الاحد 28 تموز 2002

 


 

هناك وهناك

كتاب الاوهام لبول اوستر

سلطة الاهل على الاولاد

صيف الحب

الحكاية الناقصة للأسرة الهاشمية

هجاس الموت والنسب والكتابة

تكثير الطبيعة

الجريان مع بردى

عن معيارية الأدب

نشيد المقانق

فيصلية الذكريات

الدليل

الملحق الثقافي

سلامتك

الاغتراب اللبناني


الصفحة الرئيسية

مساعدة

هــل يـعـطـــى أحــــفـاد الـشــــريــف حـســــيـن"إمـــــارة" الـعـــــراق؟

الحكاية الـناقـصة لـلأسرة الـهـــاشـمـية

خـالـد زيـادة

في 14 تموز الجاري تذكر  العرب مرور 44 سنة على سقوط الملكية في العراق. وفي اليوم نفسه اجتمع في لندن سبعون ضابطا عراقيا لمناقشة مستقبل العراق. واذ احيا العراق الذكرى بتعطيل الوزارات والمؤسسات الرسمية التي اغلقت ابوابها، وقد رفعت الزينة في الشوارع والساحات العامة إحياء للمناسبة، واذ كتبت صحيفة "الثورة" الناطقة باسم الحزب الحاكم في العراق: "ان قصة ثورة 14 تموز هي قصة كفاح شعب العراق من اجل الاستقلال التام والسيادة الوطنية الكاملة" (جريدة "الحياة" 15 تموز)، فإن مشاركة الامير الحسن بن طلال والامير علي بن الحسين، وهما المتحدران من الاسرة الهاشمية التي حكمت العراق، كان لافتا ومثيرا للشائعات حول دور مفترض للهاشميين في مستقبل العراق.

اجتماع للقمة بين المسؤولين في السعودية والعراق والأردن

مراسم تعيين حسين بن علي شريفاً على مكة

علي بن الحسين ملك الحجاز

الملك طلال الاول

غازي الاول ملك العراق

الأمير فيصل في بعلبك (من كتاب "لبنان القرن في صور").

يوقظ حضور الامير الحسن بن طلال، ولي عهد الاردن السابق، شقيق الملك حسين الراحل وحفيد الملك عبدالله، اول ملك على الاردن، ذكريات حول الادوار التي اضطلعت بها الاسرة الهاشمية من الابناء والاحفاد لشريف مكة حسين بن علي، امير مكة وملك الحجاز وقائد الثورة العربية الكبرى عام 1916 على الدولة العثمانية، وهو الحدث المفصلي والحاسم في تاريخ العرب الحديث. فإعلان الثورة العربية في وسط الحرب العالمية الاولى، وجه ضربة قاصمة الى الدولة العثمانية التي كان يحكمها ضباط "جمعية الاتحاد والترقي" المتحالفون مع المانيا ضد الحلفاء. وبانتصار الحلفاء في نهاية الحرب انهارت الدولة العثمانية، ومن انقاضها ولدت الجمهورية التركية التي قادها مصطفى كمال اتاتورك. اما العرب فكان امامهم ان يواصلوا الكفاح من اجل الحصول على الاستقلال بعد الوعود الكاذبة التي بذلها الانكليز للشريف حسين الذي قُدّر لابنائه واحفاده ان يؤدوا ادوارا في دول المشرق الناشئة. وقد اهدر الحبر الكثير حول هذه الادوار التي لُعبت في الحجاز وسوريا والاردن والعراق.

 

شريف يدعى حسين بن علي

يرتبط التاريخ الهاشمي الحديث بشخص الشريف حسين بن علي الذي يقول عنه المؤرخ العراقي علي الوردي انه "اشهر من تولى شرافة مكة في جميع العصور، فهو قد وصل بالشرافة الى القمة لكنها سرعان ما انهارت على يده. وهو فوق ذلك ذو اهمية كبرى في تاريخ العرب المعاصر وتاريخ القومية العربية". ولد الحسين بن علي في اسطنبول عام ،1853 التي عاد اليها منفيا، بسبب خلافات على منصب شريف مكة، عام 1893 مع ابنائه، وقد استقبله السلطان وعيّنه عضوا في مجلس شورى الدولة،. وبقي مع ابنائه في اسطنبول حتى الانقلاب الدستوري عام ،1908 اذ عُيّن شريفا على مكة فعاد الى الحجاز مع ابنائه ليؤدي دورا غير متوقع في السنوات التالية، جعله محط انظار العرب والعالم قبل ان تتهاوى سلطته ويعود لينهي حياته في المنفى.

