ثقافة ثقافة ثقافة

اعداد واشراف: د. وجدي كامل

مدخل

المحجوب.. القامة والمعنى

سوف نعود كثيراً للتحية والاعتراف. سوف نتعلم معني الالتفات والتمييز والتقييم لرموز حياتنا - سوف نبحث في المعاني الضائعة ولكن لابد من البدايات الصحيحة - البدايات المتواضعة لولوج تلك السيرة التي تضم اجمل ابناء هذا البلد الذين وهبوا ونذروا حياتهم للشأن العام. تواروا بحزن واحيانا بجلال. محمد احمد المحجوب احد الاسماء الكبيرة في حياتنا وتاريخنا الثقافي والسياسي الذي يمثل رصيداً موروثاً من الاعمال غير المبحوثة والمدروسة.

قامة ومعنى.. كان المحجوب في الديمقراطية والبحث للثقافة عن موقع في التفكير السياسي وتكوين الحركة السياسية على اساس يحترم العقل.

نحتفي بذكرى المحجوب في ذكرى رحيله السادسة والعشرين وهو الذي تميز عن العديد من أبناء جيله وتوازي مع محمود محمد طه وعبد الخالق المحجوب واسماعيل الازهري وعلي عبد الرحمن.. وغيرهم في فضيلة الكتابة والتوثيق للافكار والتجربة. (موت دنيا) (نحو الغد) (الديمقراطية في الميزان) (قصة قلب) (قلب وتجارب) (الفردوس المفقود) (مسبحتي ودني) تلك بعض اهداءاته للذاكرة الثقافية الوطنية وهي وغيرها من اسهامات تستحق النظر بعين الانتباه..

«الرأي العام الثقافي» تقرظ وتشيد بكل المحاولات التي يبذلها رهط كريم من المثقفين وجمع من مؤسسات المجتمع المدني لاعطاء المحجوب وامثاله من ابناء هذا البلد حقهم بالاعلام والتنوير لما قدموه وما يشكلوه من اهمية في الحاضر والمستقبل. هذا العدد من «الرأي العام الثقافي» والعدد الذي يليه سنخصصهما لبعض من انتاجات هذا الرجل الذي يستحق تكريماً بحجم الوطن وبعدد افراد هذا الشعب الذي احبه المحجوب ونذر له حياته.

فــــــي النــــــــقد

بقلم/ محمد أحمد محجوب

اذا اردت ان تدرس اي مؤلف دراسة وافية فابدأ بنقده وذلك بان تفحص كل اجزائه فحصاً دقيقا وتقدر كل ما يحتمله من المعاني وما يرمي إليه من الاغراض، وبعد ان تقف على أسمى ما يرمي إليه عن طريق الدرس المنظم فهناك انت قمين بأن تعقب عليه وتوضح ما غمض منه وتصلح ما اختل فيه وتنوه عما طاب وحسن. وليس النقد كما يتوهم الناس حطا من قدر المنقود وتشنيعا لسمعته وتدميراً لما بناه، ولكن النقد انصاف للمنقود وارشاد له لمعرفة نواحي الضعف في نفسه ونواحي القوة والاجادة، وكثيراً ما يساعد المنقود على التحسين في فنه وتدعيم بنائه وان ما نراه في مختلف انحاء الحياة من تقدم سريع وازدهار في المعيشة وتحسين في الازياء ما هو الا نتاج نقد الانسان للانسان، وما تاريخ الانسانية منذ العصر الحجري حتى عصر القوة والكهرباء سوى خطوات متتالية تدل على عدم اقتناع الانسان بما وصل إليه ونقده وتهذيبه لأخطائه. وهذا برهان على ان النقد تطلع الى المثل الاعلى ورفع لمستوى الحياة واكبار لما فيها من جلال.

