الاحد 3 تشرين الثاني 2002

 


 

هناك وهناك

الـكتاب في معرضه

خلاص بيروت بـدورها

لقمة الكتاب ومراياه

الأكل من بيدر الدولة

ذكريات بيروت في لوحة ناديا صـيقلي

مشاهد حياتية لمنصور الهبر

نار الـعـودة

"يوم الدين" لرشا الامير

"مريم الحكايا" والحكاية الكبرى لعلوية صبح

برواز لسيرة بغداديـة ناقصـة

النظام الـسياسي الـمُقفل

الدليل

الملحق الثقافي

سلامتك

الاغتراب اللبناني


الصفحة الرئيسية

مساعدة

نـــــــار الـعــــــودة

عـبـده وازن

غنائية ، لسوتين.

القرية، لسوتين.

شجرة الفصول الخمسة

الثمرة عمياء. انها الشجرة التي تبصر.

رينيه شار

 

لا ابصرك ايتها الشجرة

لكن نارك تلتمع في سماء العينين

وافياءك تهطل كخيوط المطر.

غيومك تتهادى فوق آكام الليل.

 

تصعدين ايتها الشجرة من ارض التذكار

ضوؤك ينبثق من عتمة الأديم

التراب جنّتك والريح تحمل انفاسك الى الروابي.

الماء يسيل في جوفك سرا

خريره لا يُسمع الا في العتمة

عندما يندلع نسغك ابيض كالحليب.

التراب الذي يخضّب احشاءك

يحمل اليك اسرار الموتى

اغصانك التي يلاعبها الهواء

يسقط منها حفيف الوداع

النار التي تندلع من قلبك

تلتهم بيادر الغربة.

 

انظر اليك ايتها الشجرة

كمن ينظر الى امرأة في الظلام

الى نجمة في وضح النهار

الى زنبقة ترفّ على وجه الماء.

 

ايتها الشجرة المنبثقة من القلب

ايتها الغيمة التي تدلّ

الغريب الى عتبة الهيكل.

ايتها الواقفة على حافة الموت

نظرة منك تكفي

كي تشتعل الآكام بحبر الموعظة

ونار الرجاء!

 

عندما تبرق ثمارك

كخبز السماء

يحلّ على الحقل سلام العصافير

وتخرج الضواري من اوجرتها!

 

ايتها الشجرة،

ايتها الام التي لا اعرفها!

ايتها الاخت التي تسبق غمام الفجر.

يا روح التربة قبل ان تندلع شعلتها.

يا جوهر العتمة الاولى

من جرحك تفوح عطور الارض المفقودة

ومن رمادك يهف بخور العودة!

 

جذورك التي تسطع في ليل الخليقة

تنصت الى همس الآلهة

وصخب الارواح!

على جذعك يحفر النسيم

جروح الذاكرة.

اغصانك تومض في العراء

كأصداف تحت الشمس!

 

ايتها الشجرة المقدسة

يا شجرة الفصول الخمسة

الفائحة بأريج الموت واكسير اليقظة!

تصعدين من اغنية لم يكملها شاعر الليل

تنبثقين من الصوت الذي تناهى يوما الى ريلكه

ترقدين في حلم بودا النبي

عندما استيقظ تحت سراجك!

 

يا شجرة الغضا

هل اهتدى المتنبي الى جمرك الخفي؟

ايتها السنديانة هل بارك إله البرق شيخوختك؟

هل شرب عوليس من بئر صمتك؟

هل احرقت الصاعقة اغصانك؟

انتِ يا شجرة عدن

يا شجرة الفردوس المنتظر

يا شجرة النبوة الخضراء

ايتها الشجرة الطيبة

ايتها الكلمة الطيبة!

يا شجرة الزيتون التي سهر المسيح عند جذعها

يا شجرة الصليب المرتفعة فوق الاصقاع

يا شجرة الاكاسيا التي من شوكها

ضُفر اكليل ابن الانسان!

يا شجرة الدم التي عُلّق الحلاج عليها!

يا شجرة الطرفاء التي ورثها ابن عربي!

 

ايتها الشجرة التي تتهادى بين تراب وغمام!

يا شجرة الوحدة الالهية

يا شجرة دانيال النبي

ايتها المنبثقة في وسط الارض

المرتفعة الى الجلد

المطلة على البحر والمشرفة على الصحراء

ايتها البهية الاوراق والكثيرة الثمر!

 

يا شجرة الزيتون المباركة في سيناء

زيتك يضيء من غير نار

نورك يشعل اسرجة الساهرين

في ليل الارض!

