المثلث
المحتوم
الولايات
المتحدة
اسرائيل
والفلسطينيون
تقديم
:
يخيل للمرء ، وهو يمعن النظر في مثلث ، يحتل زواياه
الاميركان ، اسرائيل ، والفلسطينيون ، أنه امام رسم هندسي ، ليس متساوي الاضلاع او درجات الزوايا ، فلطالما شكل الفلسطينيون ، الجانب الاضعف ،
في أي معادلة ، ذلك ان قضيتهم ظلت تائهة في سجلات القضايا العربية ، تحتل طليعة القضايا الصالحة للاتجار ، وتطلق الألسنة
بالشعارات ، التي تتشكل منها مؤهلات القيادة والمسؤولية .
القضية
الفلسطينية ، هي قضية عربية ، وهذه
حقيقة لا ينبغي لأي منا ن
ينكرها ، فالفلسطينيون ن بعد عام
1967 ، لم يعد لهم وطن ينطلقون منه
لتحرير وطنهم ، ولم يكونوا
ليستطيعوا ان يفعلوا ذلك ، لاسباب لا تخفى على أحد ، حتى لو توفرت لهم
الارض ، حبا او كرها ، والشاهد على ذلك ، ينتصب هناك على أرض لبنان . . والبقية معروفة .
المشتغلون في السياسة ،صاغوا أجمل العبارات وابلغها من اجل فلسطين وأهل فلسطين ، لكنهم لم يتخطوا هذا المنهج
، حينما اصطدموا ، بحقيقة المشيئة التي تفرضه الدولة الأقوى في العالم
، وعندما فعلوا ، تسمرت اقدامهم عند اول تحد ، او ربنا عند اول سيناريو .
. وقالوا : نحن لسنا بقادرين على
محاربة اميركا ، السند القوي لاسرائيل ويقينا ، فان هذا المنطق ، هو منطق المستضعفين ،
الذين يحاولون ان يبحثوا عن مبررات ضعفهم
. . . أو استكانتهم .
لا
نحسب اننا بحاجة الى سرد أمثلة حية ، ننبش عنا في وقائع
التاريخ ، لنجد البرهان الساطع على ان اميركا هي الاكثر عداء للعرب ، ومن ضمنهم الفلسطينيون ، ومع ذلك كله ، فاننا لا ننفك نتمسح بتلابيبها ، بغية نيل الرضى .
العلاقة
العضوية ، التي تربط الولايات
المتحدة الاميركية واسرائيل ، هي علاقة الجسد بالذراع ، وربما هلل بعض قصيري النظر ، لسقوط النظام الشيوعي ، ظنا منهم ان ذلك سينعكس سلباً على العلاقة بين واشنطن وتل أبيب ، لكن هؤلاء قطعاً ، لم يلبثوا ان عادوا الى رشدهم ، حين اقنوا ، ان وقف المد الشيوعي في
منطقة الشرق الاوسط ، كان احد لمهام المنوطة باسرائيل . . . وليس كلها .
ونسمح
لأنفسنا بان نتاجوز هذه المسالة ،
الى القول ، انه لمخطىء من يظن ان اللوبي الصهيوني قادر على ايصال الرئيس الاميركي
، الى سدة الحكم ، الا اذا كان ضعيفاً . .
والدليل ، الرئيس الاميركي
بوش ، الذي لم يصوت
لصالحه اليهود . . . ولكنه وصل ، وبقي الى جانب اسرائيل .
ويخطىء ايضاً ، من يعتقد ان اللوبي الصهيوني ،، قادر على التاثير في القرار السياسي الاميركي ، الا اذا كان متوافقاً مع المصالح الاميركية . . . وهذا هو لب القصيد .
ان الرهان الأميركي على اسرائيل ، وباختصار شديد يتلخص في التبعية المطلقة ، التي لا تهتز ابداً ، فنظام الحكم الاسرائيل ، صيغ على نمط غير قابل للخروج على
مشيئة العراب الاميركي ، وبرتوش من الديمقراطية والحرية وحقوق
الانسان . . . وكل المترادفات التي يتزين انظمة الحكم الاميركية والغربية . . .
ان
الحرب السياسية التي شنها
الفلسطينيون ، لعدة عقود ، لم تثمر ،
ذلك أنها تفتقر الى القوة التي تأخذ بيدها في الميدان ، وان كان البعض يعتبر ، ما اصطلح على تسميته بالحوار الاميركي الفلسطيني ، الذي انتهى بالطلاق ، ثمرة سياسية . . .
ازمة
الخليج ، نمط آخر ، من انماط الفكر الاميركي ـ الصهيوني ، الذي لم يتغير ذات يوم ، حينما رفضت اميركا واسرائيل ، أي ربط بين الازمة والقضية
الفلسطينية ، ذلك ان القضية حينئذ
ستستعصي على الحل ، اذ المطلوب ان تبقى كل منهما في كفة منفصلة ، هكذا تقول اصول اللعبة .
تلك
هي باختصار ، قصة علاقة الثالوت
الاميركي ـ الاسرائيلي ـ الفلسطيني ، قصة الاستعمار الذي يبدل جلده حسب مقتضيات الحال ، والتبعية الاسرائيلية وغيرها . . . مع شعب ، أخذت انتفاضته تتحدث باسمه ، ليجد من يستمع ، او يجبر على الاستماع . . . لانها تتحدث بلغة القوة . . . وان كانت قوة الحجارة .
بقي
ان نقول ، اذا كنا قد اخترنا
السياسة ، لتحرير فلسطين من الاحتلال ، فهل اوفينا السياسة حقها ؟ الاجابة عن هذا السؤال ، نجدها ماثلة هنا
وهناك على ارض اوروبا واميركا ، دون حاجة الى تفصيل . . .
"
أسرة دار الجليل "
ما
وراء الكتاب
؟؟
. . . عندما ذهبت الى "مركز الوثائق القومية " . . . وطلبت الاطلاع على ملف القنصلية الامريكية في القدس منذ عام (1948) ، فوجئت بانني اول شخص يطلب هذا الملف !! ونتيجة لذلك تاخر تسليمه لي . . ولم أصدق ما سمعت . . . ملف العلاقات الاميريكية ـ الاسرائيلية منذ قيامها عام (1948) لم يطلبه احد . .
ملف الاحداث التي وقعت خلال
سنوات وتناولتها عشرات الكتب ومئات
الموضوعات والافلام السينمائية الروائية والتسجيلية والتلفزيونية لم يطلبه احد . . ؟ وتعجبت عندما تسلمته . . وجدت صناديق من الملفات تبدو رائحتها ( متعطبة ) . . وقد تغطت الرسائل والبرقيات والتقارير ـ التي تحول لونها الى الاصفرار بالتراب . . وفتحت الملفات ورقة ورقة . . وجدت قصصاً لرجال واناس حقيقيين . . ساهموا في صنع احداث كبار . . كابر . . بماساويتها وتوترها ومرارتها . . ,عندما بدات جولتي بين الملفات . .
ورايت الاتصالات التي دارت حول الكمائن ، وعمليات القصف والمعارك والاتهامات السياسية والاتهامات المضادة التي كانت تمثل الحياة
اليومية في القدس . . استطعت ان ارى ان ما كنت اقرؤه لم يكن هو هذا
الخروج الخيالي ولا ذلك الميلاد البطولي لدولة اسرائيل . . لقد كانت الحقيقة مختلفة تماما عن الاسطورة . . وفوق ذلك فقد اكتشفت حقيقة اخرى ، وهي اننا كنا ندرك معنى
الاعتراف المباشر من جانب امريكا والتاييد الحار من جانب الرئيس ( ترومان ) باسرائيل عند قيامها عام (1948) . . ولكننا لم نكن نعلم نظام ( الرادار ) المتقدم المسروق الذي قدم للتشيك من نفس العام
مقابل استمرار تدفق الاسلحة والجنود المدربين من تشيكوسلوفاكيا الى المنظمات الصهيونية لكي تحارب حرب الاستقلال هناك .
. لقد قرانا وراينا حرب الأيام
الستة . . ولكننا لم نكن نعلم شيئا عن المساعدات الهامة التي قدمتها القوات الجوية الامريكية للاسرائيليين في تلك الحرب وبالمقابل فان هذا المعلومات التاريخية قد ادت الى انطباعات خاطئة في امريكا عن اسرائيل وعن نزاع الشرق الاوسط بصفة عامة .
ان
هذا الكتاب ليس تاريخ الشرق
الاوسط . . و لا حتى تاريخ العلاقات الامريكية ـ الاسرائيلية . . انه مجموعة من الحقائق التاريخية المختارة بدقة . . وهي معلومات وحقائق موثقة من مجموعة مختلفة من المصادر الحكومية الرسمية التي لم تنشر . . ولهؤلاء الذين قد ينتقدون هذا الكتاب على انه تاريخ منتقى . . فانني ـ المؤلف ـ
ارد بان ما كتب عن اسرائيل في
الغرب لم يكن الا تاريخا ( منحازا ) مختارا بما فيه العديد . ان لم يكن معظم النصوص القديمة عن العلاقات الامريكية ـ الاسرائيلية وتاريخ العديد من حروب الشرق الاوسط . اما ما اخشاه فهو ان يؤدي نشر هذا الكتاب وغيره من الكتب للباحثين الذي سيستخدمون نفس الاسلوب الوثائقي الى محاولات لا غلاق هذا الملفات من اجل اسباب سياسية داخلية او خارجية . . ضيقة النظر . . واملي مخلصاً . . ان يثير هذا الكتاب بعض التساؤلات عن اتجاهات السياسة الامريكية . . والساسة الامركيين تجاه اسرائيل وهم ن لا يعلمون شيئا عن خلفيات تلك العلاقات بين اميركا واسرائيل
!!
مقدمة
لا بد منها
" خلال حرب الكلمات التي بدأت منذ قيام اسرائيل بغزو لبنان من يوم ( 6 حزيران 1982 ) اتهم الذين انتقدوا الأعمال الاسرائيلية مرارا وتكراا بالنفاق والرياء
، ورغم ان اسبابهم في هذه المتهمة
كاذبة ، الا ان التهمة ذاتها تطوي على شيء من
الصدق . . !! فمن النفاق بالفعل ان ندين اسرائيل بسبب اقامة المستوطنات في الاراضي العربية المحتلة ،
بينما نحن ندفع لها من اجل
اقامة هذه المستوطنات والتسوع فيها ،
ومن الزيف ان ندين اسرائيل
لمهاجمتها الأهداف المدنية بالقنابل الفوسفورية والعنقودية بينما نحن نمدها بهذه الاسلحة ونعرف انها ستستخدمها في هذه الاغراض فقط ، ومن الزيف والنفاق والكذب ان ننتقد قصف اسرائيل للمناطق المدنية المزدحمة بالسكان او مغامراتها العسكرية الاخرى ، في الوقت الذي لا نمدها فيه فقط بالاسلحة بل
ونرحب ايضا باختبار هذه
الاسلحة الحديثة المتطورة في ميدان المعركة لكي نتأكد باكثر الطرق أمناً في تفيذ هذه التجاريب . . وبصفة عامة
، فانه من النفاق المحض ان ننتقد ممارسة اسرائيل للقوة بينما نحرب بمساهمات اسرائيل نحو تحقيق الامريكي بتصفية كل التهديدات التي تواجه السيطرة الامريكية على منطقة الشرق الاوسط . . وبوضوح فان علينا ان نتاكد من انه طالما استمرت الولايات المتحدة في تقديم الاداة ، فان اسرائيل سوف تستخدمها لتحقيق اغراضها ، ولقد اتضحت هذه الاغراض بصورة كافية
اليوم ، وكانت واضحة بالنسبة لهؤلاء الذين اختاروا طريق القهم منذ سنوات عديدة ، فماذا نفهم من محاولة ضم الاراضي المحتلة دخل اسرائيل في الوقت الذي يتم فيه البحث عن سبيل لتقليل عدد السكان العرب ؟! وماذا نفهم من تفريق اللاجئين المشتتين وضرب أية محاولة لاستعراض القومية الفلسطينية او الثقافة الفلطسينية ؟..
وماذا نفهم من محاولة اسرائيل السيطرة على جنوب لبنان ؟ وحيث ان هذه
الاسباب كانت كافية واضحة ، وحيث ان الحزبين السياسيين الرئيسن في
اسرائيل يشتركان في الرغبة في تحقيق هذه الاهداف ، فان اسبانيا لادانة اسرائيل تكون ضئيلة عندما تستغل هي قومتها الاقليمية الناجة عن الكميات الهائلة من المساعداد الامريكية بالوسائل التي لا بد من توقعها من أي انسان " رأسه ليست مدفونة في الرمال " !!
ان الشكاوى والاتهامات لاسرائيل تكون زيفاً ونفاقاً حقاً طالما استمر فيضان المساعدات الامريكية لاسرائيل بالاضافة الى التأييد لايديولجي والدبلوماسي ،وحتى اذا كانت الانتقادات القادمة من ( واشنطن ) في شكل تعليقات صحفية خطيرة ، فان ذلك لا يمثل أي شيء يمكن ان يدفع اية حكومة اسرائيلية لاعطائه اهتماما . . ان الممارسة التاريخية لعدة سنوات قد علمت الزعماء الاسرائيليين درساً مهماً . . هو ان الصفوة السياسية في ( واشنطن ) سوف تساندهم مهما فعلوا وحتى اذا كان رد الفعل الامريكي سلبياً تجاه اسرائيل ، فان الزعماء الاسرائيليين قد تعودوا على ان تخف حدة أي رد بمرور الوقت ، ويبدو ان هذه
النقطة قد فهمت جيدا خارج الولايات المتحدة بل وداخل اسرائيل ، حيث قال صحي اسرائيلي : "ان كل هذا الغرور بالقوة الاستعمارية يمكن ان يتوقف بمجرد ان تغلق اميركا " الصنوبر " ؟!! وتعلق مجلة ( الا
يكونوميست ) البريطانية قائلة : " ان
تجميد امدادات صفقات السلاح الامريكي الجديد هي قوة الضغط الامريكية التقليدية على اسرائيل ، ولكن الحظر لا يكون فعالا الا اذا كان من المتعين استمراره ولكي يكون هذا اكثر فعالية فلا بد ان تكون اسرائيل على يقين من ان الرئيس الامريكي سوف يتمسك بسياسته حتى اذا اضطر لاعلان حظر دائم على مبيعات السلاح عندئذ يمكن ان تعيد اسرائيل التفكير في مدى المساعدات الامريكية ،وتبدو هذا النقطة بسيطة ـ كما ذكرنا ـ وكانت منذ سنوات بسيطة بنفس الدرجة ، وكان من الممكن وقف ذلك التأثير
على اسرائيل للأنظمام الى
الاجماع الدولي الذي كان يضم في ذلك الوقت الدول العربية الكبرى وسكان الاراضي المحتلة والتيار الرئيس داخل منظمة التحرير الفلسطينية ، وكان هذا الاجماع والاتفاق الدولي بشأن تسوية سلمية تدعو الى اقامة دولة فلسطينية الى جوار اسرائيل مقابل الاعتراف بحدود دولية ووضع ترتيبات امنية ومجالات معقولة لحل سلمي للنزاع وكان المطلوب وقتئذ ان تتوقف الولايات المتحدة عن تأييدها لسياسة الرفض المتشدد من جانب حزب العمل وكتلة ( ليكود) بعد ذلك . .
وما كان يبدو بسيطاً منذ عدة سنوات اصبح اكثر تعقيداً اليوم ، فمن غير الواضح الآن ماذا سيكون تأثير تغير السياسة الامريكية تجاه الاجماع الدولي وتخليها عن التزامها باسرائيل الكبرى التي سوف تبسط سيطرتها على المنطقة باستخدام القوة الامريكية ، ذلك الألتزام الذي عبت عنه الافعال مهما كانت الكلمات المصاحبة لهذه الافعال وانهاء هذا التأييد المادي والدبلوماسي والايديولوجي الذي يتجه نحو التأكيد لاسرائيل بعدم امكانية تحقق اجماع دولي معقول . .
ان هذا الكتاب ليس استعراضاً أو تحليلاً
لشبكة العلاقات بين الولايات المتحدة
واسرائيل والفلسطينيين ،ولكنه يستهدف كشف عناصر العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة واسرائيل وعلاقاتهما بسكان الارض الاصليين الذي اعتقد انهم لم يأخذوا حقهم الكافي من البحث والدراسة، وأسيء تمثيهم وفهمهم .
. . ؟!
ان
ما ساتناوله في هذا الكتاب هو انتقاد لسياسات اسرائيل . . رفضها المستمر لأية تسوية سياسية تعطي للسكان المحليين حقوقهم الوطنية .. سياسة القمع والارهاب التي تمارسها منذ سنوات عديدة .. جهودها الدعائية الناجحة دائما في الولايات المتحدة ، ولكن هذا العرض لن يتناول ذلك من ناحية تاريخية ،
ولكنه سينتاول فقط ما اعتقد
انه كان خطأ وما يجب ان يتغير ، ثانياً
انه سيتناول تركيزاً على
التصرفات والسياسات الاسرائيلية الخاطئة الي تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية في تشكيلها او التسامح ازاءها ، وقد وضحت الملامح الجوهرية للمساهمة الامريكية في انشاء اسرائيل الكبرى بشكل واضح ومطلق من مذبحة ( صبرا وشاتيلا ) للاجئين الفلسطينين في بيروت ( ايلول 1982 ) ، والتي أدت الى غضب شديد واسع النطاق على الاقل مؤقتا ، اما الآن فيكفي ان نقول ان الغزو الاسرائيلي للبنان قد حظي بتأييد امريكي كامل لم ينقص الا عندما بدأ الغزو يذهب الى أبعد مما كان مقرراً بشكل اصبح يمثل تهديداً للمصالح الامريكية ، وعندما زادت الخسائر في الارواح بين المدنيين ، أي عندما اصبح يذكر الراي العام الأمريكي والصحافة الامريكية بالهجوم الامريكي على فيتنام عام (1962) والغزو السوفياتي
لأفغانستان في عام (1979) . .
ولكن الغريب ان احتلال الاسرائيلي لييروت الغربية في ( 15 ايلول ) لم يواجه بأي انتقاد امريكي رسمي رغم موجة الادانة الغاضبة التي قوبلت بها مذابح ( صبرا وشاتيلا ) . .
ورغم
كل شيء فقد انصب الغضب والاتهام في
المقام الأول على حزب الكتائب اليميني على اساس انه هو الذي قام بالمذبحة ، ثم على الحكومة الاسرائيلية لفشل اسرائيل في تحلم مسؤولياتها بحماية ارواح سكان المخيمين . . وانهال فيضان من الرسائل والمقالات في الصحف يرفض اعتماد " بيغن " على القوة والعنف ، ورفضه في أول الأمر اجراء تحقيق رسمي ومحاولاته لتنصل من الموافقة . . ان صورة اسرائيل الجميلة المزعومة في السبب لقيامها بدأت تختفي بسبب ( بيغن ) و ( شارون ) وقد نقل
عن الكولونيل " ايلي جيفا " الذي طرد لرفضه قيادة قواته لاحتلا بيروت الغربية قوله : " كان شعوري هو ان النار تشتغل في المنزل . . وانا أشهد دولة في طريق التدهور او الانهيار . . وعلى كل فتى في هذه الدولة ان يساهم فق وقف هذا الانهيار " . .
!!
ويتفق الكثيرون ، حتى من بين مؤيدي اسرائيل ، على ان هذا التدهور بدأ منذ غزو بيروت الغربية او ربما ما قبل ذلك . . ولكن بالتأكيد منذ تولي ( بيغفن ) . . وداخل اسرائيل كان لمذبحة ( صبرا وشاتيلا ) تأثير في ظهور اكبر موجة احتجاجات ضد
الحكومة الاسرائيلية بما فيها أكبر موجة احتجاج وتظاهر شعبي دعا اليها ولأول مرة المؤيد والمعارض في ذلك الوقت . . ولكن الغريب ان الشعب الاسرائيلي لم يتأثر بمذبحة ( صبر شاتيلا ) رغم نمو المعارضة بعد ذلك اثر ازدياد نفقاتها ولكن رد
الفعل في الولايات المتحدة كان مثيراً ، فبعد ادانة حادة في البداية ،
بدأ رد الفعل الذي يظهر في
وسائل الاعلام الامريكية على الاحتجاجات داخل اسرائيل بعد الغزو يؤكد على الحساسية العاطفية ويقول انها تخدم الناحية السياسية داخل اسرائيل . . ان مثل هذه التعليقات لم يكن ممكنا ان تحظى بالاهتمام سوى من امريكا واسرائيل . .
وعلى النقيض نجد الفلسطينيين والعرب بصفة عامة نجد الاشارة اليهم باستخدام مصطلحات العنف والارهاب والرفض للتعايش مع اسرائيل ورفض السلوك المتحضر . . وفي الوقت الَّذي يوصف
فيه العربي بـ " الارهابي " يوص اليهودي بـ " البطولي " حتى المسلسلات الدارامية التي كثيرا ما تجعل العربي في شخصية الشرير الارهابي . . ورغم ان ما قاله الكولونيل ( جيفا ) ربما يكون دقيقا. . الا ان التساؤل الآن حول توقبت ما قال .. فقد كان ( العمل ) هو المسيطر خلال فترة
ما قبل انشاء الصهيونية الدولية حكم منذ قيام دولة اسرائيل حتى عام (1977) ، لذلك فمن الخطأ ان نجع التدخل الى كتلة ( ليكود ) بزعامة ( بيغن ) ، فقد كانت
النار تشتعل قبل ذلك بكثير . . وكان
مؤيدو اسرائيل يزيدون من اشتعال النار وهي حقيقة اكتشفها الكثيرون من الحمائم . . هؤلاء الذين راقبوا في صمت
هذا الانهيار . . فمنذ تلك الفترة
كان التمهيد لما يحدث وما حدث في
بيروت ؟!
ان
العلاقة بين الولايات المتحدة
واسرائيل كانت علاقة غريبة في
الشؤون العالمية ،وفي الثقافة
الامريكية ، ومن الضروري لتوضيح
سماتها المتميزة ان نورد هذه المواقف الامريكية داخل الامم المتحدة مؤخرا في عام (1982) وقفت الولايات
المتحدة وحدها تستخدم ( الفيتو
) ضد قرار لمجلس الامن يدعو الى انسحاب متزامن للقوات الاسرائيلية والقوات الفلسطينية من بيروت ، وكان الاعتراض الامريكي على اساس ان مثل هذا القرار كان
محاولة لمعاملة منظمة التحرير الفلسطينية كقوة سياسية ، قائما على شيء لا يمكن للولايات المتحدة ان تتسامح ازاءه . . صوتت كل من الولايات
المتحدة واسرائيل ضد الجمعية العام في قرارها الداعي الى انهاء
القتال في لبنان وعلى الحدود الاسرائيلية في الوقت الذي حظي فيه القرار بموافقة الاعضاء الاخرين ، ولم يمتنع احد عن التصويت . . قبلها كانت
الولايات المتحدة قد استخدمت حق ( الفيتو) على قرار اجماعي في مجلس الامن يين اسرائيل لتجاهلها مطلبا سابقا يدعو الى انسحاب القوات
الاسرائيلية ، وكانت هذه من
المواقف الاكثر تحديدا فان هذه
العلاقة الخاصة نراها في شكل المساعدات العسكرية والاقتصادية الامريكية لاسرائيل طوال عدة سنوات ، ففيما قبل ( 1967) . . قبل ان تبدأ تلك العلاقة الخاصة . . كان اسرائيل تحصل على اكبر مساعدة على اساس النسبة التي يحصل عليها الفرد من هذه المقارنة بأية دولة اخرى . . وجاء اول تصويت في الكونغرس بعد غزو لبنان . . بعد الحصار الذي لا
يرحم والقصف المستوطنات في يالاراضي
المحتلة رداً على القرار بوقف المستوطنات طبقا لمبادرته للسلام . . وعلى ضوء هذه الاحداث . . كان
الموضوع الوحيد الذي أثر دخل الكونغرس هو ما اذا كان
ضروريا عقاب اسرائيل بالموافقة على المساعدات التي طلبها ( ريغان ) ، دون زيادة . . ام اتخاذ اكثر تسامحاَ بالموافقة على الزيادات التي طلبتها الحكومة الامريكية ،
كما طلب مجلس الشيوخ معظم
الأحرار ، ولحسن الحظ ان
الصحافة كانت منظمة بدرجة كافية لوقف هذه الاتجاهات ( الكوميدية
) داخل الكونغرس ، ويجب ان نذكر
انه من الناحية النظرية هناك قيود على استخدام المساعدات الامريكية سواء العسكرية او الاقتصادية . . على سبيل المثال ميزانيات التنمية يجب الا يتم انفاقها في اية
مشروعات خارج حدود اسرائيل المعترف بها قبل (حزيران 1967 ) . .
ولكن كل هذه القيود لا يعمل بها ،
ولم يعين أي مسؤول امريكي
للاشراف على استخدام الحكومة
الاسرائيلية لميزانيات لاتنمية . .ولمقارنة يجب ان نذكر ان هناك مكتبا يضم ( 125 ) شخصا للاشراف بالتفصيل على اوجه صرف برنامج المساعدات الاقتصادية لمصر مثلا رغم وجود معارضة من جانب
الكثيرين . . هذه الأمثلة توضح التأييد المادي والدبلوماسي الذي تقدمه الولايات المتحدة لاسرائيل . .
اما
من الناحية الايديولوجية فهناك حملة
ضارية ضد كل من يتجرا على بحث الموقف الأمريكي من النزاع العربي ـ الاسرائيلي ، حتى ان بعض ( الحمائم ) داخل اسرائيل ذاتها لا يستطيعون الكلام بسبب عدم وجود
تأييد لموفقتم داخل الولايات المتحدة ، حتى ان الكاتب والصحفي والمؤرخ الاسرائيلي المعروف ( سيمحا فلابان ) يقول :
"
ان العقبة الرئيسة امام بدء حوار فلسطيني ـ امريكي ـ اسرائيلي هم
اليهود الامريكيون ،
والذين بدونهم يمكن ان توجد
فرصة ولو ضئيلة للمضي قدما في عملية
السلام الصعبة " ؟! ولكي نذكر مثالا
أخيرا ننقل ما ذكره احد كبار الصحفيين في صحيفة ( هآرتس) الاسرائيلية موجها حديثه لليهود الامريكيين قائلا : انتم ايها الامريكيون . . انتم ايها الليبراليون . . انتم يا من
تحبون الديمقراطية . . انكم تعملون على تدميرها هنا في اسرائيل بتجاهلكم الحديث عن أي شيء ضد تصرفات الحكومة الاسرائيلية " . .
وفي اشارة واضحة لموجة القمع في الاراضي العربية المحتلة تحت الادارة المدنية للبروفيسور ( مناحم
ميلسون ) والجنرال ( أرييل شارون
) استطرد هذا الصحفي في شرح خطط ( بيغن ) و ( شارون ) لطرد اكبر عدد من العرب من الضفة الغربية وخاصة الزعماء ومن
يمتلكون صفات الزعامة بكل الطرق غير
الشرعية . . كيف . . ؟! " انكم تدفعون الارهابيين الى وضع القنابل في سيارات العمد الفلسطينية المنتخبين وتقومون بتسليح المستوطنين اليهود وقلة من العرب الحالمين بالسلطة لاثارة القلاقل في القرى العربية . . ان المستوطنين قتلوا عددا من الفلسطينيين ، ورغم ان
البوليس كان يعرف القتلة ، الا انه لم يتحرك لأن لديه أوامر . . فما هو عذركم عن عدم تناول هذه الانتهاكات ضد القانون الاسرائيلي والاخلاق اليهودية ؟!" . .
"
ان هؤلاء المستوطنين ـ مازلنا مع
حديث الصحفي الاسرائيلي ـ من اليهود المتدينين الذين يتبعون كل ما يقوله لهم
حاخاماتهم وقد ذكر احد اعضاء حركة (
غوش امونيم ) المتطرفة على
الاقل ، ا الواجب الديني يقتضي تدمير كل السكان من غير اليهود بما فيهم النساء والاطفال ، وقال الصحفي بجريدة ( هآرتس ) ان صحيفة لديها ملف كامل بقصص مرعبة
رواها الجنود الاسرائيليون لدى عودتهم من دورياتهم في الضفة الغربية المحتلة ، وقال الصحفي انه يمكن نشر هذه القصص بالتفصيل ، ولكن الرقيب العسكري الاسرائيلي يمنعنا ،ويمكن للانسان ان يتخيل ما حيويه مثل هذا الملف بالنظر الى ما تنشره الصحف الاسرائيلية بالفعل . . ويجب ان نذكر ان كل ما
ينشر في الصحف الاسرائيلية بالعبرية يتم حذفه من الصحف الامريكية حتى لا يعرف هؤلاء الذي يدفعون الضرائب ، وبالتالي يساهمون في المساعدات التي تحصل عليها اسرائيل ، شيئا عن ذلك . . لقد تحققت الاخطار التي تواجهها اسرائيل من مؤيديها الامريكيين ، مما سيؤدي بالتالي الى مزيد من المعاناة في المنطقة وبشكل يمثل تهديداً متكررا بنشوب حرب اكبر ربما كانت حربا عالمية . .