يعود منصب الشرافة في مكة الى القرن العاشر الميلادي وقد اعترفت الدول الاسلامية المتعاقبة للهاشميين بالامارة على مكة حتى بدايات القرن العشرين. وحين عُيّن الحسين بن علي في المنصب، كان من المتوقع خضوعه للوالي التركي المقيم في المدينة المنورة. لكن الحسين لم يقنع بدوره الشريفي المحدود، فأظهر القوة في الحملة على الادريسي في عسير الذي اعلن الاستقلال عن الدولة العثمانية فحاربه باسمها، الامر الذي اثار شكوك الاتراك من تنامي قوته، مما انعكس على اضطراب علاقته مع الوالي التركي. في الوقت نفسه الذي استطاع الحسين ان يعرقل وصول خط الحجاز الحديد الى مكة، حرصاً على مصالح العشائر التي كان مورد رزقها يقوم على قوافل الحجيج الى مكة، وخوفاً من الخط الحديد الذي ييسر وصول القوات التركية العسكرية الى عقر داره.

لكن الامر غير المتوقع، والذي ابقاه طي الكتمان، كان المراسلات الشهيرة التي تبادلها مع مكماهون، المعتمد البريطاني في القاهرة. هذه المراسلات التي بدأت باتصالات عام 1914 وتواصلات من خلال الرسائل، تعني عقد نوع من الاتفاق بين الانكليز والشريف حسين، فاذ يعلن الشريف الثورة على الاتراك، فإن الانكليز يعدون باستقلال العرب عند نهاية الحرب.

في العاشر من حزيران ،1916 أعلن الحسين الثورة. بإطلاق الرصاص من شرفة دارته، وخلال أسابيع كانت له السيطرة على عدد من المواقع والمدن منها مكة والطائف وجدة.

لقد استغرق التمهيد والاعداد السرّيان لاعلان الثورة اشهراً طويلة، وذلك بمساعدة انكليزية، يسّرت انضمام الجنود والضباط العرب الذين كانوا في عداد الجيش العثماني ممن سقطوا أسرى في ايدي الانكليز، فخيّروهم بين الاسر او الانضمام الى الثورة. وكان العديد من الضباط العرب العراقيين والسوريين قد انشقوا عن الجيش العثماني بعدما دبّت فيهم الحمية العربية، بسبب نزعة التعصب التي اجتاحت الاتراك بعدما تسلمت "جمعية الاتحاد والترقي" السلطة في اسطنبول.

ولا شك في ان الشباب العربي من اعضاء الجمعيات العربية السرية مثل جمعية "العربية الفتاة" وجمعية "العهد"، قد وجدوا في قيادة الحسين بن علي للثورة ضالتهم، فكانوا يبحثون عن قائد وقد وجدوا في شريف مكة الشخصية المثالية لقيادة الثورة على الاتراك.

وبصفته أمير مكة، تمكن الشريف حسين الذي يتمتع بنفوذ سياسي ضئيل ان يكتسب النفوذ المعنوي الكبير، بأن جعل نفسه محط الاتصالات بين القوى المحلية ومراكز القرار الدولية، فكان رجال الدولة العثمانية يخطبون وده للوقوف الى جانبهم بينما قرر هو ان يتخذ القرار بالانضمام الى الحلفاء منقلباً على الدولة التي حضنته وعيّنته في منصبه.

ولم يكن القرار سهلاً لكن الظروف تضافرت فجعلته ممكناً. فمن جهة، كان الشباب العربي يضغط للاسراع في مثل هذا القرار، ومن جهة اخرى كان الانكليز في حاجة ماسة الى حليف من عيار شريف مكة لكسب الرأي العام المسلم والعربي ضد الدولة العثمانية. وأخيراً فإن اجراءات جمال باشا في سوريا قدمت الذريعة لاعلان الثورة.

 

ميراث الممالك

سلّم الشريف قيادة الجيوش لابنائه علي وعبدالله وفيصل، وبعد سلسلة من المناوشات والمعارك التي دوّت اخبارها في العالم، تقاطر الى مكة الكثير من رجالات العرب المتطلعين الى الاستقلال والذين بايعوا الحسين ملكاً على الحجاز في تشرين الاول ،1916 اما الانكليز - بحسب لورنس - فوجدوا في فيصل الشخصية المناسبة لقيادة الثورة العربية وخصوصاً انه يقود جيش الشمال الذي يتطلع للوصول الى سوريا. وكان فيصل يتمتع بخصال القيادة اكثر من شقيقيه الاكبر سناً، علي وعبدالله، واكثر من شقيقه زيد الذي كان لا يزال يافعاً. واستطاع فيصل ان يبلغ العقبة، متحالفاً مع قادة القبائل، مثل نوري الشعلان وعودة ابو تايه، وقد حقق انتصاراً مباغتاً - ينسبه لورنس الى نفسه - لفت القيادة الانكليزية في القاهرة، وفتح احتمال الانتصار في المعارك المقبلة في فلسطين.

