تسامح أم إعتراف بالآخر

أ.د. محمـد حسيـن فنطـر

مـديــر بحــوث ومشــرف عـلى كـرسي بـن عـلي
لحــوار الحضـارات والأديــان

نجد في اللغة الفرنسية لفظ Tolérance فما هو معنى هذه الكلمة ؟ إن مفهوم Tolérance مفهوم ملتبس، بل مشكوك فيه : ففي معجم اللغة الفرنسية الأبجدي التماثلي، نجد فعل tolérer ومعناه أن تترك شيئا يحدث أو يبقى في حين أنّك تستطيع منعه، ومعناه أيضا أن تنظر إلى شيء برحابة صدر، في حين أنّك لا تؤيده وتستطيع التنديد به وإدانته بصفة قطعية.

إنّ مجرّد الاستماع لمثل هذه التعابير يجعلنا نوجس خيفة ساخطين. ولكن هناك أدهى وأمرّ : فتفسيرًا لعبارة tolérer quelqu' un يقول هذا المعجم الشهير : هو أن تسمح بحضوره ولكن لا عن طيب خاطر. فعليك أن تتحمّله بالرّغم عن عيوبه. وفي مذكّراته الذاتيّة، كتب أندري جيد André Gide يقول :" آه ! لو أستطيع الاعتقاد فقط أنّ حضوري هنا يسرّها ... ولكنني حرمت حتى من تلك الفرحة وليس لي أن أفكر طيلة اليوم أنّها تتحمّلني فقط".
فمن الوجهة الدّينية يفيد مفهوم Tolérance غضّ الطرف تجاه رأي الآخر فيما يتعلّق بجزئيّات من العقيدة تعتبرها الكنيسة غير جوهرية . ومن الوجهة المدنية يشير مفهوم Tolérance أن تجيز السلطة ممارسة دين يختلف عن الدّين الرّسمي . ففي سنة 1598، أصدر الملك الفرنسي هنري الرابع Henri IV مرسوم نانت Edit de Nantes الذي مكّن البروتستانتيين من ممارسة شعائرهم بكلّ حريّة. ذاك مفهوم Tolérance في اللغات التي أصولها لاتينية إغريقية.

أمّا اليوم فلقد تطوّر مفهوم Tolérance تطوّرا واضحا ليتسع إلى معنى حرّية الآخر، لا فقط في الحقل الديني، بل كذلك فيما يتعلّق بالآراء والقناعات، فلسفية كانت أو دينية.
وممّا تجدر الإشارة إليه، أنّ مفهوم Tolérance مفهوما حديثا : فهو لا يرقى إلى ما قبل التفرّدية الدينية ذلك أنّه سلوك "ثقافي" بل موقف مكتسب ذوعلاقات عضوية مع وحدانية موسى أو مع محاولة سابقة كتلك التي نسميها واحديّة أخنتون وهو أمينوفيس الرابع من الأسرة الفرعونية الثامنة عشرة وقد تبوّأ عرش مصر من سنة 1375 إلى سنة 1354 قبل ميلاد المسيح. لقد فرض هذا الفرعون عبادة أتونAton ولكن لزمن محدود. وفي هذه العبادة، يرمز أتون إلى قرص الشمس. وأسّس أخنتون عاصمة جديدة تليق بالدّيانة الجديدة وسمّاها أخيت-أتون Akhet-Aton ويعني هذا العلم الجغرافي أفق أتون. ولئن أتى أمينوفيس الرابع بديانة جديدة وتسمّى باسم جديد، فمشروعه لم يتجاوز حدود المحاولة وكأنّي بموسى يتولّى إتمامها وديمومتها. فالواحديّة والوحدانيّة التي تلتها أفرزتا التعصّب الديني ، ومنه نشأت مواقف عدائية تجاه الكافرين، والكافرون هم الذين يتجاهلون الحقيقة حاجبين إيّها غير معترفين. إلاّ أنّ التّعصّب ولد وفي بطنه نقيضه. فمن زاوية المؤرخ يتنزّل الحدث داخل منظومة منطقيّة لا شرخ فيها. ذلك أنّ البشريّة تفرز السمّ والترياق معا. فبالاستبداد بالحقيقة المطلقة وبالتلاعب بها من أجل توظيفها ينشأ التعصّب، في حين أنّ طبيعة البشر وتعلّق الإنسان بالحياة فوق الأرض يعملان على بعث نقيض للتعصّب وهو ما نلمسه في المفهوم الفرنسي Tolérance .