للنقد مميزات لابد من توفرها في الناقد حتى يقوم بين الناس مقام الحكم الذي لا ينقض حكمه، وتصدر عنه الآراء المقبولة عن كل مؤلف مهما جل صاحبه في عين الجمهور، و هذه المميزات معرفة اكيدة دقيقة للفن الذي ينقده ومعرفة شاملة لمبادئ العلوم والفنون الاخرى ومقدرة في اللغة وفقهها وان يكون الناقد صاحب اسلوب متين وذا نظرات ثاقبة سديدة وذا ذوق سليم لا يكاد يخطئ فيما يراه وهذا الذوق السليم في نظرى الاساس الضروري لكل ناقد لان النقاد يقومون بين الناس مقام الفاحصين المرشدين يصفون خلاصة الذهن الانساني من الادران التي تلحق به مِن مَن لا دراية لهم بالذي يصفون ويرشدون الجمهور ليأخذ باللباب دون القشور حتى لا يضيع زمنه في قراءة كل ما تصدره المطابع فيختلط عليه النافع والضار ولايستطيع ان يصل الى غايته من القراءة والدرس.

والنقاد اناس وهبوا من الذوق اسلمه ومن العقل ارجحه ومن قوة الايمان والعزم وثبات المبدأ افضلها، ولولا ذلك لما زجوا بانفسهم في ميدان يحاسبون فيه النفوس اشد المحاسبة ويحاسبون بدورهم ويقعون في ألد العداوات الفكرية مع اناس قد يكونون اصدقاءهم وخلصاءهم في الحياة ولكن ليس في طوعهم ان يجاملوهم ويصفحوا عن اخطائهم لأن في ذلك تقصيراً عن واجبهم وخداعاً للجمهور الذي اسلمهم مقاليد الرأي وانقاد لهم وائتمنهم على حياته الفكرية التي هي اغلى ما تكون لدى الانسان المثقف.

يقولون ليس في النقد ابتكار إنما هو مناقشة لآراء سالفة وتعقيب عليها وقد يكون هذا صحيحاً اذا كان النقد من النوع الرخيص الذي لا يتعدى القول بإن الكاتب اجاد هنا واخطأ هناك دون اي تدعيم لهذه الاحكام ولا اي توضيح لاسبابها وحيثياتها ولكن النقد الصحيح القائم علي اساس المعرفة وعلى قصد الاصلاح في مختلف فنون الحياة والوان الآداب جدير بالابتكار وفيه مجال للخلق كأي ميدان آخر من ميادين الكتابة وذلك لان الادب قوامه الآراء الطريفة التي يتمخض عنها هاجبذة الكتاب، وهذا الآراء تحتاج الى تدعيم وتصحيح، وهذا بعينه عمل النقاد الذين يناقشون هذه الآراء مناقشة دقيقة ويضعونها تحت المشرط والميكروسكوب حتى يتبينوا ادق الاوعية الشعرية ويروا النواة الحية التي تتوقف عليها حياة خلايا الآراء، فاذا كانت النواة الحية خالية من الامراض والعيوب التي تعوق نموها مرر الناقد الآراء واعطاها جواز البقاء في مملكة الفكر المترامية الاطراف والا قضي عليها قبل ان تتسرب إلى الاذهان وتؤذيها. وان مناقشة هذه الآراء كثيراً ما تبعث في الذهن آراء مخالفة لتلك الآراء وكثيراً ما تقفز بالذهن الى ميدان غير ذلك الميدان فيفكر ويستنتج ويخرج بالطريق الحسن من الآراء، ويضيف بذلك إلى خزانة العرفان العالمية ما لم تكن تحلم به لولا تعرض الناقد إلى مناقشة آراء غيره من الكتاب. ومن هنا يتضح لنا ان للنقد نصيبه من الابتكار وهو جدير بالاجلال من معشر الادباء.

