الاحد 10 تشرين الثاني 2002

 


 

هناك وهناك

على طريق الدكتاتورية

سلطة الحفر في قعر القعر

دليل المصانع السورية في إنتاج السياسة اللبنانية

مسار السيادة المتصدع

الطاغية نموذجاً

مئة عام على ولادة براوير

قصيدتان

"أنطولوجيا المسرح الفرنسي الحديث" في العربية

طريق الحرير الاميركي

الـصوت المبحوح

الدليل

الملحق الثقافي

سلامتك

الاغتراب اللبناني


الصفحة الرئيسية

مساعدة

عــلـى طـــــريـق الـديـكــــــتـاتـــوريـــــة

 

دليل المصانع السورية في إنتاج الـسياسة اللبنانية

فـادي تـوفـيـق

 

كل من يقرأ ما آلت اليه حال السياسة في لبنان يلحظ ان الهيمنة السورية على هذه السياسة دخلت في عالم الموسوعات. فمثلما يقال ان فان غوغ رسام هولندي وبابلو بيكاسو رسام اسباني، بات يقال ان السياسة اللبنانية يتم انتاجها في المصنع السوري.

 

الغالب في مقاربة اللبنانيين للحرب انهم يقصرون النظر في تبعاتها على الآثار المادية والبينة منها من غير ان يتطرقوا الى ما هو افدح وأبلغ ضررا من تلك الآثار وما انزلته من دمار في ابنية السياسة اللبنانية وطرائق اشتغالها وآداب ممارستها. فالناظرون في ما انتهت اليه الادارة والحياة السياسية في لبنان من رثاثة وضيق افق قلما يلفتهم المنبت الميليشيوي لجملة القابضين على الحكم ودوره الراجح في ما آلت اليه الحال، فلا يسترعيهم على سبيل المثال الشبه الكبير بين خراب الادارة في ظل حكم ميليشيات الطائف والخراب الذي انزلته الميليشيات نفسها بالمناطق التي كانت تسيطر عليها في زمن الحرب. اذ ليس من قبيل التفصيل ان يكون من يتولّون زمام الحكم اليوم اتوا في اغلبهم الأعم من مواقع ميليشيوية وعسكرية ولا يدينون في ما هم عليه اليوم الى سعي في ظل حياة سياسية مستقرة بل الى الحرب التي كان لأدواتهم فيها القول الفصل في ذلك كله. على هذا فالحرب ليست عقداً ونيفاً من السنين انقضت وليست مهجرين ومباني مهدمة فحسب بل هي الى هذا كله حاضرة في وجوه عدة ليس اقلها ذواء الديموقراطية اللبنانية وفساد الادارة. وما الاستغراب ازاء ما يصدر عن الطاقم الحاكم قولاً وعملاً سوى مرآة الغفلة عن منبته الحربي والميليشيوي.

 

أدوار الحرب

فعلى ما هو جلي اليوم من حال الطاقم الحاكم، لا يبدو ان السنين العشر التي امضاها افراده في الحكم مكّنتهم من تحصيل لغة وممارسة سياسية غير تلك الحربوية التي نشأوا عليها. واذ يبدو السيد قنديل وصحبه اكثر تمثيلاً على هذه الحالة، من طريق عراضاته التي لا تستبعد المواجهات الميدانية مع المعارضة، فإن السيد بقرادوني المستقر منذ عام ونيف على موالاة صريحة لسوريا والفائز برئاسة حزب الكتائب من غير محازبيه، لا يبدو بعيداً كثيراً عن ذلك في مناشدته وزير الداخلية مصادرة حق خصومه السياسيين في التظاهر، واذا اضفننا الزيارات المتكررة التي يقوم بها هذا الاخير للرئاسة السورية والصلات التي باشر اقامتها بين طلاب الكتائب وشبيبة الثورة البعثية، فإن بقرادوني يبدو مرشحاً في الايام الآتية لأن يبزّ السيد قنديل ويفوقه.

 

مريدو سوريا

بيد ان حظ بقرادوني العاثر وحده هو ما سيحرمه ابراز مهاراته، لا لشيء سوى لأن الفترة التي كان من المأمول له البروز فيها لا يبدو ان السوريين في صدد التسامح مع تفاوت حماسة مريديها اللبنانيين في المنافحة عن سياساتها وتفوق بعضهم على البعض الآخر في ذلك، على ما كانت عليه الحال من قبل يوم كان متاحاً للطاقم الحاكم تشبيه "حياة سياسية حقيقية" يسودها ما يشي باختلاف وتباين بين انصبته. اما اليوم فالكل في صف واحد كأسنان المشط. حتى ان المستمع الى تصريحاتهم العنترية عبر الراديو، يكاد يجهد في تمييز واحدهم عن الآخر. ميقاتي يكرر ما يقوله البعريني وما سبقهما اليه البعث، فيما الحريري الذي امكنه في السابق رسم موقع لنفسه ينأى به عن اعتى حلفاء سوريا، يجد نفسه اليوم مضطراً الى انتداب نوابه ووزرائه مداورة للتهجم على "لقاء قرنة شهوان". وفي هذا السياق لم يعد قنديل نافراً ليس لأنه اقلع عن عنترياته بل لأن الجميع  صاروا على صورته ومثاله، حتى ان السوريين ليسوا مستعدين، على ما يظهر، لمجاراة زعم العلمنة عند بعض مريديهم.