فعن سؤال يتعلّق بمظروف كلمة Tolérance ، أتى جواب الفيلسوف فولتير Voltaire صافيا رقراقا، يحكي صفاء الرّبيع على ضفاف المتوسط وهو القائل : " إنها وقف على البشرية. نحن عجين ضعف وخطايا : فليغفر كلّ منّا هفوات الآخر. فذلك أوّل قوانين الطبيعة ". لقد عبّر فولتير عن ذلك سنة 1764 في معجمه الفلسفي ولم تمر إلاّ سنوات قلائل حتى صرّح ميرابو Mirabeau بصوت مقتنع مقنع : " لست هنا لأدعو لما يسمّى Tolérance . ذلك أن ّ الحريّة الدينيّة، في نظري، حقّ له من القداسة ما يجعل كلمة Tolérance توحي بالقوة والاستبداد : فالذي يمنّ بفتح باب يستطيع غلقه."

وفي التاريخ ما يؤيّد مقولة ميرابو : ففي سنة 1685 ألغي مرسوم نانت بأمر من الملك الفرنسي لويس الرابع عشر Louis XIV وحرم البروستنتانيون من حق ممارسة شعائرهم.
هكذا نتبين أنّ مفهوم Tolérance لا يبعث على الاطمئنان، بل يلقي الريبة في القلوب. فدلالته التقليدية لا تمكّنه من الانضمام إلى محفل القيم البشرية مادام في مظروفه معنى القوّة والضّعف ويتضمّن تمييزا واضحا بين الذين يعطون والذين يأخذون : فهي منّة وليست حقا مشروعا. لذلك أعتقد أنّ اللغة الفرنسية في حاجة إلى مفهوم جديد ملؤه الحريّة، دون ما عطاء متبصّر ولا تنازل مترفّع.

أمّا عن المفهوم المناسب لتعويض Tolérance ، ينبغي أن يوجّه العباد نحو الإعتراف بالذات والآخر دون حجب الإختلاف، بل عليهم أن يروا في الإختلاف مصدر ثروة وإثراء. فالحاجة إذاً إلى مفهوم يفيد التفاعل والتناضح و المعاملة بالمثل حتّى تكون العلاقة بين المتناظرين أخذا وعطاء، بعيدا عن روح الهيمنة ودون ما استئثار بالحقيقة المطلقة . ففي المفهوم المطلوب حريّة للجميع ومساواة بين الجميع، يعترف بالإختلاف ويشنّع بكلّ من يعتبر نفسه متفوّقا على الآخرين حتى ولو أبدى شيئا من التنازل وأقبل على العطاء.

هكذا نتبيّن أنّ مفهوم Tolérance في اللّغة الفرنسية يشكو نقصا ولا يفي بما تحتاجه الإنسانية من تآخ واحترام متبادل ووئام. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للمفهوم الفرنسي، فهل من مفهوم عربيّ يستجيب إلى ما نريد؟ أجل ! نجد في المعجم العربي مفهوم التّسامح وهو من مادة سمح التي ترشح بمعاني الإجازة والترخيص والغفران والتّنازل والتّساهل. لاشكّ أنّ لمثل هذه المعاني وجود في لفظة Tolérance ، ولكن في المفهوم العربي شيء آخر : ففيه ما في لفظة Tolérance وزيادة. ذلك أنّ صيغة تسامح تعني التّفاعل والتجاوب : فهي أخذ وعطاء. ذلك أنّ صيغة تفاعل تفيد التناضح والمعاملة بالمثل بل قل تتضمّن الحوار إن صحّ التعبير، فالتّسامح ترخيص متبادل وكأنّه عمل ناتج عن نقاش وتفاوض : أجيز لك هذا وتجيزه لي وتعطيني وأعطيك وتسمح لي وأسمح لك. هكذا يكون الإختلاف معترفا به كحق مشروع. فعلى هذا الأساس يتسنّى القبول المتبادل. إنّها الشراكة التي تشجّع التبادل وتيسّر الحوار وتفرز التناضح. ففي المفهوم العربي اعتراف بالمقابل وإقرار لوجود مخاطب بل هو اعتراف بالآخر دون ما غرور ولا شعور بنقصان. فإنّني لا أتنازل بترفّع لصالح الآخر بل أعترف به هوّ، على صعيد المساواة وبكل حريّة وبدون خلفيات. قلت في التسامح اعتراف بالآخر ولكن من هو الآخر؟

