"النهار"

الثلثاء 1 تشرين الاول 2002

آشــــوريــو الــــعـــــراق:

لماذا يضطهدنا... الأكراد ؟

آشور كيوراكيس

 

يرى الشعب العراقي عموماً انه آن الأوان للتخلص من نظام صدام حسين واستبداله بآخر يعيد العراق الى ازدهاره، ويتعامل مع شعبه بكل فئاته القومية والدينية بما يتفق مع الاعراف الدولية، فتكثفت اجتماعات فصائل المعارضة في الخارج، ولوحظت طروحات عدة من بعض الاخوة العراقيين في ظل السؤال الذي يطرح نفسه: اين موقع الآشوريين في الاجندا السياسية للمعارضة العراقية؟ من هنا، من الجدير التذكير مجدداً ومجدداً بالقومية الآشورية التي يمتد تاريخها الى آلاف السنين حيث عاش ابناؤها على ارضهم التاريخية "آشور" (عراق اليوم)، وتعرضوا عبر التاريخ للويلات والمجازر سواء بسبب انتمائهم الديني او القومي، ليتحقق في القرن العشرين لبعض الشعوب اكثر مما تستحقه بينما دفع الشعب الآشوري الثمن الاعلى نسبة الى عدده، ولم يحصل في المقابل الا على التهميش القومي والهجرة من ارضه التاريخية وسبب ذلك كله لم يبق الا حوالى المليون آشوري في ارضه، يشكلون القومية الثالثة من ناحية العدد وهم الجزء الاهم الذي تتعلق عليه اليوم آمال الآشوريين لترسيخ الوجود القومي الآشوري في آشور رغم كل الصعوبات المحيطة بهم.

وما يهم الآشوريين في الظروف الحالية، هو مصيرهم بعد آلاف السنين، كأقلية مرفوضة وكقومية امام التيارات المحيطة بهم كون من بقي منهم في العراق، اصبح مقسماً بين منطقتين تخضعان لنظامين مختلفين: عربي وكردي، وفي ما يسمى "كردستان العراق" وجد الآشوريون انفسهم قد تخلصوا من سياسة التعريب البغدادية ليواجهوا سياسة "التكريد". ومع نشاط حركة التيارات الاسلامية الكردية في ما يسمى "كردستان العراق"، وازدياد المشاكل بين الاسلاميين وغير الاسلاميين بعد دخول "الاسلام السياسي" الى آشور، اضافة الى اغتيال رجال الدين الآشوريين في بغداد(1) يتساءل المرء عن نوعية الاسباب التي تقف وراء كل ذلك، وعن الكارثة التي يمكن ان تنجم عن الفوضى التي ستعم العراق في حال بقيت مطالب اي فئة من الشعب العراقي طي الكتمان.

وقبل التطرق الى الحلول، لا بد من دعم الموضوع بسرد تاريخي بسيط لما للقضية الآشورية من خلفيات تاريخية تجعل الآشوريين دائماً على حذر من القوميات المحيطة بهم حتى اليوم (بكل صراحة)، خصوصاً مع استمرار الاضطهاد وعدم تقبل "قوى الامر الواقع" المسيطرة على الوطن الآشوري للمطالب الآشورية. فالنظام العراقي مثلاً، طالما تعامل مع الآشوريين على انهم مواطنون من الدرجة الثانية او غرباء عن العراق اضافة الى التصرفات الارهابية لاجبارهم على الهجرة كتدمير قراهم وكنائسهم التي تعود الى القرون الاولى للميلاد اضافة الى حملات اعتقالات واعدامات عرفية في كل المناطق العراقية ومنع استعمال عبارة "آشوري" في كل المجالات الاّ في الجامعات ضمن مادة التاريخ المعرّب (كونهم لم يستطيعوا ازالة الاسم الآشوري من التاريخ) واعتقال ذوي السياسيين الآشوريين المقيمين في الخارج وتعذيبهم في سجون بغداد لاجبار هؤلاء على العودة الى العراق وتسليم انفسهم، واعتقال اكثر من 500 آشوري عضو في لجنة دراسة الكتاب المقدّس عام .1978 وقد دفع الشعب الآشوري ثمناً كبيراً لسياسة صدام الخارجية لدى تورطه في حربه الضروس مع ايران حيث وصل عدد الضحايا الآشوريين في هذه الحرب الى حوالى 60 الفاً بين قتيل وأسير ومفقود. فقد قدمت بلدة "بغديدا": الآشورية (معروفة باسم "قرقوش") وحدها حوالى ستة آلاف شهيد.