وان هذه الحياة المعقدة السبل والتي يحيطها غطاء كثيف من الرياء والخداع ويهيمن عليها كابوس من الابهام والغموض تحتاج الى عين سديدة تعرف منعرجاتها وتخترق غطاءها وتكشف كابوسها حتى تبين حقيقتها للناس، وهذه العين هي الاديب. ولا يكون الاديب صاحب مقدرة كهذه الا اذا كان ذا خبرة بالنقد يميز بين صادق الوان الحياة وزائفها. واذا كان الاديب ناقدا دقيقا حريصا فهو اذاً قادر علي تخير احسن ما في الحياة مادة لادبه، ليكون فيه طعام دسم تجد فيه العقول انفع الغذاء، ويكون فيه حمال تجد فيه الاذواق اقصى مناها. واذا كان الاديب في ذاته ناقداً فهو الذي ينقد فنه اكثر من سواه، يراعي فيه دقة التصوير والايضاح، ولا يفصح عن رأى الا اذا اقتنع بصحته، ولا يضع لفظة الا اذا قدر كل ما يصح ان تحتمله من المعاني، ولذلك تجد النقاد من الادباء احرص الناس في تعابيرهم وذلك ليأمنوا غزوات الثائرين وانتقام الموتورين.

يعتقد بعض المتعسفين ان النقد وجهة نظر فردية ولاتستحق اي اعتبار لانها تصدر عن شخص لايمتاز عن المنقود في شئ، ويحتمل الخطأ في رأيه كما ادعي هو خطأ في راي المنقود، وهذا الاعتقاد غير صحيح لما فيه من الغلو الشديد لان الناقد مفروض فيه النزاهة وكثرة التحرى عن الأمور والتروي فيها قبل ان يبدى رأيا او يصدر حكما وهو لا ينطق عن هوى انما يبحث عن الحق يعززه اينما وجده، ويبحث عن الباطل ويسحقه، وليس ذلك تبعا لوجهة نظره الشخصية ولكن تبعاً لوجهة نظر الاغلبية من رجالات الادب لان للادب مقاييس بت فيها ولاتقبل الجدل والتمحل، وعدم توفرها عند اي كاتب او شاعر يعد نقصا يعاب عليه والنقاد هم الرقباء الذين يحرسون الادب من اخطاء الجهلاء ومعميات الدجاجلة وهم الذين ينطقون بالحق ويصدرون احكام البراءة والادانة نيابة عن جمهرة القراء ولذا لابد من ان يؤبه برأيهم ويجل حتى لا تذهب جهودهم سدى ويحرموا من اقل انواع الجزاء.

والنقد بما فيه من روح العدالة والانصاف يبين أعلى التيارات الفكرية في الجيل ويشرحها ويحميها ويجعلها قمينة بالبقاء لانها تحمل جواز المرور من جماعة النقاد. وان هذه التيارات الفكرية لاتستطيع المضى في طريقها إلا اذا ازيلت منها تلال الجمود والمحافظة وجبال الاخطاء التي تراكمت وتحجرت من عشرات الادعياء من الكتاب بمرور الزمن، والنقاد هم الذين يزيلون تلك العراقيل بعد ان يستعملوا المعول والفأس في تحطيم هذه الجبال العتيدة وان كانوا اقوياء سلطوا عليها دنميت الفكر ليقضى عليها من اسسها وبذلك تستطيع التيارات الفكرية ان تنحدر وتسترسل ويتسع مجراها فتنمي كثيراً من العقول وتهذب كثيراً من النفوس فتسفر هذه بدورها عن تيارات اخرى تعمل لتجد سبيلها وتؤدى وظيفتها وهكذا يستمر مدد الفكر الانساني.

وظيفة الناقد التخير والانتقاء، وذلك ان يبحث عن عناصر الجمال والقوة في اعمال الادباء والفنانين ويفيض عليها من روحه وسلطانه ما يضمن لهما البقاء والخلود لاجيال متتالية وان يقضى على كل خطأ قبيح ويلحده قبل ان يتمكن من النفوس ويؤثر فيها وذي الاذواق السليمة بما فيه من سماحة، وعلي هذه الطريقة يهئ الناقد الفرصة لكل جميل صحيح ان ينمو ويزدهر ويحل مكان القبيح الفاسد الذي يمتص من جمال الآداب كما تمتص الطفيليات عصير النباتات وتعوق نموها. ووظيفة الناقد ان يصلح من الامزجة السقيمة أو يقضى عليها ويتكفل الامزجة السليمة ويهئ لها سبيل التقدم والبقاء وان ينبه المؤلف الي مواطن ضعفه ليقويها والى مواطن قوته لينميها واري من حق الناقد ان يثور ويصب جام غضبه اذا عثر على خطأ تمادي فيه اصحابه والايتسامح حتى لايتأصل هذا الخطأ في النفوس ويصعب الشفاء منه.