سؤال طرحه يسير حتّى كأنّك تسأل عن البديهي أو عمّا ليس ذي سؤال. وقد يرى بعضهم غرابة إن لم أقل عبثا في طرحه. ذلك أنّ الآخر هو من ليس أنا، فهو الغير بالنسبة للأنا فالآخر هو كل من وما ليس أنا، فردا كان كلاهما أو جماعة.

فقد يكون الأنا قبيلة أو دولة أو أمة أو كتلة سداها العقيدة ولحمتها سلوك ومواقف ذات طقوس. قد يبدو الآخر بعيدا عن الأنا كل البعد بما لديه من خصوصيات في مختلف الميادين السياسيّة والثقافيّة والإجتماعيّة والدينيّة. فللأنا أحجام وألوان وأشكال وطيوب وأنغام وموائد وطموحات وآمال وميول ومخاوف تختلف عن تلك التي تتجلّى لدى الآخر. هكذا يبدو الآخر بعيدا عن الأنا، مغايرا له، شكلا ومضمونا. وقد يتوارى الآخر خلف ستائر عديدة مختلفة سميكة. فعلى الأنا ألاّ ينخدع لمغاويه ومغرياته وروامجه. وقد تمرّ بالآخر ظروف تجعله يلوذ إلى المغاوي والمغريات والروامج حتى يتلبّس الأنا ليأخذ منه أو يعطيه فيكون إلتصاق هذا بذاك وتستقيم المعادلة 1+1=1 : ومعنى ذلك أنّ الأنا في الآخر والآخر في الأنا وتبقى القضية تفاوت في النّسب : فقد يطفو الآخر و قد يطفو الأنا. إنّها جدلية بينهما، بل تراهما يتناضحان حتى يصبح الإثنان واحدا.

فعلى هذا الأساس، وفي ضوء تلك المعاينة، نقف على مظروف مقولة الشاعر الفرنسي رمبو Rimbeau أنا الآخر Je est l'autre . فلا وجود للأنا في انعدام الآخر. بل الأنا هو الآخر في كينونة موصلة متواصلة بما في ذلك من معاني المواصلة والتواصل. فيحق للأنا أن يقول كينونتي في كينونة الآخر. وللأنا أن يقول أيضا : للآخر وجود، إذا أنا موجود : ومعنى ذلك أن لا وجود للأنا إلاّ بوجود الآخر، أيّا كان ومهما كان وحيث ما كان.
فوجود الأنا مرتبط بوجود الآخر بل قل مشروط بوجوده. فالآخر من سدى الأنا ولحمته. فلن يكون الأنا إلاّ إذا وعى الآخر واستوعبه فهو من سدى شخصيتي ولحمتها. ومصيري مرتبط بمصيره ولا بقاء لي إلاّ ببقائه.

سوّي الإنسان من طين ممزوج بدم إلهي. هكذا تصوّرته أساطير الأولين، من الوركاء إلى بابل ومن أكّاد إلى نينوى كلتاهما عظيمة أينع فيها الحرف، وانبرى القانون عدالة تحمي الإنسان من شر الإنسان. وكانت رحلة إبراهيم من أور إلى كنعان ومصر : فلقد أتى إبراهيم إلى ربوع كنعان يتكئ على عكّازه وفي جرابه مكاسب الأمم الرّافدية، فبذرها في حقول كنعان فكانت الآخر للأنا الكنعاني.