وفي سياسة صدام الداخلية عانى الآشوريون من الويلات خلال حروبه مع الاكراد خصوصاً بعد الحرب العراقية - الايرانية حيث قرر معاقبة الاكراد لوقوفهم مع الايرانيين خلال الحرب، فنفذ عملية "الانفال" الشهيرة حيث دمّر عدداً كبيراً من القرى الآشورية، وسبب ذلك هجرة اكثر من 40 الف آشوري من قراهم مع الاكراد الى البلدان المجاورة، اما من بقوا في قراهم فقد تعرضوا للقتل والاختطاف، ومئات منهم ما زالوا في عداد المفقودين حتى الآن مع نسائهم وأطفالهم (اللوائح موجودة بالاسماء) وذلك انتقاماً منهم لكونهم رفضوا التسجيل في احصاءات 1987 في خانة "عربي" او "كردي"(2)...

ومع كل معركة يقع الآشوريون في حيرة من امرهم حيث يخافون الغضب الكردي في حال لم ينسحبوا مع الاكراد سيعتبرونهم "متعاملين مع صدام"، وفي المقابل يخافون غضب صدام في حال انسحبوا مع الاكراد كونه سيعتبرهم "متعاملين مع الاكراد"... كذلك تشرد عشرات الألوف اثر ضرب الاكراد عام .1991 وهكذا يدفع الشعب الآشوري دائماً ثمن حروب الغير على ارضه مع تعلق مصيره بصراع الغير، علماً ان احداً في العالم لم يلاحظ ذلك بل كان القتلى الآشوريون في كل الاحداث يعتبرون اما عرباً واما اكراداً كما اكد الآشوريون الذين قاموا بزيارة المشردين في تركيا عام .1991 وكل ذلك نتيجة البغدادي والكردي على الهوية الآشورية.  اثر اجتياح الكويت. تم تدمير القوى الحيوية لدولة العراق (الاقتصاد، الدفاع...) وذلك بسبب السياسة الغبية التي اتبعها صدام من جهة، والمخطط الاميركي - الاسرائيلي الذي يقضي بضرب القوى المهددة لاسرائيل في الشرق الاوسط من جهة اخرى، عندها استغل الاكراد ضعف النظام العراقي وأعلنوا نوعاً من الاستقلال في شمال العراق بمساعدة القوات الحليفة التي دمرت العراق، حيث تعرف منطقة الحكم الكردي الفوضوي بعبارة "اقليم كردستان" ويسيطر عليها الاكراد بادارة قبلية.

لقد جاورت القبائل الكردية الآشوريين منذ قرون طويلة، حيث يذكر المؤرخ الكردي الامير شرف خان البدليسي ان الاكراد قدموا الى المنطقة مع الطاغية تيمورلنك المغولي، وكان سكان المنطقة آنذاك يعرفون بعبارة "آسوري" (اي آشوري)... وقد قامت علاقات بين الطرفين لفترات متقطعة وخلال ذلك كان الآشوريون يتمتعون بكل مقومات الدولة بالمفهوم الحديث (الارض، السيادة، السكان) حتى المجزرة الكبرى في منتصف القرن التاسع عشر التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الآشوريين على يد الزعيم الكردي بدرخان، ثم مجازر الحرب العالمية الاولى التي امتدت من اورميا في غرب ايران الى اورفا ومرعش في شرق تركيا التي ذهب ضحيتها ثلثا الشعب الآشوري وتخللها اغتيال قداسة البطريرك مار بنيامين شمعون غدراً على يد اسماعيل سيمكو زعيم قبائل الشيكاك الكردية.