 

يا شجرة الزيتون

التي حملت اليمامة قبساً منها

يا شجرة نوح

التي لم يجرفها طوفان الازمنة!

ايتها الارزة الازلية البهاء

تسطعين في رقاد الآلهة

الشمس تحنو عليك

والقمر يهدهد احلامك!

 

ايتها الشجرة الغامضة كالسر

الواضحة كالصبح

والمدلهمة كغسق الروح.

يا شجرة الغار الخالدة!

يا شجرة حواء النقية

ايتها الشجرة

التي سقطت منها تفاحة الإثم!

يا شجرة المعصية الازلية

يا شجرة آدم

الذي ابصر يوما وجه السماء!

يا شجرة الزمن السحيق

نسغك يحمل ماء الحياة

نارك تقدح كالصوان.

 

رسولة السماء انت

ام حفيدة الارض؟

اليفة الشمس ام مرآة القمر؟

عصافير الحلم تشعل اغصانك بالتسابيح

والحشرات تحرس نوم جذورك!

الاوراق التي تتساقط منك

تحدث ضجة في غفلة الراقدين!

الاضواء التي تتناثر بين اغصانك

يحملها الهواء الى الليل المقبل!

حمرة الاصيل

تخضّب هامتك بدم الاقحوان!

هل ترتجفين امام العاصفة عندما تهب

ام ان جذورك راسخة في الثرى؟

هل تبصرين وجهك على صفحة النهر

الذي يعبر كل يوم امامك؟

هل ترين ظلك  اليتيم

في بحيرة الاسى؟

هل انت امرأة يقطر الحليب من ثديها

ام ان نسغك ماء الخصوبة؟

 

ايتها السروة التي تحرس رقاد الموتى

يا شجرة الزمن العابر ابدا

ايتها الام المستيقظة دوما

ايتها الاخت المسبلة العينين!

يا شجرة الحياة التي آتت ثمارها

حليبك ندى السماء

وكنوزك ابدية.

يا شجرة الفصول الخمسة

تلوحين كلما اشرقت ارض اللقاء

كلما هطل مطر الوداع

وغابت شمس الموت!

 

يا شجرة السماوات السبع

اذا طرق الغرباء بابك

افتحي لهم

عساهم يدخلون ملكوت الضوء

بأعين مبهورة!

يا شجرة الموت البيضاء كغمام الازل

يا شجرة الحياة الملتمعة بأسرار الضحى.

 

ايتها الشجرة

ايتها الاخت التوأم

وحدنا نسهر كحارسين ابديين

في جنة لا سياج لها

في ارض لما تنطفىء نارها.

وحدنا ننظر الى الأعلى

بعيون مجروحة

ولهفة لا تحدها سماء.

لا ابصرك ايتها الشجرة

لكن ظلك يتهادى وراء العينين!

انت يا شجرة الكلام

الراسخة ابدا

المهاجرة ابدا

من حفيف اوراقك

تنهض لغة الارض الاولى

من ضوضاء عزلتك

ينبثق صمت الكائن الاخير

من التماع اسرارك

تشرق شمس العالم الغائب.

 

أزل

(الى أنسي الحاج)

عندما كانت السماء قريبة

كنا نلمسها بأيدينا،

نقطف نجمة

ونركض وراء غيمة الصباح.

واذا أطلنا التحديق

تمسي عيوننا زرقاً،

وجوهنا يحل عليها ندى المجهول.

 

كنا نلمس السماء بشهقاتنا

ضوضاء الأيائل تسقط على رؤوسنا

وكنا نغتسل بضوء لا نراه،

نضار الشمس لا يحرق أصابعنا.

 

في أعلى السماء

كان القمر طرياً كبرتقالة

الشمس لطيفة كنسيم الليل.

كانت الينابيع تدفق بالزبد

والاشجار تتطاير في هواء اللازورد.

 

عندما كانت السماء قريبة

لم نكن نرفع صلاة،

لم نكن نحني رؤوسنا،

كنا نقفز بخفّة الفراشات

نصرخ ببهجة القصب

نجرح الغيوم بحجر نظرتنا

منها كان يسيل عسل الألفة.

 

عندما كانت السماء جارة أيدينا

كنا نسامرها بحبور

نطرد غربان سأمها

نخاطبها بلوعة العاشقين

باللهفة التي تسكن عيوننا.

وكانت كلما ضمّتنا

نتعرّى من اشواك الألم

مخطوفين ببهاء جنتها.

 

عندما كانت السماء قريبة

كانت أقدامنا تطأ حقول الضوء

السنابل تحنو على صدورنا

والنهر يملأنا بأشجانه.

كان الحجر يغنّي

والشجرة تتنهد بالنسائم.