ومن الأنا الكنعاني تسرّبت فسائل وأشجارًا وزهورًا وثمارًا إلى دنيا الإغريق في جفنة قدموس Cadmos وهو وما في جفنته الآخر بالنسبة للأنا الإغريقي. فهل كان للحضارة الإغريقية أن تكون كما ورثناها إن لم يكن من حظّ الأنا الإغريقي وجود هذا الآخر الرّافدي الكنعاني المصري؟ فرحلة قدموس، من مشارق الشمس إلى مغاربها، مواصلة وتواصل لرحلة إبراهيم ذاك الذي إنطلق من أور متّجها نحو بئر سبع في صحراء النقب فكانت المسيرة من الشرق إلى الغرب. فإبراهيم وقدموس كلاهما يجسّد الآخر بالنسبة لللأنا الإغريقي الغربي الأوربي.
ما إنفكت القارّة الأوربيّة تسبّح باسم تلك الفتاة الجميلة الوديعة التي بها فرّ الإله زيوس الإغريقي بحرا، من صور متجها نحو الغرب، وقد تسر بل زي ثور له من قوة العضلات وجمال الملامح ما يغري ويَشُدُّ. ولمّا أدرك بلاد الإغريق تزوّج الثور الإغريقي جمال أوربا الكنعانية فكانت معجزة إغريقيّة مازالت الألسن في الغرب تذكرها، ناسية متناسية أنّها ما كانت لتكون لو لم يحسن الأنا الإغريقي الإرتشاف من رحيق الآخر الكنعاني وهو الذي سبق أن سقته مياه الآخر ذي المنشإ الرافدي المصري وفي ذلك الآخر ما نعلم وما لا نعلم ولن نعلم.

فإذا نظرت في إحدى روائع الفنّ الإغريقي، أو في إحدى الأوابد السبع، لن تجد الأنا الإغريقي ولن تجد الأنا المصري ما لم تستطع معاينة الآخر في كليهما، مفردا كان أو جمعا. لقد أبدع فدياس Phidias تمثالا للرّبة أثينا من ذهب وعاج، وقد كان ذلك في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح : وهو ممّا أمر به بيركلاس Périclès. ولئن كان فدياس قادرا على إبداع تلك الرّوعة، فلأنه كان مشبعا بالآخر. فيحق لفدياس الإغريقي تبني مقولة الشاعر رمبو ليصرح بأعلى صوته أنا الآخر.

أمّا بالنسبة للحضارة العربيّة الإسلاميّة، فلئن كانت وانتشرت وأشعّت وأنجبت المدينة ثم دمشق فالقيروان فبغداد وقرطبة والزهراء واشبيلية وسمرقند واصفهان واستنبول والقاهرة وحواضر أخرى عديدة متشابهة مختلفة في الشرق والغرب، فذلك لأن العروبة بالإسلام أحسنت اللقاء مع الآخر بل تزوّجته أيّا كان ومهما كان وحيث ما كان. وارتشفت من رحيقه وهو إغريقي مسيحي يهودي فارسي منوي وهندي هندوكي. وكان صينيّا بوذيّا وكان من الأفارقة والرّوم والبربر. فما أروع الأنا عندما يفتح ذراعيه للآخر حبّا وتوقا للتناضح حتى الإنصهار والتوحّد فيصبح الجمع مفردا ويكون الآخر في الأنا والأنا في الآخر. هكذا نشأت الحضارة البشرية في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب : إنّها حوار موصول متواصل بين الشعوب على مرّ العصور وتعاقب الأجيال.

لا تتصادم الحضارات ولا تتناحر، بل تراها تسعى إلى تعارف وتعاون يفيد من كليهما الآخر والأنا. أفلم يتحوّل الفكر الإغريقي إلى الأرض التي تشرق فيها الشمس بحثا عن رحيق يغذّيه ويخصبه؟ بلى! أفلم يتحول الفكر العربي في سفينة الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها ليلتقي بالآخر مفيدا إياه مستفيدا منه؟ بلى ! لقد تجسّد حب اللقاء بالآخر في تلك الحلقات التي كانت، في بغداد، تجمع بين علماء من المسلمين والمسيحيين السريانيين واليهود لترجمة كنوز الحضارات الكونية إخصابا للفكر العربي الإسلامي بل قل إخصابا للفكر الإنساني.
وتواصل الحوار بين الحضارات في الشرق والغرب فكانت الأندلس وكان ابن رشد وموسى بن ميمون وآخرون كثيرون ممن حملوا فوانيس العلم والمعرفة في دار الإسلام وفتحوا لأرسطو أبواب أوربا وكانوا من ذاك الآخر الذي ساهم في إثراء الأنا الأوربي حضارة وديانة.
هكذا نتبين أن الأنا، أيا كان وأينما كان، هو الآخر أيضا وأنّ الآخر، أيا كان وأينما كان، هو الأنا أيضا : فكلاهما الأنا وكلاهما الآخر. فلا وجود للأنا بدون الآخر ولا وجود للآخر بدون الأنا. ولمّا كان ذلك كذلك، وجب على الأنا والآخر أن يكون كلاهما واع، كل الوعي، بالمصير المشترك الموحّد : فسلامة الأنا في سلامة الآخر، وازدهار الأنا في ازدهار الآخر. ذاك قدر الأنا وذاك قدر الآخر.