جماعات الضغط ومصالحها
غالباً ما يتم ارجاع العلاقة الخاصة ين اميركا واسرائيل الى الضغوط السياسية الداخلية وبخاصة فعالية اليهود
الامريكيين في الحياة السياسية والتأثير على الرأي العام . . ورغم ما في ذلك من بعض
الصحة . . فانه يبتعد عن
الحقيقة الكاملة من نقطتين رئيستين ، أولاً : أنه يقلل من
تقدير فكرة التأييد لاسرائيل داخل أمريكا ، وثانيا : أنه يبالغ من تقدير دور جماعات
الضغط السياسية في عملية صناعة القرار . . فالقول بأن ( اللوبي ) الاسرائيلي في
الولايات المتحدة هو عبارة عن اليهود الامريكيين فقط قول خاطىء إذ ان هذا ( اللوبي
) يضم ـ وسط ما يضم ـ العديد من أصحاب الرأي الحر وزعامات نقابات العمال والمتطرفين
الدينيين المحافظين . . .
وفي
هذا يقول ( جاك توركرايز ) الرئيس السابق للمنظمة الصهيونية في أمريكا والمدير
التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية : " إننا نعرف ان كل الذين ينتمون للجناح اليميني هم الحلفاء الطبيعيون للصهيونية
وليس الليبرالية ، بل إنه يجب ان نذكر ان اليسار الأمريكي من المؤيدين المتطرفين
الاسرائيليين على عكس مزاعم سابقة لا أساس لها ، بل إن الدراسات تثبت أنه حتى هؤلاء
الذين يعادون السامية لم تعد كراهيتهم لليهود كما كانت من قبل ، وأصبحت المعاداة
للسامية تكمن فقط في الداعين للسلام . . . والكارهين للتدخل الامريكي في فيتنام . .
. والمعجبين بشجاعة منظمة التحرير الفلسطينية ، والمعارضين لزيادة نفقات الدفاع
الامريكية ، وهؤلاء المعارضين للتدخل الامريكي في ( نيكاراغوا ) و ( السلفادور ) .
. . لا لشيء إلا لصداقة الزعماء الديكتاتوريين السابقين في هاتين الدولتين لاسرائيل
. . . وعلى هذا فإن ضحايا الديكتاتور ( سوموزا ) في ( نيكاراغوا ) ، وضحايا
الجنرالات في ( غواتيمالا ) و ( السلفادور ) لا يكرهون اسرائيل لمعاداتهم للسامية ،
ولكن لأن لافلاحين في هذه الدول قد عذبوا بأسلحة اسرائيلية وقوات تدريب في اسرائيل
. . . وعلى ذلك فلا يمكن ان يصبح هؤلاء أصدقاء لاسرائيل . . . "!!
المصالح
وتأثير اليهود
بالعودة
إلى الفكرة الرئيسة ؛ وهي تأثير اليهود على السياسات وعلى الرأي العام الأمريكي ،
والتي نرى ان هناك مبالغة في تقديرها . . . نقول انه ليس في استطاعة أية مجموعة ضغط
ان تسيطر على الرأي العام الأمريكي ، أو تحتفظ بتأثير دائم على صناعة السياسة اذا
لم تكن أهدافها قريبة من هؤلاء الصفوة ؛ من العناصر التي تمتلك السلطة الحقيقية . .
. هذه العناصر ليست متحدة في المصالح ،وفي حال اتحادها في المصالح لا تكون متفقة في
الأحكام التكتيكية ، وفي حالات معينة مثل هذا الموضوع نجدها منقسمة . . . بل ان
تقييم علاقة أمريكا بإسرائيل قد تحدد طبقا للدور المتغيرة لمصالحها الاستراتيجية
السياسية في الشرق الاوسط . . . فرغم المستوى الكبير من التأييد الامريكي لاسرائيل
، فإنه من الخطأ افتراض ان اسرائيل تمثل المصلحة الامريكية الكبرى في الشرق الاوسط
، ولكن المصلحة الامريكية الكبرى تكمن في احتياجات الطاقة الموجودة في المنطقة
وبخاصة في شبه الجزيرة العربية . . . ومنذ الحرب العالمية الثانية اصبح محور
السياسة الخارحية الامريكية هو ضرورة السيطرة على هذه الاحتياطيات . . . ومن نفس
المنطلق فإن امريكا تريد الحفاظ على استمرار تدفق ( البترودولارات ) اليها سواء عن
طريق الصفقات العسكرية او مشروعات التعمير او ودائع البنوك او الاستثمارات . . .
ولذلك
فمن الضروري ان تدافع عن المصلحة الاساسية ضد التهديدات المختلفة . . . ولاشك ان
الدور الرئيس الذي يجب ان يدافع عنه في الشرق الاوسط ، هو الدور السوفياتي ، اما
التهديد الاكثر واقعية الذي تتعرض له الادارة الامريكية في الشرق الاوسط فيتمثل في
اوروبا . . . لذالك ففي الستينيات نجحت أمريكا في ان تحل محل فرنسا وبريطانيا . . .
لقد
كان من نتائج الانقلاب الذي دبرته المخابرات الامريكية لعودة ( الشاه ) الى ايران
عام ( 1953 ) هو تحويل ( 40 % ) من
البترول الايراني من روسيا الى امريكا ، بل واستمر لقلق من التدخل الاوروبي في الشرق الاوسط ، ولذلك عارضت الولايات المتحدة وبقوة
محاولة كل من بريطانيا وفرنسا للعودة الى المنطقة في غزو السويس عام (1956) بالاشتراك مع اسرائيل . . وفي عام (1973) قال ( هنري كيسنجر ) في حديث خاص ان
الاستراتيجية الدبلوماسية الامريكية بعد (1973) هي التأكيد على عدم تدخل اوروبا واليابان في دبلوماسية الشرق الاوسط ، وكانت المعارضة الامريكية للحوار العربي الاوروبي تنبع من نفس المخاوف ..
اسرائيل . . ورقة استراتيجية
التهديد الثالث ، الذي يجب حشد كل القوى
للدفاع عن وجهة النظر الامريكية في الشرق الاوسط القومية الراديكالية ، ففي اوائل الخسمينات ، بدا لوقت ان ( واشنطن ) ربما لها
علاقاتها مع الرئيس ( جمال عبد الناصر ) الذي كان يحظى بالتأييد داخل
المخابرات الامريكية . . وكانت هذه العلاقات قوية جدا لدرجة جعلت اسرائيل تنظم وتمول خلايا ثورية داخل مصر لمهاجمة المنشآت الامريكية على اساس ان تتم مثل هذه الافعال للعناصر القومية المتطرقة في مصر . . ومنذ اواخر الخمسينات بدأت الحكومة الامريكية تتجه لقبول الافكار الاسرائيلية بان اقامة اسرائيل قوية هي ورقة استراتيجية للولايات المتحدة تستخدم كحاجز ضد التهديدات القومية المتطرفة الداخلية ضد المصالح الامريكية ، تلك التهديدات التي يمكن ان تحظى
بمساندة الاتحاد السوفياتي ،
بل ان اسرائيل ابرمت اتفاقيات
سرية مع كل من تركيا وايران واثيوبيا
بتشجيع من ( جون فوستر دالاس ) وزير الخارجية الامريكية آنذاك ، واستمرت هذه الاتفاقيات فترة طويلة ، وخلال الستينات ، بدأ
المخابرات الامريكية تنظر لاسرائيل باعتبارها حاجزا امام الضغوط ( الناصرية ) على دول الخليج المنتجة للبترول ، واما النفوذ السوفياتي ،
وقد اكد من هذا الاستنتاج
الانتصار الاسرائيلي الساحق ( حزيران 1967 ) ، حين احتلت اسرائيل بسرعة سيناء والضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان ، وفي السبعينيات قال المحللون الامريكيون ان اسرائيل ، وايران ـ
تحت حكم الشاه ـ كانا هما
اللذان توليا حماية السيطرة
الامريكية على مناطق انتاج البترول في الخليج ، وبعد سقوط ( الشاه ) ، تطلب دور اسرائيل في خدمة القوة الامريكية زيادة التأييد والمساعدات الامريكية ،
في الوقت نفسه ساعدت اسرائيل الولايات المتحدة على اقتحام افريقيا السوداء ، حيث ساعدت المخابرات الامريكية على مساندة ( هيلاسلاسي ) في اثيوبيا ، و ( عيدي امين ) في او
غندا ، و ( مووبوتو ) في زائير ، و ( بوكاسا ) في جمهورية افريقيا الوسطى ،
كما
كانت اسرائيل هي الوسيطة لتقديم المساعدات الامريكية في امريكا الوسطى لعملاء امريكا ،
فكانت
المساهمات
والخدمات الاسرائيلية في امريكا الوسطى جديرة بالاعتبار سواء في ( نيكاراغوا ) تحت حكم ( سوموزا)
، او ( غواتيمالا ) أو ( السلفادور ) أو ( هندوراس ) ومؤخرا ( كوستاريكا) . . بالاضافة الى ان التحالف بين اسرائيل وجنوب افريقيا و ( تايوان ) يخدم المصالح الامريكية .
التأييد الايديولوجي لاسرائيل
في وم ( 27 حزيران عام 1982 ) كانت الصفحة الاولى لصحيفة ( النيويورك تايمز ) تتضمن ثلاثة موضوعات اخبارية توضح العلاقة الخاصة بين اسرائيل وامريكا ، فكان هناك تقرير اخباري من بيروت كتبه ( ويليم فاريل ) يصف فيه آثار آخر قصف اسرائيلي لبيروت ، والقتلى في القبور الجماعية ،
والمستشفيات وقد امتلأت
بالجرحى وحملت اسطحها
اكوام الجثث . . والجثث في الشوارع تحت الانقاض . . والاطباء يحاولون علاج ضحايا القنابل العنقودية والفوسفورية .. والقوات الاسرائيلية تمنع وصول امدادات الصليب الأحمر . . !!
والموضوع الثاني تقرير من ( برنارنوستر )
من نيويورك يقول كيف اوقفت الولايات المتحدة قرار مجلس الامن بايقاف المذبحة التي شهدها لبنان في ذلك الوقت بسبب واحد هو ان القرار يتعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية كقوة سياسية !! الموضوع او التقرير الثالث من " آدم كليمر " من ( فيلادلفيا ) يتحدث فيه عن التأييد المتعاطف من جانب المؤتمر القومي الديمقراطي للغزو الاسرائيلي للبنان . . !!
والامر
لا يحتاج الى تعليق ، بل انه مما
يدعو للدهشة ان هناك حادثين كان
الضحية فيهما هي الولايات
المتحدة ولم نسمع او نقرا اية انتقادات لاسرائيل من
المسؤولين الامريكيين . .
الحادث الاول : ذكرناه سابقا ، وهو الهجمات الارهابية الاسرائيلية ضد المنشآت الامريكية وبعض المرافق العامة في مصر .
ـ
اما الحادث الثاني : فهو الهجوم على السفينة
( ليبرتي ) بالصواريخ ومدافع الطائرات والنابالم والطوربيدات مما ادى الى مصرع ( 34 ) من افزاد طاقم السفينة ، واصابة ( 75) في اسوا كارثة بحرية تقع في وقت السلم في القرن العشرين . . !!
وقالت اسرائيل ان الهجوم وقع عن طريق ( الخطأ ) . . بينما تأكد الجميع ومنهم ( الادميرال توماس مور ) رئيس اركان الجيش الامريكي السابق من كذب هذا الادعاء الاسرائيلي ، ولكن الصحافة الامريكية استقبلت هذا الامر بصمت مطبق ، ذلك لأن هناك الكثيرين من الجماعات المؤيدة لاسرائيل وليس اليهود الامريكيون فقط . . !!
*
ماذا كانت مواقف وسياسات المشتركين في النزاع العربي / الاسرائيلي ، وهؤلاء المهتمين بهذا الصراع خلال الفترة منذ (1967) عندما اصبحت العلاقات الامريكية الاسرائيلية في الشكل الذي هي عليه الآن ؟..
ـ
لكي نجيب على هذا السؤال فان علينا ان نبدأ بتوضيح وجهة نظر هؤلاء الذين يقولون ان فلسطين هي وطنهم . . وتختلف المواقف تجاه هذه المسألة بشكل كبير ، وسوف اذكر هنا ـ الحديث للكاتب ـ ببساطة بعض الافتراضات التي سأتخذها كاطار للبحث . .
*
اول هذه الافتراضات هو المبدأ
الذي يقضي بأن اليهود الاسرائيليين والعرب الفلسطينيين هم كائنات بشرية لهم حقوق انسانية . . حقوق متساوية . وبعنى أوضح . . لهم حقوق
متساوية جوهرية داخل اراضي فلسطين . . يستخدم مفهوم الرفض في الولايات المتحدة للاشارة لموقف هؤلاء الذين ينكرون حق الوجود لدولة اسرائيل ، أو هؤلاء الذين ينكرون ان لليهود حقا في تقرير المصير الوطني داخل فلسطين ، ولكن هذا المفهوم يجب ان يمتد
ليشمل موقف هؤلاء الذين ينكرون حق تقرير المصير للعرب الفلسطينيين الذين كانوا يمثلون تسعة اعشار سكان فلسطين القديمة خلال الحرب العالمية الاولى عندما الزمت بريطانيا نفسها بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين . .
لماذا
رفض امريكا ؟
منذ
عام (1967) تشكل اجماع دولي واسع
يشمل اوروبا والاتحاد السوفياتي معظم دول عدم الانحياز ، يدافع هذ الاجماع مبدئيا عن التسوية السياسية عبر حدود ما قبل ( حزيران 1967 ) ، مع وضع
ضمانات أمنية وحدود معترف بها وكل ما يساعد على تأكيد السلام والاستقرار ، ويرى هذا الاجماع انه يجب دمج اسرائيل تدريجيا في المنطقة على ان تظل في جوهرها تمثل المجتمع الأوروبي الغربي ، هذا هو الاسلوب الذي يفهم من الوثيقة الدولية الاساسية . . قرار مجلس الامن رقم ( 242 ) . . كما تراه معظم دول العالم . . هذا رغم
ان الاجماع الدولي هذا ينكر الحقوق الوطنية للعرب الفلسطينيين الذين يشير اليهم هذا الاجماع فقط على انها مشكلة لاجئين ، ولهذا السبب رفضت المنظمة القرار ، وربما كان هذا الرفض خطا تكتيكيا ولكن من السهل تفهم دوافعه . .
فلم يكن احد يتوقع من المنظمة
الصهيونية العالمية ( عام 1947) ان
توافق على قرار الامم المتحدة بخصوص فلطسين والذي اشار الى المصالح اليهودية على انها مشكلة لاجئين وانكر أي زعم بحقوق وطنية واي وضع للحركة الصهيونية او منظماتها .. ورفضت الولايات المتحدة اجراء اية اتصالات مباشرة مع منظمة التحرير الفلسطينية على اساس رفضها ـ السابق ـ القرار رقم ( 242 ) ورفضها الاعتراف بوجود اسرائيل . . واكدت الولايات
المتحدة هذا الرفض في مذكرة اتافق ابرمها مع اسرائيل ( هنري كيسنجر ) وزير الخارجية الامريكية في ( ايلول عام 1975). . هذا رغم ان كيسنجر نفسه قل امام اللجنة الخارجية بمجلس النواب الامريكي ، ان بنود هذه المذكرة ليس التزامات من جانب الولايات المتحدة ، ولكن مهما كان
موقف المنظمة من القرار رقم (242) فان الواضح ـ كما سنرى ـ ان هذا المنظمة ترغب اكثر بكثير من اسرائيل وامريكا في تحقيق تسوية سلمية ، والغريب حقا الا يكون رفض اسرائيل الاعتراف بالمنظمة او قبول الحقوق الوطنية للفلسطينيين سبباً من جانب
الولايات المتحدة لرفض اجراء اتصالات مع اسرائيل . .
ومن
منتصف السبعينات ، تعدل الاجماع الدولي في مفهوم محدد ، فقد تم الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير ،
ويشمل الاجماع الدولي الآن مفهوم اقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة مع بعض التعديلات الطفيفة في الحدود ، ووجود هذا الاجماع الدولي وطبيعة قوى الرفض التي تعرقل تحقيقه مفهوم جدا خارج الولايات المتحدة ويعترف به عدد من المراقبين داخلها . .
وبعيدا
عن اسرائيل والولايات المتحدة ودول
عربية قليلة ومجموعات محدودة داخل المنظمة ، هناك تأييد كبير يشبه اجماعا للتسوية بناء على الاجماع . . وعلى افتراض ان هذا الاجماع الدولي معقول في جوهره ، تعالوا نتعرف على مواقف الاطراف السياسية وهي : الولايات المتحدة ، واسرائيل ، والفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال الاسرائيلي ،والدول العربية ، ومنظمة التحرير الفلسطينية
.
وجهاً
لوجه : ( كيسنجر ) و ( روجرز
)
على
قد اهتمام الولايات المتحدة بازمة الشرق الاوسط فقد ظهر موقفان متعارضان خلال فترة من الزمن . . الموقف الاول تمثل في مشروع ( روجرز ) الذي
أعلنه ( ويليام روجرز ) وزير
الخارجية الامريكية في ( كانون الاول عام 1969) وكان يعكس الاجماع الدول في ذلك الوقت ، الموقف الآخر هو موقف ( هنري كيسنجر ) الذي دافع عن ضرورة رفض " اسرائيل الكبرى " لأية تسوية وضرورة استمرار سيطرتها على الاراضي المحتلة ، ولكن رغم ان هذا الموقف لم يصرح به علانية ، الا ان السياسات التي اتبعت في ذلك الوقت اكدته ، وظهر بوضوح في (
مذكرات كيسنجر ) فقد نجح ( كيسنجر ) في السيطرة على شؤون الشرق الاوسط عام ( 1970) ، واصبح هذا الموقف هو الذي يمثل السياسة الامريكية عمليا . .وظل هو نفس خط السياسة الامريكية منذ ذل الوقت وان حدثت عليه بعض التعديلات بعد حرب ( تشرين 1973) ، واستمر النقاش حول التناقض بين هذين الموقفين . . ولعبت قوى الضغط التي اشرنا اليها دورها لتغليب الموقف الثاني . . بل ان كبار مؤيدي اسرائيل داخل الولايات المتحدة بدأوا يتهمون الحكومة الامريكية كلما حاولت اتخاذ موقف اكثر عدلاً بأنها تحاول بيع اسرائيل مقابل (البترول) العربي . . وخاصة في مستوى المساعدات الامريكية لاسرائيل بعيدا عن أي شيء آخر .
ان الواقع يقول ان الفلسطينيين هم الذين بيعوا في الولايات المتحدة دون أي اعتراض من جانب احد لصالح دولة اسرائيل العسكرية التي تستخدم كحماية للمصالح الامريكية في السيطرة على احتياطيات البترول في الشرق الاوسط . . !!
بين
الليكود والمعراخ
داخل
اسرائيل هناك مجموعتان سياسيتان كبيرتان : ائتلاف ( المعراخ) الذي
يسيطر عليه حزب العمل ، وائتلاف ( الليكود) ويسيطر عليه حزب ( حيروت ) ،
وهذان التجمعان لا يختلفان بشكل جوهري فيما بخص الاراضي العربية المحتلة . . فكلاهما يرفض أي تعبير عن الحقوق
الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية ، وهما يتخذان هذا الموقف بحجة الامن . . امن اسرائيل !!
ولا
شكل ان اسرائيل تواجه مشكلة أمنية جدية وخطيرة . . ويعد هذا الموضوع ( امن اسرائيل ) من الموضوعات التي تحظى باهتمام كبير داخل الولايات المتحدة ، ولكن هذا الاهتمام يعكس مرة اخر العنصرية الشديدية من
جانب امريكا للمشكلة ، اليس للسكان الفلسطينيين داخل اسرائيل وتحت الاحتلال الاسرائيلي مشكلة امنية . . ؟ انهم يعانون المصيبة التي يخشاها الاسرائيليون ولكن من نفس المنطق يمكن ان يرد عليهم بأن المشكلة يمكن حلها بان يستوطن اليهود الاسرائيليون ( نيويورك ) ، حيث
توجد اعداد ش هائلة من القيود هناك
من بينهم عمدة المدينة وكبار المسؤولين بها ، ولا داعي للحديث عن دورهم في الحياة الاقتصادية والثقافية وهناك بعد ذلك مشكلتان امنيتان يجب تناولهما ، ففي حالة
تحقيق الاجماع الدولي فهناك مشكلة امنية سوف تظل قائمة بالنسبة لهذه الدولة الفلسطينية التي تواجه واحدة من القوى العسكرية الكبيرة في العالم ،
وتعتمد هذه الدولة
الفلسطينية على اكثر الدول
العربية محافظة لبقائها ، ومهما كانت المشاكل الامنية التي سوف تواجهها اسرائيل من هذه الدولة فانه لا يمكن
مقارنتها بالمشكلة الامنية التي يمكن ان تواجهها في حال استمرار
سياستها التوسعية التي سوف تؤدي الى اضطرابات لا نهائية وحروب . . ودمار ان عاجلاً او آجلاً .. والمشكلة الثانية هي ان الاراضي المحتلة تمد اسرائيل بالقوى العاملة التي تلعب دورا كبيرا في الاقتصاد الاسرائيلي . .
وهن
يقول " شالي فيلدمان ـ من مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة ( تل ابيب ) : " ان هناك قطاعات مهمة من الاقتصاد الاسرائيلي لا يمكن ان تعمل حاليا بدون
القوى العاملة القادمة من الضفة الغربية والقطاع في مجالات التعمير والسياحة . . وحتى الزراعة .. وهذه الاراضي كذلك هي سوق مسيطر عليها للبضائع والسلع الاسرائيلية حيث تصدر اسرائيل لهذه الاسواق بما قيمته (600 مليون ) دولار سنويا
،وتحصل اسرائيل على قيمة هذه
الصادرات بالعملة الصعبة ، حيث ان الاراضي المحتلة بدورها تصدر با قيمته مليون دولا
سنويا من المتتجات الزراعية للاردن ودول الخليج ، ودخل اسرائيل من السياحة في الضفة الغربية وحدها يبلغ ( 500 مليون ) دولار . . اذن فان خسارة اسرائيل من التخلي عن الاراضي المحتلة ستصل الى مليار دولار في العام ،
بالاضافة الى ذلك فان
اسرائيل تعتمد بصورة كبيرة على الضفة
الغربية لامدادها بالمياه ، هي سلعة اهم كثيرا من البترول في الشرق الاوسط ، فمصادر المياه داخل اسرائيل يتم استغلالها لدرجة قصوى ، وتقدر كميات المياه التي تحصل عليها اسرائيل من الضفة الغربية كمية المياه التي تستخدمها سنوياً ، لذلك كان رفض اسرائيل لمبادرة الرئيس (
ريغان ) للسلام التي جاءت ( اول ايلول 1982 ) ، والي تقضي بأن تصبح السلطة الحقيقية في الضفة الغربية السكان الفلسطينيين .
وتحتلف
وجهة نظر كل من المجموعتين السياسيتين الرئيستين في اسرائيل حول الترتيبات التي يفضلها كلاهما للاراضي المحتلة ، يتبنى حزب العمل ما يسمى بـ ( خطة آلون ) التي اقترحها
الوزير ( ايغال آلون ) ، وتقضي الفكرة الرئيسة باستمرار احتفاظ اسرائيل بالسيطرة على هضبة الجولان وقطاع غزة واجزاء من سيناء الشرقية ومعظم الضفة الغربية بما فيها وادي الاردن مع استبعاد المراكز التي يعيش فيها الفلسطينيون بكثافة لتجنب ما اسماه (آلون ) " بسؤال الديموغرافية " وتعني مشكلة استبعاد غير اليهود من الدولة اليهودية ، ولا يزال هذا موقف حزب العمل حيث قال ( اسحق رابين )
رئيس الوزراء الاسبق ان اسرائيل على استعداد لاعادة ( 65 % ) من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة التي يسكنها (80 % ) من
الفلسطينين حاليا ، أما كتلة (ليكود ) فهي مد السيطرة الاسرائيلية على الضفة الغربية وغزة بعد ان ضمت بالفعل مرتفعات الجولان الى السيطرة الاسرائيلية وهو اجراء على المدى القصير تستطيع الحكومة الاسرائيلية من خلال ممارسة اجراءات القمع وطرد الفلسطينيين وأكبر عدد من السكان حتى لا تواجهها مشكلة اعطاء الجنسية لهم في حال ضمها للضفة الغربية وقطاع غزة ، وهكذا يتصح انه ليس هناك خلاف جوهري بين المجموعتين السياسيتين الكبيرتين في اسرائيل ،
وهذه الصيغة الرفضية للتفاوض مع الفلسطينيين اخذت طريقها في
الولايات المتحدة بطريقتين : الاولى
ما ذكرناه عن تطبيق مفهوم الرفض في امريكا على الذين يريدون الاعتراف باسرائيل . . والثانية ان اسرائيل دائما ما تعلن عن رغبتها في التفاوض مع الدول العربية . . وهم يعلمون ان العرب سيرفضون لعدم اعلان اسرائيل عن رغبتها في التفاوض مع الفلسطينيين . . وهكذا يحدث الالتزام من جانب الولايات المتحدة كذلك في رفض الحقوق الوطنية للفلسطينيين ،وقد اتضح في الهجوم الذي شنه اليهود الامريكيون على
الرئيس الامريكي ( رونالد ريغان ) .. فقد عرضت اسرائيل على لبنان فتح الحدود بينهما
والتبادل التجاري والسياحي واجراء المفاوضات في عاصمة كل منهما .. حدث ذلك بعد
الغزو الاسرائيلي للبنان في حزيران عام (1982) ، وهنا كانت وجهة النظر الامريكية
انه لا يمكن تحقيق السلام بين لبنان واسرائيل ما لم تنسحب اسرائيل من الضفة الغربية
.. وهناك كان الهجوم من جانب منظمات اليهود الامريكيين لمجرد تغير الموقف الامريكي
المساند لها دائما ..
الفلسطينيون
تحت الاحتلال الاسرائيلي .
الطرف
الثالث الذي يجب أن ننظر اليه بعين الاعتبار هو سكان الاراضي العربية المحتلة ـ
الضفة الغربية وقطاع غزة .. هؤلاء السكان الذين يتعرضون للتجاهل داخل
الولاياتالمتحدة على اساس عنصري في جوهره ، في بداية ايام الاختلال رفضت حكومة حزب
العمل الاسرائيلية السماح لأي تنقل من جانب السكان ، وفي عام (1976) سمح بإجراء
انتخابات حرة للمجالس البلدية في الضفة الغربية ..وأوضح المورشحون المنتخبون أنهم
يعتبرون منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي لهم ، وأرجعت حكومة (بيغن ) ذلك
الى الضغط على السكان لاختيار هؤلاء ،ولم سكن ذلك حقيقيا، فقد حدث التدخل في
العملية الانتخابية من جانب اسرائيل لصالح عدد من العناصر الممحافظة ،بعد ذلك تم
طرد اثنين من العمد المنتخبن في الضفة بحجة خرق القوانين العسكرية الاسرائيلية
..ولم تتخذ أي كزقف بخصوص هذه الانتخابات ،وقال الصحفي ( امنون كابيلوك ) ان هناك
كيانا سياسيا واضحا ظهر في الاراضي المحتلة في ذلك الوقت يرى في المنظة ممثلا شرعيا
،وابدى هذا الكيان السياسي استعدادا للتوصل الى تسوية سليمة مع اسرائيل وبدلا من
الاعتراف بحق تقرير المصير للفلسطينيين في اسرائيل فتحت حكومة ( اسحق رابين ) ـ
العمل ـ الباب لحركة ( غوش ايمونيم ) المتطرفة لكي تبعث اعضاءها للاستيطان في
الاراضي المحتلة..
منذ
ذلك الوقت أكد سكان الأراضي المحتلة تأييدهم للمنظمة وقيام دولة فلسطينية مستقلة في
كل مناسبة ممكنة ونذكرمثالين على ذلك ..خين أرسل عمد الضفة الغربية خطابا لوزير
الخارجية الامريكية الذي كان يزور المنطقة عام (1977) يقولون فيه ان الشعب
الفلسطيني قد اختار منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ( ياسر عرفات ) كممثل شرعي
ووحيد لهم .المثال الثاني عندما خرجت قوات المنظمة من بيروت في (أيلول 1982) ،أكد
اثنان من عمد الضفة الغربية هما ( الياس ) و ( رشاد الشوا ) استمرار تأييدهما
للمنظمة بصورة أكبر بعد الغزو الاسرائيلي للبنان ..كما أجرى معهد( بوري ) استطلاعا
للرأي في الضفة الغربية عام (1982) بين الفلسطينيين ،أظهرت النتائج ان (34%) يؤيدون
إنشاء دولة فلسطينية . . وقال (86%) انهم يرون ان تدار هذه الدولة بواسطة منظمة
التحرير الفلسطينية ،وعن اكثر الشخصيات القيادية المقبولة من بين السكان في الضفة
الغربية جاء ( بسام الشكعة ) في المركز الاول ..وكان الاستفتاء قد أجري بعد قليل من
قيام الحاكم المدني الاسرائيلي ( مناحم ميلسون ) بإقالته من منصبه كعمدة لمدينة (
نابلس ) ،وكان ( بسام الشكعة ) قد اصيب في انفجار قنبلة من قنابل القوات
الاسرائيلية في ( حزيران عام 1980 ) مما ادى الى بتر رجليه ..ولم يحرز أي تقدم في
التحقيقات التي أجريت للكشف عن شخصية مرتكب الحادث رغم سهولة التعرف على كل من له
صلة بمثل هذا النوع المتطور من المتفجرات
التي يستخدمها الجيش
الاسرائيلي . . وذكرت العديد من
الصحف الاسرائيلية ان مرتكبي الحادث ليسوا سوى من اليهود المتطرفين الذي يستوطنون الارض ، وقال احد الصحفيين العاملين بصحية( هآرتس ) الاسرائيلية انه عندما ترتكب اية اعمال عنف ضد المستوطنين اليهود فان القوات الاسرائيلية تدمر منازل عائلات كل من يشتبه في صلته بهذه الحوادث ، ويتم فرض حظر التجول ويعتقل الكثيرون لاستجوابهم . . وتبدأ الصحف
الامريكية في التنديد بالارهاب (
العربي ) ؟! . . وهي نفس الصحف التي تقلل من الارهاب ( الاسرائيلي ) . . !!