ان هذه الاحداث لها اثرها المؤلم في نفوس الآشوريين حتى هذه اللحظة، وقد اثر ذلك على الحركة الكردية في العصر الحديث كما يذكر السيد جلال طالباني رئيس الاتحاد الوطني - الكردستاني(3). ويتواجد الاكراد اليوم بكثافة عالية في وطن الآشوريين ولديهم اقتناع شديد بانتمائهم القومي، وهم شعب منتفض وشجاع استطاع فرض وجوده على دول المنطقة وأجبر مراراً الانظمة المعادية له على التفاوض معه رسمياً رغم اتفاق سعد آباد الذي جرى بين تركيا والعراق وايران عام 1937 والذي ينص على قمع ثوراته، وقد وقف الاكراد ضد هذا الاتفاق وانتفضوا لعقود من الزمن ضد الدول الثلاث مما لفت انظار الغرب لاستعمالهم كورقة ضغط عند الحاجة، وذلك واضح في دعم شاه ايران لمصطفى البارزاني ضد العراق، ثم التخلي عنه فجأة بعد اتفاق الجزائر حول شط العرب بين العراق وايران في ،1975 حيث نتج عن ذلك استسلام عشرات الآلاف من المقاتلين الاكراد للحكومة العراقية بتعليمات البارزاني نفسه بعدما وقع في حيرة من أمره مما ادى الى اضعاف شعبيته بدرجة كبيرة، وهكذا كان اتفاق الجزائر أحد الاسباب الرئيسية في فشل مشروع الدولة الكردية.

ورغم كل ما فعله الاكراد بحق الاشوريين عبر التاريخ، ساهم الاخيرون في الحركة الكردية الحديثة تحت قيادة مصطفى البارزاني باخلاص وشجاعة فائقين، واهم اسباب انخراط الاشوريين في تيارات غريبة آنذاك هو كون الحركة الكردية تحررية، مع غياب الاحزاب الاشورية عن ساحة العراق في تلك الفترة، وهذه النقطة تعدّ تقصيراً مهماً من المنظمات الاشورية في الخارج لكون الاشوريين المتواجدين في شمال العراق رأوا ان سبيل التحرر من بطش سلطة بغداد يكمن في الانخراط في الحركة الكردية او الحزب الشيوعي العراقي، فالاثنان تحولا الى ملجأ للقوميين الاشوريين وقد وصل العديد منهم الى مراتب عالية في الحزب الشيوعي العراقي، اضافة الى مناصب يحسدون عليها في الحركة الكردية مما سبب لهم الهلاك، وكانت نسبتهم في صفوف بعض الكتائب المقاتلة حوالى 15 في المئة(4).

اضافة الى ذلك بقي الاشوريون على اخلاصهم للحركة الكردية حتى في السبعينات حين دعا الرئيس احمد حسن البكر في نيسان 1971 البطريرك الراحل مار ايشاي شمعون ثم الزعيم الاشوري ياقو ملك اسماعيل (احد الرموز القومية في حركة التحرر الاشورية في القرن العشرين) في شباط 1973 وعرضت الحكومة العراقية على كليهما تشكيل قوة اشورية لضرب الحركة الكردية مقابل بعض الحقوق للاشوريين لكن رد البطريرك والزعيم جاء بالرفض(5). ولدى تأسيس "الحركة الديموقراطية الاشورية في نيسان 1979 تغير الواقع نحو الافضل من جهة اثبات الوجود الاشوري في اشور قدر المستطاع مع الحفاظ على العلاقة الطيبة مع الاكراد لما تتطلبه مواجهة التحديات المشتركة من تعاون وصدق في التعامل. لكن رغم ذلك كله لم تأتِ معاملة الاكراد للاشوريين في العقد الاخير كما كان متوقعاً، فالمنطقة التابعة للاكراد تضم اقليات دينية عدة (مسيحيين، يزيديين، مسلمين) موزعة على قوميات عدة (اشوريين، اكراد، تركمان)... وامام هذه الفسيفساء حاول الاكراد نيل الثقة بقدرتهم على ادارة اقليمهم بما يتفق مع الاعراف الدولية وذلك تحضيراً لاعلان الدولة الكردية متى سمحت الظروف. لذلك تم اشراك الاشوريين والتركمان في برلمان ما يسمى "كردستان" كما تم السماح للمؤسسات الاشورية ببناء المدارس وذلك لكسب التأييد الخارجي لا أكثر. فالاكراد يدركون جيداً ان مطالب الاشوريين تنحصر في المنطقة الجغرافية نفسها التي يعتبرونها كردستان، ولن يقبلوا في يوم من الايام قيام اي كيان قومي اشوري او غيره ضمن تلك المنطقة، بل انهم يكتفون باعتبار كل الشرائح التي تعيش في اشور، "مواطنين كردستانيين" على أمل ان يتحولوا مستقبلاً الى "مواطنين اكراد". وهذا ما يلاحظه كل مطلع على مجريات الاحداث في اشور ويفسّر ذلك وفقاً للوقائع التالية:

1- الاضطهاد السياسي: في ذكر الآشوريين في السياق السياسي على انهم مجرّد مسيحيين يعيشون ضمن ما يسمى "كردستان"، اضف الى ان القيادة الكردية تعتبر الاشوريين "اكراداً مسيحيين" بصريح العبارة، وقد عمدت القيادة الكردية الى تشكيل احزاب اشورية بتسميات مذهبية بهدف تقسيم الصف الاشوري من طريق تقويض القاعدة الشعبية لمنظمة "الحركة الديموقراطية الاشورية" سياسياً، وتقسيم كتلة الاشوريين النيابية في ما يعرف ببرلمان كردستان اضافة الى تفاقم الجريمة السياسية، باغتيال السياسيين والحزبيين الاشوريين ومنهم شهداء "الحركة الديموقراطية الاشورية" مثل فرنسيس شابو الذي كان عضواً في برلمان ما يسمى "كردستان"، وفارس ميرزا وسمير مراد وغيرهم كثير...

2- الاضطهاد الفكري والثقافي: المنهاج الدراسي مسيّس في جامعات المنطقة، حيث يعتبر شمال العراق ارضاً كردية، تماماً كما يفرض نظام بغداد تعريب الاشوريين في الجامعات التابعة لسيطرته. كما ان الطالب الاشوري مجبر على دراسة التاريخ على ان الشخصيات الكردية التي شاركت في ذبح أجداده وتشريدهم من وطنهم هي شخصيات بطولية، او يرسب في الامتحانات، وغيرها الكثير لا متسع لذكره.

3- الاضطهاد الجسدي والنفسي: تشير التقارير الى عشرات الجرائم ضد الابرياء من افراد وعوائل وانتهاك الاعراض والتي يلزمنا مجلدات لسردها، والمثير للعجب ان احداً لم يُدن حتى هذه اللحظة بأي من هذه الجرائم، بل وُجهت كلها ضد "مجهول" علماً ان هنالك جناة من الاكراد والحزبيين ومنهم من القادة.

4- الاضطهاد الديموغرافي: وذلك باحتلال القرى والاراضي الزراعية الاشورية عنوة واخراج سكانها بعد إثارة الرعب باستعمال المتفجرات او اعتقال الاهالي مراراً لاسباب خيالية لاجبارهم على الرحيل علماً ان قسماً كبيراً من الاراضي التي يسكنها الاكراد ما زالت مسجّلة رسمياً باسم اشوريين، الذين ان لم يهاجروا فانهم حتماً يعيشون كلاجئين عند اقاربهم في بعض القرى - اضافة الى تكريد اسماء عشرات القرى لايهام الاجيال القادمة ان الارض كردية علماً ان كل المناطق في العراق اسماؤها اشورية اصلاً قبل مجيء العرب والاكراد.

5- الاضطهاد الديني: باللجوء في كثير من الاحيان الى "حكم الشريعة الاسلامية" في قضايا ضحاياها اشوريون، اضافة الى خطف الفتيات واجبارهن على اعتناق الاسلام ثم الزواج بخاطفيهن ومنهن في الثالثة عشرة والسادسة عشرة ولم يحاكم الجناة حتى الآن وهم احياء يرزقون.

هكذا اثبتت "قوى الأمر الواقع" في شكل لا يقبل الجدل، فشلها في التعامل مع الاقليات التي تعيش تحت سيطرتها، مما لا يتوافق مع الشرائع الدولية بالمعيار السياسي والانساني والاخلاقي، لا سيما التقارير السنوية لمنظمة العفو الدولية التي تؤكد ما مرّ ذكره. لذلك من الجدير ان نتساءل حول مصير الشعب الاشوري تحت سيطرة القوى هذه، وما هو الحل الانسب للعراق عموماً، والقومية الاشورية خصوصاً.