وسنة الطبيعة في تخليد النماذج وحفظ النوع هي احسن السبل التي يمكن ان يتخذها الناقد ليحفظ احسن براعات الادباء واقواها. والطبيعة لاتخلد إلا ما كان قويا في نوعه قادراً على احتمال النزاع المستمر بين مختلف المخلفات ذات التطلع الدائم نحو الكمال الذي لا حد له لان في تمامه انتهاء للحياة وما معنى الحياة اذا فقد هذا النزاع وانتهي هذا العراك وما الحياة سوى حركة ونشاط؟ وان الافراد لايبلغ احدهم درجة من سلم الرقي إلا اذا اخر عشرات وسحق عشرات من المنافسين حتي يصل الى بغيته. وهذه المخلوقات لايبقى القوى منها إلا ما يراه معززا لبقائه، وعلي هذه الطريقة تتوصل الطبيعة الى حفظ النماذج.

واذا تقصينا تاريخ الفلسطفة رأينا ان كل مذهب جديد لايقوم إلا بعد مناقشة ما سبقه من المذاهب وتحطيم ما لايصلح منه للبقاء واثبات ما يصلح منه ان يتخذ نقطة ابتداء للمذهب الجديد أو ما يصلح ان يماشي آراءه ومبادئه، وهذا الهدم والبناء هو الذي جعل عشرات من الفلسفات تباد وتنسى ولا يبقى منها سوى اسمائها وهو الذي جعل الآراء الكبرى التي تمت الى صميم الحياة تبقى على مر الدهور معززة مكرمة وصارت ذخراً للانسانية تمونها في عصور المجاعات الفكرية وهذه الطريقة هي التي جعلت النماذج الصالحة من الفلسفات محفوظة باقية.

والنقد في الادب خلاصية هاتين الطريقتين لانه لايرى لشئ سوي تخليد النماذج الصالحة من عصارات الذهن الانساني ولابد للناقد من غرض يرمي له وإلا ما له وهذا العناء! وغرضه بلاشك انصاف الحق وحفظ البراعات من الضياع بين ادران الكتاب الذين لاحد لهم ولاعد وكل من يخط منهم مقالا عد نفسه اديبا وطالب الناس ان يوفروا له كل ما للادباء من حق بين قومهم.

والآن مادمنا نحن في اول نهضة فكرية يكثر فيها الادعاء ويزج كل احد نفسه في حظائر لم يخلق لها لابد لنا من نقاد قديرين يلقون على الشعب دروسا في مقاييس الادب الصحيح ويعينون الافكار الصحيحة على البقاء ويحطمون الادعاء والنفايات من خفافيش الادب حتى يبين الصحيح من الزائف ويعلو الحق وان كره المنافقون.

متابعــــــات ثقافيـــــــة

المحجوب.. زمانه وآثاره

تكونت لجنة قومية برئاسة الدكتور عبد الحليم محمد لاحياء ذكرى محمد احمد المحجوب بمناسبة مرور ربع قرن على رحيله تحت شعار:( المحجوب زمانه واثاره). وتتشكل اللجنة من عدد كبير من الاعضاء الذين يمثلون كافة الوان الطيب السياسي والاجتماعي والثقافي بالبلاد.

وبرنامج احياء ذكرى المحجوب الذي سوف تبدأ فعالياته في 11/5 من الشهر القادم عبارة عن ندوات علمية تقوم برعايتها واستضافتها جامعة الاحفاد للبنات بامدرمان حيث ستقدم فيها مجموعة البحوث واوراق حول حياة واسهامات المحجوب، هذا ويتوقع ان يشمل البرنامج المعد على التالي:

اليوم الاول - جلسة افتتاحية تُقدم فيها ورقتان: الاولى بعنوان «المحجوب والنقد الادبي» اعدها البروفسير عز الدين الامين. الورقة الثانية ستكون تحت مسمى «محمد أحمد المحجوب وشعراء جيله» تقديم الدكتور محمد الواثق.

