة، وعبر جعل هذه المعايير من ثوابت العمل الثقافي والتربوي في كل المستويات والفضاءات وفي كل أجهزة الاتصال والنشر.

هذا إلى جانب خلق الهياكل والمؤسسات ذات الاختصاصات المتعددة التي تلتقي حول العمل من أجل تحقيق الأهداف الكبرى لمجلة الأحوال الشخصية ولما تبعها من قوانين مختلفة فضلا  عن الخطط الوطنية العديدة ذات الصلة بالمرأة والأسرة، وهي خطط أصبحت بفعلها هياكل الدولة في كل المستويات منخرطة انخراطا فعليا وفاعلا في هذا المشروع المجتمعي ـ الحضاري الجديد. وقد بلغت الهياكل والمؤسسات والجمعيات ذات الصلة بالمرأة حدّا من الكثرة والتنوّع بما مثّل تجربة مرموقة ومثالا يقتدى به في هذا المجال.

إن  العوامل المتقدمة جعلت التعامل مع حركة تحرير المرأة خاضعا لمقاربة حضارية يتكامل فيها الثقافي ـ الفكري مع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولئن كانت حركة تحرير المرأة قد انطلقت تاريخيا مع الفكر الإصلاحي في القرن التاسع عشر ثم تطورت عبر الجدل بين العلماء وبعض المثقفين الغربيين فإنها تبلورت على يد مواقف نسائية متفرّقة في العشرينات من القرن الماضي واقترنت بحركة التحرير الوطني لتجد سندا قويا من دولة الاستقلال وقد ظهرت على يدها مجلة الأحوال الشخصية وبلغت  ذروتها بعد تغيير السابع من نوفمبر، ذلك أن المتأمل في خطاب الرئيس زين العابدين بن علي المتعلق بالمرأة في مناسبات مختلفة يلاحظ اعترافه لها بالدور النضالي في معركة التحرير وبموقعها الريادي في مشروع البناء ومساندتها للنظام الجمهوري وبلوغها المساواة مع الرجل في الحقوق والواجبات. وقد أكد أن نفس هذه المعاني كرسها تغيير السابع  من نوفمبر حيث قال : "إن شعبنا بلغ من الوعي والنضج ما يسمح لكل أبنائه وفئاته بالمشاركة البنّاءة في تصريف شؤونه، في ظل نظام جمهوري يولي المؤسسات مكانتها، ويوفر أسباب الديمقراطية المسؤولة، على أساس سيادة الشعب كما نص عليها الدستور". (خطاب 13 أوت 1992).

إن المرأة التونسية لم تتردد في مساندة التغيير بل إنها كانت سندا للتغيير منذ اللحظة الأولى "ونحن نفخر بالمرأة التونسية، ونفخر بالأم التونسية، دعامة الأسرة وأساس توازنها... إن المرأة جزء لا يتجزأ من صورة تونس المشرقة" (خطاب 10 نوفمبر 1997) كما "إن المرأة التونسية دعامة ثابتة للتغيير، وقوة فاعلة نعوّل عليها لبناء المستقبل" (خطاب 20 أوت 1998).

ومثل هذا التأكيد لدور المرأة، وقيمتها في المجتمع يفسّر منزلتها في المنظومة العامة لتصور بن علي للتغيير الشامل، فلا قيمة لإصلاحات سياسية إن لم ترافقها إصلاحات اجتماعية ولا نجاح لأي مشروع من مشاريع التنمية إن لم تكن المرأة طرفا فيه، إنها "عنصر أساسي في بناء المجتمع وتطويره، وفي المحافظة على تماسكه وتقدمه. وهو كذلك مشاركة في تحقيق التنمية من خلال نهوضها بدورها كاملا في نطاق الأسرة وفي الحياة العامة" (زين العابدين بن علي، خطاب 6 مارس 1994).

