2002/11/01

logo.jpg (5438 bytes)

 

 

weekly_culture




<<خليل حاوي: فلسفة الشعر والحضارة>> لريتا عوض
ينابيع رؤاه الشعرية التي أملاها على تلامذته

محمد علي شمس الدين
<<أمالي القالي>> هي تلك التي كان يمليها أبو علي القالي على طلابه، ولم يحررها هو بقلمه، بل جمعت من بعده وسميت بالأمالي. هناك فلاسفة ومعلمون يذكر لنا التاريخ ان تلامذتهم الذين سمعوا دروسهم وتعاليمهم، هم الذين دوّنوا هذه الدروس والتعاليم، كي تحفظ من بعدهم نظرا لأهميتها. فالشفاهية تبدد الدروس، والتدوين يحفظها. هذا على وجه التقريب، ما قامت به ريتا عوض، بجزء من الدروس الجامعية والمحاضرات التي كان يلقيها الشاعر الراحل خليل حاوي على طلابه في الجامعة الأميركية في بيروت، نسقتها وبوّبتها وحررتها بقلمها ومنحتها عناوين مختارة، وضمت إليها كتابات أخرى لحاوي، لتشكل مضمون كتابها الصادر حديثا عن دار النهار للنشر بعنوان <<خليل حاوي: فلسفة الشعر والحضارة>>، وهي تذكر أنه من تحريرها وترجمتها وتقديمها والكتاب يشتمل على قسمين: الأول يضم الكتابات النقدية، والثاني يشتمل على الكتابات الفلسفية. والكتابات النقدية ستة عشر نصا: الثمانية الأولى منها تمثل المادة العلمية التي كان حاوي يمليها على طلابه في مادة النقد الأدبي مرتبة ترتيبا زمنيا يبدأ من الكلاسيكية ونظرية المحاكاة بين أفلاطون وأرسطو مرورا بكتاب لونجينوس في ما هو <<الجليل>> الى الكلاسيكية المستحدثة ونظرية <<العبقرية الطبيعية>> ثم الخلق العضوي في الرومنطيقية ومعنى وحدة الإلهام والخيال والعقل لدى الشاعر شلي، ثم نظرية <<الخلق من عدم>> وكان قد نشرها بعنوان <<فلسفة الشعر الغربي الحديث>>. وهناك نصوص ثلاثة اخرى هي <<النقد الأدبي بين المنهجين العلمي والتأثري>> و<<نظرية اللاوعي الجماعي والنماذج الأصلية>> و<<الشعر بين العضوية والتجريد>> كانت عبارة عن ملاحظات متفرقة بين يدي المؤلفة، فقامت هي بإعادة ترتيبها وصياغتها بصورة متماسكة واختيار العناوين، ما جعل منها <<ثلاث مقالات>> أصولها من خليل حاوي وصياغتها من تلميذته ريتا عوض. وأضافت نصا حول النقد الكلاسيكي العربي، كان قد أعده الشاعر الاستاذ لتلاميذه في دراسة النقد العربي القديم، وضعته بعد نصه في النقد الغربي. الى هذه الكتابات النقدية ضمت المؤلفة فصلين من كتاب حاوي عن جبران أصلا بالانكليزية، فاختارت الفصل الثاني من الكتاب وعنوانه <<النهضة الأدبية>> والفصل الثامن وعنوانه: <<تحليل الشكل والأسلوب لدى جبران>>... وقد سبق وترجم هذان الفصلان للعربية، إلا ان المؤلفة وجدت ضعفا في ترجمتهما، فأعادت بنفسها ترجمتهما وضمتهما للكتاب. وضمت هذا القسم بمقالتين لحاوي إحداهما بعنوان <<عند سرير السيّاب>> والثانية هي مقدمة لديوان شعر بالعامية <<نار ونبيذ>> لكريم كركي مؤرخة في 5/2/1968 بعنوان <<الشعر العامي بين الجمالية والزجل والرؤيا>>.
أما القسم الثاني المشتمل على الكتابات الفلسفية، فيضم المقالات التالية: <<العقل والإيمان في الحضارة الغربية الحديثة>>، <<العقل والإيمان في الحضارة العربية>>، <<المذهب السني الحرفي>>، <<المذهب العقلي الاسلامي>>، المذهب السني العقلي>>، <<الفلسفة المشرقية>>، <<الايمان الصوفي في مذهب الغزالي>>.
حدود التصرف.. التأليف