فقد ذكرت ( التايمز ) الامريكية ان شابا فلسطينيا لقي مصرعه بينما كان الجنود الاسرائيليون يطلقون النار على قدميه . . !!
والغريب ان ( بسام الشكعة ) تعرض لمواقف سيئة من جانب الحكومة الاسرائيلية بعد هذا الحادث ، اذ رفضت الحكومة التصريح له بالسفر الى هولندا للعلاج بحجة انه سيستخدم الزيارة في نشر معلومات كاذبة عن الاحتلال الاسرائيلي !!
وعندما طلب السماح
لأبنته بالسفر الى الولايات المتحدة لتكملة دراستها في جامعة " نورث كارولينا " في ( تشرين اول 1982 ) رفضت السلطات الاسرائيلية كذلك ، ومنع رجال الحرس الاسرئيليون الصحفيين من ( هآرتس) و ( جيروزاليم بوست ) من لقاء (الشكعة ) . .
؟
امريكا . . وسكان الاراضي المحتلة ؟
ان آمال وتطلعات السكان الفلسطينيين في الاراضي المحتلة ( متجاهلة ) تمام في الولايات المتحدة .
. ليس لأن الحقائق غير معروفة . . ولكن لأن الفلسطينيين هناك ليست لهم نفس الحقوق الانسانية المعترف بها لصالح اليهود الاسرائيليين لذلك لا يرى الامريكيون أي داع لمعرفة وجهة نظر السكان الفلسطينيين ، ويجب ان نضيف ان وجهة نظر السكان من
الاراضي المحتلة بشأن انشاء دولة فلسطينية مستقلة وشرعية منظمة التحرير الفلسطينية . . يشاركهم فيها كذلك ( الاسرائيليون العرب ) . . وقد كتب احد هؤلاء الزعماء العرب في اسرائيل ويدعى ( سيف الدين الذويبي ) رسالة الى ( مناحم بيغن ) يحتج فيها على غزو اسرائيل للبنان . . ويقول ان ( عملية السلام من أجل الجليل ) قد
تعرت اهدافها وقال :انه ليس من المعجبين
بياسر عرفات ولكنه ايقن بعد
غزو لبنان ـ كما ايقن الجميع ـ ان ( عرفات ) هو الوحيد الذي يصلح ممثلا العرب الفلسطيني . .
الدول
العربية . . ومنظمة التحرير
بعد
ان استعرضنا معاً الاجماع الدولي ومواقف كل من الولايات
المتحدة واسرائيل والفلسطينيين من الاراضي المحتلة . . ماذا عن الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية ؟؟
في
الفترة اللاحقة مباشرة على حرب (
حزيران 1967) اتخذت الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية موقفا رافضا يماثل تماما موقف الولايات
المتحدة واسرائيل . . ثم بدا هذا الموقف الرافض ( يتآكل ) . . ففي ( شباط عام 1970) اعلن
الرئيس الراحل ( جمال عبد الناصر ) انه سيكون من
الممكن التوصل الى سلام دائم بين اسرائيل والدول العربية ، لا يستبعد العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية اذا انسحبت اسرائيل من الاراضي المحتلة وقبلت تسوية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين . . ولم ترد اسرائيل على تصريحات ( عبد الناصر ) في ذلك الوقت . . رغم ان
تسوية مشكلة اللاجئين في اطار سلام تفاوضي كانت هي الموقف الرسمي للولايات المتحدة وللعالم كله باستثناء اسرائيل منذ عام (1949) ، ولنا ان نذكر ايضا ان ( عبد الناصر ) لم يشر
الى انشاء دولة فلسطينية ،وهو ما اتفق فيه مع الاجماع الدولي في ذلك الوقت ،
وقبل ( عبد الناصر ) كذلك
مبادرة ( روجرز ) في ( حزيران عام 1970) ، وكان هذا القبول خطوة بناءة وشجاعة في رأس المؤرخ الصهيوني ( جون كيمحي ) .
بعد وفاة ( عبد الناصر ) وفي ( شباط عام
1971 ) عرض الرئيس الراحل (أنور السادات ) على اسرائيل
معاهدة سلام كاملة على العودة
الىحدود ما قبل ( حزيران 1967)
بضمانات أمنية وحدود معترف بها ..
وقد تسبب ذلك في اثارة الانزعاج داخل
اسرائيل ، بل والالم على حد قول الصحفي الاسرائيلي المعروف (
عاموس ايلون ) ورفضت
اسرائيل ذلك في بيان قالت فيه انها
لنتعود الى حدود ما قبل (
حزيران 1967 ) . .
ولنا ان نلاحظ ان ما عرضه ( السادات ) على اسرائيل عام (1971) كان افضل بكثير بالنسبة لاسرائيل على ما عرضه في ( تشرين الثاني عام 1977 ) خلال رحلته الى القدس التي جعلته " رجل السلام " . . حيث انه لم يذكر في ( 1971) شيئا عن الحقوق الفلسطينية التي أصر عليها عام (1977) وكانت العقبة الكبيرة في اتفاقيات ( كامب ديفيد ) ، وكان عرض ( السادات ) متوافقا
مع خط الاجماع الدولي في ذلك الوقت
ومع مشروع (روجز) الذي رفضته
اسرائيل بشدة ، وكان رد فعل اسرائيل الوحيد على عرض السادات بعيدا عن الرفض الفوري الصريح هو زيادة عدد
المستوطنات اليهودية في الاراضي المحتلة من جانب حكومة حزب العمل في ذلك الوقت ،
وهو بالضبط ما فعله ( بيغن )
رداً على مبادرة الرئيس (ريغان )
للسلام عام (1982) ـ كذلك أعرب (
السادات ) في ذلك الوقت عام (1971)
عن رغبته في التعايش السلمي مع اسرائيل في حديث لمجلة ( نيوزويك) الامريكية ، وفي نفس الوقت الذي أعلن فيه ( عبد الله صلاح ) استعداد الأردن للاعتراف باسرائيل اذا عادت الى حدود ما قبل ( 1967) ـ ولم ترد اسرائيل ..!!؟
ونعود الى عرض ( السادات ) في ( شباط 1971) لنجد ان الولايات المتحدة كانت تساند اسرائيل في رفضها ، فلسوء حظ ( السادات ) ان هذا العرض
جاء في وقت كانت اسرائيل قد صنعت لنفسها صورة الورقة الاستراتيجية الرابحة لواشنطن في الشرق الاوسط وقال ( كيسنجر ) ان اسرائيل اصبحت قوة لا يمكن تحديها . . بل ا ادارة الرئيس الامريكي (نيكسون ) تحت تأثير ( كيسنجر ) قررت وقف جميع المحاولات من الخارجية الامريكية التي تستهدف تحقيق تسوية سلمية تتفق مع الاجماع الدولي ، وتم ارسال مبعوث للسفراء الامريكيين في الشرق الاوسط لاعلان وقف جميع المحاولات ، ورد السفراء بأنه اذا علم دول
الشرق الاوسط بوقف محاولات التسوية السلمية فسوف تندلع حرب مدمرة ،وحذر ( السادات ) مرارا وتكرارا بأنه سيتجه الى الحرب اذا فشلت جهوده لتحقيق تسوية سلمية ، ولكن تحذيراته ذهبت ادراج الرياح بسبب الثقة الشديدة في التفوق العسكري الاسرائيلي . . كذلك لم ينظر بعين الاعتبار للتحذيرات القادمة من شركات البترول الامريكية العاملة في الجزيرة العربية بشأن التهديدات التي يمكن ان ان تتعرض لها المصالح الامريكية . .
تحذير
( جولدمان ) من السادات
في ذلك الوقت ، حذر ( ناحوم جولدمان ) ـ
احد الشخصيات الكبيرة في الحركة الصهيونية ـ من ان ( السادات ) الذي اتخذ سياسة ( شجاعة ) باعلانه استعداده للاعتراف باسرائيل يمكن ان يتجه الى الحرب
اذا لم يحصل على نتائج لهذه السياسة . . ولكن اسرائيل لم تعط اذنه سوى لكيسنجر ، وبعد ان أسقطت اسرائيل ( 13 ) طائرة سورية في معركة جوية فقدت فيها طائرة اسرائيلية
واحدة . . كتب احد المعلقين يقول : ان هذه المعركة ستذكر
جيراننا العرب بأنهم لا يستطيعون عمل شيء دون الاخذ في الاعتبار من هو ( سيد ) هذه المنطقة ؟! ( تشرين الاول 1973) نفذ ( السادات ) وعيده . . كما قال عدد من المراقبين . . فبعد ان ادرك ( السادات ) ان اكل جهوده الدبلوماسية يمكن ان تؤدي الى نهاية ( ميتة ) قرر الاتجاه الى الاختيار العسكري الذي ارتبط بالحظر البترولي . . وكانت مفاجأة لاسرائيل امريكا وللعالم كله عندما نجحت القوات المصرية والسورية في الحرب ، واستخدمت السعودية ، ولأول مرة ، سلاح البترول ، وكانت المسؤولية في كل هذه التطورات تقع على عاتق تجاهل ( كيسنجر ) واعتماده الاعمى القوة ، عند هذه النقطة تغيرت السياسة الامريكية ،وبدأ ( كيسنجر ) محاولاته وجولاته المكوكية ،واستمرت مصر تطالب بتسوية سلمية شاملة ، وفي ( كانون الثاني 1976)
اضطرت الولايات المتحدة
لاستخدام حق ( الفيتو ) على
قرار لمجلس الامن يدعو الى تسوية على
اساس حدود ( 1967) مع وضع
ترتيبات امنية لضمان السيادة
والوحدة الاقليمية والاستقلال السياسي لكل دول المنطقة وحقها في العيش في سلام داخل حدود آمنة ومعرف بها بما فيها اسرائيل ، ودولة فلسطينية جديدة في الاراضي المحتلة ، أيدت هذا القرار مصر وسوريا والاردن ومنظمة التحرير الفلسطينية والاتحاد السوفياتي . . وقال (حاييم هيرتزوغ) ـ مندوب اسرائيل في الامم المتحدة في ذلك الوقت ـ ان المنظمة لم تؤيد القرار فقط ولكنها شاركت في اعداده . . وفي العام التالي قامت مصر وسوريا والاردن بابلاغ الولايات المتحدة بانهم سيوقعون اتفاقات سلام مع اسرائيل كجزء من تسوية شاملة في الشرق الاوسط . . وفي ( 20 آذار 1977) اصدر المجلس الوطني الفلسطيني بيانا دعا فيه الى اقمة دولة وطنية مستقلة في
فلسطين ، بعدها بقليل سربت المنظمة
مشروع سلام في بيروت ذكرت فيه ان الميثاق الوطني الفلسطيني الشهير لن يكون اساسا للعلاقات بين اسرائيل والدولة الفلسطينية ، بعدها بشهور قليل وافقت المنظمة على البيان الامريكي
السوفياتي الصادر في ( تشرين اول
1977) الذي يدعو الى انهاء حالة
الحرب واقامة علاقات سلام عادية بين اسرائيل
وجيرانها ، وكذلك حدود مضمونة دوليا ومناطق عازلة لتأكيد الامن ، ولكن الولايات المتحدة سرعان ما سحبت موقفها من هذا البيان المشترك تحت ضغط الاحتجاج الاسرائيلي ، فاسرائيل قالت انها لن تقبل تسويات مفروضة من جانب القوى العظمى . . ! وكان فشل كل هذه الجهود هو الذي أدى بالسادات الى القيا برحلته الى القدس عام (1977) التي دفعه اليها رغبته في
دعوة القوى الكبرى لتسوية النزاع في مؤتمر ( جنيف ) ، ومن المحتمل ان ( السادات ) قد دفعه الى ذلك خشية اتساع نطاق الصراع عبر الحدود اللبنانية الاسرائيلية ، وهو ما بدأ في القصف الاسرائيلي لبلدة ( النبطية ) والغارات الاسرائيلية التي اسفرت عن مصرع (70) معظمهم من اللبنانيين .
التهديد المستمر بالسلام
كتب الصحفي الاسرائيلي المعروف ( عاموس ايلون ) عن رد الفعل الحزين والفزع الذي انتاب زعماء اسرائيل بسبب مقترحات السلام العربية ، والتي كان أوضحها ما حدث في اوائل عام (1971) عندما افقد ( السادات )
اسرائيل توازنها باعلانه ـ للمرة
الاولى ـ استعداده للدخول في سلام مع
اسرائيل واحترام استقلالها وسيادتها في حدود آمنة ومعترف بها ، وصف ( ايلون ) رد الفعل السلبي من الحكومة وصمت معظم الصحف ومحاولات الكثيرين لاثبات ان ( السادات ) لا يعني ما زال ، وكتب (ايلون ) مقالا عن رد الفعل الغاضب من جانب الحكومة الاسرائيلية على مشروع السلام الذي وضعه ( الملك فهد ) ملك السعودية في ( آب 1981) ـ قال (ايلون ) ان هذا المشروع اصاب اسرائيل بالصدمة والخوف ، ولا مبالغة في ذلك قد كان رد فعل اسرائيل بتضمن القيام بطلعات عسكرية فوق السعودية مما سبب قل اجهزة المخابرات الاجنبية من امكانية قيام اسرائيل بقصف حقول بترول السعودية ، ووصف صحفي آخر هذا الرد ( الهستيري ) من جانب الحكومة الاسرائيلية على المشروع السعودي بأنه خطا كبير . . واضاف هذا الصحفي انه اذا عرضت منظمة التحرير الفلسطينية للتفاوض مع اسرائيل فان الحكومة الاسرائيلية ستقوم باعلان ذلك اليوم ـ بلا شك ـ يوما للحداد الوطني . . وفي الحقيقة فان المنظمة اعربت مرارا عن استعدادها لقبول تسوية سلمية عن طريق المفاوضات والاشتراك في مفاوضات عامة للسلام ، ولم يكن ضروريا اعلان ( الحداد ) طالما استمر انكار الحقائق فعليا ، بعدها بأشهر قليلة وفي ( شباط 1982) انقد ( يوري افنيري ) رد
فعل اسرائيل مماثلا على اقتراح سوري يدعو الى انهاء حالة الحرب بين العرب واسرائيل في حالة تأكيد حق الفلسطينيين في
انشاء دولة مستقلة في الاراضي المحتلة ، في نفس الشهر دعا راديو السعودية الرسمي مرتين ال اجراء
مفاوضات مباشرة بين العرب واسرائيل
بشرط ان تعترف اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كشريك في التفاوض ، ورفضت اسرائيل متجاهلة هذه المبادرات ، كما تجاهلت مبادرة عراقية مماثلة ، ولكن الغريب ان الولايات المتحدة ـ هي الأخرى ـ تجاهلت مبادرات مماثلة من جانب منظمة التحرير الفلسطينية ، ففي ( تشرين ثاني 1978) اصدر ( ياسر عرفات ) رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بيانا يستهدف فيه طلب اجراء حوار مع الولايات
المتحدة قال فيه : " ان منظمة التحرير الفلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وفي هذه الحالة فسوف تستكر استخدام اية وسائل عنف لتوسيع اراضي تلك الدولة ، ولكن احتفظ بحقي ـ بالطبع في استخدام الوسائل الديمقراطية والدبلوماسية لتوحيد كل فلسطين مع الاعتراف بدولة اسرائيل " !!
ولم
يكن هناك أي رد فعل على ذلك من جانب حكومة الرئيس ( كارتر ) ، وفي ( نيسان عام 981 ) وافق المجلس الوطني الفلسطيني بالاجماع على قرار بالموافقة على اقتراح سوفياتي اعلنه الرئيس السوفياتي (
ليونيد بريجنيف ) في ( شباط )
من نفس العام قال فيه ان السلام في الشرق الاوسط يعتمد على المبادىء التالية :
ـ
ضمان حقوق الشعب الفلسطيني ، ومن
بينها اقامة دولة فلسطينية .
ـ ضرورة ضمان امن وسيادة كل دول المنطقة بما
فيها اسرائيل .
وفي
مؤتمر صحفي عقد في ( باريس ) ي ( 4
تموز عام 1982) قال ( عصام سرطاوي )
ـ عضو المجلس الوطني الفلسطيني الذي اغتيل بعد ذلك في (10 نيسان عام 1983) في البرتغال ، انه بموافقة المجلس على اقتراح ( بريجنيف ) تكون المنظمة قد ازالت ـ بصورة اوتوماتيكية ـ تلك
العقبة التي وضعها وزير الخارجية الامريكية السابق (هنري كيسنجر ) في طريق اعتراف الولايات المتحدة بالمنظمة واجراء حوال بين الانظمة والولايات المتحدة . . ورغم كل شيء تستمر اتهامات اسرائيل للمنظمة بأنها ( متعنتة ) في رفضها لقبول وجود اسرائيل تحت اية شروط . .
!!
وتجري صحيفة ( هآرتس ) الاسرائيلية حديثا مع ( شفيق الحوت ) المتحدث الرسمي باسم المنظمة في بيروت والذي يقول فيه : " ان المنظمة على استعداد لتقديم السلام لاسرائيل بشرط ان تطبق اسرائيل جميع قرارات الامم المتحدة وتعترف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ،اننا على استعداد للمشاركة في أي جهد رسمي يستهدف تحقيق تسوية عادلة وشاملة في الشرق الاوسط .
ان
كل ما تناولناه .. يؤكد وبقوة . .
نتيجة واحدة هي ان الولايات المتحدة واسرائيل تتزعمان معسكر الرفض بصورة متزايدة منذ السبعينات ، بينما تبدو الدول العربية الداخلة في النزاع بصورة مباشر متجهة الى الاجماع الدولي بضرورة التوفيق ، وكذلك منظمة التحرير الفلسطينية ، ولكن للاسف فان الصورة غير واضحة داخل الولايات المتحدة الامريكية !!
ـ
فمنذ عام ( 1949) بدأت اسرائيل تحاول
طرد اللاجئين الفلسطينيين من مناطق الحدود وتدمير اية كيانات عسكرية او سياسية تظهر لهم ، وكان غزو لبنان في صيف ( 1982) خطوة متقدمة في محاولاتهم .. وفي هذا يقول "موردخاي غور " رئيس اركان الجيش الاسرائيلي عام 1978 بعد الغزو الاسرائيلي الاول للبنان في حديث صحفي : "منذ ( 30 سنة ) من عام (1948) وحتى
اليوم . . نحن نقاتل سكانا يعيشون في قرى ومدن " !..
ويلخص
المحلل العسكري الاسرائيلي ( زئيف شيف ) هذا التصريح بقوله : " في جنوب لبنان . . ضربنا السكان المدنيين لأنهم كانوا يستحقون ذلك . . ان الجيش الاسرائيلي لا يفرق بين الاهداف المدنية والاهداف العسكرية . . بل اننا نهاجم الاهداف المدنية حتى عندما لا تتعرض المستوطنات اليهودية للخطر" ..!!؟
مثل هذه الكلمات تنطبق بنفس الدقة على ما حدث في غزو لبنان بعد ذلك بأربع سنوات ، ولكن بقوة اكثر . . ان الدافع وراء الهجمات الاسرائيلية ضد السكان المدنيين سواء في الشمال او الشرق ، هو نفسه تفريق اللاجئين الفلسطينيين وافساد العلاقات بينهم وبين السكان المحلبين في المناطق التي يعيشون فيها ثم يطردون منها . . وبالنسبة للبنان فان اسرائيل تحقق الآن خطط التي كانت في فكر الصهيونية . . وهو ان تكو حدود اسرائيل ممتدة حتى نهر ( الليطاني ) في جنوب لبنان . . تبعا لطموحات ( بن غوريون ) التي تحدثنا عنها سالفا ، فاليهود يرون في
المسيحيين المارونيين حليفا
طبيعيا لهم ، ويسعون الى تكوين تحالف معهم ضد العدو المشترك . . العرب المسلمين .. ولكن المسيحيين ـ رغم ذلك ـ اختاروا البديل وهو السلام مع المسلمين وهو ما اكده الاتفاق الوطني لعام ( 1943) ، ويدرك اليهود ان الوسيلة الوحيدة لاجهاض هذا الاتفاق هي الحرب الاهلية . . وبالفعل هذا هو ما حدث منذ عام (1975)
؟!..
خلفية في لبنان
المنظمة
والحرب الاهلية
في لبنان ، انظم فلسطينيون الى مئات الآلاف من اللاجئين الذين ذهبوا الى هناك منذ حرب ( 1948) ـ حاولت المنظمة في البداية عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبنان ،وبعد العديد من الهجمات الفدائية في اسرائيل في اوائل السبعينيات بدأت تكتيكات المنظمة تتغير ، ويقول ( جون كولي ) انه خلال عام (1974) وما بعده كان هناك اتجاه قوي من جانب حركة ( فتح ) بزعامة ( ياسر عرفات ) لوقف الانشطة الفدائية عبر الحدود رغم ان ذلك لم يمنع بعض المجموعات الاخرى في المنظمة على الدخول في الحرب الاهلية بعد الهجوم الذي قامت به ميليشيات حزب
الكتائب على اتوبيس وقتل ( 27) فلسطينيا ولبنانيا كانوا في طريقهم من مخيمي ( صبرا وشاتيلا ) للاجئين الفلسطينيين الى ( تل الزعتر ) ، وبعد ان كان دور المنظمة مقصورا ـ في البداية ـ على تسليح بعض المجموعات اليسارية والمساعدة في الدافاع عن الاحياء المسلحة التي كانت تتعرض لهجوم من جانب الكتائب . . حتى كان يوم السبت الاسود يوم ( 6 كانون الاول عام 1975) عندما قامت قوات الكتائب باعتقال وقتل ( 200) من المسلمين الرهائن انتقاما لمقتل ( 4 ) من ميليشيات الكتائب . . وقام هجوم جديد ضد الفنادق المسيحية واستدعى الأمر تقسيم بيروت الى جزأين ، بيروت الغربية ذات الاغلبية المسلمة ، والشرقية ذات الاغلبية المسيحية ، وبدأ الاسرائيليون ومؤيدوهم يشنون حملة دعائية يتهمون فيها الفلسطينيون بأنهم وراء هذه الحرب ؟!!
سوريا واسرائيل . . وجهاً لوجه
ان
التصرف الذي وصفه ( هنري كيسنجر )
وزير الخارجية الامريكية في ذلك الوقت بأنه ( بناء ) . . وهو
التصرف الذي ساندته اسرائيل رغم اصرارها على ان يظل الجيش السوري شمال نهر الليطاني ـ وفي ( تموز 1967) تدخلت قوة حفظ سلام سورية بناء على تفويض من الجامعة العربية واستمرت في تأييدها للمسيحيين . . وفي ( آب ) حدثت
مذابح ( تل الزعتر ) وقتل فيها
آلاف اللاجئين الفلسطينيين على أيدي القوات التي كانت تستخدم
الأسلحة الاسرائيلية والدبابات والمدرعات وحاملات الجنود الاسرائيلية ، ويضيف (كولي ) : وفي ( تشرين اول عام
1967) وصل تعداد قوات الردع
السورية الى ( 30 الف ) جندي في الوقت نفسه ، كانت اسرائيل تقوم بهجمات عسكرية منتظمة في لبنان تشمل قصف مخيمات اللاجئين وقصف المدن الساحلية بالسفن الحربية والقيام بغارات ارهابية في بيروت وغيرها
.. ثم كان غزوها للبنان في عام
(1978) وأخيرا احتلال اجزاء كبيرة من
لبنان في صيف عام (1982) ، ترى
اسرائيل ان المسيحيين في لبنان ينقسمون الى جزأين : الاول هو الذي يري التعامل مع اسرائيل وهم
الكتائبيون والشمعونيون والجزء
الثاني هم الذي يرون في
لبنان جزءا من العالم العربي . . وقد
تم الكثير من الاتصالات السرية ين هؤلاء المؤيدين لاسرائيل وبين المسؤولين الاسرائيليين
.
في
ظل المنظمة والكتائب
في
الوقت الذي اجتاحت فيه القوات
الاسرائيلية جنوب لبنان في عام
(1985) بدأت قصص كثيرة تقال حول عنف
وارهاب حكم منظمة التحرير
الفلسطينية ـ ولم يذكر شيء عن المعاملة التي لقيها الفلسطينيون في المناطق التي كانت تسيطر عليها القوات المسيحية التي تساندها اسرائيل .. ولكن الصحفي ( عطا الله منصور ) وهو نفسه ( ماروني )
قال عكس ذلك ـ وقال ان المناطق التي زارها في جنوب لبنان وكان يسيطر عليها المسلمون والمنظمة كانت توجد فيها جماعات مسيحية تعيش في سلام ، وهو ما اكده صحفيان من ( الجيروزاليم بوست ) كذلك وقالا ان كل ما ذكر عن العنف والارهاب في ظل منظمة التحرير الفلسطينية ليس الا ( مبالغات )
!!
صحيفة
سوابق اسرائيل
وصفت وسائل الاعلام الامريكي . . ويا للعجب كل الهجمات الاسرائيلية في لبنان طوال سنوات بصفة عامة على
انها انتقام من " الارهاب " الذي تمارسه منظمة التحرير الفلسطينية . . ويثار سؤال : ماذا كانت تفعل المنظمة في لبنان بداية ؟ . . الاجابة :
لاشيء على الاطلاق . . ثم اذا
كانت الهجمات الاسرائيلية توصف بأنها ( انتقامية ) . . فهل ينطبق هذا الوصف او لا ينطبق على الهجمات التي يقوم بها الجيش السوفياتي ضد المجاهدين الافغان ؟! وفي منتصف السبعينات ، وفي الوقت الذي بدأت فيه منظمة التحرير الابتعاد عن الاعمال الفدائية عبر الحدود كثفت حكومة حزب العمل من هجماتها ، وفي ( 2 كانون اول 1975 )
اشتركت ثلاثون طائرة اسرائيلية في قصف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين والقرى القريبة مما ادى الى مصرع ( 57) شخصا واصر المسؤولون الاسرائيليون على ان هذه الغارة ( وقائية ) وليس ( عقابية ) . . الغريبانه قبل يومين
من هذا الهجوم الاسرائيلي كان مجلس الامن التابع للامم المتحدة قد اتخذ قرارا بمهد الطريق الاشتراك منظمة التحرير الفلسطينية في عملية تسوية شاملة لازمة الشرق الاوسط واستخدمت الولايات المتحدة حق ( الفيتو ) لاسقاط هذا القرار . . وهكذا يكون الهجوم الاسرائيلي عبارة عن انتقام من جانب اسرائيل ضد مجلس الأمن . . والعجيب كذل ان هذه المذابح ( الوقائية ) الاسرائيلية لم تناقش في الولايات المتحدة الا في النادر ، وكتبت ( ارين بيسون ) مراسلة صحيفة لبنان قد هوجمت اكثر من مرة من جانب القوات الاسرائيلية منذ عام (1968) وتصف ( ارين بيسون ) تاريخ
قرية ( خيام ) التي لم يبق من سكانها
وعددهم ( 30 الفا ) سوى ( 32 ) فقط ،
حيث تعرضوا لمذابح على ايدي قوات جيش جنوب لبنان الموالي لاسرائيل بزعامة الرائد المنشق ( سعد حداد ) في ذلك الوقت . . وبعد مذابح ( صبرا وشاتيلا ) للاجئين
الفلسطينيين في بيروت في ( ايلول 1982) تذكر صحفي اسرائيلي مذابح قرية ( خيام ) اتهم الرأي العام الاسرائيل بالصمت .. وقال ان أيدي الاسرائيليين مخضبة بدماء الابرياء من سكان هذه القرى . . واختتم مقاله قائلا : ان مذابح بيروت لم تكن مفاجئة للقوات الاسرائيلية التي تعرف التاريخ جيداً .. اما هؤلاء الذين يدفعون الضرائب في امريكا فهم لا يتكلمون خاصة وان وسائل الاعلام لديهم لم تشر الى القصف الاسرائيلي المتكرر طوال عشر سنوات للمناطق السكنية . . فهي عام (1967) وضع الجيش اللبناني تقريرا للانتهاكات الاسرائيلية المتكررة اليومية للاراضي اللبنانية في الفترة من ( 1968) الى
(1974) بأنها كانت بنسبة (1.4%) وصلت
عام (1975) الى17 انتهاكا ، وفي (
تشرين اول عام 1977) قدر عدد اللاجئين
من الجنوب بحوالي ( 300 الف ) توجهوا الى بيروت الغربية ،وفي (تشرين الثاني 1977) اسفر تبادل لاطلاق النار بدأ من الجهة الاسرائيلية عن العديد من الخسائر بن الجانبين ثم كان الهجوم الاسرائيلي الذي لقي فيه سبعون شخصا معظمهم من
اللبنانيين مصرعهم . . وكانت الخشية من اندلاع حرب اكبر في ذلك الوقت احد العوامل التي
اضطرت ( السادات ) الى زيارته
التاريخية للقدس .. وفي ( آذار 1978) غزت اسرائيل لبنان انتقاما من هجوم فدائي فلسطيني اسفر عن مصرع ( 34 ) اسرائيليا ، حيث جاء الفدائيون عن طريق البحر من قرب بيروت ، وكان الغزو الاسرائيلي عنيفا ومدمرا . . اذ خلف بعده عدة من مدن لبنانية انقاضا ورب مليون لاجىء و ( 200 ) قتيل ، وفي عام (1979) استمر القصف الاسرائيلي واستمر التجاهل لهذا القصف في امريكا ،
وبعث ( سليم الحص ) رئيس
وزراء لبنان وقتئذ بقائمة الضحايا اللبنانية للغارات الاسرائيلية الى ( واشنطن ) عن طريق السفارة
الامريكية في بيروت ، وتضمنت القائمة اسماء و اعمار ومهن (
1969 ) من المواطنين اللبنانيين الذين قتلوا ، وعددا من الجرحى من الغارات والقصف
الاسرائيلي . . وكان رد فعل ( الحص ) غاضبا وعنيفا على بيان وزارة الخارجية
الامريكية الذين جاء فيه ان الحكومة الامريكية لا تعرف تماماً ما اذا كانت الطائرات الامريكية قد استخدمت في قصف لبنان . .وقال : وكان المتحدث الامريكي يتوقع ان يقنعنا بان امكانية
اسرائيل فقط هي التي استخدمت في قصف
المناطق السكنية في لبنان يوميا وبلا رحمة وكاننا لا نعرف انها كلها قادمة من امريكا مع المساعدات العسكرية والاقتصادية التي تساعدهم في ذلك . . !!