لقد انعكس تهجير الشعب الاشوري من ارضه نهضة قومية وذلك بدءاً بحركة ثقافية واعلامية ملحوظة في الدول المتقدمة، وصلت اليوم الى مستوى متطور وفقاً لمقتضيات العصر ومواكبة لصمود الثلث الباقي من الاشوريين في وطنهم التاريخي، وذلك في مواجهة ما يجري من تطورات ستؤدي الى تغييرات جذرية في العراق حيث الخليط من القوميات منها المهيمنة ومنها المحرومة. ومثل باقي الشعوب المحرومة في العالم، يرى الاشوريون اليوم ان الوضع السياسي العالمي بعد الحادي عشر من ايلول قد يؤمن لهم ما حرموا منه لقرون طويلة، فتحركت المنظمات الاشورية بنشاط ملحوظ دفع شخصيات رسمية اميركية عدة الى لفت نظر البيت الابيض حول ما يعانونه في ارضهم التاريخية سواء ضمن سيطرة نظام بغداد او ضمن سيطرة القبائل الكردية. ففي 26/10/1999 قدّم ثلاثة اعضاء من الكونغرس الاميركي كتاباً الى الرئيس بوش طالبين فيه الأخذ في الاعتبار وضع الاقلية الاشورية في حال أي تغيير في العراق. وفي 15/3/2002 قام تسعة عشر عضواً من الكونغرس بتوجيه رسالة أخرى الى الرئيس بوش بهذا الخصوص. ثم في 25/4/2002 وجه رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس السيناتور هنري هايد رسالة الى مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الاوسط السيد وليم بيرنز، شارحاً فيها الاضطهادات التي يتعرض لها الشعب الاشوري في العراق، متسائلاً عن حقوقه المشروعه، وتلاها برسالة الى وزير الخارجية كولن باول في  8 آب 2002، منددا بإبعاد الآشوريين عن مؤتمرات المعارضة العراقية. ورغم هذا الاهمال من المعارضة العراقية، وكون الشعب العراقي يعاني بأجمعه مشاكل اقتصادية واجتماعية، والاقليات القومية تعاني من التهميش وحتى الاضطهاد والملاحقة لسياسييها، فإنطلاقا من وحدة الحال هذه، يشارك الآشوريون اليوم المعارضة العراقية في همومها ويؤيدون مطالبها كونهم يشعرون انهم جزء من النسيج البشري المكون للشعب العراقي - باني عراق المستقبل - فالحركة القومية الآشورية ليست عدوة الاكراد، وليست مناهضة للعروبة كما سبق ان اوهمت الانظمة العراقية الشعب الذي ليس بيده حيلة، وليست ضد ان يكون العراق دولة ذات توجهات خاصة لها علاقاتها وتحالفاتها العسكرية والاقتصادية مع محيطها الاقليمي، انما هي ضد "تعريب" الآشوريين وتكريدهم، وقد اثبت التاريخ انه ليس من الممكن مصادرة الشعورالقومي لدى الآشوريين ... وما زال الآشوريون يطالبون بعراق واحد ديموقراطي حُرّ على ان تسود فيه العدالة لكل الشرائح الاثنية والدينية كما انه من واجب القيادة العتيدة في العراق ان تعمل على:

1- الاعتراف بالاقلية الآشورية اليوم، على انها قومية مستقلة بكامل مقوماتها عن باقي القوميات في العراق.

2-ازالة اسباب الهجرة التي نتج عنها نزيف بشري آشوري الى خارج وطنه التاريخي، وذلك بترسيخ اسس الديموقراطية والمساواة في الحقوق واعادة الاراضي والممتلكات الى اصحابها ودعوة كل العراقيين من آشوريين وغيرهم للعودة والمشاركة في اعادة بناء دولة العراق الحديثة.

3- اعادة النظر في المنهاج التربوي العراقي لانشاء جيل مثقف يعي حقيقة تاريخ بلاده بما يتفق مع آراء العلماء والمؤرخين وذلك بتصحيح ما سُمي "اعادة كتابة التاريخ" التي قام بها نظام بغداد في اواخر السبيعنات فشوّه التاريخ القديم وفقا لسياسته التعريبية، والتاريخ الحديث انطلاقا من حقده على كل ما هو آشوري وحساسية تجاهه من دون مبرر.

4- تطبيق القرارالصادر عن مجلس الثورة العراقي في 25/12/1972 والذي قضى بإعفاء الآشوريين المشاركين بأحداث 1933 (حسب زعم النظام العراقي) ليصار الى عودة من يشاء منهم على ان يحق له بالجنسية العراقية كون العراق هو وطن قومي للآشوريين.