ففي تونس، ما إنفكّ الإعتراف بالآخر من تقاليد السلف والخلف، فلقد كانت قرطاج، وهي ملكة في المتوسط، تترك أبوابها مفتوحة على مصراعيها أمام قصّادها والذين يبغون الإقامة فيها، فآوت جاليات لوبية ومصرية وأترسكية وإغريقية وأخرى كثيرة وإن لم تذكرها النصوص المتوفّرة. وكان القرطاجيون لا يتعففون من الزواج المختلط بل يقبلون على مصاهرة المقيمين عندهم : فمن بين القادة العسكريين في جيش حنبعل ضابطان يشعران بالإنتماء إلى قرطاج دون ما تنكّر لجدّهما الإغريقي الأرومة علّه جاء إلى العاصمة البونية مهاجرا. ولمّا استطاب العيش فيها تزوّج قرطاجية أنجبت له طفلين ترعرعا في قرطاج وفيها تعلّما ثم انخرطا في سلك الجيش الحنبعلي وكان أحدهما يسمى أيْفيقيدسْ Epicide والثاني هبُّقراتسHippocrate .

وتجدر الإشارة أيضا إلى فيلسوف قرطاجي اسمه عزربعل وكان يسمّى في الأوساط الإغريقية اقليتوماكوس Clitomaqueوهو من أمّ قرطاجية لم يحتفظ التاريخ باسمها ومن أب إغريقي يسمّى ديوجنيتوس Diognétos ولعلّه من الجالية الإغريقية التي كانت تقيم بقرطاج وفيها تشتغل ، لاسيما وقد توفّرت لها ظروف إقامة طيّبة، تنعم بالسّلم والرّخاء وقد تمكّنت تلك الجالية من إنشاء مقدس تمارس فيه عبادة الإلهة ديمتره Déméterالسرقوسية. ولم تكن هذه الشعائر الإغريقية تزعج الإلهة القرطاجية تانيت بل كان إحترام متبادل بين الإلهتين. هذا مع العلم أنّ محفل الآلهة البونية يضمّ آلهة مصرية نذكر منهم أوسير Osiris وإيس Isisورع Râa . وممّا يثبت قبول هؤلاء الآلهة المصرية وجود أسمائهم في أسماء القرطاجيين والقرطاجيات : فكثيرون من كانوا يتسمّون عبد إيس أو عبدرع وهو ما يثبت أنّ القرطاجيين لم يقبلوا على ترجمة أسماء الآلهة الذين يدخلون ديارهم. فالإلهة إيس المصرية تحافظ على إسمها في قرطاج. ولئن أشرت إلى هذه الظاهرة، فذلك لأنّ الإغريق لا يعترفون إلاّ بقوالب لسانهم ومقاييسه، حتّى أنّهم إذا تحدثوا عن تانيت أو عشترت رأيتهم يذكرون هذه أو تلك مستعملين إسما إغريقيا يعتبرونه مناسبا. ففي النصوص الإغريقية لا تجد إسم تانيت لأنّه يحجب ويعوّض بإسم هيرة Héra . أمّا في النصوص اللاتينية فقد تتوارى تانيت خلف الإلهة يونوJuno . ولم تكن تلك المعادلات من باب الإعتباط بل لها أصول وقواعد ليس المجال هنا للخوض فيها.