اليوم الثاني - الورقة الاولى «المحجوب والحركة الاستقلالية» يقدمها البروفسير محمد ابراهيم ابو سليم

الورقة الثانية: «المحجوب رجل الدولة» يقدمها الدكتور عطا البطحاني

اليوم الثالث: الورقة الاولى - «المحجوب والسياسة الخارجية» ويقدمها السفير مصطفى مدني أبشر.

الورقة الثانية «المحجوب معارضاً في الجمعية التشريعية والبرلمان الاول» تقدمها الدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه

اليوم الرابع: «المحجوب والقانون» كتبها البروفسير محمد ابراهيم خليل ويقدمها منيباً عنه الاستاذ عبد الحليم الطاهر - المحامي

ويختتم البرنامج بمهرجان المحجوب وهو عبارة عن نشيد المحجوب الذي يقدمه كورال جامعة الاحفاد، كما ستُقدم فيه عدد من الاغنيات من شعر المحجوب لنخبة من المغنين السودانيين وعلى رأسهم الاستاذ الفنان عبد الكريم الكابلي.

محمد أحمد محجوب .. لمحات من سيرته واعمال

(1908 ـ 1976)

ولد بمدينة الدويم (17 مايو 1908)، ونشأ في كنف خاله محمد عبدالحليم، وكان جده لامه عبدالحليم مساعد، الساعد الايمن لاحد ابرز قواد الحركة المهدية عبدالرحمن النجومي.. وقد استشهدا معا في واقعة توشكي.

دخل الخلوة فالكتاب بالدويم ثم تدرج منها الى مدرسة أم درمان الوسطي واكمل تعليمه بكلية غردون التذكارية حيث تخرج منها مهندسا (1929م) ولم يكن ينقطع عن القرية طوال سني دراسته، ويفلح الارض.. ويجهد نفسه في ذلك حتى لا يسخر منه اقرانه الريفيون كما اورد في كتابه «موت دنيا».

التحق بمصلحة الاشغال مهندساً عقب تخرجه مباشرة براتب قدره 13 جنيها شهرياً وعمل بمدينة الخرطوم، وهو وان اوضح ملف خدمته مهارته ودقته في العمل وثناء رؤسائه عليه كمهندس، الا انه لم يشعر انه كان يحقق ذاته في هذا المجال، وملاحاته «لابن خاله عبدالحليم محمد» كطبيب تنبئ ان استعداده الفطري كان يشده للدراسات الانسانية وللجانب الادبي منها على وجه ادق. فقد برز كشاعر وكاتب ثم سياسي بعد ذلك.

دفعه هاجس الدراسات الانسانية الى تغيير مسار حياته العملية عندما التحق بكلية القانون عند انشائها (1936م) وتخرج منها وزملاؤه الاقلاء كأول دفعة (1938).. والتحق بالقضاء وظل به الى عام (1946) وتركه للمحاماة حتى يستطيع ان يعمل في حرية اوسع بالسياسة التي هي الركيزة الثانية في حياة المحجوب.

حثه علي ترك القضاء انعطافه للتبشير باراء «مؤتمر الخريجين» التي كانت لا تنى تطالب الانجليز بالحقوق الاساسية للسودانيين وكانت تجربته كقاض في شندي 1943م ثم عطبرة والابيض تنم عن عسير المزاوجة بين القضاء ورفع لواء «المؤتمر» فانحاز للمؤتمر.

نصع المحجوب كسياسي في فترة الاستقلال (زعيم معارضة، ووزير خارجية ثم رئيسا للوزراء عن حزب الامة) غير انه يبدو ان الحقبة الممتدة من (1927 الى 1937).. كانت من أهم فترات حياته اذ تبلورت فيها شخصيته الادبية والفكرية وتحددت فيها معالم آرائه السياسية وشهدت هذه الفترة كتاباته الثرة في شتيت ضروب الادب، والاجتماع والجمال والسياسة.