هذا بعض ما ينتظره الآشوريون في العراق الواحد، ففي حال تغيير النظام الحالي من الافضل ان تستمر الجمهورية العراقية الواحدة على اساس الحكم المركزي المباشر، لكن في حال انشاء اي كيان كردي، تحت عنوان الفيديرالية او اللامركزية السياسية او الادارية في شكل حكم ذاتي مع التحفظ حول الغموض الذي يلف اعتراضات تركيا الشديدة اللهجة حيال الملف الكردي الى جانب الغموض في مواقف الادارة الاميركية والمعارضة العراقية حول مستقبل العراق، فليس منطقيا ان يعيش الآشوريون تحت رحمة اي مجموعة اخرى كونهم يستحقون العيش في كيانهم الخاص اسوة بباقي القوميات، وذلك وفقا للآتي:

1- انطلاقا من الحق التاريخي،

2- وانطلاقا مما عاناه الآشوريون وما زالوا يعانونه تحت حكم "قوى الامر الواقع"، في ظل مخالفتها للمواد الثلاثين بأكملها المنصوص عليها في الاعلان العالمي لحقوق الانسان، المعتمد بموجب القرار 217/أ - 3 الصادر عن الجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة عام .1948

3- وبالرجوع الى القرارات الصادرة سابقا عن المنظمات الدولية ومنها القرار الرقم /69 بتاريخ 15/12/1932 والذي نص على الحكم الذاتي للآشوريين.

4- وبالرجوع الى المادة 73 من ميثاق الامم المتحدة حول قانون "الحكم الذاتي"، لكون الآشوريين تجمعهم مقومات القومية بالمفهوم الحديث وبالآشورية حصرا (اللغة المشتركة والتاريخ المشترك والعادات التقاليد والشعور القومي المشترك...) وذلك بتمييز واضح عن المجموعات المحيطة بهم.

من واجب الآشوريين التصدّي لاي طرح لا يساويهم بباقي شرائح الشعب العراقي وفي المقابل يبقى كل شيء رهن الخطة الاميركية الغامضة، مع اعلان تركيا في العشرين من آب الماضي عن ان الموصل وكركوك يدخلان ضمن اراضيها تاريخيا (!!) مما يثير الجدل حول هذا الاعلان في هذا الوقت بالذات. والمضحك المبكي هو صراع الغرباء منذ سنين طويلة وتسابقهم لاغتصاب الارض الآشورية; فالاكراد يعتبرونها كردية، والاتراك يعتبرونها تركية، والعرب يعتبرونها عربية... بينما يقف الشعب الآشوري صاحب الارض، عاجزا بسبب الويلات التي انهكته، في انتظار رحمة الرأي العام الدولي. وبينما يبقى الحق اليوم السلاح الوحيد للشعب الآشوري، يبقى العدل في المقابل رهن الضمير العراقي خصوصا والعالمي عموما، وطالما هناك اصوات ما زالت مرتفعة بعد 2614 سنة على سقوط نينوى، فلا شك في استمرار الآشوريين بالمطالبة بحقوقهم حتى نيلها، وبالكامل.

 

1- الاب فيليب هيلاي الذي وجد مخنوقا في ايار ،2002 والراهبة سيسيل حنا موشي التي وجدت مصابة بطعنات عدة ومقطوعة الرأس في عيد السيدة العذراء (15/8/2002) في دير القلب الاقدس في بغداد.

2- "امة في شقاق - دروب كردستان كما سلكتها" تأليف الصحفي الاميركي جوناثان راندل، ص: 303 - .304

3- "كردستان في سنوات الحرب العالمية الاولى"، المؤرخ الكردي الدكتور كمال احمد مظهر.

4- Journey Among Brave Men, By A. Schmidt, Boston - 1964, P:71

5- The Assyrians, The Rod Of My Anger, By Eva Haddad, Australia, 1996, P:18


الصفحة الأولى| محليات سياسية|اقتصاد-مال-أعمال|العرب والعالم| قضايا النهار|القضاء والقدر|مقالات|المقسم 19|وراء الحدث| مذاهب وأديان | تحقيق| مناطق| بيئة وتراث| مفكرة|أدب-فكر-فن|مدنيات-تربويات|وفيات| رياضة| حول العلم والعالم|مرايا الأحوال| نهار الشباب| كومبيوتر وانترنت | النهار الرياضي |مساعدة|

الدليل| الملحق الثقافي| سلامتك| الاغتراب اللبناني| الصفحة الرئيسية


PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | naharpost | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help

Copyright © 2002 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.