وما دمت أتحدث عن قرطاج، أشير إلى تجربة خاصة : كنّا في شهر أوت من سنة 1992 ضمن ملتقى دولي يعنى بالتاريخ القديم والآثار وقد إلتأم بالوطن القبلي في مدينة بونية قرطاجية تقع بين قليبية والهوارية وتسمّى كركوان. ولما كنت أشرف ميدانيا على هذا الملتقى، تولّيت كشف الغطاء عن قبر نقر في الصخر من المدرج إلى الغرفة الجنائزية مرورا بمعبر ضيق طويل، وعند دخول الغرفة الجنائزيّة تبيّن أنّ الضّريح يأوي رفات شخصين دفن أولهما كالجنين، وهي طريقة إقبار شائعة في الأوساط اللّوبية عيانها علماء الآثار في شمال إفريقيا منذ أقدم العصور القديمة. أمّا الآخر، فثبت أنّها امرأة وذلك على أساس الظّهرة الجنائزية ومنها مرءاتان من برونز، والجدير بالذكر أيضا أنّها أقبرت ترميدًا وجمعت عظامها المحروقة في تابوت من الحجر الجيري.

ففي هذه الغرفة الجنائزية تواجد نوعان من طرق الإقبار : الدفن على هيأة الجنين والترميد، وإستنادا إلى معطيات مادية ثابتة أمكن إستخلاص النتائج التالية :
يعود هذا القبر القرطاجي البوني إلى ما بين القرن الرابع والقرن الثالث قبل ميلاد المسيح.
تأوي الغرفة الجنائزية رفات رجل أصوله إفريقية وقد يكون من أرومة محليّة. وإلى جانبه رفات زوجته المرمّدة.

تواجد طريقتي إقبار مختلفتين في نفس الغرفة الجنائزية وهو ما يجعلنا نفترض أنّ الرجل الإفريقي تزوّج من امرأة أجنبية قد تكون إغريقية أو أترسكية مع العلم أنّ الإغريق والأترسكيين كانوا يرمّدون أمواتهم في غالب الأحيان.

تمكّنت المرأة من الحفاظ على هويتها الدينية ولم ير أهلها حرجا من ترميدها وإقبار عظامها المحروقة في نفس الغرفة الجنائزية التي آوت رفات زوجها الإفريقي.
كان الزوجان على مستوى من الحب والوئام جعلهما يتقاسمان بيت الحياة وغرفة المماة دون أن يفرّطا في الهوية الثقافية ولا في العقيدة والطقوس. فهو الحب والإعتراف بالخصوصية. إنّها روعة حضارية.

هكذا كان المجتمع القرطاجي البوني متفتّحا لا يعرف التعصّب ولا يعمل على إقصاء الآخر بل يفتح ذراعيه استعدادا لمعانقته دون أن يتنافى ذلك مع المنافسة الشريفة والمزاحمة في كل ما يتعلق بشؤون المادّة من صناعة وتجارة وتوسيع مناطق النفوذ. وأيّا كان الأمر، فالقرطاجيون يعترفون بالآخر.

ولمّا أشعّت الرّومنة بعد عنف الحروب وضراوتها، توفرت لروما وقرطاج ظروف سلم ووئام، تلك التي ترنّم بها الشاعر اللاتيني ورجليوس Virgile تمجيدا للإمبراطور أوجستوس Auguste ومآثره. على أن الأفريقيين، يعتبرون قصيدة أنّيوس Enée أهزوجة تراقص أفريقة وتعانقها وترفع ذكرها. لقد ترومن الأفريقيون، ولا أدلّ على ذلك من مشاهدة المواقع والمعالم وهي عديدة في مختلف أقطار المغرب الكبير. وفضلا عن المعالم والمواقع مثل دقّة Dougga وتاوسدرة Thysdrus وجميلة Cuicul بالجزائر وليلى Volubilis بالمغرب الأقصى وسبراطة ولبدى Lepcis بليبيا، لا بّد من ملاقاة الرجال وقراءة مآثرهم، سياسية كانت أو عسكرية، ولآخرين مآثر أدبية روحية أو فلسفية وفنية : فهذا أبوليوس المداورشي وذاك افرونتون الكرتي و آخر يدعى كلوديوس ألبينوس الهدرمي، فنحن مدينون لبول مونسو Monceau Paul بكتاب أفرده إلى أدباء وشعراء وفلاسفة من أبناء أفريقة الذين أبدعوا باللّغة اللاتينية، ثم لا بدّ من إشارة إلى سبتميوس سيويروس وهو من عظماء الأباطرة وينتمي