بدأ الكتابة في «حضارة السودان».. (1927) وتوالى هذا في مجلة «النهضة» عام (1931م) ثم صارت كتاباته اكثر نضوجاً وتنوعا في مجلة الفجر (32 ـ 1937) والنظرة العجلى لهذه المقالات توضح ان جلها كان يحتقب: الادب، علم الجمال، الاجتماع فالسياسة، ومعظم هذه المقالات ظهرت في شكل كتب في فترة لاحقة..

قد تتباين آراء الاجيال المتلاحقة في تقويم تلك المقالات، لكن لامراء انها تضعه في طليعة كتاب عصره، تقرنه بمذهب العقاد التجديدي في الادب وتشهد له بالنظرة المستقبلية الثاقبة.. أهم من ذلك انها تظهر اعتداده المبكر بالنفس واستقلاله بالرأى، ولعل جنوحه السياسي لاستقلال السودان (بازاء فكرة الاتحاد مع مصر) يرجع جزئيا لاستقلاله هو بالرأى في هذه الفترة من حياته.

لايبدو ان منصب وزير الخارجية الذي تقلده لاول مرة (1956) كان غريبا على المحجوب، ولا هو يغريب علي الباحث في سيرته، فقد كان في وفد الجبهة الاستقلاقية الذي اتجه للامم المتحدة (1946) يدعو لاستقلال السودان.. ثم هو بعد ذلك في لندن يكون «رابطة عصبة الشعوب الملونة» (46 ـ 1947) مع كوامي نكروما وجومو كنياتا، ولفيف من الملونين من جنوب افريقيا وجزر الهند الغربية.

حياة المحجوب السياسية مثيرة للجدل، على كل حال، وذلك لحدة المواضيع التي كانت تطرأ علي الخارطة السياسية للسودان، ولالتباس المحجوب كسياس بتلك الموضوعات قبل أو بعد استقلال السودان. سواء تمثل ذلك في دخوله الجمعية التشريعية ثم استقالته منها (1950) عندما رأى عدم جدواها، أو التباسه بالمواضيع الملتهبة التي كانت تنتسج السودان ومن ثم البرلمانات التي تعاقبت بعد الاستقلال كقضية الجنوب، ثورة اكتوبر 1964م، اشكال طرد نواب الحزب الشيوعي، الدستور الاسلامي، انشقاق حزب الأمة، وخلاف ذلك مما اورث التوتر الذي تتباين حوله الآراء لكن لا مشاحة ان له ادواره السياسية التي سترتبط باسمه الى ان يفني الزمن كمخاطبته الامم المتحدة بتكليف من العرب قاطبة بعد عدواني (1956 ـ 1967) وانعقاد مؤتمر القمة العربي صاحب اللاءات الثلاث بالخرطوم ابان توليه رئاسة الوزراء.. (1967م) واجتماع الملك فيصل والرئيس جمال عبدالناصر في منزله (اغسطس 1967م).. وما تمخض عن ذلك من حل مشكلة اليمن الشمالي، ومسعاه البين عند اندلاع الحرب الاهلية النيجيرية والتي انتهت باعادة توحيد نيجيريا كما كان يأمل.. وقد شهدت له أروقة الامم المتحدة ومنظمة الدول الافريقية في هذا وذاك بارع الدبلوماسية، والاجادة المذهلة للغتين العربية والانجليزية..

ما ذكر آنفاً عن الاعتلاق السياسي، لا ينبغي ان يطغي على الذات الشاعرة في المحجوب الذي استهواه الجمال، فوهب الجمال دواوينه «قلب وتجارب». مسبحتي ودني «الفردوس المفقود» والديوان الاخير الذي اثارت فيه ذكريات الاندلس كامن اشجانه، عندما زار اسبانيا يبرز المنهاج الذي كان عليه المحجوب طيلة عمره التيار الاسلامي العربي الذي كانت تنبثق عنه جميع اعماله ومواقفه.

وقد كان يرتاد آفاق المستقبل بحس شعرى ثاقب بلغ مداه في بيته.