بعد مجيء ( بيغن ) و (شارون )
لقد حدثت سلسلة من الاحداث المهمة
ابتداء من صيف (1981) حتى الغزو الاسرائيلي للبنان ، بعدها بعام ، فقد أعيد انتخاب ( مناحيم بيغن ) الذي عين
( ارئيل شارون ) وزيرا للدفاع ، وما
ان تولى ( شارون ) حتى بدأ الغزو . .
كما قال هو بعد ذلك . .
وفي
( تشرين الثاني ) تم تشكيل نظام جديد واكثر قسوة في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت ادارة ( شارون) و ( مناحيم ميلسون ) الذي عين مديراً جديدا للادارة المدنية ، وفهم هذا التغييرالى
الادارة المدنية على اساس انه خطوة تجاه شكل من اشكال الضم وفي ( كانون اول ) و ( كانون الثاني )
حدث بالفعل ضم مرتفعات الجولان وفي ( نيسان 1982 ) اتمت اسرائيل
انسحابها من سيناء طبقا لاتفاقيات ( كامب ديفيد ) وتم اخلاء مستوطنة ( ياميت ) شمال سينئا بعد مظاهرة كانت
مخططة لكي يشاهدها الرأي العام الاسرائيل والامريكي ، ووصف ( امنون كابيلوك ) عملية
الجلاء عن ( ياميت ) بأنها واحدة م
اكبر عمليات ( غسيل المخ ) التي قامت بها الحكومة لاقناع الشعب الاسرائيلي بأنهم عانوا من كارثة قومية سيكون تأثيرها واضحا للاجيال القادمة وانها سوف تخلق " اجماعاً وطنياً" سيعارض اجراء اية انسحابات مماثلة في باقي الاراضي المحتلة . .ونقل ( كابيلوك ) عن الجنرال ( حاييم اريز ) قائد عملية اجلاء ( مستوطنة ياميت )
قوله : " ان كل شيء كان معدا
ووافقنا عليه من البداية دون
ان يظهر المستوطنون في ( ياميت )
شيئاً من المقاومة " . .
مقدمات غزو لبنان
في
بدايات عام 1980 نفذت اسرائيل سلسلة من الاعمال في جنوب لبنان بما فيها انحراف قوارب صيد لبنانية في المياه الاقليمية اللبنانية والتدريبات في جنوب لبنان بمعدل نيران من جانب قوات ( حداد ) ومناورات عسكرية في جنوب لبنان وصفتها قوات الامم المتحدة بأنها ( محددة ) و ( مكثفة ) شملت انتشارا
سريعا للقوات العسكرية على الطرق المحتملة للغزو وخال الفترة من ( آب 1981 ) الى ( أيار 1982) قامت اسرائيل بـ (2125) عملية انتهاك للمجال الجوي اللبناني وكذلك عمليات انتهاك للمياه الاقليمية .. كل هذه الانتهاكات نجحت في اثارة منظمة التحرير الفلسطينية حتى تتخذها اسرائيل كذريعة لغزو مخطط . . وفي شهر ( كانون الثاني ) عقد ( ارئيل شارون) وزير
الدفاع الاسرائيلي اجتماعا في قارب مسلح على الساحل اللبناني مع ( بشير الجميل ) قائد قوات ميليشيا
الكتائب للتخطيط للغزو ، والذي تصل بمقتضاه القوات الاسرائيلية شمالا حتى مطار ( بيروت ) الدولي ، حدث كل ذلك ولكن
المنظمة ابدت عدم تعاون حيث لم توفر لاسرائيل الهدنة بقصف مواقع ادعت انها فلسطينية في المناطق الساحلية جنوبي بيوت ـ وجاء ذلك بعد مصرع جندي المناطق اسرائيلي عندما اصطدمت سيارته ( الجيب ) في جنوب لبنان ، ولم يكن هنا أي رد فعل من جانب منظمة التحرير الفلسطينية وقبل الوقف الذي اعلنته اسرائيل ان القصف كان انتقاما في الصحف الامريكية سواء المؤيدة او المعادية لاسرائيل . . بعدها بثلاثة ايام كتب ( زئيف شيف ) المراسل العسكري لجريدة ( هآرتس ) بقول : " الموقف الآن في الشمال هو ان هناك مزيدا من القوات
الاسرائيلية يقودها وزير الدفاع تتخذ خطوات للوصول الى الحد الذي لن يبقي لاسرائيل فرصة سوى غزو لبنان حتى اذا ما اضطرت الى الدخول في حرب مع سوريا ، هذه الحرب تستهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية ، وجعل اسرائيل ( رجل البوليس ) في لبنان . . رجل هو القادر على تحديد متى وكيف سيعود اعضاء البرلمان في انتخابات الرئاسة القادمة ، الانتخابات التي كان اجراؤها في ( آب ) ولا شك ان لا احد يمكن ان يصدق ان الحكومة
الامريكية لم تكن تعلم كل ذلك
؟!!
خفايا
عملية " السلام من اجل الجليل "
في
شهر ( حزيران ) حالوت مجموعة فلسطينية تابعة للمنظمة اغتيال السفير الاسرائيلي ( شلوموا ارجوف ) واعلنت المنظمة انها غير مسؤولة بالمرة عن هذا الحادث ، وان المسؤول ( الجليل ) الذي حكمت عليه المنظمة بالاعدام غيابيا . . ولكن الحكومة الاسرائيلية رفضت ما اعلنته المنظمة . . وقفت وسائل الاعلام الامريكية في نفس الخط . . وانتقاما من محاولة اغتيال السفير الاسرائيلي نفذت اسرائيل ضربات قصف مكثفة ضد الاهداف الفلسطينية واللبنانية في لبنان ، ومرة اخرى حظيت هذه الهجمات الاسرائيلية بالقبول لدى وسائل الاعلام الامريكية على انها هجمات ( انتقامية ) . . وظل القصف الاسرائيلي لمخيمي ( صبرا وشاتيلا ) للاجئين الفلسطينيين
مستمرا لمدة ( 4 ) ساعات وضربت مستشفى غزة المحلية وقتل اكر من ( 200) شخص تبعا لتقرير احد شهد العيان الامريكيين ،
وان كان جديرا بالذكر ان كل
من قتلتهم المنظمة من الاسرائيليين
طوال ( 15) عاما هم ( 106) اشخاص . .
وفي هذه المرة كان لا بد ان يكون رد الفعل من جان الفلسطينيين ،
وتمثل في قصف المستوطنات الاسرائيلية الشمالية . . وهنا شنت اسرائيل عملية غزو واسعة
النطاق والمعد لها منذ فترة
طويلة واطلقت عليها ( السلام من اجل الجليل ) . . لحماية الحدود الشمالية . . رغم انه ولمدة ( 11 ) شهرا متتالية لم يتعرض هذا الشمال لأية هجمات من جانب الفلسطينيين . واعرب العديد
من الاسرائيليين عن صدمتهم لهذا الانتقام بعد محاولة اغتيال السفير ( ارجوف
) وتساءل احدهم : نحن نتخيل انه كان
يمكن ـ بالقياس لما دث ـ ان
يقصف البريطانيون ( تل ابيب ) و ( ناتانيا ) انتقاما لاغتيال اللورد ( موين ) بالاضافة الى العديد من
عمليات الامريكية المزاعم الاسرائيلية القائة بانها قد قامت بالغزو انطلاقا من حقها المشروع في الدفاع عن النفس ، رغم ان هذا الغزو قد وقوبل
وللمرة الاولى برد فعل سلبي لم يسبق
له مثيل داخل امريكا ـ وكان
الهدف الواضح من الغزو الاسرائيلي هو تشتيت اللاجئين الفلسطينيين من جديد وتدمير المنظمة التي تمثل القومية الفلسطينية . . وبالتالي ان تصبح المنظمة قوة سياسية ( ميتة ) . . وكذلك لتحقيق افتراض ( الجنرال ) " شارون " القائل بان الهدوء في الضفة الغربية يتطلب تدميرا منظمة التحرير
الفلسطينية في لبنان . . وكان هذا
الغزو متوقعا داخل اسرائيل ، وكانت اسبابه واضحة تماما فقبله بثلاثة اشهر كتب ( يويل ماركوس ) في صحيفة ( هآرتس ) الاسرائيلية : " حيث ان اسرائيل لا تريد ان تصبح منظمة التحرير الفلسطينية شريكا لها في اية محادثات او أي حل في الضفة الغربية . . فان المؤيدين للمواجهة مع المنظمة يرون ان استمرار القتال مع المنظمة يوجد في الاراضي اللبنانية وفي حال فقدان المنظمة لقواتها الطبيعية من وجهة نظرهم فانها ستفقد ليس فقط وجودها في لبنان
، بل كيانها الدولي المتنامي كذلك " !! ولعل هذا القلق الواضح في الجزء الاخير . . الكيان الدولي المتنامي لمنظمة التحرير الفلسطينية يذكرنا بما قاله الصحفي الاسرائيلي ( عاموس ايلون ) حين قال : ان تهديد التسوية السلمية يصبح من الصعب
احتواؤه في اسرائيل كلما بدت دلائله
" . . انه هو نفس الخوف من ضياع (
يهودا والسامرا ) ـ الضفة
الغربية المحتلة وقطاع غزة في حالة تحقيق السلام ، وهو المنظور الذي لا يمكن تحمله من جانب المجموعتين السياسيتين الكبريتين في اسرائيل ومن هنا يكون التركيز والتأكيد على ( تطرف
) المنظمة سواء من جانب اسرائيل او من جانب وسائل الاعلام الامريكية ورغم ذلك فان معظم المعلقين السياسيين في
الولايات المتحدة يرون ان اعتزام اسرائيل تدمير المنظمة ، هو ضد مصالحها حيث ان نجاحها في هذه المغامرة ربما يكون دافعا
لعودة المنظمة الى العنف بما يمكن ان يمثل خطرا لاسرائيل ومواطنيها بل والعالم كله . . جاء ذلك في الوقت الذي تحدثت فيه معظم الصحف الامريكية عن الفرص العظيمة التي اتاحها الغزو الاسرائيلي للبنان من بينها امكنية وزيادة
امكانيات التوصل الى اتفاق في الضفة الغربية بعد تدمير منظمة التحرير الفلسطينية . . ولكن حدث العكس ، ففي الوقت الذي استمرت فيه العمليات العسكرية الاسرائيلية في لبنان ، اكدت كل المنظمات والمؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة بما فيها الدوائر الدينية تأييدها لمنظمة التحرير الفلسطينية سواء في الخطب التي القيت في المساجد او في البيانات والتصريحات العلنية . .
كان
من الغريب ان اسرائيل في الوقت الذي قامت فيه بغزو لبنان ، بدأت تزيد في عمليات القمع في الاراضي المحتلة ،بل انها استهدفت بعض العناصر الموالية للاردن ، وبينما كانت الاراضي المحتلة هي الهدف الرئيس الغزو الاسرائيلي . . فقد كانت له دوافع اخرى كذلك . . كانت هناك دوافع سياسية داخلية . . فقد كتب احد المؤرخين بجامعة ( الخليل) يقول : " انه ليست هناك وسيلة افضل لانهاء المعارضة الداخلية ، كما يقول ( بسمارك ) ، افظل من شن حرب قصيرة ، مؤكدا الانتصار فيها ضد جيوش مجاورة ضعيفة " . .
ضوء اخضر من ( واشنطن )
هناك اسباب اخرى كذلك لغزو لبنان . . كما ذكر " رفائيل ايتان " رئيس اركان الجيش الاسرائيلي في ذلك الوقت : " لأنني بنيت آلة عسكرية تكلفت مليارات الدولارات ، فانني مضطر لاستخدام هذه الآلة . . غدا ربما اكون في بيروت " . . !!
قال
( ايتان ) ذلك قبل بداية الغزو بقليل . . كذلك كان توقيت الغزو مناسبا ، فقد جاء قبل الانتخابات الاسرائيلية التي كان مقررا اجراؤها في ( اغسطس وسبتمبر ) وكذلك قبل قليل من انقضاء فترة انتداب القوات السورية في لبنان .
. ويقول بعض المراقبين انه كانت هناك فرصة سانحة للتوصل الى اتفاق سياسي ين اللبنانيين . واسرائيل يهمها ابقاء لبنان مقسما . . وكان الصحفي الاسرائيلي ( مائير بيل )
قد كتب يقول : " ان كل الدلائل كانت تشير الى ان الولايات المتحدة تقدم كل
مساندة وتأييد سياسي لغزو اسرائيلي للبنان ". . وحتى رغم اعتراف حكومة الرئيس الامريكي ( ريغان ) بان هناك مشاعر قوية بين اعضاء الكونغرس والشعب الامريكي ضد هذا الغزو ، فان ( ادوين ميلس ) احد المستشارين في البيت الابيض علق قائلا : " ان هذه مشكلة يمكن حلها " . . بل انه قال ان لدى اسرائيل اسبابا قوية لغزو لبنان . . ويبدو ان اظهار الرئيس الامريكي ( ريغان ) الاستياء من الغزو الاسرائيلي كان احد الوسائل التي اختيرت لحل المشكلة . . ولذلك فان الاسرائيليين لم يأخذوا اظهار الاشياء على محمل الجد ، طالما ان التأييد الدبلوماسي استمر . . واستمر كذلك تدفق مساعدات عسكرية واقتصادية ، حتى ان صحيفة " دافار " الاسرائيلية علقت على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية ( اسحق شامير ) لواشنطن والتي اختتمت بصورة لريغان مع
(شامير ) يبدو فيها وقد نظر
نظرة قائمة بلدلا من
الابتسام كالعادة . . قالت الصحيفة : " لقد لعب ( ريغان ) دوره بمهارة . . ؟!".
وهكذا
استطاع الاسرائيليون تحليل الصورة بواقعية كبيرة . . وقال مراسل ( دافار ) من ( واشنطن ) : " اعتقد ان زيارة ( شامير ) كانت ايجابية بصورة كبيرةحتى رغم انها اعطت
الادارة الامريكية الفرصة لاظهار حنقها على اسرائيل من العلن " . . ؟! بل انه قبل غزو لبنان مباشرة قام ( شارون ) بزيارة لواشنطن حيث ـ كما اعلن ـ ابلغ ( كاسبر واينبرغر )
وزير الدفاع الامريكي بأن اسرائيل يجب ان تقوم بعمل ما في لبنان . . ويقول بعض المسؤولين في وزارة الدفاع الامريكية ان كميات كبيرة من الامدادات العسكرية الامريكية تدفقت على اسرائيل في الشهور الثلاثة الاولى من عام (1982) في الوقت الذي كانت اسرائيل تخطط فيه للغزو . ويؤكد ذلك ان ما تسلمته اسرائيل من معدات عسكرية خلال تلك الفترة كان يزيد بمقدار ( 50 %) عما تسلمت في العام السابق على الغزو . ويؤكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الامريكية ان هذه الصفقات استمرت بالتدفق على اسرائيل بمعدلات كبيرة جدا خلال اشهر ( يونيه ) ، ومن بين هذه الاسلحة كانت القنابل الفراغية التي استخدمت احداها في تدمير مبنى من ( 8 طوابق ) في بيروت الغربية قتل فيه (100) شخص . . وكان يعتقد وقتها ان ( ياسر عرفات )
موجود في ذلك المبنى ، والمعروف ان حكومة الرئيس ( جيمي كارتر ) كانت قد اوقفت اعطاء مثل هذه القنابل لاسرائيل ،
ولكن (ريغان ) وافق عليها .
. وجدير بالذكر ان هذه القنبلة تصنع فجوة كبيرة في المبنى تتسبب في الضغط عليه حتى بنفجر تماما ويدمر كل شيء داخله .
وبالعودة الى موقف الحكومة الامريكية من غزو لبنان نشير الى اجتماع عقد بين الرئيس ( كارتر ) و ( ويليام كلارك ) مستشار الامن القومي الرئيس الامريكي . . فقد قام ( كلارك ) في هذا الاجتماع بالطلاع ( كارتر ) على الموقف ، وبعد الاجتماع رفض ( كارتر) الافصاح عن
تفاصيل ما دار خلاله ، ولكنه ذكر " ان الشيء الوحيد الذي استطيع قوله هو الكلمة
التي سمعتها من العديد من المسؤولين الاسرائيليين وهي " لقد كان لدينا ضوء أخضر من
واشنطن " . . ولكن ( الكسندر هيغ ) وزير الخارجية الامريكية في ذلك الوقت ، أنكر
بشدة هذه التهمة ، ووصفها بأنها غير حقيقية بالمرة . . ولكنه رغم ذلك عاد يؤكدها
بقوله : " لقد أوضح الاسرائيليون لنا تماما ان مقدار صبرهم قد نفذ وانه بمجرد صدور
اية حركة استفزاز ، فإنه لن يصبح امامهم سوى الرد على ذلك " . . بل انه عندما طلب من مكتب الصحافة
التابع لوزارة الخارجية الامريكية ان يذكر دليلا واحدا على ان ( واشنطن ) لم تساند
الغزو .. فإنه لم يستطع ان يذكر
بيانا رسميا واحدا يعرض الغزو الاسرائيلي سوى التأييد الذي سحب بعد ذلك بسرعة لقرار
مجلس الامن التابع للامم المتحدة الذي دعا اسرائيل الى انهاء عدوانها ؟ ! . .
الحرب
. . هي السلام
ان
التسمية الاسرائيلية لغزو لبنان تثير شيئا من الغرابة كما قال احد المعلقين
الاسرائيليين ، لقد أسموها " السلام من أجل الجليل " وهكذا اصبحت الحرب لدى اسرائيل
تساوي السلام ! . .
ويضيف
هذا المعلق كيف يكون السلام من اجل الجليل ، في الوقت الذي اتجهت فيه القوات
الاسرائيلية مياشرة الى بيروت والى طريق بيروت ـ دمشق الدولي . . طبقا للخطط التي كانت معدة منذ زمن والتي
كانت معروفة مسبقا للمعارضة العمالية .. كان اول هدف توجهت اليه القوات الاسرائيلية
هو مخيم ( الرشيدية ) للاجئين الفلسطينيين جنوبي ( صور ) والذي تحول معظمه في اليوم
الثاني من الغزو الى ميدان للانقاض . .
لم تكن هناك مقاونة تذكر . . . لقد هرب سكان المخيم وعددهم ( 9000 ) شخص من
المخيم بعد القصف الذي تعرضوا له من البر والبحر والجو . . ! !
مثال
يخشى ان يتكرر . . ؟ !
ان
هذه العلاقات الخاصة جدا بين الولايات المتحدة واسرائيل قديمة . . فبعد اغتيال (
جون كنيدي ) في عام ( 1963) بدأت اسرائيل تتوقع خيرا ، وبدأت الصحف الاسرائيلية ـ
كما ذكرت السفارة الامريكية في ( تل أبيب ) عن تقريرها لوزارة الخارجية ـ تشير الى
ان العلاقات بين امريكا واسرائيل ستصبح أكثر عمقا خلال فترة الرئيس الجديد ( ليندون
جونسون ) . . وأشارت هذه الصحف الى ان ( جونسون ) سيكون أكثر تجاوبا من ( كيندي )
واكثر تعاطفا مع اسرائيل . . وقالت صحيفة ( يديعوت احرونوت ) ان ( ليندون جونسون )
يكون عليه التغلب على ( ما ذكرت الصحيفة ) الانحياز المعادي للولايات المتحدة في
وزارة الخارحية الأمريكية وتحت قيادة ( جونسون ) قالت الصحيفة ـ ان المصالح
الامريكية لن يكون لها الاعتبار كما كان من قبل . . واكد ( جمال عبد الناصر ) ما
ذهبت اليه وسائل الاعلام الامريكية حين ابلغ ( فيليبس تاليوت ) مساعد وزير الخارجية
الامريكية في اجتماع بينهما في عام ( 1964 ) بأن الولايات المتحدة قد حولت سياستها
من الشرق الاوسط الى المزيد من التأييد الفعال لاسرائيل . . وخلال السنوات الثلاث
الاولى من حكم ( جونسون ) تغير التأييد الامريكي لاسرائيل كماً وكيفاً ، فبينما
وقفت المساعدات الامريكية لاسرائيل في ميزانية عام ( 1964 ) ـ آخر ميزانية في حكم
كيندي ـ عند ( 40 مليون ) جولار وهي
ميزانية تقل كثيرا عن سابقاتها ، ارتفع الرقم في فبراير ( 1965) الى ( 71 مليون )
دولار ، ثم الى ( 130 مليون ) دولار في ( فبراير عام 1966) . . كما تغيرت نوعية
المساعدات الامريكية لاسرائيل فبعد ان كانت تنقسم ما بين مساعجات غذائية وقروض
للتنمية ، فقد اصبح ( 20 %) منها عسكريا ، كما تغيرت طبيعة السلاح الذي اصبح يرسل
لاسرائيل . . ففي ( فبراير 1963) وافقت حكومة ( كيندي ) على تقديم خمس بطاريات
صواريخ ( هوك ) الدفاعية قيمتها ( 21, مليون ) دولار لاسرائيل ، بينما قدمت حكومة (
جونسون ) خلال عام ( 1965ـ 1966 ) لاسرائيل ( 250 ) دبابة من طراز ( ام / 48 )
المعدل ، و( 48 ) طائرة هجومية من طراز ( ايه /اسكاي هوك ) بالاضافة الى معدات
اليكترونية ومعدات القتال ومدفعية . .
وكانت هذه الاسلحة يمكن تصنيفها تحت أي شيء الا ان تكون اسلحة دفاعية ،
وكانتالمساعدات العسكرية التي قدمت في عام ( 1966 ) والتي بلغت قيمتها ( 92 مليون )
دولار تزيد عن كل المساعدات الرسمية التي قدمت لاسرائيل في كل السنوات السابقة ،
وفي نهاية عام ( 1965 ) كان الاعلان الثلاثي الصادر في عام ( 1950 ) قد مات بالفعل
ودفن ونسي على الاقل كعنصر من عناصر السياسة الامريكية في الشرق الاوسط .
في
تلك الفترة ، رغم ذلك ، كانت مبيعات السلاح الفرنسية لاسرائيل تزيد عن مبيعات
السلاح الامريكية ، ولكن الفرق كان ان اسرائيل تشتري السلاح مدفوعا بالكامل من
فرنسا ، اما من امريكا فهي تحصل على قروض لشراء اسلحة ، من هنا كانت اسرائيل تعمل
على شراء الاسلحة الفرنسية التي لاتحصل عليها من الولايات المتحدة وبالعكس حيث ان
موارد اسرائيل لم تكن تسمح لها بدفع كل هذه المشتريات من السلاح . . فقد بدأت
اسرائيل تتجه الىالسلاح لكي يكون موردا من موارد اقتصادية ، وكانت أول صفقة هي تلك
التي وصلت قيمتها الى ( 800 ألف ) دولار من الاسلحة الخفيفة والتي باعتها اسرائيل
لمجموعة من المتمردين في ( هاييتي ) في سبتمر ( 1963) تحدث ( شيمون بيريز ) ـ وكان
نائبا لوزير الدفاع الاسرائيلي ـ امام الكنيست الاسرائيلي عقب استقالة ( ديفيد بن
غوريون ) . . وكان ( بيريز ) مثل ( موشي ديان ) لا يفضل ان يحل المعتدل ( ليفي
اشكول ) محل ( بن غوريون ) ، قال ( بيريز ) في الكنيست : " ان هناك العدوات العربية
التي تحيط باسرائيل وانه لابد من اتخاذ خطوات محددة لمواجهة التهديد العربي " . .
وقال : " ان الوحدة الوطنية والصداقة مع الدول الخرى لها اهمية خاصة ولكنها وحدها
لن تؤكد امن اسرائيل في منطقة امتلأت بفيضان الاسلحة الروسية " . . واضاف :" ان
الاسلحة الدفاعية غير كافية وان القوة الذاتية هي السبيل الوحيد للبقاء " . .
واستطرد يقول : " انه لا يعتقد ان من واجب اسرائيل ان تعطي للرأي العام العالمي
انطباعا بأن اسرائيل يمكن ان تدمر . . لأن مثل هذا الانطباع سيكون له تأثير سلبي
وانه يجب ان يتأكد العالم من قدرة اسرائيل على احراز النصر في الحروب واننا نفعل ما
نستطيع لتأكيد قدرتنا على ذلك في المستقبل . . " .
في
ذلك الوقت كتب الصحفي الاسرائيلي ( سيمحا الفان ) مقالا يحلل فيه خطاب ( بيريز )
قائلا : " ان المزيد من السلاح من أي مكان ، ومهما كان الثمن ، اصبحت هي مبادىء
اسرائيل " . وقال ( الفان ) انه لا يختلف على ضرورة تطوير كفاءة قوات الدفاع
الاسرائيلية لرد أي عدوان عربي ، ولكنه اضاف ان هناك مفهومين للردع . . ( احدهما
جيش دفاعي قادر على حماية الوطن. . ) وقوة ضاربة للقيام بحرب وقائية . . واضاف انه
لم يلمح أيا من المفهومين في خطاب ( بيريز ) . . واشارالى ان التسليح اصبح الاداة
البدلية للسياسة الخارجية في اسرائيل واصبح غاية في حد ذاته . . واختتم ( الفان )
مقاله قائلا ان هذا يعد الخطأ الجوهري في اتجاه ( بيريز ) . لقد نقلب من تحليل (
الفان ) ان مفهوم القوة الضاربة كمفهوم للردع هو الذي ساهم من عام ( 1965 ) في حدوث
الاتفاق من جانب العسكريين من حزب ( مابام ) ونشأة حزب ( رافي ) ، وكانت الشخصيات الرئيسة في ( رافي ) هي ( بن غوريون
) و ( ديان ) ، و( بيريز ) ، هي التي أنهت ( اشكول ) ببيع امن اسرائيل عندما دافع ـ على سبيل المثال ـ عن تأجي برنامج الاسلحة النووية
في اسرائيل ، وعندما استجاب ( اشكول ) في الايام الاولى من يونيه عام (1967) لضغوط الرأي العام وعين ( موشي ديان ) وزيرا للدفاع ، اصبحت الحرب الوقائية امرا لا يمكن تجنبه . . بعدها بسنوات ظهر جناح ( رافي ) داخل ( الماباي
) ، ولكن السياسات الدفاعية والخارجية
التي ذكرناها آنفا سيطرت على
حزب العمل الاسرائيلي . .
وعندما شكل مناحيم بيغن ) عام (1977) الحكومة السابعة ظهرت من جديد روح ( رافي ) في اطار روح عصابة ( الارغون ) . . واصبح مفهوم القوة الضاربة اساسا كما هو حاليا . .
وخلال
عامي ( 1964 و 1965 ) طبقت اسرائيل
تفوقها العسكري على الدول العربية بطريقة عملية . . ففي اوائل عام (1964) انتهى مشروع ونقل مياه بحيرة ( طبرية ) الى صحراء النقب ،وكان العرب قد هددوا باستخدام القوة لمعارضة مثل هذا المشروع ، ولكنها كانت تهديدات فارغة حيث لم تكن لديهم القوة العسكرية الكافية للتدخل ، وعندما بدأت سوريا مشروع تحويل للمياه قرب ( بنات يعقوب ) ـ عليه بعد ثلاث كيلو مترات داخل حدودها ـ في ماريس ( 1965 ) ردت اسرائيل على الفور باطلاق نيران المدفعية والدبابات على المشروع ،
من ذلك الوقت طلب ( دين راسك ) وزير الخارجية الامريكية من السفير الامريكي في ( تل ابيب ) ان يتدخل لمنع الاسرائيليين من القيام بعمل عسكري ضد المشروع السوري وهدد بالضغوط الامريكية وتحويل الموضوع للامم المتحدة ، ولكن ( جونسون ) لم يكن ( دوايت ايزنهاور ) ، وكان الاسرائيليون يعلمون ذلك ..؟!