إلى لبدى الكبرى بليبيا وذكر له التاريخ أنّ في أسرته من كان لا يحسن اللغة اللاتينية .
إنّ حَصْريّة الأديان الوحدانية، كالمسيحيّة في أفريقة، أنجبت علاقات عدائية بين بعض الفئات الاجتماعية أربكت النظام السياسي القائم وقتئذ، فكان على ذلك النظام أن يرفع التّحدّي ويفرض كيانه ممّا دفعه إلى اضطهاد المناوئين الرّافضين لشعائره وطقوسه. على أنها ليست حربا دينية. فلم تكن السّلطات السياسية مناهضة للمسيحية باعتبارها ديانة، بل تصدّت لها خوفا من حصريّتها ومن رفضها للنظام الإمبراطوري القائم على تأليه السلطان وعبادته. فلقد ثبت أنّ في الدّعوة الدينية خطر على المجتمع بات ينخر أسسه وتفاقم الاضطهاد وغلُظ حتى أصبح الجلاّد، خياليا كان أو متوقّعا، إلى ضحية حقيقية.

فالمسيحيون الذين رفضوا عبادة الإمبراطور كانوا يلقون للضواري إبّان عروض الملاعب المدرّجة وإذا بترتوليانوس Tertullien يتصدّى رافعا صوته يقول : "إنّه حقّ إنساني وحقّ طبيعي أن يعبد كل امرئ ما يشاء. فدين شخص لا يضر ولا يفيد الآخرين. وليس لأي دين أن يسيطر على دين آخر". ورد هذا التصريح المثير في رسالة توجّه بها ترتوليانوس القرطاجي إلى اسقًفُولة، حاكم أفريقة البروقنصولية فيما بين سنتي 211 و213 ميلاديا. وما دمنا مع هذا الكاتب الأفريقي ترتوليانوس الذي عرف بدفاعه عن ديانة المسيح، نعرض نصا ثان اقتبسناه من إحدى مصنّفاته الشهيرة المخصوصة للمرافعة عن المسيحية والتّنويه بها . فلنستمع إليه يقول : "فحذاري أن تكون جريمة المروق في حرمان الناس من حرية الديانة ومنعهم من اختيار معبودهم. ومعنى ذلك ألا تمكنني من إجلال من أريد إجلاله لتجبرني على إجلال من لا أريد إجلاله ... فلكلّ إقليم إلهه بل لكل مدينة إلهها. فنحن الوحيدون الذين يحرمون من حق دين مخصوص لنا. إننا للرّومان شرّا لسنا من الرّومان ما دمنا لا نعبد إلها رومانيّا." (مرافعات : 24، 6-10)

فبالحرف والكلمة كان ترتوليانوس يطالب بحريّة الضمير. ومهما كانت مواقف الكنيسة حياله، فيحق لقرطاج الأفريقية الرّومانيّة أن تفخر بنجل تولّى الدفاع عن حريّة الضمير في بداية القرن الثالث بعد الميلاد ونادى بحق الإنسان في اختيار دينه بكل حريّة.
و بعد الملحمة المسيحيّة وروائعها العديدة، تلقّت بلادنا رسالة الإسلام ونشأت القيروان، أولى عواصم المغرب الكبير. ولئن كانت مسلمة، فأبت القيروان إلاّ أن تترك أبوابها مفتوحة في وجه طوائف أخرى تنتسب إلى إبراهيم، تلك الشخصية التي يتخذها الدين رمزا ويتجادل حول تاريخها المؤرّخون، أمثال إسرائيل فينكلشتاين Israël Finkelstein مدير معهد الآثار بتل أبيب.

وأيّا كان الأمر، فلنعد إلى القيروان : ففي القرن التّاسع الميلادي، كان اسحاق بن سليمان اليهودي يشرف على العلوم الطبيّة درسا وتدريسا و ممارسة، ومن أعزّ التّلاميذ عنده إذ ذاك، شابّ مسلم يدعى أبو جعفر بن الجزّار. فلقد كان المجتمع الإسلامي بالقيروان يعترف بالآخر، يحترمه ويقدّره حق قدره : فلا إقصاء ولا غبط. أفلا يوصي الإسلام بعدم المحاباة ؟!
ومادامت القيروان ترفل وقتئذ في أجمل حلل الأخلاق والقيم، فكيف لا نشير إلى حضور طائفة مسيحية كانت تقيم بها، أيام الفاطميين، في أمن وطمأنينة. لقد تمّ تشخيص بصماتها أنصابا جنائزية، إحداها تعود إلى سنة 397 هجريا، وقد نصّت النقيشة اللاتينية إلى ذلك التاريخ الهجري بقولها "سنة الكفّار" فجاءت العبارة اللاتينية Annorum infidelium CCCXCVII .