في نهاية الحرب، تشرين الاول ،1918 دخلت الجيوش العربية دمشق، ودخلها فيصل قائداً منتصراً ودخلها الجنرال اللنبي في لحظة اضطراب هائلة. وكان على فيصل، الكريم النفس والمتردد والقليل الخبرة، ان يواجه عواصف السياسات الدولية حاملاً القضية العربية الى مؤتمر فرساي في نهاية عام ،1918 ليشرحها امام قادة العالم: ويلسون ولويد جورج وكليمنصو.

اكتشف الامير فيصل تعقيد السياسة الدولية ومصالحها، في وقت ساءت علاقته بوالده الذي كان يلاحقه مذكّراً اياه بوعود مكماهون بإقامة المملكة العربية. ولم يكن احد ليتذكر هذه الوعود، لا في مؤتمر الدول ولا في ردهات وزارتي الخارجية الانكليزية او الفرنسية. وكان فيصل يفاوض في اوروبا في الوقت الذي تزداد عليه ضغوط المتشددين في دمشق، وفي الوقت الذي كان مستعداً للقبول بالشروط الفرنسية، بعدما قررت انكلترا التنصل من كل وعودها وتسليم سوريا للفرنسيين، فقد أجبر على القبول بشروط المتشددين الذين اعلنوا استقلال سوريا واختاروه ملكاً على سوريا في 8 آذار 1920 في اليوم نفسه الذي اختار فيه العراقيون - في دمشق - الامير عبد الله ملكاً على العراق.

وقد جرّ عليه قبوله بملك سوريا توبيخ والده الذي كان فقد كل اتصال ومعرفة بالعالم الواقعي، وكان لا يزال يطالب الانكليز بالوفاء بوعدهم! اما فيصل فكان عليه ان يواجه نتائج قبوله هذا بفقدانه الحماية الانكليزية، فقد قرر الفرنسيون القضاء على المملكة الوليدة. وفي صباح 24 تموز بدأت القوات الفرنسية هجوماً شاملاً في الموقعة الشهيرة بميسلون التي سقط فيها وزير الدفاع يوسف العظمة، وما هي الا ساعات حتى سقطت اول مملكة عربية في العصر الحديث.

خرج الملك فيصل من دمشق في اليوم نفسه مبتعداً ومترقباً، لكن الضغط الفرنسي اجبره على مغادرة سوريا، فلم يشأ العودة الى الحجاز، بل توجه الى اوروبا. وبعد رحلة استغرقت اشهراً وصل الى لندن، حيث استقبل بعدما أُعدّ لدور جديد.

في الوقت الذي غادر فيصل الى اوروبا، كان شقيقه عبدالله قد تقدم الى جنوب سوريا (الاردن) حيث استقر مع جماعته ومقاتليه في عمان، وقد لجأ اليه بعض المنفيين من سوريا فمكثوا معه مترقبين.

وفي آذار 1921 حضر تشرشل الى القاهرة، وكان لاجتماعاته في القاهرة في حضور مندوبين من العراق وفلسطين، ان تقرر مصير الشرق الاوسط بما في ذلك اقامة دولة مستقلة شرق الاردن. وهكذا تقرر ان يكون عبدالله اميراً على امارة شرق الاردن وان يُعلن فيصل ملكاً على العراق، اما الحسين فكان في الحجاز يخسر مواقعه امام تقدم السعوديين.

إن عناد الحسين وجموده قد افقداه في نهاية المطاف ملكه على الحجاز. لقد ملّ الانكليز تعنته، ولم يكن يملك القدرة على مقاومة قوات عبد العزيز بن سعود. وفي وقت كانت مكة مشرفة على السقوط قبل الحسين بالتنازل لابنه علي الذي أعلن ملكاً بينما غادر الحسين الى جدة ومنها الى الاردن.