يظهر من كتاب <<ريتا عوض>> أنها لم تكن مجرد ناقل أمين لكتابات ومحاضرات استاذها في النقد الأدبي والفلسفة، بل هي صاحبة تنسيق وتبويب وصياغة لبعض هذه الأفكار، كما اختارت لها العناوين، وأوضحتها بالشروح، فهي إذن شريكة في هذا العمل المدرسي التعليمي القيم، يضاف لذلك إعادة ترجمتها لفصلين من أطروحته بالانكليزية عن جبران خليل جبران، توخيا للدقة والضبط، ولولا ريتا عوض لذهبت جهود حاوي المدرسية والتعليمية أدراج الريح.. وهي جهود معرفية حضارية وفلسفية، تكشف عن الاصول الفلسفية والمعرفية لشعر خليل حاوي بالذات، بمقدار ما تكشف عن المعرفة الموضوعية... حتى لكأن الشاعر يقول، بطريقة تعليمية، لمن يرغب في دراسة أشعاره والنبش عن جذورها المعرفية والفلسفية هذه هي ينابيع الرؤيا الشعرية، سيما وأن قصائده المهمة <<كالبحار والدرويش>>، و<<عودة اليعازر>> و<<الناي والريح>> هي قصائد رؤيوية بامتياز، ذات جذور في الفلسفة والأسطورة، يندر ان نجد مثيلا لها في الشعر العربي الحديث. فهل بالإمكان اعتبار صنيع ريتا عوض بمحاضرات استاذها وكتاباته النقدية والفلسفية، أكثر من اهتمام مدرسي من تلميذ بمعلم..؟ هل نستطيع استعارة قول نديم نعيمة في مقدمته لهذا العمل بأن ريتا عوض، بالنفاذ الى السر الشعري لأستاذها، صنعته من جديد، كما صنعها هو بأستاذيته؟
هذا الفعل الارتدادي من التلميذ على أستاذه، يمكن ان تستكمله عوض بما كانت قد بدأته من دراسات نقدية في شعر خليل حاوي، سيما دراستها <<أسطورة الموت والانبعاث في الشعر العربي الحديث>> و<<أدبنا الحديث بين الرؤيا والتعبير>>، الصادرتين تباعا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عامي 1978 و1979... فقد نفذت من خلالهما الى الينابيع الرؤيوية لايمان الشاعر بالانبعاث وايماءات الخصب القومي من وجهة نظر فلسفية وحضارية، وذلك قبل سقوطه في العدمية، الذي انتهى باطلاق النار بين عينيه في صبيحة الخامس من حزيران 1982، كنتيجة لوقوعه في الفراغ الحجمي واليأس المطلق القومي والانساني معا... كان ثمة لديه بعض وعود بالمطر والخصب في مجموعة <<الرعد الجريح>>، تبددت كليا في آخر أشعاره في قصائد <<من جحيم الكوميديا>> ودفعته الى الانتحار.. أقول إن ريتا عوض، بما لها من حماسة ذاتية ومعرفية تجاه خليل حاوي، مهيأة أكثر من سواها لاستكمال دراساتها النقدية التطبيقية والمعرفية في شعره... آنذاك نستطيع ان نشهد لها بأنها صنعت خليل حاوي نقديا كما شارك في صنعها تعليميا... ذلك لا يعني أننا نغمطها حقها ودورها في الكشف عن محاضرات حاوي التعليمية. إلا أننا نرى أن لهذه المحاضرات قيمة مدرسية.. قد تكون متوفرة لأي أستاذ أكاديمي عارف بمادته التعليمية، وقادر على عرضها على طلابه بمقدرة وأمانة. والأرجح أن صنيع ريتا عوض، يصب في ما أشار اليه نسيب همام، في رسالة أرسلها لعوض بعد انتحار خليل حاوي بأشهر (بتاريخ 13/11/1982) يقول فيها: <<... يبقى أنكِ مؤهلة أكثر من اي أحد أو اي جماعة لإبقاء قيمته، وأنا أتمنى ان تدوم رغبتك في إقامة ميراثه..>> .. فجاء عملها كخطوة من خطوات <<إقامة هذا الميراث>>.
لا ننسى أن خليل حاوي شاعر عاش في ما يشبه الوحدة او العزلة في حياته.. وهو صاحب شخصية عصابية إبداعية حادة، وصاحب ادعاء حضاري وفلسفي كبير، بل هو من شعراء الحداثة العربية من أصحاب الرؤيا الشعرية المرتبطة بجذور فلسفية وتاريخية، وعقائدية، ترى الى عظمة الأمة، وروحها البدئية القائمة فيها، والتي يمكن ان تخفت او تموه، إلا أن الشاعر هو بالنسبة لها الباعث والنبي المخلص، وهو القديس جاورجيوس او الخضر <<الذي يصرع التنين ويخلّص المدينة>>.