حرب
يونيو : الصدام الثالث
كانت
الحرب الكبرى الثالثة في الشرق الاوسط ، او الصدام الثالث بين مصر واسرائيل ، شيئا محتوما ابتداء من (1956) حتى وقعت في يونيو عام (1967) ، وكانت نتيجة هذه الحرب كذلك معروفة مسبقا ولكن ما اذاعته الوحدة العربية كان شيئا مزعوما من الناحية الرسمية في التصريحات الحكومية ، ولكن قبل الحرب بشهر واحد قال ( ويليام بروبيك ) السكرتير التنفيذي في البيت الابيض : ان الوحدة العربية لن تتحقق لسنوات قادمة وحتى لو تحققت فانها لن تستطيع ان تحسب من اسرائيل تفوقها العسكري على العرب ، ولم يكن الاحتمال العسكري القائم من جانب اسرائيل سرا بالنسبة للعرب ، ففي ( 9 يونيو ) عام (1964 ) ذكر تقرير المخابرات الامريكية ان العرب ما زالوا يعترفون بخطر القيام بعمل عسكري ضد اسرائيل وانهم يدركون القوة العسكرية الاسرائيلية وان بعضهم ـ على الاقل ـ يدرك ان الغرب سوف يمنعهم من تدمير اسرائيل حتى اذا ما حاولوا . . وماذا عن برنامج الصواريخ المصري الالماني الخطير . . ؟
في
عام (1964) اعد ( جورج بول ) القائم باعمال وزير الخارجية الامريكية مذكرة للرئيس تتعلق بالزيارة التي كان من المزحع ان يقوم بها ( ليفي اشكول ) لواشنطن قال فيها : ان اسرائيل سوف تتمتع بتفوقها العسكري على العرب خلال السنوات القادمة رغم الادعاءات الاسرائيلية المبالغ فيها بالنسبة للمستقبل فان امكانيات الصاروخ المصري ظل تهديدا نفسياً . . وحث ( بول ) الرئيس ( جونسون ) على ان يضغط على ( اشكول ) لمنع استمرار سباق السلاح في الشرق الاوسط من خلال الطلبات الاسرائيلية المستمرة للصواريخ او للاسلحة النووية . . ولكن اسرائيل كانت تعد لشيء آخر . . ففي مايو ( 1965) طلب السفير الاسرائيلي ( افراهام هارمان ) في اجتماع بوزارة الخارجية الامريكية بالاسراع بتسليم الدبابات من طراز ( ام / 48) . . في ذلك الوقت كانت اسرائيل تنقل دباباتها الى منطقة المواجهة مع سوريا وتطلق نيرانها على مشروعات الري المدنية السورية لاجبار سوريا على الدخول في حرب ، وانتهى الاجتماع بمذكرة باردة حينما وصف ( فيليبس تاليوت ) مساعد وزير الخارجية الموقف بأنه ن ( متفجر ) في
الشهر التالي طلب السفير ( هارمان ) من الخارجية الامريكية تفويضا لشراء طائرات ( فانتوم اف / 4 ) والتي كانت تفوق في ذل الوقت اية طائرات سوفياتية ولم
تكن تلك الطائرات قد اختبرت في العمل الا قبل هذا الطلب بحوالي عام
واحد . . وكان الرد على الطلب الاسرائيلي الرفض بجملة
"وسوف ننظر في الطلب عندما يحين
الوقت " ، ولم يكن الاسرائيليون
بطلبون اعطائهم طائرات
الفانتوم فقط ولكنهم كانوا يريدون الطيارين الامريكيين كذلك ، وخلال عام (1966) اكدت تقارير المخابرات الامريكية للبيت الابيض وللجنة الامن القومي انالقوة العسكرية الاسرائيلية تتفوق علىالعرب مجتمعين . وفي ابريل عام
(1967) كان الاحتفال بيوم الاستقلال
في اسرائيل والذي شمل
استعراضات عسكريا كبيرا اشتركت فيه
جميع الدبابات والمعدات العسكرية التي وصلت حديثا من امريكا ، وكان هذا الاحتفال يهدف الى اثارة غضب العرب ضد الولايات المتحدة مما
اضطر وزير الخارجية الامريكية الى ارسال برقية الى السفير الامريكي في ( تل ابيب ) " والمورث باربر " بعدم الحضور في الاستعراضات العسكرية . !
البداية : حشود على الحدود
في
بداية عام (1967 ) وجهت مصر
وسوريا الاتهامات الى اسرائيل بأنها تقوم بحشد القوات على الحدود السورية ، وفي ( 16 مايو 1967) طلب رئيس
اركان الجيش المصري بانسحاب قوة الطوارىء التابعة للامم المتحدة التي تفصل بين القوات المصرية والاسرائيلية ، وبعد ساعات اكد ( عبد الناصر ) انه يعتزم اغلاق مضيق ( تيران ) امام الاسرائيليين . . وفي الايام والاسابيع التالية وصف الزعماء الاسرائيليون والامريكيون تصرف ( عبد الناصر ) بانها دعوة للحرب ، ووصف موقف سكرتير عام الامم المتحدة في ذلك الوقت ، وكان " يوثانت " بأنه موقف ضعيف
لانه وافق على سحب قوة الطوارىء من
الاراضي المصرية ، وكان تعليل " يوثانت "
هو ان هذه القوات كان يجب ـ طبقا لقرار الامم المتحدة ـ ان تنشر لدى الدولتين ولكن اسرائيل رفضت ذل ، ومن هنا لم يكن امامه سوى الاستجابة للمطلب المصري . . ولكن الجزء الآخر من طلب ( عبد الناصر ) سحب قوة الطوارىء وهو منع اسرائيل من المرور من مضيق ( تيران ) هو الذي اقلق الرئيس ( جونسون ) والذي بدا يبحث عن الوسائل الممكنة لاظهار هذا القلق الامريكي .
ويبقى
عند عند هذه النقطة عدة تساؤلات
لماذا لم توافق اسرائيل على نشر قوة الطوارىء لديها ولو حتى مؤفتا
حتى تحل الأزمة ؟ . . ثم لماذا لم تطلب الولايات المتحدة ـ حليف اسرائيل الاساسي ـ من اسرائيل ان تستجيب لهذا المطلب ؟؟.
يتضح
مماسبق انه لا اسرائيل ولا
الولايات المتحدة كانتا تريدان وة دولية ين مصر واسرائيل ،وبدأت اسرائيل بعد ذك في اقناع الولايات المتحدة بأن العرب يعدون العدة لحرب ضد اسرائيل . . في الاسبوع الاخير من ( مايو) اتصل مدير المخابرات الاسرائيلية بمدير مكتب وكالة المخابرات الامريكية في ( تل ابيب ) ، واعطاه معلومات بالحشود العربية المخيفة على حدود اسرائيل . . ورغم ذل فان كل طائرات الاستطلاع المتقدمة لم تستطع ان تكشف هذه الحشود . . وتم ابلاغ الرئيس ( جونسون ) بنتائج هذه الاستطلاعات . . !
وفي
( 25 مايو) طار ( ابا ايبان ) وزير الخارجية
الاسرائيلية الى واشنطن
واجتمع مع الرئيس ( جونسون ) ، وقبل اجتماعه مع ( جونسون ) اجتمع مع وزير الخارجية ( راسك ) وابلغه بمعلومات مؤكدة لديه بوجود حشود سورية ومصرية تستعد لمهاجمة اسرائيل من جبهتين ، وعلق ( راسك ) على تلك المزاعم في الصباح التالي بمذكرة قدمها للرئيس ( جونسون ) قال فيها : " ان مخابراتا لم تؤكد مزاعم اسرائيل " !! بل ان ( راسك ) ابلغ ( جونسون ) بان هناك اختيارين لا ثالث لهما امام امريكا اذا كانت اسرائيل تعد لحرب اما ان تتركها تفعل اقصى ما بوسعها لحماية مصالحها الوطنية ، واما ان تتوسط للتوصل الى قرار دون الدخول في حرب فعلية . . وقال " راسك " انه يفضل البديل الثاني . . وكان امام امريكا بديل آخر ان تسعى ـ علنيا ـ لحل النزاع سلميا . . وخلال
الاجتماع مع ( ابا ايبان ) في ( 26 مايو ) صدر تصريح مكتوب يعلن التزام الولايات المتحدة بالسيادة الاقليمية لدول الشق الاوسط ومتابعة كل السبل الدبلوماسية الممكنة لحل النزاع سلميا ، وبخصوص النقطة الاولى قال ( جونسون ) ان
السيادة الاقليمية والاستقلال السياسي لكل دول الشرق الاوسط هو احد المبدأين اللذين يمثلان المصالح القومية الحيوية للولايات المتحدة ، والثاني هو حرية بحار المنطقة . . وبخصوص تجنب الصراع كان ( جونسون) قويا . . تم ارسال التصريح المكتوب الذي ارسل بعده باسبوع لرئيس الوزراء ( اشكول ) في خطاب من الرئيس الامريكي وجاء فيه : " ان علي اوضح ضرورة الا تورط اسرائيل نفسها في مسؤولية بداية الحرب . . فاسرائيل لن تكون وحدها الا اذا قررت ان تمضي وحدها .. ولا يمكننا تخيل ان تتخذ هي هذا القرار "
!..
ورغم ذلك ، ففي ( 24 مايو ) طلب ( جونسون
) من المخابرات الامريكية ومن وزارة الخارجية تقديرات بالقوة لدى اسرائيل والعرب ، واكد التقرير الذي قدم لجونسون في ( 26 مايو ) قوة اسرائيل في مواجهة كل الدولة العربية ، كما اشار ـ بكثير من التفاصيل ـ الى امكانية تحقيق نصر سريع من خلال ضربة جوية مركزة تقوم بها اسرائيل ، بالاضافة الى اقتحام المدرعات شب جزيرة سيناء باتجاه قناة السويس .. وهل هناك اية امكانية الى يتغير مجرى القتال ؟ وهل تتحمل اسرائيل اية مخاط ؟ .. لا .. على الاطلاق . . كان هذا هو
رد ( نيكولاس كاتز ينباك ) وكيل وزارة الخارجية الامريكية ، الذي كان متخصصا في شؤون الشرق الاوسط عام (1967) وثم كانت هناك اشكال اخرى من المساعدات من الحكومة الامريكية طلبها الاسرائيليون ليس لكسب الحرب التي يمكن ان يكسبوها ، ولكن لتحقق اهدافهم
الاقليمية . . ؟
الضربة الجوية في ( 5 يوينه )
وفي
صباح يوم (5 يونيو 1967) عندما بدات الضربة الاسرائيلية الجوية على مصر وسوريا والاردن ، ارسل (
اشكول ) رسالة الى ( جونسون ) يطلب فيها ان تحمي امريكا اسرائيل اذا حدث تدخل من السوفييت ، وفي يوم ( 10 يونيه ) اصبح ذلك ضروريا ، فقد كان الغزو
الاسرائيلي الواسع النطاق لسوريا في صبيحة يوم ( 9 يونيه ) بعد ان قبل (عبد الناصر ) رسميا قرار وقف اطلاق الار باسم ( الجمورية العربية المتحدة ) التي تشمل سوريا ، كان هذا الغزو قد اصبح يزيد عن تحمل ( اليكس كوسيغين ) رئيس الوزراء السوفياتي في ذلك الوقت ، والذي استخدم الخط الساخن بين ( موسكو) و
( واشنطن ) في الصباح التالي لابلاغ ( جونسون ) بأن الاسرائيليين قد تمادوا كثيرا وان السوفييت سوف عليهم التدخل مباشرة وعبد اجتماع قصير للجنة الشرق الاوسط في البيت الابيض صدرت الاوامر للاسطول السادس بالعودة الى شرقي البحر الابيض فسوف يسمح لقوات الدفاع الاسرائيلية بانهاء مهمتها في سوريا ، ثم كانت هناك اشكال اخرى من المساعدات المادية طلبتها اسرائيل ، ففي ( 23 مايو ) اصدر ( جونسون ) قرارا بارسال شحنة جوية عاجلة تضم حاملات جنود مدرعة وقطع غيار دبابات وقطع غيار لصواريخ ( هوك ) وذخيرة مدفعية وامتعة واقية من الغازات ، وتم ارسالها قبيل غزو ( يونيو 1967 ) استعدادا لها في الوقت الذي كان الرئيس ( جونسون ) قد اعلن فيه ـ علنا ـ حظرا على انواع الاسلحة الى الشرق الاوسط ، مما يجعل الانسان يتساءل : هل كان هناك اثنان باسم " ليندون جونسون " في البيت الابيض في اوائل عام (1967) ؟ ! ثم ان الدعوة لوقف اطلاق النار من جانب مجلس الامن بدأت بمجرد ان بدأ القتال ولكن الجيش الاسرائيلي كان يحتاج لبعض الوقت ، ففي مساء ( 6 يونيو ) كان قرار وقف اطلاق النار قد حصل على الموافقة ، ولكن خلال هذين اليومين الحاسمين من المساومة قام الوفد الامريكي برئاسة ( ارثر جولد رج ) بمقاومة صدور القرار وهو يتضمن طلبا بانسحاب القوات الى حدود ( 4 يونيو ) هذا في الوقت الذي كان البيت الابيض التابع لجونسون يعلم فيه ان اسرائيل اسرائيل قد شنت هجوما شاملا دمرت فيه ( 300) طائرة مصرية وهي ما تزال على الارض في الـ (170) دقيقة الاولى من الحرب ، في الوقت الذي تدفقت فيه الوحدات الاسرائيلية المدرعة الى سيناء ، وحيث كان ان تطلب من العرب الموافقة على صدور قرار وقف اطلاق النار الا يتضمن هاتين النقطتين بمثابة ان تطلب منهم الاعتراف والموافقة على هذا الهجوم وعلى الحال الواقع بالنسبة للوضع بعد الحرب ، فقد حدثت مشاورات بين ( جولد برج )
و( نيكولاي فريدرينكو ) رئيس الوفد السوفياتي في مجلس الامن خلال يومي ( 5 و 6) يونيو على صياغة قرار وقف اطلاق النار ، بينما كانت القوات الاسرائيلية تبتلع الاراضي العربية في مصر والاردن . .
مؤامرة وقف اطلاق النار ؟!
وتحت الضغط الاوروبي والأمريكي ،وافق السوفييت على قرار وقف اطلاق النار كما صاغته اسرائيل ، وكان الموقف السوفياتي صدمة للعرب ، ولكن حيث ان العرب كانوا يخسرون في الحرب فل يكن امامهم بديل الا قبول شروط وقف اطلاق النار ، ووافقت الاردن مساء يوم (
7 يونيه ) ووافقت الجمهورية العربية المتحدة بعد ظهر يوم ( 8 يونيه ) وفي يوم ( 8 يونيه ) اقترح السفير ( جولد برج ) رسميا على رئس مجلس الامن قرارا يدعو اطراف النزاع للتفاوض حول ما اسماه ( جولد برج ) بالموضوعات السياسية الاساسية التي ادت الى اشتعال الحرب في المنطقة بعشرات السنين . . وبالطبع ستتم هذه المفاوضات على اساس الامر الواقع من الناحية الاقليمية ، وهي خطوط وقف اطلاق النار الجديدة ،وبذلك استطاع الجيش الاسرائيلي في ميدان المعركة ، والوفد الامريكي في
الامم المتحدة خلال ( 72 ساعة فقط ) ان يغيروا اسس حل النزاع العربي الاسرائيلي . . فقد اصبحت اراق المساومة الجديدة كثيرة في ايدي الاسرائيليين في اية مفاوضات في المستقبل بين اسرائيل وسوريا . . ولا شك ان البيت الابيض كان يعلم تماما هذه النظرة البعيدة المدى للاحداث التي ذكرت
سابقا ، بل يبدو ان الاحداث كانت
بتخطيط من البيت الابيض
ذاته ، وكان هذا هو ما دار خلال المراسلات بين السفير الامريكي في ( تل ابيب ) ، ووزير الخارجية الامريكي ( راسك )
والرئيس ( جونسون ) في ذلك الوقت ، فقد كان السفير يرسل تقارير يومية منذ يوم ( 4 يونيو ) عن سيناريو الموقف بالنسبة للوضع الحالي والوضع في المستقبل . . وهكذا اعادت اسرائيل ( بتخطيط امريكي ) رسم خريطة الشرق الاوسط . . واصبح العرب مجبرين على التفاوض من موقف ضعف ، وهكذا يتضح ان البيت الابيض لم يكن يتخذ قراراته كرد فعل للاحداث في الشرق الاوسط بقدر ما كان يخطط ويشترك فيها ،
ويكفي لتأكيد ذلك ان نذكر انه في صبيحة ( 3 يونيو 1967) صدرت الاوامر للطيارين في السرب (
38) للاستطلاع التباع
القوات الجوية الامريكية بالاقلاع الى قاعدة ( مورن ) باسبانيا حيث ابلغوا انهم سيقومون بمهمة تدريبية خاصة بحلف شمال الاطلنطي ، ولكن ما حدث هو ان هذه الطائرات الاستطلاعية قامت بمسح استطلاعي شامل باستخدام احدث الاجهزة لمنطقة الشرق الاوسط لكي تقدم نتائج هذه الاستطلاعات الى الجيش
الاسرائيلي ـ وبالفعل تم تقديم كل
الصور التي التقطتها هذه الطائرا الى قاعدة للجيش الاسرائيلي في مطار عسكري مهجور من صحراء النقب جنوب شرقي قاعدة جوية كبيرة للجيش الاسرائيلي في ( بئر السبع ) ، وقد وصلت هذه الصور في مساء يوم ( 4 يونيو ) وفي صباح
اليوم التالي كانت الطائرات الاسرائيلية قد زودت بكل شيء وتم شن اكبر هجوم جوي في الشرق الاوسط ، وبدأت الحرب وضربت القواعد الجوية في مصر وسوريا والاردن !!.
دورالاستطلاع الامريكي في الحرب ؟
من
الواضح ان هذه المساعدة
الامريكية التي قدمتا طائرات الاستطلا لاسرائيل خلال حرب الايام الستة لم تكن عاملا من عوامل الانتصارات الاسرائيلية ، فالجيش الاسرائيلي لم يكن في حاجة لهذه المساعدة حتى يكسب الحرب ، ولكن هذه المساعدة مثل تلك التكتيكات الدبلوماسية التي استخدمها السفير ( جولد برج ) في مجلس الامن ، كان الهدف منها هو مساعدة الاسرائيليين على تحقيق اهداف اقليمية معينة خلال وقت محدد ، فقد كان واضعو الاستراتيجية العسكرية من الاسرائيليين والامريكيين يدركون جيدا ان الضغوط الدبلوماسية لوقف اطلاق النار ستكون هائل ولذلك فقد عملوا على ان تستولي القوات الاسرائيلية على اكبر قدر من الارض في تقرة وجيزة قبل ان تتجمد خطوط وقف اطلاق النار ، وفي هذا المجال تصبح طائرات الاستطلاع الامريكية اكثر من مهمة . . ولكن . . هل كانت هذه هي المساعدة الوحيدة التي قدمتها الولايات المتحدة لاسرائي خلال حرب (
1967)..؟
لقد
علمت من اكثر من مصدر ان
المخابرات الامريكية قدمت الكثير الكثير وكذلك كان خبراء الجيش الامريكي بأنفسهم يساعدون الاسرائيليين في كل شيء ، ويقول (مايكل بارزوهار) في كتابه " السفارات وقت الازمات " : ان هيئة اركان الجيش الامريكي وضعت في اواخر ( مايو 1967 ) عدة خطط للتدخل العسكري الامريكي المباشر في الحرب المتوقعة اذا لم تكن الامور على ما يرم في صالح
اسرائيل ـ وكانت هناك خطتان : احداهما تشمل ابرارا جويا واسع النطاق للجنود الامريكيين مع قصف بحري في سيناء ،
بينما كانت الاخرى هي ارسال
القوات الامريكية مباشرة الى اسرائيل لعمل خط عازل بين منطقة الحرب والمناطق السكنية في اسرائيل ، ولكن هذه الخطط الغيت بمجرد ان اتضح للمخابرات الامريكية بما يشبه اليقين انه ليست هناك اية فرصة امام العرب لكسب الحرب .
.
وماذا
بعد .. ؟
والآن
نتساءل .. اذا كانت امريكا قد قدمت لاسرائيل كل هذا التفوق العسكري على العرب مجتمعين في ( يوينو 1967 ) بالاضافة الى ان الخارجية الامريكية ووزارة الدفاع الامريكية كانت تعلم بتفاصيل هذا التفوق . . فلماذا اصرت حكومة ( جونسون ) على ان تعرض حياة الامريكيين للأخطار في مثل هذه الطلعات الاستطلاعية ؟ . . ألم يكن ( جونسون ) يعلم ما كان يمكن ان يحدث من ردود الفعل الغاضبة في العالم العربي اذا اكتشفت اسرار هذه الطلعات
الاستطلاعية الامريكية . . ؟ الاجابة ليس سوى انه كان " الانحياز " بعينه !!.
لم
يحدث ان تجرأت حكومة بمثل هذه الصورة على دخول حرب مثلما فعلت بريطانيا وفرنسا واسرائيل عام 1956 دون ان يكون لديه تأكيد بالتفوق العسكري وبأن الطرف الآخر يمكن ان يقوم بمقاومة فعالة للهجوم ، كان هذا هو الوضع بالضبط في حرب السويس . . ولا شك ان الأسلوب الدبلوماسي غير المألوف لبريطانيا وفرنسا واسرائيل في الشهور السابقة مباشرة على اندلاع الحرب يمكن فهمه فقط من خلال القوة العسكرية الهائلة التي اعدت لضرب مصر في وقت كانت فيه الانتخابات الامريكية على الأبواب ،وفي وقت بدأت فيه القلاقل في بولندا والمجر مما اكد ان القوى العظمى ستكون منشغلة بما فيه الكفاية عن التدخل ، وكان لكل دولة من الدول الغازية اسبابها الخاصة ، فبريطانيا ، وعلى وجه الخصوص ، رئيس وزرائها ( انطوين ايدن ) قد استاءت من قرار ( عبد الناصر ) بتأميم قناة السويس في ( يوليو 1956) ، وكان التأميم قانونيا حيث اثبت ( عبد الناصر ) وهيئة قناة السويس الجديدة ـ بسرعة ـ انه يمكن ان يبدوا القناة بنفس مقدرة بريطانيا ، ان لم يكن بصورة افضل ، واكد
معدل مرور السفن في القناة في الاسابيع التالية للتأميم ان خطوط البترول المتجهة لأوروبا لن تضطرب ، ولكن هذا القرار كان قاسيا على بريطانيا التي بدأت امبراطوريتها تهتز في منتصف الخمسينات . .
كما كان لفرنسا نصيبها هي الاخرى في شركة القناة القديمة ، ولكن ما كان يقلق فرنسا اكثر هو صورة ( عبد الناصر ) ، الزعيم .. التي
بدأت في الظهور في العالم العربي وخاصة بعد التأييد الكبير الذي قدمه لثورة الجزائر
،ومن هنا فإن الهدف الأساسي
للبريطانيين والفرنسيين من هذه الحرب كان هو هلع ( عبد الناصر ) من منصبه كرئيس
للدولة ،وبذلك ينتقص قدره في الشرق الاوسط وفي العالم الثالث بصفة عامة ..أما
اسرائيل في عام (1956) ..فقد كانت قد انتابها اليأس من أي قرار دولي يمكن أن يجبر (
عبد الناصر ) على السماح بحقها في المرور من مضيق ( تيران ) وهو النافذة التجارية
لاسرائيل على المحيط الهندي ، كما كان حصول ( عبد الناصر ) على السلاح من طرف جديد
يدخل الشرق الاوسط هو الاتحاد السوفيياتي يمثل تهديدأ للتفوق العسكري الاسرائيلي في
الشرق الاوسط على المدى الطويل ..وقد كان دخول السوفييت الى حلبة الشرق الاوسط قد نوقش في اجتماع ضم ( جون فوستر دالاس )
وزير خارجية أمريكا والرئيس (ايزنهاور )وتقرر في ذلك الوقت رفض تقديم الدعم الذي
طلبه( عبد الناصر ) لبناء السد العالي ، كماتقرر التأثير على اسعار القطن المصري
،وقرر ( دالاس ) التحول الى اسرائيل ..
قبلها
بستة أسابيع ،كانت وزارة الخارجية قد طلبت من رؤساء الاركان في الجيش الامريكي تقريرا عن قوة
وامكانيات كل دولة من دول الشرق الاوسط الكبرى ،وبخاصة المغدات التي تحصل عليها مصر
من دول الكتلة الشرقية ..وتم تسليم هذه التقارير في (27 فبراير ) ،واشارت هذه
التقارير الى تفوق اسرائيل على الدول العربية مجتمعة ، واكدت التقارير ان اسرائيل لديها القدرة على الاستمرار في قتال ثلاثة اشهر مقارنة بالدول العربية التي لا يمكنها ان تستمر في تقال لاكثر من شهر واحد . . وفي مارس بدأت اسرائيل تتلقى صفقات الاسلحة المتطورة ، حيث وصلتها اولى الشحنات من طائرة ( ميستير ) الفرنسية المقاتلة ، ودبابات من طراز ( ايه . ام . اكس )نت و ( شيرمان ) الفرنسية ايضا ، ووافقت بريطانيا على بيع طائرات ( ميتيور ) المقاتلة لاسرائيل ايضا . . وفي ( ابريل ) ابغ الادميرال ( آرثر ردافورد ) رئيس اركان الجيش الامريكي ، وزير الدفاع الامريكي بأنه اذا قامت اسرائيل بشن الحرب قبل منتصف الصيف فانها تستطيع في اقل من شهر ان تهزم الجيش المصري في سيناء وتحتوي القوات البرية للدول العربية الاخرى . . وفي نهاية ( ابريل ) قدم رئيس الاركان تقريراً تفصيليا عن الامكانيات الحقيقية لدول الشرق الاوسط ، اكد فيه التفوق الاسرائيلي المطلق . . وفي الفترة من ( اغسطس ) الى الكتوبر عام 1956 ) ، في الوقت الذي خططت فيه فرنسا واسرائيل لهجوم مشترك على مصر شاركت فيه بريطانيا ـ بتردد ـ كانت الاسلحة الفرنسية الاكثر تطورا تنهال على اسرائيل ومعها كل الخبراء الفرنسيين . . واتفقت الدولتان على ان يبدأ الهجوم خلال حملة الانتخابات الامريكية التي تبدأ في ( 6 نوفمبر ) . .
وفي
يوم ( 29 اكتوبر ) اصدرت رئاسة اركان الجيش الامريكي تقريرا من اللجنة الاستشارية لمخابراتها قالت فيه ان اسرائيل حشدتاقوى قوة عسكرية في تاريخ الشرق الاوسط ، وفي مساء ( 29 اكتوبر ) كان ( 45 الف ) جندي اسرائيلي قد
بدأوا عبور الحدود المصرية ، واجههم ( 30 الف ) جندي مصري في سيناء بينهم فرقة فلسطينية تحمل اسلحة تعود الى ما قبل اسلحة الحرب العالمية الثانية ، وواجه الطيران الاسرائيلي الذي يتكون من ( 155 طائرة ) الطيران المصري الذي يتكون من ( 70 طائرة
) مقاتلة فقط .
لم
تكن اسرائيل تعمل وحدها ، كانت
الشحنات الفرنسية تقف على الساحل
الاسرائيلي ، حيث كانت ( 7
) طائرة فرنسية موجودة قبل عشرة ايام من الهجوم في مناطق اسرائيلية مختلفة ، وعندما اندلع الهجوم كان الطيارون الفرنسيون يشاركون بأنفسهم في معارك سيناء بعمل ملات جوية للجنود الاسرائيليين . . في الوقت نفسه كانت هناك قوات
فرنسية وبريطانية يبلغ قوامها ( 70 الف ) جندي مستعدة للقيام بهجوم ضد مصر ، وكانت هناك ( 240 ) طائرة ، و ( 130) سفينة حربية ، و ( 80)
سفينة نقل ، و ( 20 الف ) سيارة
عسكرية مستعدة للدخول في المعركة ،ورغم ان الجيش الاسرائيلي في سيناء ، لم يكن يواجه الا اخطارا قليلة فان الامر لم يكن سهلا كما كان مخططا . .
بعد
ضربة التأميم : مؤامرة الغزو
تحدد
الموعد النهائي للغزو الثلاثي بناء على توقيع صفقات السلاح السوفياتية ، والوق المطلوب لتسلمها ، والوقت المطلوب لاستيعابها من القوات
المصرية ، وفي (نوفمبر ) حل ( بن غوريون )
من جديد محل ( موشي شاريت ) كرئيس للحكومة ، واصبحت اسرائيل مرة اخرى " دولة يحكمها الجيش " ، وبالنسبة لجيش الدفاع الاسرائيلي كان الجيش المصري يعد المساعدات السوفياتية اهم موضوع ، ولذلك كانت هذه الحرب الوقائية استغلالا للتفوق الاسرائيلي العسكري ،وهذا ما اكده الادميرال ( لينون ) نائب مدير مخابرات هيئة اركان الجيش الامريكي . .