إن التصور الشمولي لحقوق المرأة بعد السابع من نوفمبر لا يكتسب أبعاده الحقيقية إلا إذا نزلناه ضمن تصور أشمل هو حقوق الإنسان والمواطن وذلك ما حرص نص الميثاق الوطني على بيانه وتأكيده... فالميثاق انطلق من مبدإ إثبات هو مبدأ المساواة القانونية التامة على أساس المواطنة لا غير لنفهم من ذلك أن كل ما يتم إقراره لفائدة المواطن فإنما هو يشمل الرجال والنساء معا ولا يقصي أيا منهما، أما الربط بين حقوق المرأة، وحقوق الإنسان والمواطن فإنه يخرج القضية من الطرح النسوي الكلاسيكي المغلوط الذي درج على وضع حقوق المرأة في مواجهة حقوق الرجل، ولم يتفطن إلى أنه لا فصل بينهما بالمرة.

إن تدرج المرأة التونسية من التحرير إلى المساواة فالشراكة عبرت عنه المكاسب التي حققتها في ما بين 1956 و2001 في ظل المساواة بين الجنسين والتمتع بحقوق المواطنة وفق ديناميكية الديمقراطية والتنمية بناء على الأسس التي أرساها خطاب الرئيس بن علي باعتباره القاعدة الفكرية والإيديولوجية للبعد الحضاري الشامل الذي تنزلت فيه المسألة النسائية في عهد التغيير.

فبعد الإصلاحات التي أنجزتها دولة الاستقلال ومواقف الزعيم بورقيبة من المرأة ولعل أهمها إصدار مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، وبعد عشريات التحرر من كابوس الجهل وتعدد الولادات تبوأت المرأة في التسعينات دور الشريك الفاعل في حركة التغيير والإصلاح. فقد تجلّى بوضوح أن سياسة النهوض بالمرأة بوصفها شريكا في عملية التنمية وعنصرا أساسيا في المجتمع المدني، مثلت محورا من المحاور الأساسية لمشروع بن علي وتصوّره للمجتمع الجديد الذي حدّد ملامحه بيان السابع من نوفمبر. فبفضل الإرادة السياسية الثابتة والإجراءات المتوخاة لتكريس مبادئ حقوق الإنسان أصبحت الحقوق الأساسية للمرأة تستند إلى أرضية سياسية صلبة باعتبارها بعدا من أبعاد المجتمع المدني ودولة القانون والمؤسسات، وهو ما مكن المرأة من تدعيم حقوقها وتطوير أدوارها الاجتماعية وتحسين منزلتها في المجتمع.

إن التشريعات الخاصة بالمرأة في العشرية الأخيرة من القرن العشرين وما تبعها من حقوق ومكاسب في ظل مؤسسات تهدف إلى النهوض بالمرأة والأسرة تحتم عليها مزيد التجذر في مسيرة التنمية ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان لتكون طرفا واعيا إلى جانب الرجل يسهر على تحقيق الأهداف ويضمن للمجتمع استقراره وأمنه وتقدمه المطرد، ويجسم الأهداف العميقة للاختيار الحضاري الثابت لسياسة تونس، وقوامه ضمان كرامة المرأة وحقها في نحت ذاتها إذ "ليس ثمّة اليوم في تونس ما يمنع المرأة من تجديد انطلاقتها نحو ما تتيحه الحرية، من خلق كريم يسمو بالنفس وما تفضي إليه من فضائل، تعلو باكتسابها الذات البشرية" (خطاب 10 أوت 1995)، بل إن ما تحقق للمرأة من مكاسب في ظل المساواة والشراكة يحتّم عليها تحمّل المسؤولية" ونحن نعتقد أن المرأة التونسية وهي تستكمل حقوقها" مدعوة إلى تحمّل مسؤوليتها كاملة في بناء حاضر وطنها، والتأسيس لمستقبله، وذلك باقتحام كل قطاعات التنمية، وتأكيد وجودها الفاعل في كل ميادين الحياة وإثبات جدارتها بشرف الدور الموكول إليها" (خطاب 20 مارس 1995).

* لمزيد التوسع راجع : الرصيد القانوني لحقوق المرأة في تونس، منشورات الكريديف من 1956 إلى 1999 ج I1999 ج II، أوت 2001.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


comment@afkaronline.org