لقد أخذ حاوي فكرة عظمة الأمة وخلودها وضرورة انبعاثها عن انطون سعادة في فكره السوري، ثم وسع نطاقها يسقطها على الأمة العربية، والأرجح أنه انتحر بسب انكسار هذا الحلم العظيم، وتمرّغه تحت أقدام الجنود الاسرائيليين وهم يجتاحون بيروت العام 82، وربما وافقنا ايضا حماسة نديم نعيمة في وصفه لخصوصية خليل حاوي النفسية والتربوية ناظرا إليه على أنه <<مسيحي عربي على المذهب الأرثوذكسي الأنطاكي يقبل من أعالي الجبل اللبناني فيه من الجبل الممتنع العالي تلك الخشونة المعهودة عند أبناء الوعر التي يرفدها شعور من الاعتداد بالنفس وذلك الحسّ بمنعة الأعالي وصفاء أصالتها...>> فهي عناصر تربوية وديمغرافية ساهمت في صنع شخصه الشعري الحاد والمتعالي والانتحاري على ما يشبه طريقة الهاراكيري عند انسداد المنافذ... إلا أنه ايضا هو صنيع معرفته الفلسفية العميقة بمذاهب الفلسفة الغربية القديمة والحديثة، من أيام أرسطو وأفلاطون وصولا للفلسفة الغربية في العصور الكلاسيكية، مرورا بلونجينوس ومذهبه في ما هو جليل وممتع وانتباهه لإثارة الحماسة الداخلية في الشعر، حتى جان جاك روسو ونظريته في <<المتوحش البدائي والجميل>>.. الى الرومانطيقية وآبائها الفلاسفة والشعراء الألمان، أولئك الذين اعتبروا الشعر أبعد مدى من الفلسفة وأعمق غورا، من أمثال غوته وشلي وهولدرلن، متجاوزين بذلك عقلانية فلاسفة القرون الوسطى باتجاه تحرير المخيلة والمزج بين العقل والخيال والحدس في عمل كلي يشارف حدود الإشراق... كل ذلك استعان بما قام به كانت في نقده للعقل المحض واعتباره الفن مواءمة بين الضرورة والحرية، وبما قام به شلنغ في اعتقاده بأن الشعر يتخطى الفلسفة ويكملها. إن كانت ركز على المتعة الجمالية، وشيلر اعتبرها مجانية كاللعب ومجّد الشكل... ومالارميه قرّب الشكل والكلمات من المطلق واعتبر الشعر توقا وتعويضا وتساميا.. كل ذلك وسواه في الفكر الغربي والفلسفة الغربية، مهّد لظهور التيارات الفلسفية والفنية للحداثة وما بعدها، كالدادائية والمستقبلية والسريالية... وصولا الى اللحظة الأخيرة المشوشة والمتعتعة، لحظة ألن غنسبرغ وأمثاله في الثقافة الغربية الأميركية الحديثة.
هذا الشوط الطويل في الفلسفة الغربية بأوجهها اليونانية القديمة والكلاسيكية والحديثة، يرافقه شوط مماثل في الشعر الغربي، مواز لتطور الفلسفة، يقوم به خليل حاوي باقتدار وأستاذية مميزة، وتكشف ريتا عوض عنه الستار في كتابها.
فصل الأخلاق عن الإبداع
وهي تكشف الستار ايضا عن تطور النقد العربي بين الأمس واليوم، من الأصمعي الذي كان يعد الشعر <<نكدا بابه الشرّ فإذا دخل في الخير ضعف>>، والمذهب الكلاسيكي العربي في النقد الذي حاول مبكرا فصل الأخلاق عن الإبداع الشعري كما في آثار ابن قتيبة والجاحظ وابن المعتز وصولا لأبي هلال العسكري في كتاب <<الصناعتين>> حتى دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني...
وهي رحلة ممتعة مفيدة يقوم بها خليل حاوي الاستاذ في تاريخ النقد الأدبي لدى العرب، وصولا الى عصر النهضة، فيفرد له أبحاثا تتمتع بالمعرفة والدقة والملكة النقدية... وذلك من خلال الفصول الممهدة لكتابه المهم عن جبران خليل جبران.. وكل ذلك ايضا تكشف عنه الستار ريتا عوض في ما اختارته من كتابات حاوي. والشاعر المشغول أصلا بالفلسفة، يوفي الفلسفة العربية القديمة بخاصة حقها في أبحاثه، ويعرض للتعارض فيها بين العقل والنقل، وما يشبه ذلك في الفلسفة الغربية، خاصة نظرية الخلق من عدم... فيقدم لنا، من خلال تلميذته، زادا معرفيا غنيا، لا غنى عنه للدارسين، كما لا غنى عنه للمبدعين.
... الى منتدى الحوار
Discussion Forum
 
الصفحة الأولى| أخبار لبنان| عربي ودولي| اقتصاد| ثقافة
رياضة| قضايا وآراء| الصفحة الأخيرة| صوت وصورة
 
©2002 جريدة السفير