من
الواضح ان اسرائيل كانت تعد
للهجوم على مصر ، لذلك فقد لجأت حين علمت بصفقة سلاح تبلغ قيمتها ( 90 مليون ) دولار من الاتحاد السوفياتي لمصر ، بعثت الى ( ايزنهاور ) تطلب
المزيد من السلاح ثم قام ( بن غوريون ) باقالة ( شاريت ) رغم كل الاعتبارات حتى من منصبه كوزير للخارجية حتى لا يواجه بمعارضة منه للخطة التي وضعها هو و ( موشي ديان ) للهجوم على مصر . . وفي اواخر ( 1955) واوائل عام ( 1956) بدأ ( عبد
الناصر ) يحاول الحصول على تمويل لبناء مشروع السد العالي . . الذي تبلغ
تكلفته ( 1.3) مليار دولار ، وكان من المقرر
ان يزيد الاراضي الزارعية في مصر بنسبة ( 30 %) ويمد البلاد بـ ( 50% ) من كل الطاقة الكهربائية التي تنتجها قارة
افريقيا ، وكان مفاوضات ( عبد الناصر ) مع ( يوجين بلاك ) مدير البنك الدولي صعبة ولكنها كانت ناجحة من وجهة نظر ( عبد الناصر ) الذي وافق على ان يتولى البنك
الاشراف على جدولة الديون الخارجية المصرية على ان يحصل بالمقابل على نصف تكلفة بناء السد العالي بالعملة الصعبة . . وكانت للولايات المتحدة كذلك شروط . اهمها ان تتوقف مصر عن شراء المزيد من السلاح من السوفييت وان تقبل الشروط المالية من جانب امريكا وبريطانيا للقروض وان توقع اتفاقية سلام مع اسرائيل
، وقدمت هذه الشروط بتفاصيلها الى (
أحمد حسين ) السفير المصري في ( واشنطن ) من ( هيربرت هوفر ) القائم بأعمال وزير الخارجية الامريكية في مايو ( 1956) ، ولم يفاجأ ( عبد الناصر ) رغم كل شيء ، عنما سحب ( دالاس ) وزير الخارجية الامريكية في ( 19 يوليو 1956) التعهد بمساعدة امريكا لمصر في بناء السد ،ولم يعد امام مصر سوى خيارين . . ان تقبل المساعدات السوفياتية ( بالشروط السوفياتية ) او ان تعتمد
على الميزانية المصرية . . وكانت الايرادات المصرية تعتمد على صادرات القطن ـ وهي لا تكفي لتمويل المشروع ـ ثم حصة مصر من ارباح هيئة قناة السويس ، لذلك كان قرار ( عبد الناصر ) في ( 26
يوليه 1956) بتأميم القناة . .
كان
رد الفعل عنيفا من جان بريطانيا
وفرنسا ، فقد انفض حفل عشاء كان رئيس الوزراء البريطاني ( انتوني ايدن ) يقيمه في مقر المجلس في ( 10
داوننج ستريت ) . . وعقد
اجتماع عاجل للحكومة
البريطانية لمناقضة الموقف ، واتخذ القرار بأن يكون الرد
البريطاني على شكل عمل عسكري ، وصدرت الاوامر لرؤساء هيئة الاركان في الجيش البريطاني بالاعداد لحملة لاستعادة قناة السويس . . وكان قرار ( عبد الناصر) بتأميم القناة قانونيا وخاصة وانه قرر دفع تعويضات للمساهمين في الشركة . . وقرر ان تتولى ادارة مصرية مهمة ادارة الشركة ، مؤكدا حرص مصر على حرية الملاحة في قناة السويس لكل دول العالم بما فيها اسرائيل التي
سمحت السلطات المصرية بمرو سفينتين
تابعتين لها في الاسابيع
التالية على صدور القرار . . بعد ايام من اعلان تأميم القناة ، ارسل الرئيس ( ايزنهاور ) خطابا لانتوني ايدن ـ رئيس الوزراء البريطاني ـ ينصحه فيه بعدم استخدام القوة حتى تنفذ جميع السبل السلمية وفي الوقت فسه ، بعث ( ايزنهاور ) بدالاس وزير الخارجية الى ( لندن ) للتشاور مع المسؤولين البريطانيين والفرنسيين واقتراح عقد مؤتمر دولي يضم حوالي ( 24 ) دولة من بينها مصر ، ووضع مشروع لادارة القناة من جانب هيئة دولية . .
وخرج تقريران عن هذا المؤتمر ، احدهما من الاغلبية وتضم : امريكا وبريطانيا وفرنسا و( 15) دولة غربية اخرى تقترح اعادة القناة الى هيئة دولية . . وتقرير آخر من الاقلية ، وقعته الهند والاتحاد السوفياتي واندونيسيا و ( سيلون ) ، يقضي باعادة القناة الى مصر وانشاء جهاز استشاري للاشراف على مصالح مستخدمي القناة من دول العالم . . ورفضت مصر التقرير الاول ، وحدثت تطورات وعرض الموضوع على مجلس الامن ،الذي صدر عنه اقتراح من ( 6 ) بنود يكون لمصر بمقتضاه السيطرة الفعلية على القناة . . وهنا بدأت بريطانيا
وفرنسا تفكران في استخدام القوة وفي الاسبوع الأخير من يوليه كان وزارة الدفاع الفرنسية قد اتصلت بالملحق العسكري الاسرائيلي في ( باريس ) تحديد امكانية ان تشارك اسرائيل في عمل فرنسي ـ بريطاني عسكري في مصر ، ولو حتى بامدادها بالمعلومات عن مواقع التشكيلات المصرية ، وفي منتصف ( اغسطس ) ، في الوقت الذي تمت فيه الدعوة لمؤتمر ( لندن ) ، كانت وزارتا الدفاع الفرنسية والبريطانية قد وضعتا اللمسات النهائية للعملية العسكرية المشتركة لاحتلال منطقة قناة السويس ، وفي ( 29سبتمبر
) قبل عرض الموضوع على مجلس الامن باسبوع ، كان هيئة اركان الجيش الفرنسي قد استضافت وقدا من لجيش الاسرائيلي برئاسة ( موشي ديان ) لدى عودة ( ديان ) من فرنسا . . قبل اسبوعين من تصويت مجلس الامن على قرار بخصوص قناة السويس ، دعا ( ديان ) الى اجتماع لهيئة اركان الجيش الاسرائيلي ،
واصدر امرا تحذيريا بالاستعداد
لحملة عسكرية ضد العرب في
فرنسا وبريطانيا ، وفي ( 8 اكتوبر )
، استدعى ( ديان ) يئةالاركان
للموافقة على تفاصيل الهجوم العسكري الاسرائيلي على سيناء ، أي ان قرار ( حرب السويس )
كان قد اتخذ بغض النظر عن
موافقة ( ايزنهاور ) ام لا ، وبغض النظر عن النتائج الدبلوماسية في اطار الامم المتحدة او خارجها ، ولم يكن تأخير العملية عن اول سبتمبر الا نتجية لتعقيدات وحجم عملية الغزو ،ولم يكن لذلكاي علاقة بانتظار نتائج الجهود الدبلوماسية ،وفي يوم ( 25 اكتوبر ) وهو نفس اليوم الذي بدأ فيه لجيش
الاسرائيلي التحرك ، وقف ( ابا ايبان ) سفير اسرائيل في الامم المتحدة يخطب اما مجلس الامن ، ويتعهد بأن حكومة اسرائيل سوف تلتزم مخلصة باتفاق وقف اطلاق النار مع مصر ، وانها لن تبدأ حربا ولن تبادر بالعنف ، وفي يوم الاحد ( 8 اكتوبر ) قام ( ابا ايبان ) بزيارة رسمية لوزير الخارجية الامريكية ( دالاس ) ،
وابلغه9 بأن المخابرات الاسرائيلية وصلتها معلومات مؤخراً بأن مصر تستعد لمهاجمة اسرائيل قريبا ، وقابل ( دالاس ) بكل ادب ( ايبان ) ولم يخبره بأن امريكا تعلم من يقوم بالاستعداد لهجوم . . واستمر الكذب الاسرائيلي . . ففي ( 30 اكتوبر ) ابلغ ضابط الاتصال الخارجي بالجيش الاسرائيلي الملحق العسكري الامريكي في ( تل ابيب ) بأن اسرائيل قد اقتحمت وهاجمت فقط قواعد الفدائيين في ممر " الكونتيللا
" ومنطقة راسالنقب ، في اليوم نفسه
بعث ( بن غوريون ) برقية الى
الرئيس ( ايزنهاور) يقول فيها ان (عبد الناصر ) قد احاط اسرائيل بحلق حديدية .. وفي اواخر نوفمبر ، بعد اسابيع من اعلان وقف اطلاق النار ، كانت الحكومة الامريكية لا تزال تبحث في ما اذا وكيف نسقت بريطانيا وفرنسا الهجوم مع اسرائيل . .
؟!
انه
لم يكن هجوما منسقا فقط ، ولكنه كان
عدوان اشتركت فيه اثنتان من
حلفاء امريكا قامتا بالكذب على حكومة ( ايزنهاور ) حتى بد ان تم تنفيذ عملية الغزو . .
موقف ( ايزنهاور ) : واشارات ( دالاس ) ؟..
الغريب رغم كل ذلك ان موقف امريكا السياسي من هذا
الصراع لم يكن معروفا لأي من الدول الاربع التي اشتركت في حرب السويس وهي فرنسا وبريطانيا واسرائيل ومصر ، ولا
يكون من الدقة وصف الادارة الامريكية
للرئيس ( ايزنهاور ) بأنها كانت " ضحية " !! ففي نهاية ( مارس ) كتب ( هنري كابوت لودج) السفير الامريكي في الامم المتحدة رسالة شخصية لوزيرخارجيته ( جون فوستر دالاس ) قال فيها ان سكرتير عام الامم المتحدة ( داج همرشولد ) يمكن ان يتعامل مع هذا النزاع على اساس نتفيذ اتفاقية الهدنة . . واستطرد ( لودج ) قائلا ان المطلوب حاليا هو وضع البرنامج شامل واقعي للتعامل مع المشاكل الاساسية بالنسبة للمشكلة الفلسطينية ، فهذه المشاكل مثل مشكلة اللاجئين والتنمية الاقتصادية لن تحل نفسها ، واذا مل يتم التعامل بواقعية مع هذا لمشاكل بصورة افضل مما فعلنا خلال الثماني سنوات الاخيرة ، فاننا سوف نتعرض لخطر
نشوب حرب هذا العام " .
وحتى
( دالاس ) يبدو أنه أدرك ان الولايات
المتحدة ارسلت اشارات ( مختلطة ) وخاصة لعبد الناصر ، حيث كتب لمساعد ( ويليم رونتوي ) يقول : " ان على
الولايات المتحدة ان تكون اكثر دقة " . .
وفي اواخر ( 1956 ) كان الاقتصاد الاسرائيلي في نفس الوضع النهار الذي كان عليه خلال عام ( 1953 ) ، حتى انه خلال بحث قرض من البنك الدولي يصل الى
(75 مليون دولار ) بضمانات
امريكية ، قال ( جورج همفري ) وزير الخزانة الامريكي في ذلك الوقت لايزنهاور : ان هذا القرض يعد خطرا لأن اسرائيل لا تملك مصدرا للعملات الصعبة . . في ذلك الوقت
كانت انتخابات الرئاسية
الامريكية على الابواب ، ولكن الرئيس
( ايزنهاور ) كرر اكثر من مرة للمسؤولين الاسرائيليين ولممثلي المنظمات الصهيونية انه لا يضع أي اعتبار لهذه الانتخابات بالنسبة لقراراته السياسية ورغم ذلك فانه لم يهدد بسحب المساعدات العسكرية حتى ( 27 اكتوبر ) عندما بدأ الحشود العسكرية الاسرائيلية على الجبهة المصرية . . ولكن بمجرد ا بدأ غزو مصر ، تم اتخاذ خطوا لوقف فيضان المساعدات الامريكية لاسرائيل ، ففي ( 31 اكتوبر ) تم وقف مساعدة التنمية والمساعدات الفنية وشحنات المنتجات الزراعية . . ثم تأخر قرض بنك التصدير والاستيراد . . وتوقفت كل اشكال المساعدات العسكرية ، وتم الغاء كل تصاريح تصدير شحنات الذخيرة ، أي ان حكومة ( ايزنهاور ) ، في النهاية ـ اصبحت واضحة . .
احيانا يصبح ( الحظ ) اهم من الكفاءة في
السياسة ، فقد خرجت حكومة ( ايزنهاور ) ، التي فشلت لشهور في منع حرب السويس ، خرجت من هذه الحرب وقد تزايدت شهرتها كمؤثر في الشؤون الدولية فقد بدأ الكل ينظر الى الولايات المتحدة من خلال مواقفها في الامم المتحدة ،ومن خلال الدبلوماسية المباشرة والثنائية عليه السلام انها هي المسؤولة عن تعجيل انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من مصر بعد توقف الحرب ، ورغم ان اسرائيل ظلت في سيناء لمدة ( 4) اشهر ، الا انها في النهاية انسحبت ومرة اخرى كسبت حكومة ( ايزنهاور ) ثقة العالم ، وفي العالم العربي ، وداخل اروقة الامم المتحدة اصبح ينظر الى (ايزنهاور ) على انه صانع السلام العادل .
ولكن
يجب الا ننسى ما تعرض له
الرعايا الامريكيون من اخطار خلال عمليات اجلائهم من مصر سوريا والاردن خلال هذه الحرب ، وهي الاخطار التي كادت تؤدي الى تدخل امريكا في الحرب ، كما يجب الا ننسى انه بمجرد ان بدأ الغزو الفرنسي البريطاني لمصر ، حذر ( نيكولاي بولجانين ) رئيس الوزراء السوفياتي بأنه اذا لم تنسحب القوات الغربية فان الاتحاد السوفياتي سيرسل متطوعين الى الشرق الاوسط ، ولم يحدث هذا بالطبع ولكن القوات الامريكية في الشرق الاوسط واوروبا وضعت على اهبة الاستعداد للتدخل عسكريا بمجرد ان يتدخل السوفييت ، وتم ارسال كتيبتين من قوات مشاة البحرية المسلحة بالاسلحة النووية الى المنطقة على استعداد للتوجه الى القاهرة لاجلاء الرعايا الامريكيين في حالة الضرورة ، وقد توجهت وحدة من مشاة البحرية والدبابات والمدفعية بالفعل الى ميناء الاسكندرية ، بينما كان عملية اجلاء المدنيين تتم .
حرب
السويس . . لم تكن نزهة
!
ولكن رغم كل شيء ، يجب ان نذكر انه رغم التفوق في العتاد البشري وفي السلاح وفي الغطاء الجوي وفي التدريب وفي التحرك وفي الامدادات ، فان العدوان الاسرائيلي الفرنسي البريطاني على مصر عام (1956) لم يكن مجرد نزهة ، ويكفي ان الغطاء الجوي من القوات الجوية البريطانية والفرنسية دمر ( 95 %) من القوات الجوية المصرية على الارض . . والغريب أنه كان هناك اختلاف هائل في التصميم بين الجيشين المصري والاسرائيلي ـ فمصر التي كانت تنادي بالقاء اسرائيل في البحر من اوائل الخمسينيات ، قامت ببناء جيش ، وصفه " ادجار اوبالانس " في كتابه " حملة سيناء 1956 " ـ بأنه جيش دفاعي مائة بالمائة ، فالقوات المصرية التي كانت تدافع عن اراضيها في سيناء كانت لها مواقعها الدفاعية المختارة جيدا والمحصنة جيدا ، وكانت وسائل الاتصالات بين القوات المصرية جيدة من ناحية العمق الموجودة فيه ، وكذلك استخدم المصريون حقول الالغام وكلها طرق دفاعية . . وعلى العكس من ذلك قام الاسرائيليون الذين تحدثوا كثيرا منذ اوائل الخمسينات عن ضرورة ابرام اتفاقيات سلام مع جيرانهم ببناء جيش له هدف واحد فقط هو قوة ضاربة متحركة يمكنها الانطلاق بسرعة وعمق في اراضي الدول المجاورة . .
وكان
الغطاء الجوي عاملا فعالا في حرب
السويس ، ففي صباح ( 30 اكتوبر ) كان سلاح الطيران المصري قد ترك المجال للاسرائيليين
ولكن نيران المدافع المصريةالمضادة للطائرات كانت دقيقة للغاية حتى ان اسرائيل فقدت من طائراتها ضعف ما فقده الجيش المصري . . ويضيف " ادجار اوبالانس " ، ان القوات الاسرائيلية عانت خسائر فادحة للغاية في معركتين ، احداهما في " ممر متلا " حيث نزلت قوة اسرائيلية بقيادة ( ارييل شارون ) الذي وقع هناك في ايدي المصريين خلال
يومين من المعارك العنيفة ، اما المعركة الثانية فهي التي جرت في ( ابو عجيلة ) شمالي سيناء ،
حيث دارت معركة عنيفة شرسة لم يوقفها
سوى صدور الاوامر للقوات المصرية بالانسحاب الى العريش ، ويقول ( اوبالانس ) انه رغم ان الجنود المصريين كانوا اقل تدريبا من الاسرائيليين الا انهم كانوا يقاتلون بشجاعة نادرة وكان العيب الوحيد هو في نقص القيادة الواعية .. اما معركة ( بور سعيد ) المعركة الاساسية في منطقة القناة ، يقول الجنرال ( سير تشارلز كيتلي ) رئيس اركان القوات البريطانية الفرنسية انه فوجىء بالجنود المصريين يقاتلون بشجاعة لم يتوقعها احد . .
امريكا
تبدأ الانحياز
ان
السياسة الامريكية التي ساعدت ، او على الاقل سمحت ، لاسرائيل ببناء اجهزة ذرية من اليورانيوم المخصب " المسروق " من الولايات المتحدة تبدو غير
قابلة للتصديق الى ان نبدأ في بحث الابعاد الغريبة في العلاقات الاسرائيلية الامريكية في منتصف الستينات ، ففيما بين
الفترة من ( 1964 ـ 1967 ) ، وجدت حكومة ( جونسون ) الأسباب التي تجعلها تعلن تأييدها الكامل لأمن اسرائيل وسيادتها الاقليمية ، وبذلك نشأت العلاقة الامنية العسكرية او الغطاء الامني العسكري الذي كانت
المساعدات الامريكية لبرنامج السلاح النووي الاسرائيلي احد اوجهه ، فخلال الفترة التي تورطت فيها الولايات المتحدة في حرب فيتنام عرض الزعماء الاسرائيليون على حكومة ( جونسون ) ان تعمل اسرائيل على ان يسود الاستقرار منطقة الشرق الاوسط مقابل ان تصبح الولايات المتحدة هي المورد الرئيس للاسلحة لاسرائيل ،وهو ما رفضه ثلاثة رؤساء امريكيين من قبل ، وبالتالي تفقد امريكا تماما دورها كوسيط في النزاع العربي الاسرائيلي ، وبذلك بدأت المصالح الامريكية في منطقة الشرق الاوسط تصبح معتمدة على اسرائيل ، ومن هنا ظهرت هذه العلاقة التي لم يكن للولايات المتحدة مثلها في تاريخ علاقاتها الخارجية ، وكانت هذه العلاقة سببا في تورط امريكا المباشر والعملي في حرب يونيه عام ( 1967) ، ولنبدأ القصة من البداية .
فترة
حكم ( كيندي ) :
في
( ديسمبر عام 1962 ) ، توجهت ( غولدا مائير ) رئيسة وزراء اسرائيل الى ولاية ( فلوريدا ) للاجتماع بالرئيس ( جون كيندي ) ، كان اجتماعا استغرق 70 دقيقة : تم فيه تبادل الآراء ، وتحدثت فيه ( مسز مائير ) عن علاقة اسرائيل بالدول العربية ، وكررت فيه ، من جديد ،
عن مدى قابلية اسرائيل للسقوط في مواجهة الكراهية العربية والاسلحة السوفياتية والصواريخ الجديدة التي يبنيها ( عبد الناصر ) بمساعدة المانيا ، عندئذ بدأ ( كيندي ) يحدد العمق والحدود في العلاقة الامريكية باسرائيل ، وهنا رد ( كيندي ) قائلا :ان هناك علاقة خاصة لأمريكا مع اسرائيل في الشرق الاوسط ، ولكن لكي تخدم امريكا بفعالية مصالح اسرائيل الامنية ، قال ( كيندي ) : يجب عليها ان تحافظ وتنمي روابطها مع الدول الاخرى في المنطقة ،ومن هنا يمكن لامريكا ان تستخدم نفوذها لحماية المصالح الاسرائيلية ، ولكن في حالة بقاء العلاقات الامريكية
مع اسرائيل على حسب علاقاتها مع دول الشرق الاوسط العربية ، فان ذلك لن يكون في مصلحة اسرائيل وبدأ ( كيندي ) بعد ذلك يوضح لمسز مائير التصرفات الاسرائيلية التي جعلت من الصعب على امريكا ان تبقى على علاقات طيبة مع العرب وبالتالي تجعل من الصعب على امريكا ان
تحافظ على تأييدها لاسرائيل وهي مسألة تحويل مياه نهر الاردن والغارات الانتقامية على مناطق الحدود واستمرار مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ، هذه الأمور بالاضافة الى صفقة صواريخ ( هوك ) المتقدمة الامريكية مع الدول العربية ، ثم اشار ( كيندي )
بعد ذلك الى التمايز بين
المصالح الامنية الاسرائيلية والامريكية ، وقال انها ليست دائما هي نفسها ، واضاف
(كيندي ) ان التصرفات الخاطئة لاسرائيل لا تكون ضد اسرائيل وحدها بل ضد
امريكا كذلك ، لأن ذلك يمكن ان يجرها الى مواجهة مع السوفييت ،واكد ( كيندي ) مرارا وتكرارا لمسز مائير التزام امريكا بأمن اسرائيل ورخائها ، ولكنها طلب منها ان تنظر
اسرائيل بعين الاعتبار الى
المصالح الامريكية ، وهكذا كانت سياسة ( كيندي ) في الشرق الاوسط متوازنة ، فمثلما وفق على تقديم المعونات العسكرية لاسرائيل وافق على تقديم المعونات الغذائية لمصر ، وعندما اعترفت حكومة ( كيندي ) بالنظام الجمهوري في اليمن ، الذي سانده ( عبد الناصر ) مارس على مصر ضغوطا مستمرة ليحمل ( عبد الناصر ) على سحب القوات المصرية من اليمن . . وبمجرد ان تولى ( كيندي ) الحكم ارسل بخطابات الى رؤساء وملوك الدول العربية يطلب منهم تحديد الدورالذي يمكن لا مريكا ان تقوم به في نزاع كل دولة مع اسرائيل ، ورغم انه اصيب بخيبة امل من
ردود هذه الخطابات ، الا انه
استمر في ارسال مبعوثيه الى المنطقة يحملون اقتراحات لحل النزاع ، وبخاصة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وكان ( كيندي ) يقوم بذلك ، على حد قول كاتب
اسرائيلي ،وهو على اقتناع تام بأن النزاع العربي الاسرائيلي لابد وان يحل . . كذلك قام ( كيندي ) بجهد دولي لوقف سباق التسلح في المنطقة حتى لا يسمح بتغيير ميزان القوى مما يدفع اية دولة من دول المنطقة بتهديد الاخرى ، وكان ( كيندي ) يبني كل
سياساته مثل سابقيه (ترومان ) و ( ايزنهاور ) على اساس الاعلان الثلاثي لعام ( 1950) الذي اعلنته امريكا
وفرنسا وبريطانيا والذي يقضي بالوقوف بحزم ضد اية دولة في الشرق الاوسط تهاجم احد جيرانها ، ولكن الاعلان الثلاثي لعام ( 1950) مات
نهائيا في ( نوفمبر 1963) في مستشفى
( باركلاند) بمدينة ( دالاس
) بولاية ( تكساس ) بموت ( جون كيندي
) ، فعندما تولى ( ليندون جونسون )
رئاسة الولايات المتحدة كانت
هذه هي نقطة التحول في العلاقات
الاسرائيلية ـ الامريكية . .
وقد
جاء حادث اعتيال ( كيندي ) خلال
واحدة من فترات الاحباط في العلاقات الامريكية / الاسرائيلية بسب اجتماع عام ( 1962) الشهير بين ( كيندي ) و ( غولدا مائير ) والذي ظهر في ( نوفمبر عام 1962)
بالقرار الذي قدمته الولايات
المتحدة في الجمعية العامة للامم المتحدة ،والذي تضمن صيغة لحل مشكلة اللاجئين ، حيث انه بهذه الطريقة يمكن لاسرائيل ان تساند مواقفها بالقوة . . ولذلك السبب ، بالاضافة الى اسباب اخرى ، عارضت كل حكومة عربةي المفاوضات المباشرة مع اسرائيل تاركة الامر في حالة جمود ، وهي الحالة التي تريدها حكومة اسرائيل بالطبع !!.
رحلة
الى الماضي . . ومولد علاقة صعبة !!
كان الكولونيل ( ارشيبالد ) هو الملحق العسكري الامريكي في اسرائيل خلال الشهور الولى من مولد اسرائيل .. كان " كريسماس " عام ( 1949) قد اقترب عندما مجلس الكولونيل ( ارشيبالد) يكتب تقريرا عن
نشاط مكتبه في عامه الاول لرؤسائه في
ادارة المخابرات في وزارة الدفاع الامريكية . . كان ( ارشيبالد )
محبطا ومتعبا ويشعر بشيء من المرارة . اول ما ذكره ( ارشيبالد ) هو ان الاسرائيليين يتعاملون كاصدقاء من الناحية الاجتماعية ، ولكنه يرفضون ان يمارسوا اللعبة الدبلوماسية ، قال ( ارشيبالد ) بالنص : " ان هؤلاء الناس يشتاقون بالفعل للحصول على اكبر قدر من المعدات ومن التدريب من امريكا ، ولكنهم لا يريدون تقديم شيء في المقابل . . ان الولايات المتحدة لا تعامل كصديق او حليف عسكري . . فلا يسمح لأحد من الملحقين العسكريين الامريكيين ، الجوي والبحري والبري .. بالاتصال مباشرة مع نظرائهم في قوات الدفاع الاسرائيلية ، ولكنهم يتعاملون من خلال مكتب اتصال مع ضباط صغار . . ومن غير المسموح لطائرة الملحق الجوي بأن تحلق فوق اسرائيل على الاطلاق . . !
كان التقرير الذي ارسله (
ارشيبالد ) قبل هذا التقرير
بعام مختلفا تماما فقد كان مشجعا لاستمرار المساعدات الاسرائيل . . وكانت المشكلة الوحيدة التي ذكرها في تقريره آنذاك هي ان العلاقة الحميمة المعروفة بين المخابرات الامريكية والاسرائيلية تعطي للاسرائيليين سببا قويا
في خشيتهم من ان اية استخبارات عسكرية بين امريكا واسرائيل ستصل الى العرب عن طريق
بريطانيا ، وكتب يقول في ذلك التقرير :
"
انهم لم يتأكدوا بعد من ان امريكا صديق بنسبة ( 100%) لهم رغم كل مساعداتها . .
ولكننا قد فقدنا صداقة العرب ، ولهذا فعلينا ان نحافظ على علاقتنا باسرائيل . . ان
هذه الدولة الصغيرة تبدو وكأن لديها الكثير من الامكانيات ، إنها بالتأكيد ستكون
دولة كبيرة في الشرق الاوسط . . اسرائيل هي الحصان لنا للعودة الى هذه المنطقة " ؟
! ولكن شعور ( ارشيبالد ) تغير بعد مرور عام فقد شعر أنه رغم ان امريكا هي الدولة
الوحيدة التي سمح بأن يكون لها ملحقون عسكريون ، فإن ذلك قد تم لارتباط واعتماد
القوات الاسرائيلية على المساعدات العسكرية الامريكية أكثر من توضيح للثقة
الاسرائيلية في الولايات المتحدة ، وبينما تكررت المطالب الاسرائيلية للحصول على
الاسلحة والتدريب من جانب قوات الدفاع الاسرائيلية فإن الملحق البحري الامريكي كان
هناك من يتبعونه في أي مكان يتوجه اليه ، واكتشف الملحق العسكري ان ( تلفونه )
مراقب ، وفي اغسطس عام ( 1949) كان جميع الملحقين العسكريين الامريكيين قد اصيبوا
بالاحباط وملأهم الغضب . . . وفي النهاية في ( سبتمبر ) بدأ ( ارشيبالد ) يوصي بعدم
تقديم المساعدات أو أي تعاون من
الولايات المتحدة لاسرائيل . .. وقال ان مثل هذه المساعدات يجب ان تقدم لحيف . .
وبدأت تعليقات ( ارشيبالد ) والشكاوى التي يبعث بها تصبح ( عنيفة ) وفي بداية عام (
1950) بدأ ( ارشيبالد ) يكتب للمخابرات الجوية الامريكية بأن العلاقات بين طاقم
مكتبه ونظرائهم في قوات الدفاع الامريكية اصبحت سيئة للغاية حتى انه لم يعد هناك من
سبيل سوى عن طريق عمليات التجسس للحصول على المعلومات العسكرية ، وفي ( نوفمبر )
رفضت الولايات المتحدة طلبا تقدمت به اسرائيل للحصول على تدريب عسكري . . . ! !