كان ذئب العتمة أرقّ من منديل

والخوف يقطر كالرحيق.

كنا كلما فتحنا أيدينا

نحظى بعطور الفجر

سهام الماء تنكسر على وجوهنا.

شجرة الكآبة لا تنبت هنا

ولا غصن الفراق

الدمعة حلوة كرعشة الينبوع.

 

عندما كانت السماء قريبة

لم نكن نطرق بابها

كنا ندخل خلسة

كي نفاجىء قمر الرابية

وشمس الوهاد،

كي نباغت الظلال قبل أن تنبثق،

كي نداعب نسر الغابة

ونلتقط حصى الظلام.

وكنا اذا عدنا

تلوح في عيوننا زرقة

ومن أيدينا يفوح

بخور ارض غائرة،

من أجسادنا تهفّ

اضواء الازل.

 

مزهريّة

لست نبياً لأقف في الجمع

وأرفع صوتي.

لست سارقاً لأقطف في الخفية

تفاحة الجنة.

 

لست بحاراً لأخبّىء في عيني

شموساً ومرافىء.

لست سجين الحكاية

لأنظر بارتباك

كطفل يعدّ الايام خطأ.

 

لست خزّاف الحلم

لأصنع

مزهريّة فارغة

أسمّيها الحياة.

 

مقتلة

القمر وضعوه في قفص

الشجرة قطعوا رأسها

النوافذ حطموا قناديلها

الكرسيّ رموه بالنار

العتبة محوا ضوءها

الحديقة أقفلوها بالشمع.

 

الدم الذي سال وراءهم

لم يغسله المطر!

الصرخات التي ارتفعت

ما برحت تدوّي في الليل!

 

وحدها العيون التي أطفأوها

ما زالت تحدّق بألم.

 

سقوط

الشعاع الذي سقط على السياج

كان له صهيل حصان في غابة.

 

الحجر الذي رماه الغريب في البئر

كانت له ضوضاء مملكة الليل.

الدمعة التي ارتمت على العشب

اهتزت لها مدينة الموتى.

العصفور الذي اصابته كآبة الغسق

تهاوى كحصاة في حفرة العين.

الشجرة التي وقعت من شرفة الحلم

ما برحت تسقط في الهواء.

 

سور اليقظة

السمّ في الكأس

ولكن لا ليل وشيك!

الحبر في الدواة

ولكن لا قصيدة مرتقبة!

الملح يهجع في زرقة البحر

الماء تفوح به الغيمة العابرة!

 

أريج الخدر ينسلّ بين الاصابع

في العيون يلتمع صوّان العزلة.

النظرة تضطرب كملاك الاحتضار

خيط الألم وحده لا ينقطع.

 

الأحرف تتناثر حبات من ضوء

الاسطر لا تلتئم كمنارة

الصفحة البيضاء

يعلوها غمام القلب.

 

الروح تعصف ولكن لا مطر

شمس الليل تشرق على سور اليقظة

وراء السور حديقة ملؤها الظلال

 

العين يكفيها أن تنظر بحسرة.

 

صندوق الماضي

فرسان الحكاية التي لم يروِها أحد فتحوا صندوق ماضينا وسرقوا خاتمين ولؤلؤة نادرة. عندما مروا بنا لم نجرؤ على مناداتهم، نظرنا فقط الى بيرقهم في الهواء. كانت عيونهم زرقاً ولكن لا ماء فيها. وجوههم تعلوها شآبيب الصدأ. خوذهم تلتمع تحت الشمس وسيوفهم تتهادى في اغمادها. عندما صعدوا التلة غدوا كالظلال الملونة. ولدى الغروب راحت انفاسهم تصاعد كعطر اللبان.

كان ينبغي أن نغمض عيوننا عليهم كي نعيدهم الى الحكاية التي لم يروها أحد.

الحكاية التي فرّوا منها ستظل ناقصة. ونحن سنظل ننتظر عودتهم من وراء الرابية، علّ الحكاية تكتمل مثل قمر الصيف.

 

مصادفة

من وراء الجدار يأتي الصوت

أم من ناحية العتمة؟

من صحراء القلب ينبثق الضوء

أم من جنوب النظرة؟

من قبّة السماء يهطل المطر

أم من غيمة الابتهال؟

من أديم الملح تشرق الزرقة

أم من بقايا الليل؟

من روح الشجرة تهبّ الثمار

أم من شوق الايدي؟

من ماء العين يصّاعد السحاب

أم من حفيف غصون الأسى؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من كتاب "نار العودة" يصدر عن "دار المدى"، دمشق.


 

PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help


 

Copyright © 2002 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.