استغرق حكم الملك علي على الحجاز نحو خمسة عشر شهراً، انتهت بسيطرة عبد العزيز آل سعود على مدن الحجاز. اما الملك علي فغادر ليلتحق بشقيقه فيصل في بغداد. اما الحسين بن علي قائد الثورة العربية فمكث في العقبة ثمانية اشهر ثم اجبره الانكليز عام 1925 على مغادرتها الى قبرص فبقي فيها حتى اصيب بشلل عام ،1930 ثم نقل الى عمان التي توفي فيها عام .1931

كان الحسين الذي فقد حكم الحجاز، رأى ولديه، عبدالله اميراً على شرق الاردن (المملكة الاردنية الهاشمية 1946)، وفيصل ملكاً على العراق منذ مبايعته ملكاً في بغداد في ،1921 وحتى وفاته .1933

اصبح فيصل ملكاً على العراق بعدما أخمد الانكليز كل معارضة لتنصيب هاشمي على عرش بغداد. وقد استطاع مستعيناً بعشرات الضباط الذين كانوا معه اثناء الثورة وفي دمشق ان يبني دولة العراق الحديثة وجيشها الذي سيطيح الملكية عام .1958 وكان قد تمكن من توقيع صك الاستقلال مع انكلترا عام ،1930 لكنه توفي عن خمسين سنة عام 1933 في سويسرا وهو الذي كان يعاني هزال بنيته وضعفها فخلفه ابنه غازي وكان في الحادية والعشرين من العمر. وكان شاباً مدللاً يقود السيارات بسرعة فتوفي في حادث عام 1939 في السابعة والعشرين من العمر وسرت شائعات قوية حول مؤامرة استهدفت حياته! ولما كان ابنه فيصل الثاني المولود عام 1935 صغيراً فقد تسلّم العرش بالوصاية الامير عبد الاله بن علي، الذي عُرف برضوخه للسياسة الانكليزية وتشدده في الداخل، وقد انتهى الامر عام 1958 بالقضاء على رموز العهد الملكي: الملك فيصل الثاني البالغ من العمر ثلاثة وعشرين سنة، وعبد الاله ونوري السعيد والكثير من افراد الاسرة الهاشمية في العراق.

اما في الاردن فإن الملك عبدالله بن الحسين اغتيل عام 1951 فورثه ابنه طلال الذي لم يمكث سوى سنتين فخلع عن العرش ليتسلم مكانه ابنه الحسين بن طلال عام ،1953 وكان آنذاك في الثامنة عشرة من العمر. فبدا انه غير قادر على الاضطلاع بالمسؤولية وتعرض للعديد من محاولات الاغتيال والانقلاب لكنه صمد في كل المنعطفات الخطرة وخصوصاً بعد اعلان الوحدة بين مصر وسوريا وسقوط النظام الهاشمي في العراق وقد استمر الحسين في الملك حتى 1999 فخلفه ابنه الملك عبدالله الثاني.

 

عروبة ببصمات انكليزية

تلك سيرة مختصرة للاسرة الهاشمية من نسل الشريف حسين، قائد الثورة العربية وملك الحجاز الذي انجب ثلاثة ملوك: علي في الحجاز قبل السيطرة السعودية على كامل الجزيرة العربية، وفيصل في العراق، وعبدالله في الاردن.

وقد اضطلعت الاسرة بدور حاسم في تاريخ المشرق العربي، وأثارت الانتقادات العنيفة لصلات افرادها بالسياسة الانكليزية منذ مراسلات مكماهون عام 1915 مروراً بإنشاء دولتي العراق وشرق الاردن.

وكان للهاشميين الدور الحاسم في صياغة عروبة النصف الاول من القرن العشرين، فأولئك الذين تعاقبوا على ادارة دفة الدولة في كل من العراق والاردن وسوريا كانوا ممن شاركوا في الثورة العربية، وكانوا في دمشق من عام 1918 حتى .1920 لكن هذه العروبة المتحالفة مع الانكليز، وهذه الاسرة المتهمة بتهاونها مع المشروع الاسرائيلي، لم تستطع الصمود امام القومية العربية الراديكالية المنظمة في تيارات حزبية والتي وجدت صدى بين الضباط الشباب الذين انقلبوا على ابناء المدرسة الهاشمية. وفي وسط الخمسينات، مع توسع حزب البعث في سوريا والـعـراق وبـروز الـنـاصرية في مصر، كانت العروبة الراديكالية قد كرست جماهيريتها، فجاءت ثورة العراق عام 1958 إيذاناً بنهاية حقبة، وبداية حقبة جديدة من عمر العرب الحديث.

لكن الهاشميين استطاعوا الصمود في مملكة الاردن، وها هو الامير الحسن، الذي لم يُقدّر له ان يصبح ملكاً  على الاردن، بين الضباط العراقيين; وقد كان اسلافهم من ضباط العراق قد بايعوا جده عبدالله، مرة لعرش عراق عام ،1920 ثم عادوا وبايعوا شقيقه فيصل ثم انقلبوا على فيصل الثاني وقتلوه مع غالب افراد أسرته.

فـمـا الـذي سـيـفـعـلـه ضـبـاط الـعراق مرة اخرى؟.


 


PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help

Copyright © 2002 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.