مخاوف
المخابرات الامريكية ! . . .
وكانت
المخابرات الامريكية في بداية عام ( 1948 ) تخشى من ان تجر الصهيونية العالمية
الولايات المتحدة الى برنامج خطير من الغزو الاقليمي في الشرق الاوسط ، وفي ( مارس
1948 ) كان المتوقع ان تورط الصهيونية واستراتيجيتها الولايات المتحدة في سلسة
متسعة ومستمرة من العمليات التي تستهدف تأمين الاهداف اليهودية ، وهي سيادة مبدئية
يهودية فوق جزء من فلسطين ، وقبول القوى العظمى لحق اليهود غير المحدود في الهجرة ، وحق السيادة اليهودية فوق كل
فلسطين ، وتوسيع أرض اسرائيل بحيث تشمل جزءا من سوريا ولبنان ، ثم بداية فرض
السيطرة العسكرية والاقتصادية اليهودية على الشرق الاوسط ، كانت هذه هي اهداف
الزعماء اليهود والوكالة اليهودية ، واهتم المسؤولون بالمخابرات الامريكية بصفة
خاصة بعصابات الارهاب اليهودية التي كانت تعمل منذ الانتداب البريطاني ، وفي نوفمبر
عام ( 1948 ) بعث القنصل الامريكي الى وزارة الخارجية الامريكية في ( واشنطن )
وثائق جاء فيها ان احد زعماء مجموعة ارهابية قد قابل اكثر من مرة باسم ( مناحيم
بيغن ) زعيم المجموعة من ( ايجوني بودفيجين ) السكرتير الثاني للبعثة السوفياتية في
بيروت . . ولكن كانت هناك أسباب تدعو
للشك في هذا التقرير . . .وهي ان الوكالة اليهودية وزعيمها ( ديفيد بن غوريون ) قد
حاولوا لسنوات ادانة ( مناحيم بيغن ) ومجموعته الارهابية وفي صبيحة يوم ( 20 يونية
) عام ( 1948 ) امر ( بن غوريون ) كلاً من ( ايغال آلون ) و ( اسحق رابين ) بالطلاق
نيران المدافع على ( بيغن ) وعلى السفينة الحربية التابعة لمجموعة ( ارجون ) ، ونجا
( بيغن ) بالمجموعة من محاولة اغتياله . . .
علاقات
سرية مع ( موسكو ) :
وذكرت
التقارير كذلك الكثير عن العلاقات بين مجموعة ( شتيرن ) والاتحاد السوفياتي وان
هناك ثمانية آلاف جندي سوفياتي يقاتلون الى جانب الجيش اليهودي ، ولكن ( توماس
واسون ) القنصل ، الامريكي العام في القدس وصف هذه التقارير بأنها ( محض شائعات ) .
. . ورغم ذلك فقد تتبعت المخابرات الامريكية باهتمام كبير الاعتراف السوفياتي
الفوري بإسرائيل بعد ساعات من اعلان قيامها وتبع ذلك الاعتراف من جانب بولندا
وتشيكوسلوفاكيا ودول الكتلة الشرقية الاخرى ، وبعد ذلك كان فيضان الهجرة من جانب
اليهود السوفييت ويهود أوروبا الشرقية لاسرائيل خلال عام ( 1948 ) وكانت اسرائيل في
ذلك الوقت قد فتحت باب الهجرة على مصراعيه لحاجتها الى جنود ، وجاءت التقارير الى (
واشنطن ) من جانب سفاراتها في اوروبا الشرقية في منتصف عام ( 1948 ) لتؤكد إمكانية
تسلل العملاء السوفييت وسط الوحدات اليهودية المقاتلة التي توجهت الى اسرائيل من
هذه البلاد ، وحينما تم تشكيل الحكومة الاسرائيلية تنبهت المخابرات الامريكية الى
ان معظم اعضاء حكومة ( بن غوريون ) يعود اصلهم الى اوروبا الشرقية . . وعندما وصل
اول سفير من الاتحاد السوفياتي الى اسرائيل في مساء ( 8 اغسطس 1948 ) بعثت السفارة
الامريكية بتفاصيل هذا الحدث الى( واشنطن ) ، بكل التفاصيل حتى اعداد الذين جاءوا
للترحيب بالسفير السوفياتي لدى وصوله ، لذلك وحتى نهاية عام ( 1948 ) ، أي بعد مرور
اكثر من ستة اشهر على قيام اسرائيل ، فإن الولايات المتحدة لم تكن قد قدمت الاعتراف
الرسمي بقيامها ولم تكن حكومة ( ترومان ) قد التزمت بتقديم الاحتياجات المالية
العاجلة للدولة الجديدة ، ولكن السفير الامريكي في اسرائيل ( جيمس ماكدونالد ) بدأ
يحذر مرؤوسيه في واشنطن من هذا ، وينبه الى خطر تأخير تقديم المعونات بسبب وجود
السوفييت في ( تل أبيب ) وقال ان السوفييت ربما يقومون بحملة للتأثير في الانتخابات
الاسرائيلية لصالح الحزب الشيوعي الاسرائيلي وحزب ( مابام ) اليساري ، وكتب (
ماكدونالد ) يقول ان الشيء المطلوب بسرعة هو تأكيد المساندة الامريكية لتقوية هذه
العناصرالموجودة في ( تل أبيب ) والتي تقف بوضوح الى جانب الحرية السياسية على
النظام الغربي .
استجابت
( واشنطن ) وأعلنت الاعتراف الرسمي بأسرائيل في ( 5 يناير 1949 ) وقدمت قرضاً
مالياً كبيراً للدولة الناشئة ، وخلال عام ( 1949 ) كانت الشيوعية هي الأساس في
المكاتبات بين السفارة الامريكية في ( تل ابيب ) والمسؤولين في ( واشنطن ) ، وفي (
سبتمبر عام 1949 ) أرسلت دراسة من ( 14 صفحة ) بعنوان " الشيوعية في اسرائيل "
وبرفقتها طلب من ( ريتشارد فورد ) القائم بالاعمال الاسرائيلي يطلب زيادة طاقم
العاملين في السفارة الامريكية في ( تل ابيب ) للعمل في مواجهة الخطر ( الأحمر )
الذي بدأ يزداد قوة ! ! . . .
قرار
التقسيم . . ودور " ترومان "
رغم
ان اقامة هذا الوطن القومي اليهودي في الشرق الاوسط ككيان شرعي قد حدث في فترة
وجيزة وبمساعدة حادة وقوية من الولايات المتحدة الا انه كانت عليه بعض التحفظات من
جانب المخابرات الامريكية ، ففي عام ( 1942 ) عقدت المنظمات الصهيونية العالية
الكبرى اجتماعا في ( نيويورك ) في فندق ( بلتيمور ) ودعت الى قيام الدولة اليهودية
في المنطقة الكاملة التابعة للانتداب البريطاني في فلسطين ، وكان برنامج ( بلتيمور
) ـ كما اطلق عليه ـ هو برنامج غير رسمي بصفة شرعية ، ولم يكن حتى ذلك الوقت قد حظي
بموافقة المنظمة الصهيونية في فلسطين ، وفي أواخر عام ( 1946 ) وافقت الوكالة
اليهودية والمؤتمر الصهيونية العالمي على شكل من التقسيم لفلسطين يكون لليهود في جزء منه
وطن قومي ، وفي ( نوفمبر 1947 ) اعطت الجمعية العامة للامم المتحدة شكلا شرعيا
للتطلعات القومية اليهودية عندما وافقت على مشروع التقسيم بمقتضاه يتم انشاء دولة
يهودية وأخرى فلسطينية ، فيما كانت في ذلك الوقت أرض فلسطين تحت الانتداب البريطاني ، ورغم ان
قرار التقسيم قد اتخذ كأساس شرعي لاعلان قيام دولة اسرائيل في ( مايو 1948 ) ، واذا
كان ذلك حقيقيا ، فإن هذا القرار نفسه يحمل اساسا شرعيا لقيام دولة فلسطين ، وبينما
كانت الدول الاعضاء في الامم المتحدة لا تزال تبحث في الاجراءات والتوقيت الخاص
بالتقسيم ، اعلنت الوكالة اليهودية في ( مارس 1948 ) انه تم تشكيل حكومة مؤقته في
الجزء اليهودي من فلسطين ، وفي بحر اسابيع ظلت الاعلام الاسرائيلية باللونين الابيض
والازرق وصدرت الطوابع وبدأ جمع الضرائب ، وفي ( مايو 1948 ) اعلن " ديفيد بن
غوريون " قيام اسرائيل وصدر الاعتراف بها من جانب أمريكا والاتحاد السوفياتي ، ولم
يكن شكل الدولة الجديدة قد تحدد حتى ذلك الوقت ، وفي ( يناير 1949 ) انتخبت حكومة
دائمة في اسرائيل ، وتحددت حدود الدولة الجديدة ، وفي اقل من عشر سنوات تحولت
اسرائيل من مجرد تطلع غير محدد الملامح كجزء من اليهود في العالم الى دولة حديثة
حققت قبولا سياسيا في العالم وسيطرة عسكرية في الشرق الاوسط ، وقد ذكر
المؤرخون الكثير عن دور حكومة
الولايات المتحدة وبخاصة الرئيس ( ترومان ) في قيام دولة اسرائيل ، كذلك ذكر الكثير
عن المساعدات الامريكية في مذكرات كل من ( ديفيد بن غوريون ) و( موشي شاريت ) و(
غولدا مائير ) الذين تولوا رئاسة الحكومة اسرائيلية . . وفي الكتاب الذي نشر مؤخرا من تأليف (
جدعون رافائيل ) عن " تاريخ اسرائيل " ، قال المؤلف : " إن الاعتراف الذي أعلنه
الرئيس ( ترومان ) بدولة اسرائيل بعد دقائق من قيامها قد وضع الدولة الجديدة بقوة
على الخريطة السياسية للعالم ". . . فخلال تلك السنوات الحرجة تدخل ( ترومان )
لمساعدة الزعماء الصهياينه الذين كانوا يعملون على قيام اسرائيل ،وطلب من بريطانيا
ان تقبل المزيد من اللاجئين في فلسطين وساند مشروع التقسيم ،وعين سفيراً أمريكياً
معادياً للعرب في ( تل ابيب ) ،
وساهم في ترتيب قرض البنك الدولي لاسرائيل وفي نهاية فترة الانتداب البريطاني في
فلسطين ناشد ( ترومان ) الدول العربية
بعدم مهاجمة الدولة اليهودية ، وبعد قيام دولة اسرائيل وفي يناير ( 1949 )
بدأت الولايات المتحدة وهو ما حدث في ( مايو ) . . .
الارهاب
اليهودي : إنذار للعرب . . . !
في
يناير عام ( 1948 ) بدأ طاقم العاملين في القنصلية الامريكية في ( تل ابيب ) يكتبون
عن تغير طفيف في التكتيكات الصهيونية الرسمية ، ففي صبيحة يوم ( 5 يناير ) اختفى
فندق ( سميراميس )الذي كان يقع في حي ( القطمون ) بالقدس حيث تم تفجيره بمتفجرات
بلغ وزنها ( 175 رطلا ) وقتل ( 23 ) شخصا من المدنيين بينهم القنصل الاسباني . ..
لم يكن ذلك شيئا غريبا فهو حادث اعتاده الارهابيون من اليهود على القيام به في
فلسطين وقامت عصابتا ( ارغون ) و( شتيرن ) بأعمال مشابهة لأسباب عنصرية ، ولكن هذا
الحادث كان مختلفا لأن ( الهاغاناه ) ـ أحد أجنحة الوكالة اليهودية ـ قد اعترفت
بمسؤوليتها عنه ، وكان هذا العمل بمثابة رسالة انذار للعرب في القدس بأن يغادروا
اسرائيل كان هذا نوعا جديدا خاصا من الحرب ضد المدنيين ، وهنا شعر اعضاء القنصلية
الدبلوماسية بالخطر ، وتوجهوا الى ( غولدا مائير ) زعيمة المنظمة المسؤولة عن
انفجار الفندق يطلبون الحماية ، ووافقت ( مسز مائير ) على ان تطلب من اليهود ان
يهتموا بسلامة اعضاء القنصلية الامريكية وفي بداية عام ( 1948 ) كانت الوكالة
اليهودية تطالب اليهود الامريكيين بالسلاح والاموال والمتطوعين ، وفي أواخر يناير
كان ( موشي شرتوك ) رئيس وفد الوكالة اليهودية في الامم المتحدة يطالب بالمزيد من
المساعدات الرسمية ،وقد غير ( شرتوك ) اسمه بعد ذلك الى ( موشي شاريت ) وتولى منصب
وزير الخارجية ثم رئيس وزارء اسرائيل ،وفي نهاية فترة الانتداب البريطاني بدأ نطاق
أعمال العنف بين اليهود والعرب ؛ ففي صباح يوم ( 9 أبريل ) دخلت قوة مشتركة من
عصابتي ( شتيرن ) و( ارغون ) قرية عربية صغيرة " دير ياسين " خارج القدس ، وقتلوا (
250) من النساء والاطفال داخل منازلهم التي تم تفجيرها ، وفي اليوم اسرائيل القرية
( دير ياسين ) بأنها واحدة من اهدأ القرى في المنطقة ، وانها لم تتدخل في أي من
الهجمات التي حدثت والتي لم تسمح بدخول أي من عصابات الارهاب ، ورداً على تصريح (
شالتيل ) نشرت عصابة ( الارغون )
خطابا يتضمن تصريحا من ( شالتيل ) نفسه لعصابتي ( شتيرن ) و( ارغون ) بالهجوم على
القرية وعلم فيما بعد ان ( 20 ) من جنود ( الهاغاناه ) اشتركوا في هذا الهجوم كانت
هذه القرية هي ( دير ياسين ) ،وكان القنصل الامريكي العام الجديد ( توماس واسون )
قد تولى منصبه قبل المذبحة بقليل ، وكان رد فعله على الهجوم على ( دير ياسين ) رد
فعل يتسم باليأس حيث أبرق الى ( واشنطن ) يقول انه من الصعب التوصل الى اية هدنة في
فلسطين ،وجاء الانتقام العربي في ( 13 ابريل ) حينما هاجمت وحدات عربية قافلة
اسرائيلية من عشر عربات كانت تقوم بإمداد مستشفى ( هداسا ) ببعض المستلزمات وقتل (
34) اسرائيليا واصيب ( 21 ) آخرون ،في ذلك الوقت قالت صحيفة ( نيويورك تايمز ) ان
معظم الضحايا كانوا من الاطباء والممرضات والمرضى ولكنها لم تذكر شيئا عن الاسلحة
التي وجدت في هذه السيارات بعد الهجوم حيث كانت هذه القافلة في طريقها لامداد
الاسلحة والمدافع لأحد المواقع الاسرائيلية . . .
الأسلحة
في سيارات يهودية ! !
وكانت
تقارير ( توماس واسون ) واضحة لوزارة الخارجية : " لقد شاهد بعض المراسلين
الامريكيين كميات كبيرة من الاسلحة والذخائر في السيارات اليهودية " . . .! وفي
الايام السابقة على انتهاء الانتداب البريطاني في فلسطين كان ( واسون ) على اتصال
يومي بالمسؤولين البريطانيين ،وفي ( 13 مايو) ابلغ ( واشنطن ) بوجهة نظر بريطانيا
التي تحذر من احتمال قيام اليهود تعملية انتقامية ضد العرب ،وفي ( 20 مايو 1948) ـ
بعد اسبوع تقريبا من انتهاء الانتداب البريطاني ـ ابلغ ( واسون ) واشنطن بأن العرب
بدأوا في قصف مستشفى ( هداسا ) بعد ان قام اليهود بإطلاق النار على العرب من داخل
المستشفى رغم كل نداءات الصليب الاحمر ورغم تعهد العرب بعدم قصف المستشفى بل وحماية
من بداخلها اذا كانوا غير مسلحين وفي (22مايو) اغتيل ( واسون ) برصاص احد القناصة
لدى عودته من اجتماع في القنصلية الفرنسية ، ورغم انه كان يرتدي قميصا واقيا من
الرصاص ،ورغم انه لم يكن هناك أي دليل على من أطلق الرصاص عليه حيث ان المنطقة التي
اطلق عليه الرصاص فيها كانت تضم يهودا وعربا ،الا ان ( النيويورك تايمز ) ذكرت في
صدر صفحتها الاولى نقلا عن مسؤول بالهاغاناه ان القنصل العام قد اغتيل برصاص قناص
عربي ، ولم تقم وزارة الخارجية الامريكية بأي تحقيق في هذا الحادث ، وفي منتصف (
يونيه عام 1948 ) تم فرض هدنة العرب واليهود تحت اشراف الامم المتحدة قالت عنها
المخابرات الامريكية انها كانت في صالح اليهود ( على طول الخط ) حيث تمكنوا من
تحسين المواقع العسكرية في شتى المجالات سواء في المدفعية أو الطيران .
الحدود
الآمنة في نظر " بيغن " ؟ . .
بعد
ان قويت اسرائيل عسكريا ، بدأ مفهوم حدودها الأمنة يتغير ،وفي ( 3 اغسطس ) خطب (
مناحيم بيغن ) زعيم عصابة ( ارغون ) في ذلك الوقت أمام حوالي اربعة آلاف شخص في
ميدان ( صهيون) بالقدس ،وقال : انه يجب ضم القدس بأكملها وحتى مدينة القدس القديمة
الى الدولة اليهودية الجديدة وضم الضفة الغربية لنهر الاردن كذلك حتى اذا تدخلت
قوات دولية .. .
ولم
يكن ( بيغن ) يتحدث باسم الحكومة الاسرائيلية في ذلك الوقت بالطبع ، ولكن ( غولدا
مائير ) فعلت ذلك بوصفها واحدة من كبار المسؤولين في الخارجية الاسرائيلية ، فقد
تحدثت ( غولدا ) في منتصف اغسطس مع القنصل الامريكي العام الجديد بالقدس ، ويدعى (
جون ماكدونالد ) وابلغته ، بالاضافة الى اشياء اخرى ، ان اسرائيل لم تعد تقبل تدويل
القدس ( كما جاء في قرار التقسيم في نوفمبر 1947 ) ، واضافت انه يتعين على اسرائيل
ان تضم صحراء النقب في اية تسوية قادمة . . وابلغ ( ماكدونالد ) ذلك الى( واشنطن )
… وقال كذلك ان اليهود في القدس يطلقون النار كثيرا على القوات
العربية ، وان تلك القوات لا ترد على ذلك متمسكة باتفاقية الهدنة ، وكان رد فعل (
جورج مارسال ) وزير الخارجية الامريكية آنذاك ـ يتسم بالغضب ، فخلال مايو ويونيه
كانت الولايات المتحدة تصف الدول العربية بأنها ( المعتدية ) ،
ام بعد ذلك فقد ذكر ( مارشال
) ان اسرائيل تنتهك اتفاقية الهدنة ،
وتطلق النار على المواقع العربية وانها اصبحت المعتدية . . واقترح ( مارشال ) على الرئيس
الامريكي ( ترومان ) استدعاء السفير الاسرائيلي في واشنطن ( الياهو اليشتين )
وابلاغه بأن الولايات المتحدة ستعارض
الاعتداء الاسرائيلي ، واقترح
كذلك استخدام الاعتراف باسرائيل
وتأييد عضويتها في الامم المتحدة
للضغط عليها لدفعها للتمسك
باتفاقية الهدنة . . بعد ذلك بدأ (
مارشال ) يذكر ( ترومان ) بأن تجدد
القتال بين اسرائيل والعرب قد يضطر بريطانيا لاحترام التزاماتها تجاه العرب .
خلال ذلك الوقت كان هناك مراقبون من الأمم المتحدة ومن الصليب الاحمر يشرفون على اتفاقية
الهدنة ، وتزايدت حوادث اطلاق النار
من جانب القوات اليهودية على قوات الامم المتحدة ، وكانت تحدث بصفة يومية ، واصيب
عدد كبير من المراقبين التابعين للامم المتحدة وتدهورت العلاقات لهذا السبب بين اسرائيل وقوة حفظ السلام
تابعة للامم المتحدة ، فقد اصبحت
قوات الامم المتحدة عقبة امام
الغزو العسكري الاسرائيلي للقدس وربما لباقي فلسطين ومن ( تل ابيب ) اقترح السفير
الامريكي (جيمس ماكدونالد ) على ( واشنطن )
تعزيز قوات الامم المتحدة ولكن
عندما استجابت ردت وزارتا
الخارجية والدفاع الامريكيتان على هذا الاقتراح بأن عرضتا تقديم ( 125)
مراقبا عسكريا اضافيا لقوات الامم المتحدة حدث شيء غير عادي ،
ففي ( 24 اغسطس ) كتب ( ماكدونالد ) لكل من الرئيس ( ترومان ) ونائبه ( كلارك كليفورد ) يحذر من ان تأييد الولايات المتحدة لسياسات الامم المتحدة في فلسطين يمكن ان يؤدي الىقيام حرب حقيقية علنية مع
اسرائيل حيث ان اسرائيل اصبحت تصر على اجراء مفاوضات سلام بدالا من اصرار الامم المتحدة وامريكا على الهدنة وعلى تدويل القدس وعلى مشلكة اللاجئين . .
ولكن ( واشنطن ) لم تدرك معنى
ملاحظات ( ماكدونالد) فقد بعث وزير
الخارجية الامركية ( مارشال) ببرقية مطولة قال فيها : " ان الابقاء على الهدنة والاتفاق على تدويل القدس وتسوية مشكلة اللاجئين ليست بدائل للسلام الدائم كما يقترح
الاسرائيليون ، ولكنها خطوات
جوهرية في طريق السلام " .
.
وفي
( 22 اغسطس) اختطف ( جورج بارو
) احد كبار الدبلوماسيين الامريكيين في النصلية الامريكية في القدس ، وظل مختطفا (24 ساعة ) ثم اطلق سراحه ، واتضح من خلال تقرير ( ماكدونالد ) ان
العملية قامت بها عصابة ( شتيرن ) وانه اختطف على سبيل الخطأ !! ولكن الحقيقة كانت غير
ذلك ، فبعد اطلاق سراحه ظل في قسم
بوليس تابع للهاغاناه لمدة ثماني ساعات دون تفسير لذلك . . وفي ( سبتمبر ) تدهورت
العلاقات بين امريكا والحكومة الاسرائيلية واعلنت الخارجية الامريكية ان امريكا لن تعترف رسميا باسرائيل الا
بعد اجراء انتخابات ( الكنيست ) في
العام التالي . . وكانت حكومة (
ترومان ) قد اتخذت هذا القرار بناء
على توصيات من المخابرات خوفا من ان تتشكل حكومة موالية للاتحاد السوفياتي ولكن السفير ( ماكدونالد ) بدأ يحذر من ان ذلك
التأخير يمكن ان يدفع ويشجع اليهود
في اتجاهاتهم العدوانية ـ وفي ( 16
سبتمبر ) اتهم ( موشي شاريت ) وزير
الخارجية الاسرائيلية الوسيط (
برنادوت ) علنا بالانحياز ضد
اسرائيل ولصالح الدول العربية ، في ذلك يوم وقع ( برنادوت ) خطة الوساطة الثانية التي كانت تتضمن اقامة دولة فلسطينية تضم النق وتدويل القدس وشرط اعادة التقسيم وتعويض اللاجئين الفلسطينين .
(
شتيرن ) . . ومصرع ( برنادوت )
في
اليوم التالي مات ( برنادوت ) مقتولا في القدس . . ,في ( 18
سبتمبر ) اليوم التالي لاغتيال ( برنادوت ) اكد القنصل العام ( ماكدونالد )
لوزير الخارجية ( مارشال ) ان عصابة ( شتيرن ) هي المسؤولة عن حادث الاغتيال ، وان الحكومة الاسرائيلية تحاول باقصى جهودها اخفاء ( القتلة ) ، وانه ليس هناك
أي شك في ان عصابة ( شتيرن ) هي التي اغتالت الوسيط ، ولكن كان هناك دليل قوي على ان الحكومة الاسرائيلية قد تطورت بشكل مباشر في اغتيال الوسيط وان الحكومة الامريكية قد حققت
بصورة سرية التطور الاسرائيلي . . وفي
ليلة ( 17 سبتمبر )
التي قتل فيها ( برنادوت )
منحت القنصلية التشيكية في ( القدس
) و ( حيفا ) 30 تأثيرة دخول لأعظاء عصابة ( شتيرن ) الذين اشتركوا بالتخطيط وتنفيذ عملية
الاغتيال وسلمت الحكومة الاسرئيلية
جوازات سفر لهذه القنصلية
بتوصية بسرعة اعطاء التأشيرة وخرج كل هؤلاء في خلال ساعات من اسرائيل ، وفي منتصف ( اكتوبر ) اعربت الحكومة الامريكية عن
الاعتقادها بان الحكومة الاسرائيلية قد اشتركت مباشرة في عملية اغتيال ( برنادوت ) ولكن رغم ذلك لم تصدر اية نتائج للتحقيقات الرسمية التي اجريت وساء في ( تل ابيب ) او ( واشنطن ) بخصوص اغتيال ( برنادوت ) ،
وفي اكتوبر كذلك انتهت اتفاقية الهدنة ، وعندما توجه المراقبون التابعون للامم المتحدة الى القوات اليهودية وطلبوا منهم وقف القصف ، قال الجنود اليهود : " ان لدينا اوامر باطلاق النار . . واذا كنتم تريدون ان نتوقف . . قابلوا ( بن غوريون ) . .!" ، بعد ذلك بدأ الكولونيل ( موشي ديان ) قائد القوات
الاسرئيليون هجوما كبيرا ضد المصريين . . وكان القتل مريرا حول القدس ووقعت اكثر من مذبحة في القرى العربية ذكرها المراقبون التابعون للامم المتحدة في تقاريرهم . .
شحنات اسحلة تشيكو سلوفاكية
وفي
( نوفمبر ) بدأت شحنات الاسلحة والقوات القادمة من تشيكوسلوفاكيا تصبح يومية ،وبدأت الشكاوى في الامم المتحدة من ان الارتباط الصهيوني ـ التشيكي يمثل
تدخلا من قوة اجنبية في حرب الشرق
الاوسط مما يعد خرقا لمشروع
التقسيم وللعديد من اتفاقيات الهدنة وكان الرد الاسرائيلي على ذلك هو نقطة تحول في تلك الحرب ، فقد
اعلنت وزارة الخارجية الاسرائيلية ان
جيشا بريطانيا كبيرا يغزو البلاد من كل جانب ، وان طرقا يتم بناؤها للهجوم شمالي العقبة وان هناك حشودا عسكرية في النقب والخليل . . وعندما طلبت وزارة الخارجية الامريكية تفاصيل هذا الغزو ، ردت القنصلية الامريكية في القدس: " التقارير بشأن تحركات القوات البريطانية لا اساس لها من الصحة . . ان حكومة اسرائيل تريد ابعاد الانظار عن شحنات الاسحلة التشيكية "
!..
في
ذلك الوقت ، لم يكن الاسرائيليون في
حاجة للتشيك ، وكان الجيش
العربي الوحيد القادر على القتال هو
الجيش المصري ، وكان محاصرا في (الفالوجة ) حيث منعت القوات الاسرائيلية مرور الامدادات اليه ، وظهر الموقف
الاسرائيلي المتعنت لكل خطط الحل ، فقد كانت اسرائيل تريد صحراء النقب التي لك تكن تنص عليها خطة ( برنادوت ) التي التزمت بها الولايات المتحدة في نوفمبر عام ( 1948) ، لقد كانت حرب فلسطين سنة (1948) حربا عالمية ثالثة رغم
ان نطاق القتال كان محدودا على منطقة صغيرة من الشرق الاوسط ـ فقد كان المدخل الى الحرب عالميا . . من جانب العرب اشترك حوالي ( 20الف ) جندي في وحدات من جيوش مصر الاردن والعراق وسوريا ولبنان ، ومن الجانب اليهودي تحركت آلاف الاطنان من الاسلحة من بينها طائرات ودبابات ومدفعية وجمعت عشرات الملايين من الدولارات من خلال شبكة غطت اوروبا وامريكا الشمالية والجنوبية وشمال وجنوب افريقيا وحتى الصين ،
واندفع آلاف من الجنود
المدربين والطيارين ذوي الخبرة في جيوش وقوات الجو من دول الكتلتين الشرقية الغربية في القتال الى جانب اليهود بعضهم كمهاجرين والبعض الآخر كمتطوعين . . وكان البعض منهم تجارا اشتركوا في القتال الاهداف تجارية . . كان ضباط المخابرات الامريكية سواء العسكريين او المدنيين على علم تام بنطاق عمل الجماعات السرية الصهيونية وبأسالبيها ، وكان هذا العلم اكثر من أي سب آخر قيل عن التدخل السوفياتي في الدول اليهودية الجديدة هو اساس وجهة نظر امريكا عن حرب فلسطين ، وكانت النشاطات غير المشروعة للامريكيين الذي اشتركوا في تأييد جهود الحرب اليهودية تتعارض تماما مع قانون الحياد الامريكي وقانون صادرات السلاح الامريكي وكانت هناك امثلة كثيرة رغم ذلك على السرقة وحتى التجسس من جانب الامريكيين لصالح الدولة اليهودية . .