ومهما يكن من أمر، فلقد أنجبت تونس، من عصر إلى عصر، نخبا متفتحة مهيأة لقبول الآخر بخصوصيّاته : فيكفيك أن تسأل ملامح المجتمع وتعود إلى أرشيف البلاد. إنّ تونس في قلب المتوسّط ولم تغلق أبدا أبوابها في وجه الهجرة منها وإليها وهو ما يثبته تاريخ بلدان المتوسّط جميعها. فما إنفكت نخبها تتولّى الرّيادة في تكريس القيم الإنسانية كالحريّة وحقوق الإنسان ومشروعية الإختلاف وقبول الآخر بخصوصياته. والملاحظ أنّ مفهوم التسامح يكاد لا يغيب من خطب رئيس الجمهورية التونسية زين العابدين بن علي.
أصحاب المعالي والسعادة، أيها الزملاء، سيداتي سادتي، اسمحوا لي أن أقرأ لكم هذه الفقرة من خطاب ألقاه فخامة الرئيس زين العابدين بن علي إفتتاحا للندوة المتوسطية حول بيداغوجيا التسامح في 21 أفريل 1995.

" إنّ العالم في هذه المرحلة من التحوّلات على جميع الأصعدة في حاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى ترسيخ قيمة التّسامح لمجابهة الأنانية والنّزعة نحو التحجّر في كل المجالات الثقافية والإجتماعية والإقتصادية وإحلال الإطمئنان محل الخوف والتضامن بدل الإقصاء والتهميش في المجتمعات المتقدمة وفي غيرها على حدّ السّواء. فالتّسامح قيمة محورية في العمران المدني وإليها ترجع كل قيم حقوق الإنسان وعليها انبنت الدعوة إلى الخير في كل الديانات والأخلاق في جل الفلسفات. لذلك كانت نظرتنا إلى هذه القيمة في بلادنا نظرة شمولية فأقمنا خياراتنا الحضارية والسّياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية على مفاهيم تنبع كلها من التسامح. فالتسامح من جوهر ديننا الإسلامي الحنيف وفي صلب تقاليدنا الإجتماعية، وهو تاج الفضائل وميزة تاريخ تونس الذي يشكل مثالا لإنصهار التنوع في نفس البنية الحضارية ".

وبعد إذنكم، أذكّر أنّ التسامح من القيم الإنسانية التي تضمّنها الفصل الخامس من دستور الدولة التونسية وهو كالتالي :
" تضمن الجمهورية التونسية الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها.
تقوم الجمهورية التونسية على مبادئ دولة القانون والتعددية وتعمل من أجل كرامة الإنسان وتنمية شخصيته.
تعمل الدولة والمجتمع على ترسيخ قيم التضامن والتآزر والتّسامح بين الأفراد والفئات والأجيال."

هذا وقد أمر سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بإحداث كرسي جامعي لحوار الحضارات والأديان ليكون جسرا متينا دائما يصل بين الأنا والآخر ويعتني بالمعرفة وبالإعتراف المتبادل. فعلينا أن نعمل معا لتكريس قيم الأخوة والتضامن وسعادة البشرية بعيدا عن الإقصاء والتهميش مع نبذ العنف ومقاومة الأنانية فلنقتنع ونقنع أنّ الأنا هو الآخر والآخر هو الأنا ويبقى للسّياسيين تفعيل هذه القناعة حتى تكون تضامنا بين الشعوب وتتحول إلى مشاريع تساعد الإنسان على إدراك اليناعة فوق الأرض في سلم وأمن واستقرار وحرية وثقة حيث ما كان ومهما كانت خصوصياته العرقية واللغوية والعقائدية وغيرها. إنّ الكتابات المقدسة وفلسفات مختلف العصور تشيد بهذه القيم المرجعية، فالواجب يفرض علينا العمل بها ورفع ذكرها لنكون جديرين بالوجود فاعلين .

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org