هذا زمانك يامهازل فامرحي

قد عد كلب الصيد في الفرسان

اذ بلغت المهازل قمة مرحها عندما اعتقلته كلاب الصيد وسجن في فترة الدكتاتورية الاولى (58 ـ 1964) وعاودته كلاب الصيد في فترة الدكتاتورية الثانية (69 ـ 1985).. وحددت اقامته في منزله تحديدا منع معه من تشييع جثمان صديقه وغريمه السياسي الرئيس اسماعيل الازهري.. اكره علي المنفي في انجلترا.. ورجعت النفس المطمئنة الى بارئها (الثلاثاء 22/6/1976م).

اعماله الفكرية والادبية:

قدم عنه الباحث «كمال الدين محمد».. رسالة ما جستير بعنوان «محمد أحمد محجوب، اديباَ» اجازتها جامعه الازهر (1982م).. وكذلك «محمد عمر موسى علي» رسالة دبلوم بعنوان «محمد أحمد محجوب: لمحات من حياته السياسية» معهد الدراسات الافريقية، جامعة الخرطوم (ابريل 1983م» غير ان انتاجه الفكري والادبي مازال بحاجة للدراسة المتأنية الشاملة.

اما اعماله التي صدرت:

أ) الاعمال الفكرية:

1/ الحركة الفكرية في السودان الى اين تتجه؟.... الخرطوم 1941م.

2/ الحكومة المحلية في السودان.. القاهرة 1945م.

3/ موت دنيا (بالاشتراك مع عبدالحليم محمد)... القاهرة 1946م.

4/ نحو الغد.... الخرطوم 1970م.

5/ وظهرت له باللغة الانجليزية: DEMOCRACY ON TRIAL

(الديمقراطية تحت المحاكمة) لندن 1974م.

ب) دواوين شعر:

1/ قصة قلب .... بيروت 1961م.

2/ (قلب وتجارب)... بيروت 1964م.

3/ (الفردوس المفقود)... بيروت 1969م.

4/ مسبحتي ودني.... القاهرة 1972م.

ج) هذا عدا المقالات والخطب المتعددة داخل البرلمانات السودانية المتعاقبة أو في اروقة الامم المتحدة ومنظمة الدول الافريقية..

محمد الواثق / رئيس قسم اللغة العربية

كلية الآداب

جامعة الخرطوم

11/6/1986م

الحب

شعر/ محمد أحمد محجوب

هَلْ تذكرين اللَّيْلَ في «حُلُم»

والغُصْنُ مَيَّاداً أُطَوِّقُهُ

وَيَبُوحُ عِطْرُكِ بِالْمُنَى سَحَراً

أمْ تَذْكُرِينَ اللَّيْلَ نَزْحَمُهُ

والنَّاسُ يطْويهمْ وَيَنْشُرُهُمْ

تَتَمَازجُ الأَرْوَاحُ واِجف

ونُجُومُهُ السَّكْرَى مُعَلَّقَةٌ

لَيْلٌ أَوَاخِرُهُ كَأَوَّلِهِ

والسَّامِرُون يَكَادُ يُفْزِعُهُمْ

إنِّى لأَذْكُرُ كُلَّ خَافِيَةٍ

ذِكْرًى أُقَدِْسُها وأَلْثُمُها

وحَسَدْتُ أَمْسى حين ودعني

ورضيتُ بالذكرى اجدِّدُها

واليوْمَ عُدْت فعاد ريقُهًا

فكأَنَّ أَمْسى حاضرى وغَدِى

بُوركْتَ يَا أَمْسى تُوَاكبُني

وَالْقَلْبُ يخْفقُ خفْقَةَ الأَلَم

أَخْشى عليه تكسُّرَ النَّعمِ

ويبُوحُ شِعْرِى بالهوى العَرِمِ

بحديثنا همْساً فماً لِفَم

ليلٌ حبِيسٌ سابغُ النِّعَمِ

وَوِصَالُهُ الْمَمْدُودُ كَاللَّممِ

وَالْفَجْرُ يرْمُقُها من الْقِمَمِ

طِفْلٌ غرِيرٌ غَيْرُ مُنْفَطِمِ

ضوْءُ الصَّبَاحِ مَخَافَة النَّدَمِ

طافتْ بقلْبِى ـ قَلْبِكِ الشَّبِم

وعبيرُها يزْكُو مَعَ الْقِدمِ

ورَثَيْتُ يوْمِى كاذِبَ الحُلُمِ

أَبْقَى عَلَى الأَيَّام مِنْ كلمي

ورُوى الشَّبَابِ تَلُوحُ مِنْ أَمَمِ

وَمَواكِبُ الأَيَّامِ كَالْعَدمِ

وَغَدِى تأَلَّقَ مُتْرَعَ الدِّيَمِ

إلى الشاعر الباكي

إلى الشاعر توفيق أحمد تعليقاً على قصيدته «الشاعر الباكي»