تدفق
تيار الهجرة اليهودية
وفي
يوم ( 10 يناير عام 1948 ) كتب (
بيتر رودز ) مدير المخابرات لمكتب
الحكوم العسكرية في المانيا تقريرا للبنتاغون ذكر فيه السرقات التي حدثت في مخزن السلاح
الامريكي في ( الاندشت ) بولاية ( بافاريا) حيث سرقت اسلحة وذخائر . . وقال " رودز " انها دخلت فلسطين . . ثم كانت بعد ذلك مشكلة الهجرة نفسها .. حيث الآلاف من اليهود خلال اعوام ( 1946 و 1947 و
1948 ) الهجرة الى فلسطين ، ولم تكن الوكالة اليهودية هي المنظمة الوحيدة التي تساعد اليهود من المعسكرات الالمانية على الهجرة لاسرائيل ، ولكن مجموعة ( ارغون زيفاي لومي ) كانت كذلك داخل هذه المعسكرات وقدمت المساعدة بشكل آخر . . فرغم ان العسكريين الامريكيين ورجال المخابرات الامريكية في المانيا كانوا يساندون اليهود ويساعدونهم على الهجرة . . فان ( الارغون ) كان لها دور آخر ، كما ذكر تقرير المخابرات الامريكية الاسبوعي في ( 10 يناير 1948 ) وتزايد التوتر والاشتباكات في المعسكرات اليهودية في المنطقة الامريكية في المانيا
بسبب محاولات وتصميم ومنظمة ( رغون زيفاي لومي ) للسيطرة على ادارة المعسكرات ومؤسساتها .. وقد وجدت ههذ المنظمة صعوبة في السيطرة على اللجان المنتخبة ديمقراطيا والتي تعمل طبقا لميثاق الجيش ،
ولذلك فقد اتجهت المنظمة
للتركيز على قوة البوليس في المعسكرات لي تفرض ارادتها على
الاغلبية المسالمة . .
بالتهديدات وبالعنف وباراقة الدماء . . واستخدمت المنظمة العديد من الطرق لجذب اليهود الى فلسطين لمحاربة العرب . . حتى وصلت بها الحال الى
تهديد الذي يرفضون الهجرة بالموت
واغلقت البواب المعسكرات حتى لا
يهرب احد ، كما بدأت فرق ( الهاغاناه ) في استخدام تكتيكات مماثلة لدفع اليهود للهجرة الى فلسطين وخاصة الشباب منهم حتى اضطر الشباب للزواج بأعداد كبيرة من المانيات وامريكيات للهروب من وجه التهديدات اليهودية . . وفي منتصف عام ( 1948) بدأ
التكتيكات الارهابية تصبح شيئا مألوفا في هذه المعسكرات من جانب ( الهاغاناه ) و ( الأرغون ) ،
وكان من يرفض الانضمام للجيش الاسرئيلي يضرب . حتي يفقد وعيه ، وفي ( 14 يونيه عام 48 ) كان عيدا يهوديا
، وصدر تحذير لسكان المعسكرات الذين لا يريدون الذهاب الى اسرائيل بعدم دخول المعبد لأنهم سيجبرون على مغادرته وبالفعل عدد كبير من اليهود في منازلهم .
محاولات
لاجتذاب اليهود الامريكيين
ان
ما كان يقلق المسؤولين العسكريين الامريكيين
والمسؤولين في المخابرات الامريكية اكثرمن أي شيء آخر هو المحاولات التي كان تقوم بها المنظمات السرية اليهودية لاجتذاب الجنود الامريكيين سواء العاملين في الخدمة المتقاعدين ، لذلك ففي عام (1948) صدر قانون امريكي يقضي بفرض غرامة قدرها ( 2000) دولار اوالسجن لمدة لا تزيد عن ( 3 سنوات ) على أي مواطن امريكي يقبل الخدمة في دول اجنبية في حالة حرب مع اية دولة اجنبية تكون في حالة سلام مع امريكا .. وقبله وفي ( آب 1947) كانت وزارة الخارجية الامريكية قد اصدرت قرارا يقضي بسحب الجنسية الامريكية من أي مواطن امريكي عسكري او مدني يدخل القوات المسلحة لدولة اجنبية . . بالاضافة لذلك فخلال عامي ( 1948 و 1949) قبل وبعد اعلان قيام دولة اسرائيل حاولت المنظمات السرية الصهيونية اجتذاب آلاف الامريكيين ، وتتبع المسؤلون بالمخابرات الامريكية هذا الموضوع بحرص واتخذوا خطوات لمواجهته . . وبالفعل ثبت ان عددا من ضباط الجيش الامريكيي المتقاعدين قد انضموا الى فرق المتقاعدين الذين كان لهم دور كبير في فرق ( الهاغاناه ) ، الكولونيل ( ديفيد مايكي ماركوس ) الَّذي عمل كخبير عسكري خلال حرب فلسطين الى جانب اليهود .. وقد عين قائد الجبهة القد في قوات الدفاع الاسرائيلية وفوضه ( موشي ديان ) في تحويل القوات الاسرائيلية من مجرد مجموعات عمل سرية ارهابية الى جيش نظامي ، ولكنه قتل برصاصة اسرائيلية ذات ليلة ،
وكشفت التحقيقات ان قاتلة كان
الكولونيل الصهيوني ( اليوت نايلز
) وقد اثبتت تقارير المخابرات ان الجنود والضباط الامريكيين الذي كانوا يقاتلون الى جانب اليهود في حرب فلسطين كانوا يحصلون على مرتبات كبيرة . . فقد كان الطيار يحصل على ( 600 دولار) بالاضافة الى المكافآت ، وهو مرتب يزيد ـ الى حد ما ـ عن مرتب نظيره في القوات الامريكية في عام (1948) بل ان الجماعات اليهودية كانت تستوقف أي شخص يرتدي زياً عسكريا وتعرض عليه مبالغ كبيرة مقابل القتال الى جانب اليهود . . او اخراجه من البلاد !!
طوفان الاسلحة الى اليهود
وخلال
السنوات الخمس من ( 1945 ـ 1949 )
كان تدفق الاسلحة والرجال من المنظمات الصهيونية الامريكية الى فلسطين يتزايد بمعدلات كبيرة ، وكانت المنظمات الصهيونية اليهودية تشتري معظم هذه الاسلحة وتسرق البعض الآخر ولكن كلها كانت غير مشروعة طبقا للقوانين الامريكية التي تحظر تصدير السلاح . . ولكن الغريب ان هذه الجماعات الصهيونية الامريكية المرتبطة سواء ( بالهاغاناه ) او بعصابة ( الارغون ) كانت تعمل في العلن . . فقد كانت
العلاقات طلب متطوعين للذهاب الى فلسطين تنشر في الصحف الكبرى . . وكانت منظمات معينة تستأجر أجنحة في القنادق الكبرى في ( نيويورك ) لكي تجري مقابلات مع المتطوعين قبل الرحيل الى الشرق الاوسط وكانت هذه المنظمات الصهيونية تتعامل مع الجمهور الامريكي على انها متظمات ذات اهداف ( انسانية ) ، وكانت تركز على انها تساعد
اليهود الناجين من ( المحارق )
الالمانية على ان ينشئوا
لأنفسهم وطنا في فلسطين . . اما بالنسبة للمخابرات الامريكية فقد كانت النظرة لهذه المنظمات الصهيونية مختلفة ، ولكننا نشك في ان المخابرات الامريكية كانت تملك تقديرا لكميات الاسلحة غير الشرعية التي ذهبت الى فلسطين وبخاصة ( في الفترة من ( 1948 ـ 1949) عندما اصبح تدفق السلاح ( فيضانا ) ولكن الوثائق التي تم جمعها من عدد من السفارات الامريكية في ذلك الوقت تبين انهم تابعوا دخول هذا السلاح بدقة ونظرا اليه باعتباره عامل اضطراب رئيس في منطقة الشرق الاوسط . . وقد قدرت
المساعدات الامريكية الخاصة التي قدمت لليهود خلال حرب فلسطين بـ ( 1300) مقاتل متطوع ، ومن (15 ـ 20 ) مليون دولار ، وان كان هذا الرقم يذكر بشيء من التحفظ لأنه لا يشمل الكثير من المساعدات السرية . . وكما ذكرنا من قبل فان هيكل قيادة القوات الاسرائيلية وكل قواتها الجوية كانت تتكون من متطوعين اجانب .. ففي حرب فلسطين لم يكن العرب يحاربون اليهود في فلسطين ولكنهم كانوا يحاربون قوات ومصادر مشتركة
من المجتمع اليهودي الدولي . . وكانت كميات السلاح الهائلة التي قامت المنظمات الصهيونية بشرائها لحساب اليهود سببا في اعطاء يهود فلسطين سيطرة عسكرية في الشرق الاوسط . . ويكفي هنا ان نقول انه قبل وخلال وبعد قيام اسرائيل في عام ( 1948) تمتع اليهود بتفوق على كل
القوات العربية متحدة في السلاح
والرجال . . موضوع آخر من الموضوعات التي سببت القلق للمخابرات الامريكية هو نوعية الاسلحة التي يدخلها او يحاول الاسرائيليون ادخالها الى الشرق الاوسط من فائض الاسلحة المخزونة في اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ، فخلال شهور ( نيسان وايار وحزيران 1948 ) ذكر الملحق العسكري الامريكي في ( بروكسل ) في تقرير لمخابرات الجيش ان المكتب البلجيكي للمساعدات الثنائية طلب
تقريرا سباسيا عن صفقة بيع اسلحة الجيش الامريكي المباعة
للقوات اليهوديةفي فلسطين ، وجاء الرد بأن الحكومة الامريكية لا تملك السيطرة على فائض اسلحة بيعت لحكومة اجنبية باعتها من جديد لدولة ثالثة . . وفي ( حزيران عام 1948 ) ذكر الملحق العسكري الامريكي ان هناك شركة بلجيكية تستعد لتصدير كميات من الاسلحة لفلسطين تشمل ( 10) دبابات و (26) عربة مدرعة و ( 64) عربة نصف مجنزرة وفي الشهر نفسه طلب الملحق العسكري البلجيكي في ( واشنطن ) عينات من مخزون الذخيرة التي عثر عليها في مخزن اسلحة كيميائية في ( بافاريا) بعدها بأيام قليلة ذكر الملحق العسكري الامريكي في القاهرة ان هناك دلائل اكيدة من ( تل ابيب ) ومناطق اخرى في الشرق الاوسط على ان
القوات اليهودية تستعد لاستخدام الغازات السامة لمهاجمة مراكز السكان في الدول العربية .. بعد ذلك وصلت تقارير عن تعاون المنظمات الصهيونية مع
زعماء من دول امريكا اللاتينية في انتهاك القوانين الامريكية . . وفي ( حزيران 1948) ذكر الملحق العسكري الامريكي في ( مكسيكو سيتي ) ان الرئيس المكسيكي ( ميجويل اليمان ) تلقى مبلغ ( 1.5 مليون ) دولار من فرق ( الهاغاناه ) مكافاة لتعاونه مع احدى شركات الطيران لشحن اسلحة الى فلسطين ـ كذلك تلقى ( استاسيو سوموزا
) ديكتاتور ( نيكاراغوا) مبلغ ( 200
الف ) دولار من عصابة ( الهاغاناه ) بشيك على بنك ( نيويورك ) مكافاة على ما قدمه لليهود خلال عام ( 1948) .
خخفيا
دور تشيكوسلوفاكيا.
كل
هذا الذي ذكرناه كان موضوعا لتحقيقات
كثيرة . . فقد جمع مكتب
التحقيقات الفيدرالي على سبيل المثال عشرات الالوف من الصفحات عن التقارير الخاص بتصدير الاسلحة غير المشروعة الى فلسطين . . ولكن كل هذا ورغم ذلك لم يكن يهدد ـ بطريقة مباشرة ـ المصالح القومية الامنية للولايات المتحدة حتى بدأت المنظمات الصهيونية السرية لاستيراد السلاح تتجه الى اوروبا الشرقية . . ففي الفترة من ( كانون الثاني ) الى ( نيسان ) عام ( 1948) بدأ الميجور ( ستيفن ميد ) الملحق الثقافي العسكري الامريكي في ( بيروت ) يبعث بتقارير عن ان هناك طائرات تهبط ليلا في بعض المناطق في سهل البقاع اللبناني .. وان في كل مرة كانت هناك اكثر من طائرة . . وان هذا الامر تكرر حدوثه .. وفي المرات القليلة التي شاهدها " ميد " بنفسه وجد هذه الطائرات محملة بصناديق كبيرة معها مهرب سلاح لبناني شهير يدعى ( درويش بيضون ) وعلم ( ميد )
من رئيس اركان الجيش اللبناني ان هذه الصناديق تحتوي على اسلحة للقوات اليهودية في فلسطين ، وحتى ذلك الوقت لم يكن "ميد " يعلم شيئا
عن مصدر هذه الشحنات الجوية حتى (31 آذار عام 1948 ) عندما علمت المخابرات الامريكية بالمصدر الجديد للسلاح والتدريب كذلك لأعضاء المنظمات السرية الصهيونية ، وهو ( تشيكوسلوفاكيا
).
وفي الاسبوع الاخير من ( آذار ) بعث الملحق العسكري الامريكي من ( براغ ) برسالة قال فيها ان عصابة ( شتيرن ) تبحث عن اعضاء جدد في
الجيش التشيكي بموافقة الحكومة السوفياتية . . وفي اليوم
الاخير من نفس الشهر هبطت طائرة امريكية من طراز ( دي سي / 4 ) في مطار ( براغ ) تحمل شحنة يبلغ وزنها سبعة اطنان قيل انها ادوات جراحية وآلات دقيقة ، ولكن ما لفت نظر عملاء المخابرات الامريكية هو ان عددا من قوات البوليس السري التشيكي كانت تحرس الطائرة بكل دقة ، بعد ذلك اقلعت الطائرة هنبط في مطار قديم في ( بيت داراس ) في فلسطين ، وكان هبوطها ليلا . . وتم تفريغ
الطائرة التي كانت تحمل اسلحة وذخيرة ذهبت ال اليهود مباشرة في منطقة ( بيرتريا ) وعندما عادت الطائرة الى ( براغ ) قام القنصل الامريكي باستدعاء طاقم الطائرة للتحقيق معهم وبدأت قصة التورط التشيكي مع المنظمات السرية الصيهونية تتكشف . . وارسل الادميرال ( ال هيلينكوبتر ) الرئيس الجديد للمخابرات الامريكية بتفاصيل هذه القصة الى كل من الرئيس ووزيري الخارجية والدفاع . . وقال في هذه الرسائل ان رحلة الطايرة الامريكية من ( براغ ) الى ( بيد داراس ) كانت واحدة من العديد من الرحلات التي تم خلالها تصدير السلاح اليهود في فلسطين .
وفي ( نيسان ) اكتشفت المخابرات الامريكية ان المنظمات الصهيونية تنقل السلاح من جنوب فرنسا الى فلسطين مستخدمة طائرة تشيكية وفي ( حزيران ) بعث ( مارشال ) وزير الخارجية الامريكية برسالة الى ( لورنس شتاينهارت ) السفير الامريكي في
( براغ ) يسأله عن جدوى ارسال احتجاج رسمي للحكومة التشيكية ،ولكن ( شتاينهارت) ابلغه هذا الاحتجاج ، ولم يجد آذانا صاغية بسبب عجز الاحتياطي من العملات الصعبة في ( تشيكوسلوفاكيا ) وبسبب تدهرو العلاقات التشيكية ـ الامريكية .
امريكيون يهربون الاسلحة التشيكية !
وفي اوائل ( آب ) بعث الادميرال ( هيلينكوبتر ) برسالة ثانية الى الرئيس الامريكي ( ترومان ) ذكل له فيها ان تشيكوسلوفاكيا اصبحت هي القاعدة الاساسية لعلم المنظمات الصيهونية التي تبعث باطنان السلاح لليهود في فلسطين . . وان هناك عددا كبيرا من الامريكيين يعملون في تشيكوسلوفاكيا من اجل اعداد الاسلحة وتوصيلها ال اليهود في فلسطين . . وفي منتصف ( آب)
ابلغت وزارة الخارجية الامريكية المواطنين الامريكيين بأنه في حالة بقائهم في تشيكوسلوفاكيا والعمل مع المنظمات الصهيونية ، فانه
ينبغي عليهم انيطلبوا الحماية من الحكومة
التشيكية ، وان يسلموا جوازات سفرهم الى السفارة الامريكية في ( براغ ) ، وتم تقديم احتجاج رسمي لوزارة الخارجية التشيكية كما ابلغ الوسيط الامريكي ( كونت برنادوت ) بتفاصيل العملية ، وان هناك انتهاكات للقوانين الامريكية تجري في تشيكوسلوفاكيا ، وتم تقديم نسخة من المذكرة التي ارسلت لبرناودت لوزارة الخارجية التشيكية ، وفي خلال اقل من شهر ابلغت الحكومة التشيكية وزارة الخارجية الامريكية بأن كل الامريكيين قد غادروا تشيكوسلوفاكيا ، ولكن السفارة الامريكية في ( براغ ) تاكدت من ان عمليا نقل الاسلحة جوا من قبل المنظمات السرية الصهيونية قد نقلت الى مطار صغير في منطقة ( مالاكي ) في ( براتسيلانا ) بعيدا عن اعين السفارة الامريكية ، ولم يكن الموقع الجديد مخزنا للاسلحة مطارا فقط ، ولكنه كان يستخدم في عملية اخرى ، حيث كان الخبراء الروس والتشيك يقومون فيه بتدريب الطيارين اليهود . . وكانت الطائرات االمقاتلة القاذفة التي اشترتها المنظمات الصهيونية تذهب اولا الى هذا
المطار الصغير حيث يتلقى الطيارون اليهود التدريب عليها ، وفي احيان كثيرة كانت هذه الطائات تحمل علم ( بنما ) وعلم الولايات المتحدة لتسهيل مرورها عبر مناطق الاحتلال الامريكي في المانيا في طريقها الى اسرائيل . .
وفي
ذلك الوقت قال خبراء المخابرات
الامريكية ان حجم العمل
الصهيوني التشيكي وصل الى ( 300 مليون ) دولار سنويا وكانت
المنظمات الصهيونية تفدع قيمة هذه
العمليات بالذهب او الدولار ، وهو ما كانت الحكومة التشيكية تحتاجه . .
تشيكوسلوفاكيا تدرب اليهود
لم
يكن سلاح الجو اليهود هو المستفيد
الوحيد من هذه العلاقة بين تشيكوسلوفاكيا والمنظمات السرية الصهيونية ، ففي منتصف ( تشرين الثاني ) ذكر الملحق العسكري الامريكي في ( براغ ) انه ما بين ( 4 و 5 ) آلاف جندي اسرائيلي تلقوا تدريبات في تشيكوسلوفاكيا في مختلف الفروع العسكرية ، وكان القائمون بالتدريب من جنسيات مختلفة ، رغم ان معظمهم كان من دول اوروبا الشرقية وبريطانيا وامريكا ، وفي معظم مراكز التدريب كان ضباط الجيش من التشيك والسوفييت يتولون عملية التلقين السياسي بالاضافة للتدريبات العسكرية فجاة وفي تشرين اول 1948 اصبح مستقبل العملية الصهيونية كلها في ( تشيكوسلوفاكيا )
معرضا للخطر فقد بدأت مصادر وزارة الخارجية
والمخابرات الحربية اوروبا
والشرق الاوسط تتحدث عنان موقف (
موسكو ) تجاه اسرائيل بصفة عامة والعلاةقة بين المنظمات
الصهيونية وتشيكوسلوفاكيا بصفة خاصة قد تغيرت ـ وقالت وزارة
الخارجية ان ( موسكو) تضغط حاليا على تشيكوسلوفاكيا لانهاء كل عمليات التدريب ونقل السلاح رغم الفوائد الاقتصادية التي تجنبها تشيكوسلوفاكيا ، في نفس الوقت بدأت الصحف في اسرائيل تنشر تقارير عن تغير الموقف في
( بولندا ) و ( رومانيا
) تجاه المنظمات الصهيونية هناك . .ورددت الكثير عن تعرض
المراكز الصهيونية ، للهجوم والقائ
القبض على زعماء المنظمات الصهيونية ، وبالفعل اعلن عن توقف كل الانشطة الصيهونية في تشيكوسلوفاكيا . . فامتنعتت الشركات عن نقل الاسلحة الى فلسطين . . كما توقفت كل عمليات التدريب واعلن عن ترحيل اليهود الذي كانوا يتلقون التدريبات الى اسرائيل ولكن وفدا تشيكيا ـعلى مستوى عال ـ سافر الى ( موسكو ) وبد عودته عاد كل شيء الى ما كان عليه ، وعادت العلاقات بين المنظمات الصهيونية وتشيكوسلوفاكيا الى سابق عهدها . . ؟!
اسطورة المعجزة والتفوق اليهودي
حاولت
المنظمات الصهيونية تصوير الانتصار
الاسرائيلي عام ( 1948) بأنه كان (
معجزة ) . . وهذه الفكرة غير صحيحة عليه السلام الاطلاق . . فقد صور اليهود
هذا النصر بأنه جاء بالقليل من
العتاد والرجال ، ولكن الحقيقة
ان المتطوعين والمرتزقة من جميع
الدول الاجنبية شرقية وغربية . . وفيضان
الاسلحة التي تدفق على
اليهود في فلسطين جعل المعركة بين كل الطوائف المنتشرة من اليهود في العالم بكل امكانياتها امام ( بعض ) الجويش العربية ، وكان الرقم المعلن الجيش الاسرائيلي لا يتضمن ( 65) الف جندي من قوات ( الهاجاناه ) بالاضافة الى الاحتياطي الذي وصل الى ( 40) الفا . . وبين قوات ( الهاغاناه ) كان هناك جيش متحرك يصل الى ( 16) الفا من لجنود المدربين
الذين يحملون الاسلحة الاوتوماتيكية بالاضافة الى المدافع الرشاشة ، مدافع ( الهاون ) وكل الذخيرة التي تحتاجها هذه القوات . . بلان الحكومة البريطانية كان قد باعت منتهكة قانون حظر تصدير الاسلحة الذي اصدرته الامم المتحدة ( 21 ) طائرة استطلاع لشركة يهودية في
فلسطين . . وعن الحرب ذاتها فقد كتب القنصل الامريكي ان اليهود قد غيروا من طريقهم في الاشتباك مع العرب ، حيث بدأوا بالهجوم ، واصبحوا يضربون النقط العربية القوية ويغيرون بقوة على القرى العربية ، ويدمرون مراكز البوليس العربية ، كما ان اليهود كانوا قد بدأوا في صناعة الاسلحة التي تشمل البنادق الآلية ومدافع الهاون في ماصنع ( تل ابيب ) وفي ( الجليل ) قال الملحق العسكري الامريكي انها تفوق مثيلاتها المصنوعة في ( انكلترا) ،وكانت الدرع والمتفجرات المستخدمة في صناعة هذه الاسلحة مستوردة من امريكا واوروبا . . وثبت ان المنظمات الصهيونية استطاعت ان تحشد جميع الاسلحة التي استطاعت شراءها لدى يهود فلسطين قبل انتهاء الانتداب البريطاني بستة اشهر كاملة ، وفي اوائل ( ايار) في الايام التي سبقت اندلاع الحرب التي اشتركت فيها بعض الدول العربية . . وصلت معلوات الى وزير الدفاع الامريكي من الادميرال ( لويس دينفليد ) رئيس العمليات البحرية ، ومن ( لوفيت ) مساعد وزي الخارجية
، تقيد بأن القوات اليهودية في فلسطين تتفوق من ناحية المعدات والسلاح والرجال والتدريب على كل الجيوش العربية مجتمعة . .
وفي
(13 ايار 1948) قبل ويم واحد من الانتهاء
الانتداب البريطاني ، انبأ ( مارشال ) وزير الخارجية الامريكية في مذكراته اليومية بأن الجيوش العربية مجتمعة لا يمكنها ان تواجه قوات ( الهاغاناه) وحدها .
. وتلخص القتال في حرب فلسطين بهذه السطور . .
"
لدى نهاي ة الانتداب البريطاني
واعلان قيام دولة اسرائيل
دخلت الى فلسطين جيوش كل من
مصر والاردن والعراق وسوريا ولبنان . . كان عدد هذه القوات سواء التي كانت داخل فلسطين او على الحدود يصل الى ( 20 الف ) جندي ، اما الفدائيون العرب الذين كانوا يعملون داخل فلسطين فكان عددهم ( 13 ) الفا . . يواجه هذه القوات العربية اكثر من ( 40 الف ) جندي يهودي مدرب تدريا كاملا ومسلح تسليحا كاملا . . ليساند هؤلاء الجنود اكثر من ( 50 الفا ) من المليشيات ـ أي ان
النسبة بين كل الجيوش العربية النظامية ، وبين اليهود كانت [ 1 : 3] بالاضافة الى تفوق اليهود في كل النواحي القتالية والنظامية والخبرة والعسكرية ، وكذلك من ناحية احتياطي السلاح والذخيرة ، وعندما بدأ القتال تدفق الجنود الدربون من كل اوروبا الشرقية " .
وفي نهاية الشهر الاول من القتال في منتصف ( حزيران 1948 ) كان الانتصار اليهودي قد اصبح واضحا . . وحتى القوات الاحتياطية التي يمكن لكلا الطرفين تجميعها للاشتراك في القتال في ذلك الوقت كان باستطاعة اليهود حشد ( 185) الفا
بينما لم يكن باستطاعة كل الجيوش العربية حشد اكثر من (140) الفا . .
العرب
بلا اسلحة ولا ذخائر
!..
في
( تموز) كانت القوات العربية الموجودة بالقدس قد نفذت ذخيرتها ولم يكن
لديها مصدر لامدادها بالسلاح . . وفي ( آب ) تلت قوات
الدفاع الاسرائيلية شحنة من العربات المدرعة والدبابات . . وفي ( تشرين الثاني ) قدرت بريطانيا عدد الطائرات التي
جمعتها اسرائيل بـ " 160" طائرة ، جاء بها الى فلسطين متطوعون اجانب . . ورغم ذلك فقدتنبأ الخبراء بأنه رغم ان العرب سوف يخسرون في البداية ، الا انه يمكن ان يستعيدوا السيطرة اذا لم تأت امدادات جديدة من اوروبا وامريكا لليهود . . وبعد ( آذار 1948) كانت المخابرات الامريكية تلعم بأن البوابات المفتوحة لشحنات الاسلحة لليهود غير مشروعة .. ولكن بعد ( كانون الثاني 1949) رفع الحظر المفروض من الامم المتحدة واصبح ( فيضان ) السلاح مشروعا . .
وفي اوائل ( 1949) بعد ان انتهى كل شيء ، كتب ( جيمس ماكدونالد )
السفير الامريكي في اسرائيل لوزير خارجيته يقول ان سبب السرية الشديدة المفروضة على الموضوعات العسكرية في اسرائيل هو اظهار او محاولة اظهار ضعفها ، وهذا عكس
الحقيقة . . وفي رسالة من ( 4 صفحات ) قال ( ماكدونالد ) ان التقديرات القادمة من ( واشنطن ) و ( لندن ) من بداية حرب (1948) ذكرت ان قوة ( الهاغاناه ) 12
الف فرد ، بينما الحقيقة ان
عددهم كان ( 55 الفا ) وفي
الوقت الذي ارسل فيه ( ماكدونالد ) هذه الرسالة التي توضح كذب الادعاءات الاسرائيلية ، كانت الحكومة الامريكية تبحث في طلبات اسرائيل المتكررة من اجل المعونة العسكرية ، وفي محاولة لتوضيح مسالة الاحتياجات الدفاعية الاسرائيلية طلب الجيش الامريكي في ( نيسان عام 1949) من الملحق العسكري في السفارة ويدعى الكولونيل ( اندروس ) ان يقدم تقريرا بالقوة الاسرائيلية من جميع النواحي . . وفي ( 10 ايار 1949) ابلغ
الملحق العسكي مخابرات الجيش بان الجيش العامل في اسرائيل مستعد للقتال ويصل الى ( 100 الف ) جنديا بالاضافة الى احتياطي يبلغ (30 الفا ) .. ورغم كل هذه الحقائق يستمر الاصرار على الانتصار (
المعجزة ) للجيش
الاسرائيلي في حرب فلسطين
!!
في الكتب وفي افلام السينما وفي المسلسلات التلفزيوني في الخمسينات والستينات ، ويظهر العرب بأنهم كانوا المعتدين الغاشمين على الدولة الوليدة التي لم تكن تملك ما تدافع به عن نفسها . . ,هذا غير الحقيقة . . . .
اتفاقية الهدنة والهجرة مستمرة
لم
تفعل اتفاقية الهدنة التي أبرمت في
عام (1949) بين اسرائيل والدول
العربية شيئا اكثر من انهاء القتال بينهما ، بينما استمرت هجرة اليهود من اوروبا ومن كل دول العالم الى اسرائيل واستمر تدفق الاموال من العالم كله الى اسرائيل . . وفي تلك السنوات القليلة التي اعقبت الحرب . . وبدات اسرائيل تصبح حقيقة عسكرية ودبلوماسية واصبح هناك ( 800 الف ) لاجىء فلسطيني يمثلون ( قسوة الهزيمة العربية )