فها هما حزبان علمانيان افتراضاً، القومي والبعثي، ينضويان في تجمّعين طائفيّين. وها نائب قومي يصدر عنه ورفاقه في كتلة نواب المتن بيان يزعم تمثيلهم لنصف المسيحيين. "كل شيء يهون في حبك يا سوريا"!

في هذه العجالة لا بد من تحية للحزب الشيوعي اللبناني. هكذا، فـ"لقاء قرنة شهوان"، وعلى تواضع قوته، جعل السلطة وأهل النظام المتسَوْرن اجمعين لا يفعلون شيئاً سوى افشاء تبعيتهم والجهر بها. وفي هذا الصدد ليست التهم بالعمالة والمراهنة على الخارج التي يرمى بها "لقاء قرنة شهوان" سوى ضرب من ضروب المدافعة عن الذات وتسويغ تبعيتها وارتهانها، ولسان حالهم يقول: نحن تابعون وأنتم كذلك. اذ لو كان صحيحاً  ارتباط "لقاء قرنة شهوان" بالاميركيين، او ان ما تطالب به "القرنة" ملائم لما هو معد للمنطقة اميركيا، لما تجرأ واحدهم على الاشارة بالبنان ناحية "القرنة" فكيف بالهجوم الضاري عليها! اما ذاك البيان البعثي الذي رأى في دعوات "لقاء قرنة شهوان" تنفيذا للمشروع الاميركي للمنطقة بعدما شعرت اميركا بأن البساط يهتز تحت اقدامها من جراء الموقف الفرنسي الواضح والداعم في القمة الفرنكوفونية (...) فجن جنون ادارة بوش واوعزت للزمر التقسيمية المتمثلة بـ"لقاء قرنة شهوان" الى التشويش على نتائج هذا المؤتمر ومدلولاته الساسية"، فانه لا يبعث في قارئه سوى الضحك الممزوج بالخشية على بلاد موكول امرها الى من تتفتق اذهانهم عن تخيلات كهذه. في اي حال، لا يسع المرء ان يطلب ممن لم يألف العمل السياسي من غير ايحاءات وأوامر ناهية، ان يكف عن حمل سياسات خصومه على ايحاءات خارجية.

 

الهيمنة موسوعية

ولئن قيل الكثير سابقاً في الهيمنة السورية على لبنان، فإن الدلائل عليها لم تكن يوماً بالوفرة عينها التي عليها الحال اليوم، وليس آخر الشواهد على ذلك ما نشهده من اصطفاف لمريدي سوريا يبدون فيه قريبي الشبه بمجلس اركان حرب منهم الى الشبه بسلطة سياسية.

فعلى ما يبدو لم يحتسب هؤلاء المريدون حين استتب لهم الحكم الى يوم يجيء يُسألون فيه عن مصدر شرعيتهم. تشي بذلك اجوبتهم المربكة والتي لا تفعل في معرض نفي الهيمنة سوى تأكيدها، فيخبرنا احد الوزراء العتيدين ان في وسع المسيحيين أن يحصلوا داخلياً على ما لا يحق لهم دستورياً شريطة ان يوالوا ويسكتوا على السياسات السورية في لبنان، فيدحض ما كان سبق الى زعمه في السطرين السابقين من مقابلته في شأن ندية العلاقة بين البلدين الشقيقين. على  ان امر التثبت من حال الهيمنة على سعة الدلائل المتوافرة عليها لم يعد يحوجنا الى تتبع هفوات وزير او خلافه في وقت يسع من ينظر في الموسوعات العالمية على اختلافها ويبحث عن الموضوعات التي تعنى بالوضع اللبناني ان يلحظ كيف ان الهيمنة السورية على لبنان صارت موسوعية - في معنى دخولها في الموسوعات - فمن بين الموضوعات الكثيرة التي تتناول الشأن السياسي اللبناني، استحقاقاً انتخابياً كان ام تطوراً سياسياً، قلما يخلو واحد من هذه الموضوعات من اشارة الى الدور السوري الراجح في صنعها واستوائها على النحو الذي استوت عليه. "Encarta" المقتضبة تقتصر عرضها على التمديد للرئيس فتقول لنا في ترجمة حرفية عن الانكليزية كيف ان الرئيس الاسد اومأ برأسه للنواب اللبنانيين فتداعوا لتعديل الدستور والتمديد للهراوي. "Britanica" تستفيض فتتطرق الى الانتخابات النيابية والرئاسية والى فبركة قوانين الانتخابات على مقاسات حلفاء سوريا من غير ان تغفل عن الاشارة الى التفويض الاميركي لسوريا بعد حرب الخليج الثانية والدخول السوري الى لبنان المبارك اميركياً.

هكذا، ففي الموسوعات عينها التي تقول لنا ان الرسام الاسباني بابلو بيكاسو كان احد رواد الحركة التكعيبية وان الرسام الهولندي فان غوغ قطع اذنه قبل ان ينتحر، أين العجب في أن تقول لنا ايضاً ان السياسة اللبنانية تصنع في سوريا ؟! .


 

PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help


 

Copyright © 2002 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.