يا شاعراً يَبكي ومجدُك آتِ

إني ليُسكرني قصيدُكَ مُرْسَلاً

وَيُعيدُ في نفسي مَريرَ شكاتها

أرْسَلْتَ دمعاً من فؤادك فائضاً

ورسمتَ آلاماً تَنُوءُ بِثقْلها

وذكرت إخواناً تفرَّقَ شَمْلُهُمْ

والنَّاسُ إنْ عصفتْ بِجمْعِهم النَّوى

يا ليت اياماً تُشيدُ بذِكْرها

وإذا تعسَّرَ في الحياة وُجُودُها

ولها بشعرك في النُّفُوس تجدُّدٌ

لا تحسبِ العَلْياءَ سَهْلاً نيْلُها

وإذا تَحَطَّمتِ الدُّمى من شاعِرٍ

ويفيضُ فيها مِنْ جمالٍ ساحرٍ

فاعدْ لمتحفِكَ الجميل جمالهُ

توفيقُ لا تيأسْ فإنَّكَ شاعرٌ

ويرى ضياءَ في الظلام يُنيرُهُ

والشعرون شقاؤُّهم وسُعُودُهُمْ

يتأثرونُ بما يراهُ خياُلُهم

وبكاؤهم طربٌ لقومٍ اصبحوا

ويرون اعراساً بِمَأُتم شاعرٍ

واتى بكلِّ خريدةٍ في شِعره

فإذا تحطَّمَ مِنْ بنائِكَ شامخٌ

وتقشَّعَت آمَالُ نفسك في العُلا

في كُلِّ بيت لوْ أَرَدْت وسيلةٌ

فدع البكاء وفي قصيدك وحدهُ

أسْقَيْتني كأساً مِنَ العَبَرَات

سَهّلاَ جَمِيلاً كالحياة مُواتٍ

نَغَمٌ تُؤلِّفُهُ مِنَ الزَّفرَاتٍ

فجرت دُمُوعُ الصَّحْب مُنْهمِرات

وَرَثَيْتَ آمَال الفوْاد العَاتِي

وَجَميل عهدٍ طيِّبِ النَْفحات

ذكروا اللقاء على رُبى الجنَّات

عادت وعدتُم بعْد طُول شَتَاتٍ

فَكفى خُلُودُ الذِّكْرِ في الخطرات

كَتَجَدُّدِ الأَمواج مُنْدَفِعَاتٍ

أَوْ أَنَّهَا تأُتِي مَعَ الرَّغَباتٍ

سيُعيدها المثالُ المثّالُ مُكْتَمِلاتٍ

ما يبعثُ الآمال بعد ممات

وأَعِدْ بربِّكَ صادق العزمات

يَحْيَا على الآلام والعثرات

إن كان ضوءُ الفجر ليس بآت

بيد الخيال وخاطف اللمحات

وخياُلُهم اضفى مِنَ المِرآة

يترنَّحونَ على صدى الانات

جَاشَتْ عواطفُهُ مِنَ النَّكبات

لِتقوم نادبة مع الخفرات

وقض عليك الدهرُ بالحسراتِ

فكفى قريضُك محكمُ الآيات

لخُلُود ذكرك في الزَّمان الآتي

افرغْ جُهُودك صادق النيَّاتِ

 

 

 

للأستفسار أو طلب معلومات يرجى مراسلتنا على العنوان التالى
info@rayaam.net

 

©جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع صحيفة الراي العام 2002
Copyright © 2001 AL RAYAAM NEWSPAPER. All rights reserved